أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رانية مرجية - “الحساسية المفرطة: مأزق الوعي حين يرى الإنسان أكثر مما ينبغي”














المزيد.....

“الحساسية المفرطة: مأزق الوعي حين يرى الإنسان أكثر مما ينبغي”


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8663 - 2026 / 3 / 31 - 03:00
المحور: قضايا ثقافية
    


ليست الحساسية المفرطة خللًا نفسيًا عابرًا، ولا مجرد رهافة شعور يُساء تقديرها، بل هي بنية إدراكية معقدة، نمط وجود يجعل الإنسان في تماس دائم مع ما هو غير مرئي، وغير مُقال، وغير مُحتمل. إنها ليست زيادة في الإحساس بقدر ما هي انكشاف مفرط على المعنى، كأن الروح قد نُزعت عنها طبقة الحماية، وأُجبرت على مواجهة العالم عارية من التبلد الضروري للحياة.

صاحب الحساسية المفرطة لا يعيش الحدث كما يقع، بل كما يتشظّى داخله.

لا يسمع الكلمات، بل يصطدم بما يتوارى خلفها من نبرة وخلفية وظل.

لا يرى الأفعال، بل يقرأ احتمالاتها، وسياقاتها، وانكساراتها الخفية، حتى يصبح الواقع لديه شبكة من الدلالات لا مجرد وقائع.

وهنا تبدأ المعضلة الوجودية:

أن تمتلك وعيًا يتجاوز ما يحتمله العالم من تعقيد، وأن تُجبر على العيش في واقع يُكافئ البساطة ويعاقب العمق، فيُطلب منك أن ترى أقل، وتشعر أقل، وتفهم أقل… كي تنجو.

الحساسية المفرطة ليست ضعفًا… بل شكل متقدم من الإدراك،

لكنها أيضًا شكل متقدم من المعاناة، لأن من يرى أكثر، يُطالب ضمنيًا بأن يحتمل أكثر.

هي أن تُدرك الخلل في علاقة يراها الجميع متماسكة،

وأن تشعر بالبرود في كلمة تبدو للآخرين عادية،

وأن تلتقط التردد في صمتٍ يمرّ على غيرك دون أثر،

وأن تُثقل بتفاصيل لا يعترف بها أحد، لكنها بالنسبة لك حقائق لا يمكن تجاهلها.

في الحياة اليومية، لا تظهر الحساسية المفرطة في المواقف الكبرى، بل في تلك التفاصيل التي لا تُسجَّل ولا تُناقش:

إنسان يعتذر بإفراط، لا لأنه أخطأ، بل لأنه التقط توترًا خفيًا لم يُعلن.

موظف يعود إلى منزله مثقلًا بجملة عابرة، يقضي ساعات يفككها، لا لشيء إلا لأنه شعر أن وراءها ما لم يُقل.

امرأة تُرهقها محاولات فهم الصمت أكثر مما تُرهقها المواجهة، لأن الصمت بالنسبة لها ليس فراغًا، بل امتلاء مُبهم.

صديق يلتقط تغيرًا طفيفًا في نبرة الصوت، فيبني عليه احتمالات كاملة من القلق لا يراها أحد سواه.

ابنٌ يشعر بثقل مزاج والده من طريقة إغلاق الباب، لا من كلماته، فيعيش يومه على وقع ما لم يُقال.

كاتبة تعجز عن إنهاء نص، لأن جملة واحدة بدت لها غير صادقة، فتدخل في صراع طويل مع ذاتها حول “دقة الشعور” قبل دقة التعبير.

هذه ليست مبالغة…

بل استقبال مفرط للمعنى في عالم شحيح الوضوح.

لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في الحساسية ذاتها، بل في غياب الحدود.

حين تتحول النفس إلى مرآة تعكس كل شيء دون تصفية، يصبح الإنسان مستنزفًا، هشًا أمام أدق الاحتكاكات، كمن يعيش بلا جلد نفسي، يتلقى كل شيء وكأنه طعنة صغيرة متكررة.

وهنا، لا يكون النضج في إخماد هذا الإحساس، بل في تنظيمه.

لا في أن نشعر أقل، بل في أن نفهم أكثر.

أن نعيد ترتيب العلاقة بين ما ندركه وما نُصدّقه، بين الحدس والحقيقة، بين الإحساس والتأويل.

أن نتعلم التمييز بين ما هو واقع، وما هو تفسير داخلي.

بين ما قيل فعلًا، وما أضافه وعينا عليه.

بين حدسٍ دقيق… وخوفٍ متنكّر في هيئة بصيرة.

التحول يبدأ من سؤال بسيط، لكنه حاسم ومؤلم:

“هل ما أشعر به حقيقة… أم مجرد احتمال أضفيتُ عليه يقينًا؟”

حينها فقط، تبدأ الحساسية بالتحول من فوضى إلى أداة:

من ألمٍ مع كل نقد، إلى وعي يفرّق بين النقد الحقيقي وإسقاطات الآخرين.

من ذوبان في مشاعر الغير، إلى تعاطفٍ ناضج لا يلغي الذات.

من تحليلٍ لا ينتهي، إلى إدراك يعرف متى يتوقف حفاظًا على سلامه.

من بحث دائم عن المعنى، إلى قبول أن بعض الأشياء بلا معنى واضح… ولا تحتاج تفسيرًا.

لكن، رغم كل هذا، تبقى الحقيقة الأكثر قسوة:

أن الحساسية المفرطة لا تُتعب صاحبها فقط…

بل تضعه في عزلة صامتة.

لأن من يرى بعمق، غالبًا ما يشعر بوحدة لا تُفسَّر،

ومن يشعر بكثافة، يجد نفسه غريبًا في عالم يكتفي بالحد الأدنى من الشعور.

ليس لأن الآخرين أقل،

بل لأنهم ببساطة… مختلفون في طريقة العيش.

وهنا، يصل الإنسان إلى مفترق فلسفي حاد:

هل يخفف من عمقه ليشبه العالم؟

أم يتمسك به، ويتحمل كلفته الوجودية؟

ربما لا يكون الجواب في هذا أو ذاك،

بل في خلق مساحة ثالثة:

أن نعيش بعمق… لكن بوعي،

أن نشعر بكثافة… لكن بحدود،

أن نفهم كثيرًا… دون أن نحمل كل ما نفهمه.

وربما الحساسية المفرطة ليست مشكلة تحتاج إلى حل،

بل طاقة تحتاج إلى انضباط،

وبصيرة تحتاج إلى تدريب،

وشجاعة تحتاج إلى صبر طويل.

لكن الحقيقة الأكثر إرباكًا تبقى في النهاية:

أن الحساسية المفرطة لا تكشف العالم كما هو فقط…

بل تكشفنا نحن كما نحن، دون أقنعة، دون تخفيف، دون أوهام.

وقد يكون هذا اثقل ما فيها…
وأصدق ما فيها في الوقت ذات



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 30 آذار: الأرض بوصفها ما لا يُقال إلا بالعيش
- 30 آذار: الأرض حين ترفض أن تتحول إلى ذكرى
- عاش المسرح … حيث يولد الإنسان من رماده كل يوم وكل دقيقة وأنت ...
- أحمد قعبور — مرثيّة على حافة الصوت
- على حافة الطمأنينة… تبدأ الثورة
- لا شرف في الدم: لماذا تُقتل النساء؟
- ما بين الطيبة والسذاجة: هندسة الوعي وحدود القلب
- في حضرة الخوف: كيف تتعلم الروح أن ترجُو
- توجيه المجموعات بين الإنصات، المسؤولية، الوعي، والإنصاف
- جوع لا يُشبعه الخبز حين تتضور الأرواح عطشًا للحب والتقدير
- الموت الفجائي: الرسالة التي لم تُقرأ
- صافرة الإنذار… حين تعرّي الإنسان قراءة وجدانية في قصة «ملاجئ ...
- حين تقاوم الطفولة الحرب
- حين يبقى الإنسان تلميذاً للحياة
- الدقيقة التي لم تُعَش
- ليست الحدود في العلاقات قسوة… بل شكلٌ ناضج من أشكال المحبة.
- أن نختلف دون أن نلغي: في إنصاف عزمي بشارة
- الجسد والمدينة في شعر ليليان بشارة منصور حين تتحوّل الطبيعة ...
- قراءة نقدية في قصة «قليل من القسوة لنحمي أنفسنا» للروائية دي ...
- عقل الجريمة بين الإنسان والقانون قراءة في مقال: “عقلية المجر ...


المزيد.....




- دبي: لا تسريب نفطي جرّاء استهداف ناقلة كويتية قرب الإمارة
- الهند تعلن القضاء نهائيا على التمرد الماوي -النكساليت- بعد ع ...
- خيار محفوف بالمخاطر.. ماذا يعني غزو أميركا لإيران بريا؟
- إسرائيل تعلن مقتل 4 من جنودها في لبنان
- استهداف ناقلة نفط كويتية قرب دبي بطائرة مسيّرة إيرانية
- الجيش الإسرائيلي يعلن مقتل 4 جنود في معارك مع حزب الله جنوبي ...
- وليم هيغ: حماقة ترمب في إيران قد تتحول إلى خطأ إستراتيجي لا ...
- الشرع يصل إلى لندن ضمن جولة أوروبية
- انفجارات تهز طهران.. واعتراض صواريخ في سماء القدس
- مقال بمجلة فورين أفيرز: ماذا تعني حرب إيران بالنسبة للصين؟


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رانية مرجية - “الحساسية المفرطة: مأزق الوعي حين يرى الإنسان أكثر مما ينبغي”