أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رانية مرجية - ما بين الطيبة والسذاجة: هندسة الوعي وحدود القلب














المزيد.....

ما بين الطيبة والسذاجة: هندسة الوعي وحدود القلب


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8657 - 2026 / 3 / 25 - 01:18
المحور: قضايا ثقافية
    


ليست المسافة بين الطيبة والسذاجة خطًا رفيعًا كما يُشاع، بل خللًا دقيقًا في ميزان الوعي؛ انحرافًا غير مرئي، لكنه كفيل بأن يُحوّل الفضيلة إلى قابلية للاستنزاف، والقلب المفتوح إلى مساحةٍ مستباحة.

الطيبة، في تعريفها الأكثر دقة، ليست انفعالًا عاطفيًا، بل موقفًا معرفيًا. إنها اختيار يُتخذ بعد الفهم، لا قبله. الطيب ليس من لم يختبر القسوة، بل من اقترب منها بما يكفي ليدرك بنيتها، ثم رفض—بنوع من السيادة الداخلية—أن يعيد إنتاجها. بهذا المعنى، الطيبة ليست براءة، بل انضباط أخلاقي؛ ليست لينًا، بل شكلٌ راقٍ من القوة التي لا تحتاج أن تُعلن نفسها.

أما السذاجة، فلا تكمن في صفاء القلب، بل في فقر القراءة. الساذج لا يُخطئ لأنه يحب، بل لأنه لا يرى. يتعامل مع العالم كنص مباشر، بينما هو—في حقيقته—نص متعدد الطبقات، مليء بالإيحاءات والانقطاعات والمناطق الرمادية. ومن هنا، فالسذاجة ليست فضيلة ناقصة، بل وعيًا غير مكتمل، يثق بما يُعرض له دون أن يسائل ما يُخفى عنه.

الإشكالية أن الطيبة والسذاجة تتشابهان في السلوك، وتختلفان في البنية. كلاهما يمنح، يسامح، ويُحسن الظن. لكن الطيب يفعل ذلك وهو يحتفظ بحقه في التراجع، بينما الساذج يفعل ذلك لأنه لا يعرف أنه يملك هذا الحق أصلًا. الطيب يفتح يده مدركًا ما قد يفقده، أما الساذج فلا يرى الخسارة إلا بعد وقوعها.

نفسيًا، الطيبة الناضجة تنبع من اكتفاء، بينما السذاجة غالبًا ما تنبع من احتياج. الأول يعطي لأنه قادر على ألا يعطي، والثاني يعطي لأنه لا يحتمل فكرة الرفض أو الانفصال. وهنا يكمن الفارق الأعمق: الطيبة تعبير عن امتلاء، أما السذاجة فغالبًا ما تكون محاولة لتعويض نقص غير معترف به.

غير أن العالم—وهنا المفارقة—نادراً ما يُحسن هذا التمييز. في بيئات تُجيد استثمار الضعف، يُعاد تأويل الطيبة بوصفها قابلية للاستغلال، ويُعاد تعريف الحذر بوصفه قسوة. وهكذا، يجد الإنسان نفسه أمام خيارٍ زائف: إما أن يحتفظ بقلبه ويخسر موقعه، أو يحمي نفسه ويفقد شيئًا من إنسانيته.

غير أن هذا الخيار، في جوهره، مضلل.

فالطيبة التي تُقصي صاحبها ليست فضيلة، بل استنزاف مُقنّع. واللطف الذي لا يعرف حدوده لا يُنتج علاقات، بل يُنتج اختلالًا. إن أكثر أشكال الطيبة نضجًا ليست تلك التي تُعطي بلا حساب، بل تلك التي تُحسن التقدير. ليست التي تتسامح دائمًا، بل التي تعرف متى يكون التسامح وعيًا، ومتى يكون إنكارًا للضرر.

الوعي هنا لا يُلغي القلب، بل يُعيد تنظيمه.

فأن تكون طيبًا لا يعني أن تكون متاحًا، وأن تثق لا يعني أن تُعطّل شكّك، وأن تُحب لا يعني أن تُعلّق ذاتك على الآخرين. الطيبة، في صورتها الأعمق، ليست انفتاحًا مطلقًا، بل انفتاحٌ مُدار؛ ليست عطاءً مستمرًا، بل اختيارٌ متجدد لمن يستحق.

ولا يُكتسب هذا التوازن نظريًا. إنه يُبنى عبر خيباتٍ دقيقة، لا تُعلن نفسها كصدمات كبرى، بل كتشققات صغيرة في صورة العالم. كل خذلان يُعيد ضبط الحواس، كل خيبة تُضيف طبقة من الفهم، إلى أن يصل الإنسان إلى تلك المرحلة الحرجة: حيث لا يعود قادرًا على السذاجة، لكنه لم يفقد قدرته على الطيبة.

هناك فقط، تتشكل الحكمة.

ليست الحكمة أن تُغلق قلبك كي لا تُؤذى، فذلك شكل آخر من الهزيمة. وليست أن تُبقيه مفتوحًا بلا وعي، فذلك شكل مؤجل من الألم. الحكمة أن تُبقيه مفتوحًا بقدرٍ يكفي ليبقى حيًا، ومحصّنًا بقدرٍ يكفي ليبقى لك.

في النهاية، لا يكمن السؤال في: هل نحن طيبون أم سذّج؟
بل في: هل نملك من الوعي ما يكفي لنحمي طيبتنا من أن تتحول إلى الطريقة الأكثر أناقة لإيذاء أنفسنا؟

لأن الطيبة، حين تُترك بلا وعي…
لا تُنقذ أحدًا—حتى صاحبها.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في حضرة الخوف: كيف تتعلم الروح أن ترجُو
- توجيه المجموعات بين الإنصات، المسؤولية، الوعي، والإنصاف
- جوع لا يُشبعه الخبز حين تتضور الأرواح عطشًا للحب والتقدير
- الموت الفجائي: الرسالة التي لم تُقرأ
- صافرة الإنذار… حين تعرّي الإنسان قراءة وجدانية في قصة «ملاجئ ...
- حين تقاوم الطفولة الحرب
- حين يبقى الإنسان تلميذاً للحياة
- الدقيقة التي لم تُعَش
- ليست الحدود في العلاقات قسوة… بل شكلٌ ناضج من أشكال المحبة.
- أن نختلف دون أن نلغي: في إنصاف عزمي بشارة
- الجسد والمدينة في شعر ليليان بشارة منصور حين تتحوّل الطبيعة ...
- قراءة نقدية في قصة «قليل من القسوة لنحمي أنفسنا» للروائية دي ...
- عقل الجريمة بين الإنسان والقانون قراءة في مقال: “عقلية المجر ...
- الكرة التي انتظرت
- وليد الخالدي… حارس الذاكرة الفلسطينية: مرثية - ************* ...
- مرثية الشاعرة رانية مرجية في وداع المؤرخ الفلسطيني وليد الخا ...
- لطيفة الدليمي… حين يغيب عقلٌ كان يضيء العتمة
- المرأة الفلسطينية… حارسة الذاكرة وصانعة الحياة
- لا تخف: الكلمة التي يحتاجها عالم يعيش على الخوف
- الهوية العاشقة: قراءة فلسفية في نشيد الإنشاد


المزيد.....




- واشنطن تستعد لإرسال آلاف الجنود من الفرقة 82 إلى الشرق الأوس ...
- في إيران.. من يحاربون هم من يديرون المفاوضات
- العراق يعتقل 4 أشخاص بتهمة إطلاق صواريخ على قاعدة سورية
- واشنطن تعزز قواتها.. سيناريوهات خطيرة ونُذر -مستنقع- للأمريك ...
- ممثل خامنئي للجنود الأمريكيين: اقتربوا
- -بعيداً عن ويتكوف وكوشنر-.. مصدران لـCNN: إيران أبلغت إدارة ...
- عاجل | واشنطن بوست عن مسؤولين أمريكيين: الرئيس ترمب يرفض است ...
- ما شروط أمريكا وإيران لوقف الحرب؟
- ضربات المسيّرات الإيرانية تدفع قبرص لطلب اتفاق جديد مع بريطا ...
- الشيوخ الأميركي يرفض تقييد صلاحيات ترامب في الحرب على إيران ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رانية مرجية - ما بين الطيبة والسذاجة: هندسة الوعي وحدود القلب