أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رانية مرجية - 30 آذار: الأرض حين ترفض أن تتحول إلى ذكرى














المزيد.....

30 آذار: الأرض حين ترفض أن تتحول إلى ذكرى


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8660 - 2026 / 3 / 28 - 16:29
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليس من الدقة أن نضع يوم الأرض في خانة “الذكريات”. الذكرى تفترض أن الحدث انتهى، وأن ما تبقى منه هو أثرٌ يُستعاد. لكن 30 آذار يقاوم هذا المصير؛ إنه لا يُستعاد لأنه لم يغادر الحاضر أصلاً. ما حدث في 1976 لم يُغلق كصفحة، بل ظل مفتوحاً كجرحٍ يتغيّر شكله، لا عمقه.

في ذلك اليوم، لم يكن الفلسطيني يحتج فقط على مصادرة أرض، بل كان يواجه فكرة كاملة: أن المكان يمكن أن يُعاد تعريفه من دون أهله، وأن الجغرافيا يمكن أن تتحول إلى قرار إداري. لذلك، فإن ما انفجر في الجليل لم يكن غضباً عابراً، بل لحظة انكشاف—انكشاف أن الصراع لم يكن يوماً على قطعة أرض، بل على معنى الأرض نفسه.

منذ تلك اللحظة، لم تعد الأرض قابلة لأن تُفهم بوصفها ملكية. الملكية تُنقل، تُباع، تُشترى. أما الأرض، في التجربة الفلسطينية، فهي ما لا يُنقل: هي الذاكرة حين تتجسد، واللغة حين تتخذ شكل تضاريس، والزمن حين يصبح قابلاً للمسّ. ولهذا، فإن مصادرتها ليست خسارة عقارية، بل عملية اقتلاع متعددة الطبقات: اقتلاع للبيت، وللاسم، وللعلاقة التي تربط الإنسان بزمنه الخاص.

في صباحٍ عادي في قرية فلسطينية—ليس بالضرورة في 1976، بل في أي يوم—يخرج فلاح إلى أرضه. يعرف حدودها لا من الخرائط، بل من خطوات قدميه. يعرف الشجرة التي زرعها أبوه، وتلك التي مات قبل أن يراها تكبر. يعرف أين تتكسر التربة، وأين تختزن الماء، وأين تمر الريح في آخر النهار. هذه المعرفة ليست تقنية؛ إنها شكل من أشكال الانتماء. حين تُصادر هذه الأرض، لا يُنتزع الحقل فقط، بل يُنتزع هذا النوع من المعرفة—المعرفة التي لا تُكتب، بل تُعاش.

هنا تحديداً، يصبح يوم الأرض أكثر من حدث تاريخي. إنه لحظة وعي: اللحظة التي أدرك فيها الفلسطيني أن الدفاع عن الأرض ليس دفاعاً عن مورد، بل عن نفسه بوصفه كائناً مرتبطاً بمكان. ومنذ ذلك الوقت، لم يعد ممكناً الفصل بين “السياسي” و“اليومي”. كل بيت يُبنى أو يُهدم، كل طريق تُفتح أو تُغلق، كل شجرة تُزرع أو تُقتلع—كلها أفعال سياسية، حتى حين تبدو تفاصيل حياة عادية.

لكن ما يجعل هذا اليوم عصيّاً على التحول إلى طقس، هو أنه يكشف أكثر مما يرمز. إنه يكشف أن السيطرة على الأرض لم تعد دائماً فعلاً مباشراً. لم تعد المصادرة دائماً قراراً فجّاً؛ صارت نظاماً كاملاً من القوانين، والتخطيط، والتقييد، يجعل الوجود نفسه هشّاً. هكذا يتحول الاقتلاع من حدث صاخب إلى عملية بطيئة، من صدمة إلى استنزاف، من مواجهة إلى انتظار طويل.

ومع ذلك، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث ليوم الأرض هو أن يتحول إلى مناسبة مطمئنة. إلى خطاب محفوظ، أو إلى طقس سنوي تُعاد فيه الكلمات نفسها، وتُزرع الأشجار بوصفها رموزاً لا أفعالاً. حين يحدث ذلك، لا تُفقد الأرض فقط، بل يُفقد معناها أيضاً. لأن الأرض، في جوهرها، ليست ما نرثه، بل ما نُبقيه حيّاً.

هنا يصبح السؤال أكثر قسوة: ماذا يعني أن نتحدث عن الأرض، فيما تتآكل علاقتنا اليومية بها؟ ماذا يعني أن نرفعها إلى مستوى الرمز، فيما تُفقد على مستوى الحياة؟ هل يمكن للأرض أن تبقى قضية، إذا لم تبقَ مكاناً يُعاش فعلاً؟

ربما لهذا السبب، لا تكفي الذاكرة. الذاكرة، مهما كانت قوية، يمكن أن تتحول إلى ملاذ. أما الأرض، فلا تحتمل أن تكون ملاذاً فقط؛ إنها تتطلب أن تكون فعلاً. أن تُزرع، أن تُسكن، أن تُروى، أن تُعاد صياغة العلاقة معها خارج اللغة الجاهزة.

وفي هذا المعنى، فإن يوم الأرض ليس يوماً للوفاء للماضي، بل اختباراً للحاضر. اختبار لما إذا كانت الأرض ما زالت علاقة حيّة، أم أنها بدأت تتحول إلى فكرة جميلة. لأن أخطر أشكال الفقد ليس أن تُؤخذ الأرض، بل أن تبقى كاسم، بينما تُفقد كحياة.

30 آذار، إذن، ليس تاريخاً. إنه مرآة. وفي هذه المرآة، لا يرى الفلسطيني فقط ما خسره، بل ما يخاطر بأن يخسره إن اكتفى بالتذكر.

ليس السؤال من يملك الأرض،
بل: من بقي حيّاً فيها؟



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عاش المسرح … حيث يولد الإنسان من رماده كل يوم وكل دقيقة وأنت ...
- أحمد قعبور — مرثيّة على حافة الصوت
- على حافة الطمأنينة… تبدأ الثورة
- لا شرف في الدم: لماذا تُقتل النساء؟
- ما بين الطيبة والسذاجة: هندسة الوعي وحدود القلب
- في حضرة الخوف: كيف تتعلم الروح أن ترجُو
- توجيه المجموعات بين الإنصات، المسؤولية، الوعي، والإنصاف
- جوع لا يُشبعه الخبز حين تتضور الأرواح عطشًا للحب والتقدير
- الموت الفجائي: الرسالة التي لم تُقرأ
- صافرة الإنذار… حين تعرّي الإنسان قراءة وجدانية في قصة «ملاجئ ...
- حين تقاوم الطفولة الحرب
- حين يبقى الإنسان تلميذاً للحياة
- الدقيقة التي لم تُعَش
- ليست الحدود في العلاقات قسوة… بل شكلٌ ناضج من أشكال المحبة.
- أن نختلف دون أن نلغي: في إنصاف عزمي بشارة
- الجسد والمدينة في شعر ليليان بشارة منصور حين تتحوّل الطبيعة ...
- قراءة نقدية في قصة «قليل من القسوة لنحمي أنفسنا» للروائية دي ...
- عقل الجريمة بين الإنسان والقانون قراءة في مقال: “عقلية المجر ...
- الكرة التي انتظرت
- وليد الخالدي… حارس الذاكرة الفلسطينية: مرثية - ************* ...


المزيد.....




- فيديو منسوب لـ-إغراق الحوثيين سفينة إسرائيلية بمضيق باب المن ...
- بعد إطلاقهم صواريخ على إسرائيل.. هل تعود هجمات الحوثيين على ...
- بعد السعودية.. قطر توقع اتفاقية تعاون دفاعي مع أوكرانيا خلال ...
- -ليست حياة طبيعية-.. كيف قوضت صواريخ حزب الله أمان سكان شمال ...
- -نحاول- .. أطفال لبنان يتشبثون بالدراسة رغم الحرب والنزوح
- الخِداعُ المُجتَمَعيُّ وخِداعُ الذّاتِ
- مقتل ثلاثة صحافيين في غارة إسرائيلية استهدفت سيارتهم بجنوب ل ...
- قمة قطرية أوكرانية واتفاق لتبادل الخبرات بمواجهة الصواريخ وا ...
- أنقرة: جهود تركية مكثفة لفتح مسار تفاوضي رغم محاولات إسرائيل ...
- مشروع قرار محرج للديمقراطيين يرفض ملايين -أيباك- بالانتخابات ...


المزيد.....

- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رانية مرجية - 30 آذار: الأرض حين ترفض أن تتحول إلى ذكرى