أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أكد الجبوري - تَرْويقَة : قصيدة -أغنية نفسي-* /بقلم والت ويتمان - ت: من الإنجليزية أكد الجبوري















المزيد.....



تَرْويقَة : قصيدة -أغنية نفسي-* /بقلم والت ويتمان - ت: من الإنجليزية أكد الجبوري


أكد الجبوري

الحوار المتمدن-العدد: 8613 - 2026 / 2 / 9 - 09:10
المحور: الادب والفن
    


تَرْويقَة : "أغنية نفسي"* /بقلم والت ويتمان - ت: من الإنجليزية أكد الجبوري
اختيار وإعداد إشبيليا الجبوري - ت: من الإنجليزية أكد الجبوري

*أغنية نفسي، 1855 (نسخة 1892)

1.
أحتفي بنفسي، وأغني لنفسي،
وما أعتبره كذلك تعتبرونه أنتم،
فكل ذرة تنتمي إليّ تنتمي إليكم أيضاً.

أستلقي وأدعو روحي،
أستلقي وأسترخي في راحة، أتأمل عوداً من عشب الصيف.

لساني، كل ذرة من دمي، تشكلت من هذه الأرض، من هذا الهواء،
وُلدت هنا لأبوين وُلدا هنا لأبوين من نفس الأبوين، وأجدادي
من نفس الأبوين،
أنا الآن في السابعة والثلاثين من عمري، بصحة ممتازة، أبدأ،
راجياً ألا أتوقف حتى الموت.

العقائد والمدارس في حالة تعليق،
أتراجع قليلاً، مكتفياً بما هي عليه، لكنني لا أنساها أبداً
أحتضنها، خيراً كانت أم شراً، وأسمح لها بالكلام مهما كانت المخاطر،
الطبيعة بلا قيود، بطاقتها الأصلية.

2.
البيوت والغرف تفوح منها العطور، والرفوف مكتظة بها،
أستنشق عبيرها بنفسي، وأعرفه وأحبه،
قد يُسكرني التقطير أيضاً، لكنني لن أسمح له بذلك.

الجو ليس عطراً، لا طعم للتقطير فيه، إنه عديم الرائحة،
هو لفمي إلى الأبد، أنا مغرم به،
سأذهب إلى الضفة قرب الغابة وأتعرى تماماً،
أنا متشوقٌ بشدة لأن يلامسني.

دخان أنفاسي،
أصداء، تموجات، همسات خافتة، جذر الحب، خيط حريري، خصلات وكرمة،
تنفسي وشهيقي، دقات قلبي، مرور الدم والهواء عبر رئتي،
استنشاق أوراق الشجر الخضراء والجافة، ورائحة الشاطئ وصخور البحر الداكنة،
ورائحة التبن في الحظيرة،
صوت كلماتي المتقطعة وهي تنطلق مع هبات الريح،
قبلات خفيفة، عناقات قليلة، لفّ الأذرع،
تلاعب الضوء والظل على الأشجار بينما تتمايل أغصانها المرنة،
بهجة الوحدة أو صخب الشوارع، أو على طول الحقول وسفوح التلال،
شعور الصحة، ترنيمة الظهيرة، أغنية نهوضي من الفراش وملاقاة الشمس.
هل حسبت ألف فدان؟ هل حسبت الأرض؟
هل تدربتَ طويلاً لتتعلم القراءة؟
هل شعرتَ بالفخر حين فهمتَ معاني القصائد؟

توقف معي ليلاً ونهاراً، وستمتلك أصل كل القصائد،
ستمتلك خير الأرض والشمس (فهناك ملايين الشموس المتبقية)،
لن تأخذ الأمور منقولة، ولن تنظر بعيون الموتى، ولن تتغذى على أشباح الكتب،
لن تنظر بعيني أيضاً، ولن تأخذ شيئاً مني،
ستستمع إلى كل الآراء وتُصفّيها من داخلك.


3.
لقد سمعتُ ما كان يتحدث به المتكلمون، حديث البداية والنهاية،
لكنني لا أتحدث عن البداية أو النهاية.

لم يكن هناك بداية أكثر مما هو عليه الآن،
ولا شباب ولا شيخوخة أكثر مما هو عليه الآن،
ولن يكون هناك كمال أكثر مما هو عليه الآن،
ولا جنة ولا نار أكثر مما هو عليه الآن.

دافعٌ ودافعٌ ودافع،
دائمًا دافعُ التكاثر في هذا العالم.

من الظلماتِ ينبثقُ التقدم، دائمًية الجوهرُ والزيادة، دائمًية الجنس،
دائمًية نسيجُ الهوية، دائمًية التميّز، دائمًية سلالةُ الحياة.

لا جدوى من الشرح، فالمتعلمون وغير المتعلمين يشعرون بذلك.

ثابتٌ كأوثقِ اليقين، راسخٌ في الأسس، متينٌ، مدعومٌ بالعوارض،
قويٌّ كالحصان، حنونٌ، متكبرٌ، كهربائيٌّ،
أنا وهذا السرّ نقف هنا.

روحي صافيةٌ وعذبة، وكل ما ليس روحي صافٍ وعذب.

الفقدانُ يُفقدُ كليهما، والغيبُ يُثبتُه الظاهر،
إلى أن يصبحَ الغيبُ خفيًّا فيتلقى البرهانَ بدوره.

إظهارُ أفضل ما فيّ وتمييزُ أسوأ ما فيه يُؤذي العمرُ العمرَ،
معرفتي التامة بسلامةِ الأشياء وتوازنها، بينما هم يتناقشون،
أصمتُ، وأذهبُ لأغتسل وأُعجبُ بنفسي.
مرحبٌ بكلِّ عضوٍ وصفةٍ فيَّ، وفي كلِّ رجلٍ سليمٍ ونظيف،
لا شبرٌ ولا ذرةٌ من شبرٍ دنيئة، ولن يكون أيُّ منها أقلَّ ألفةً من غيره.
أنا راضٍ - أرى، أرقص، أضحك، أغني؛
بينما ينام رفيقُ الفراشِ المُحبُّ والمُعانق بجانبي طوال الليل،
وينسحبُ مع بزوغ الفجرِ بخطىً خفيفة،
تاركًا لي سلالًا مُغطاةً بمناشفَ بيضاءَ تُملأُ البيتَ بوفرتها،
هل أُؤجِّلُ قبولي وإدراكي وأصرخُ في عينيَّ،
ليُحوّلا نظرهما عن النظرِ إلى الطريق،
ويُحسبا لي فورًا ويُظهرا لي القيمةَ الدقيقةَ،
قيمةَ واحدٍ وقيمةَ اثنين، وأيّهما في المستقبل؟


4
يحيط بي المتطفلون والسائلون،
الناس الذين ألتقيهم، أثر طفولتي أو الحي والمدينة التي أعيش فيها، أو الوطن،
آخر التواريخ والاكتشافات والاختراعات والجمعيات والمؤلفين القدامى والجدد،
عشائي، ملابسي، رفاقي، مظهري، المجاملات، الرسوم،
اللامبالاة الحقيقية أو المتوهمة من رجل أو امرأة أحبهم،
مرض أحد أهلي أو مرضي، أو سوء تصرفي أو خسارتي أو حاجتي للمال، أو الاكتئاب أو الفرح،
المعارك، أهوال الحرب الأهلية، حمى الأخبار المشكوك فيها، الأحداث المتقطعة؛
تأتي إليّ هذه الأشياء ليلًا ونهارًا ثم ترحل عني،
لكنها ليست أنا.

بعيدًا عن الشد والجذب، ما أنا عليه هو أنا،
أقف مستمتعًا، راضيًا، متعاطفًا، كسولًا، موحدًا،
أنظر إلى الأسفل، منتصبًا، أو أثني ذراعي في راحةٍ غير ملموسة،
أنظر برأسٍ مائلٍ جانبًا، متسائلًا عما سيحدث تاليًا،
داخل اللعبة وخارجها، أراقبها وأتساءل عنها.

أرى إلى الوراء أيامي، حيث كنت أتعرق في الضباب مع
اللغويين والمتنافسين،
لا أسخر ولا أجادل، أنا أشهد وأنتظر.

5
أؤمن بكِ يا روحي، يجب ألا يُذلّني الآخر الذي أنا عليه أمامكِ،
ويجب ألا تُذلّي نفسكِ أمام الآخر.

استرخي معي على العشب، أطلقي العنان لصوتكِ،
لا أريد كلمات، ولا موسيقى، ولا قوافي، لا عادات، ولا محاضرات، ولا حتى الأفضل،
فقط الهدوء الذي أحبه، همهمة صوتكِ الرقيق.

أتذكر كيف قضينا صباح صيفي صافٍ،
كيف استقر رأسكِ على وركيّ وانقلبتِ عليّ برفق،
وفتحتِ قميصي عن صدري، وأغرقتِ قلبي العاري بلسانكِ،
ووصلتِ حتى لمستِ لحيتي، ووصلتِ حتى أمسكتِ قدميّ.
فجأةً نهضتِ ونشرتِ حولي سلامًا ومعرفةً تفوق كل جدال على الأرض،
وأعلم أن يد الله هي وعدي،
وأعلم أن روح الله هي أخو روحي،
وأن جميع الرجال الذين وُلدوا هم إخوتي، والنساء أخواتي وحبيباتي،
وأن أساس الخليقة هو الحب،
وعدد لا يُحصى من الأوراق اليابسة أو المتدلية في الحقول،
والنمل البني في الآبار الصغيرة تحتها،
والقشور الطحلبية على سياج الديدان، والحجارة المتراكمة، ونباتات البلسان والموليين والبوكويد.


6.
سألني طفلٌ وهو يحمل العشب بين يديه الممتلئتين: ما هذا العشب؟
كيف لي أن أجيبه؟ لا أعرفه أكثر منه.

أظن أنه راية حالتي، منسوجة من خصلات خضراء تبعث على الأمل.

أو أظنه منديل الرب،
هدية معطرة وتذكار أُلقي عمدًا،
يحمل اسم صاحبه في زواياه، لنراه ونتأمله ونتساءل: لمن؟

أو أظن أن العشب نفسه طفل، وليد النبات.

أو أظنه رمزًا هيروغليفيًا موحدًا،
معناه: ينبت على حد سواء في المساحات الواسعة والضيقة،
ينمو بين السود كما بين البيض،
كانوك، تاكاهو، عضو الكونغرس، كف، أعطيهم جميعًا الشيء نفسه،
وأستقبلهم جميعًا الشيء نفسه.

والآن يبدو لي كشعر القبور الجميل غير المقصوص.

سأستخدمكِ برفقٍ يا عشبًا مُلتفًا،
ربما تكونين قد خرجتِ من صدور شبان،
ربما لو عرفتهم لأحببتهم،
ربما تكونين من شيوخ، أو من رُضعٍ أُخذوا من أحضان أمهاتهم،
وها أنتِ الآن من أحضان الأمهات.

هذا العشب داكنٌ جدًا ليكون من رؤوس الأمهات العجائز البيضاء،
أغمق من لحى الشيوخ الشاحبة،
داكنٌ ليخرج من تحت سقوف أفواهٍ حمراء باهتة.

آه، أُدركُ الآن كثرةَ الألسنة المُتكلمة،
وأُدركُ أنها لا تخرج من سقوف الأفواه عبثًا.

أتمنى لو أستطيعُ ترجمةَ التلميحاتِ عن الشبان والشابات الموتى،
والتلميحاتِ عن الشيوخ والأمهات، والرُضع الذين أُخذوا من أحضانهم.

ما رأيكِ في مصير الشبان والشيوخ؟
وما رأيكِ في مصير النساء والأطفال؟

إنهم أحياء وبصحة جيدة في مكان ما،
أصغر برعم يدل على أنه لا وجود للموت،
وإن وُجد، فقد قاد الحياة إلى الأمام، ولا ينتظر النهاية ليوقفها،

وانتهت الحياة لحظة ظهورها.

كل شيء يمضي قدمًا وينتشر، لا شيء ينهار،
والموت يختلف عما يتصوره أي شخص، وهو أكثر حظًا.


7.
هل ظنّ أحدٌ يومًا أن الولادة حظٌّ؟
أُسارعُ لإخباره أو إخبارها أن الموت حظٌّ لا يقلّ عنه، وأنا أعلم ذلك.

أُعايش الموت مع المُحتضرين والولادة مع المولود الجديد،
ولا يحدّني شيءٌ سوى قبعتي وحذائي،
وأُمعن النظر في أشياء كثيرة، لا يُشبه أحدها الآخر، وكلّها حسنة،
الأرض حسنة والنجوم حسنة، وكلّ ما يُحيط بها حسن.

لستُ أرضًا ولا تابعًا لها،
أنا رفيقة البشر ورفيقتهم، جميعهم خالدون وعميقون مثلي،
(لا يعلمون مدى خلودهم، لكنني أعلم).

كل نوع لنفسه، ولي ذكوري وإناثي،
لي من كانوا صبيانًا ويحبون النساء،
لي الرجل الفخور الذي يشعر بلسعة الإهانة،
لي الحبيبة والعانس، لي الأمهات وأمهات الأمهات،
لي شفاه ابتسمت، وعيون ذرفت الدموع،
لي الأطفال ومن أنجبوا الأطفال.

اكشفي عن نفسك! لستِ مذنبة في نظري، ولا بالية ولا مهملة،
أرى من خلال القماش الفضفاض والقطني ما إذا كنتِ أم لا،
وأنا موجودة، عنيدة، طموحة، لا تكلّ، ولا يمكن إبعادي.


8.
ينام الصغير في مهده،
أرفع الشاش وأتأمل مطولًا، وأطرد الذباب بيدي في صمت.

ينعطف الصغير والفتاة ذات الوجه الأحمر صاعدين التلّ المكسو بالأشجار،
أراقبهما من الأعلى.

الجثة ملقاة على أرضية غرفة النوم الملطخة بالدماء،
أرى الجثة بشعرها المبعثر، وألاحظ مكان سقوط المسدس.

صوت رصف الطريق، وإطارات العربات، ووبر نعال الأحذية، وأحاديث المتنزهين،
الحافلة الثقيلة، والسائق بإبهامه المُستجوب، وصرير حوافر الخيول على أرضية الجرانيت،
زلاجات الثلج، وصوتها المتصادم، والنكات المُطلقة، وكرات الثلج المتساقطة،
هتافات الجماهير المُفضلة، وغضب الحشود المُثارة،
رفرفة المحفة المُغطاة بالستائر، ورجل مريض يُنقل إلى المستشفى،
لقاء الأعداء، والقسم المُفاجئ، والضربات والسقوط،
التجمهر المُتحمس، والشرطي بنجمته يشق طريقه بسرعة إلى وسط الحشد،
الحجارة الجامدة التي تستقبل وتعيد أصداءً لا تُحصى،
يا له من أنين من فرطوا في الطعام أو من كادوا يموتون جوعًا،
والذين يسقطون من ضربة شمس أو في نوبات،
يا لها من صيحات نساء أُصبن فجأة، ويسارعن إلى منازلهن ليضعن أطفالهن،
يا له من كلام حيّ ومدفون يتردد صداه هنا دائمًا، يا له من صرخاتٌ مكبوتةٌ باللياقة،
اعتقالاتٌ للمجرمين، إهاناتٌ، عروضٌ للخيانة الزوجية، قبولاتٌ ورفضٌ بشفاهٍ محدبة،
لا أبالي بها، لا بمظهرها ولا صداها، آتي وأرحل.


9
أبواب الحظيرة الريفية الكبيرة مفتوحةٌ وجاهزة،
العشب الجافّ لحصاده يُحمّل العربةَ التي تجرّها ببطء،
الضوء الصافي يُلاعبُ الألوانَ البنيةَ والرماديةَ والخضراءَ المتداخلة،
الحزمُ مُكدّسةٌ في كومةِ العشبِ المترهّلة.

أنا هناك، أساعد، جئتُ ممددًا فوقَ الحمولة،
شعرتُ بهزّاتها الخفيفة، ساقٌ مُستندةٌ على الأخرى،
أقفزُ من العوارضِ وألتقطُ البرسيمَ والعرعر،
وأتدحرجُ رأسًا على عقب وأُبعثرُ شعري المُتشابكَ بالخصلات.



10
أصطاد وحيدًا في البراري والجبال،
أتجول مندهشًا من خفتي وبهجتي،
في أواخر العصر، أختار مكانًا آمنًا لأقضي فيه الليل،
أشعل نارًا وأشوي الصيد الطازج،
وأغفو على الأوراق المتساقطة وكلبي وبندقيتي بجانبي.

سفينة يانكي كليبر تحت أشرعتها، تشق طريقها ببريقها وسرعتها،
تستقر عيناي على الأرض، أنحني أمام مقدمتها أو أصرخ فرحًا من على سطحها.

استيقظ البحارة وجامعو المحار باكرًا وتوقفوا من أجلي،
دسست أطراف بنطالي في حذائي وذهبت لأقضي وقتًا ممتعًا؛
كان يجب أن تكون معنا ذلك اليوم حول قدر حساء المحار.

رأيتُ عرسَ الصياد في العراء في أقصى الغرب، كانت العروس فتاةً حمراء،
جلس والدها وأصدقاؤه بالقرب منها متربعين يدخنون في صمت، يرتدون خفّين،
وبطانيات سميكة كبيرة تتدلى من أكتافهم،
على ضفة النهر، استرخى الصياد، كان يرتدي جلود الحيوانات في معظمها،
ولحيته الكثيفة وخصلات شعره تحمي رقبته، ممسكًا بيد عروسه،
كانت لها رموش طويلة، ورأسها حليق،
وخصلات شعرها الخشنة والمستقيمة تنسدل على ساقيها الممتلئتين وتصل إلى قدميها.

جاء العبد الهارب إلى بيتي وتوقف في الخارج،
سمعتُ حركاته تُحكّ أغصان كومة الحطب،
ورأيته من خلال باب المطبخ المتأرجح نصف المفتوح، واهنًا وواهنًا،
فذهبتُ إلى حيث كان يجلس على جذع شجرة، وأدخلته إلى الداخل وطمأنته،
وأحضرتُ له الماء وملأتُ حوضًا لجسده المُتعرّق وقدميه المُصابتين،
وأعطيته غرفةً تُطلّ على غرفتي، وأعطيته بعض الملابس الخشنة النظيفة،
وأتذكر جيدًا عينيه المُرتجفتين وحركاته المُرتبكة،
وأتذكر وضع الضمادات على جروح رقبته وكاحليه،
مكث معي أسبوعًا قبل أن يتعافى ويرحل شمالًا،
أجلسته بجانبي على المائدة، وموقدي مُسندٌ في الزاوية.


11.
ثمانية وعشرون شابًا يستحمون على الشاطئ،
ثمانية وعشرون شابًا، وكلهم ودودون؛
ثمانية وعشرون عامًا من حياة المرأة، وكلها موحشة.

تملك بيتًا فخمًا على ضفة النهر،
تخفي وراء ستائر النافذة رجالًا وسيمين يرتدون ملابس فاخرة.

أيّهم تُفضّل؟
آه، حتى أبسطهم جمالًا في عينيها.

إلى أين أنتِ ذاهبة يا سيدتي؟ فأنا أراكِ،
تلهوين في الماء هناك، بينما تبقين ساكنة في غرفتكِ.

يأتي المستحم التاسع والعشرون يرقص ويضحك على الشاطئ،
لم يرها الباقون، لكنها رأتهم وأحبتهم.

تلمع لحى الشباب بالماء، يتساقط من شعرهم الطويل،
تتدفق جداول صغيرة على أجسادهم.

مرّت يدٌ خفيةٌ فوق أجسادهم،
انحدرت مرتجفةً من صدغيهم وأضلاعهم.

يطفو الشبان على ظهورهم، وتنتفخ بطونهم البيضاء نحو الشمس،
لا يسألون من يمسك بهم بقوة،
لا يعلمون من ينفخ وينحدر بانحناءةٍ متدليةٍ،
لا يفكرون بمن يرشونه بالرذاذ.



12.
يخلع صبي الجزار ملابس الذبح، أو يشحذ سكينه في كشكه بالسوق،
أتجول مستمتعًا بحديثه وحركاته وانهياره.

يحيط الحدادون ذوو الصدور المتسخة والشعرية بالسندان،
لكلٍّ منهم مطرقةٌ رئيسية، جميعهم في الخارج، والنار مشتعلةٌ بشدة.

من العتبة المغطاة بالرماد، أتابع حركاتهم،
تتلاعب رشاقة خصورهم بأذرعهم الضخمة،
تتأرجح المطارق من فوق رؤوسهم، ببطء وثبات،
لا يتعجلون، كل رجل يضرب في مكانه.



13.
يمسك الزنجي بزمام خيوله الأربعة بإحكام، وتتدلى الكتلة من تحته على سلسلتها المربوطة،
الزنجي الذي يقود عربة ساحة الحجارة الطويلة، يقف شامخًا وثابتًا على ساق واحدة فوق حبل الجر،
يكشف قميصه الأزرق عن رقبته وصدره العريضين، وينزلق فوق حزام وركه،
نظرته هادئة وآمرة، يرمي طرف قبعته المائل بعيدًا عن جبينه،
تسقط الشمس على شعره الأشعث وشاربه، وعلى سواد أطرافه المصقولة والكاملة.

أشاهد العملاق المهيب وأعشقه، ولا أتوقف عند هذا الحد،
أذهب مع الفريق أيضًا.

في داخلي مُداعب الحياة أينما تحركت، للأمام والخلف،
إلى زواياها الجانبية وانحناءاتها الصغيرة، لا يغيب عنها شخص ولا شيء،
أستحوذ على كل شيء لنفسي ولهذه الأغنية.

أيها الثيران التي تُصدر صوت نيرها وسلسلتها،
أو التي تتوقف في الظل الوارف،
ما الذي تُعبّرون عنه في عيونكم؟
يبدو لي أكثر مما قرأت في حياتي.

خطواتي تُخيف البط البري والبط الخشبي في رحلتي الطويلة البعيدة،
يرتفعان معًا، ويدوران ببطء.


أؤمن بتلك الغايات المجنحة،
وأُقرّ بأن الأحمر والأصفر والأبيض تعزف في داخلي،
وأعتبر الأخضر والبنفسجي والتاج المُزيّن بالخصلات مقصودة،
ولا أصف السلحفاة بأنها غير جديرة لأنها ليست شيئًا آخر،
والغراب في الغابة لم يدرس قطّ هذا الكمّ من الألوان، ومع ذلك يُغرّد لي بشكلٍ جميل،
ونظرة الفرس الكستنائية تُخجلني من الحماقة.

14
يقود الإوز البري قطيعه عبر الليل البارد،
يقول "يا-هونك"، ويُرسله إليّ كدعوة،
قد يظنّ الوقح أنه بلا معنى، لكنني أُنصت جيدًا،
أجد غايته ومكانه هناك نحو السماء الشتوية.


الأيل ذو الحوافر الحادة في الشمال، والقطة على حافة المنزل،
والعصفور الصغير، وكلب البراري،
صغار الخنزيرة وهي تمضغ ضرعها،
صغار الديك الرومي وهي تفرد جناحيها،
أرى فيهم وفي نفسي القانون القديم نفسه.

ضغط قدمي على الأرض يُثير فيّ مئة شعور،
يستهزئون بأفضل ما أستطيع وصفه.

أنا مغرم بالعيش في الهواء الطلق،
بالرجال الذين يعيشون بين الماشية أو يتذوقون طعم المحيط أو الغابات،
ببناة السفن وقادتها، وحاملي الفؤوس والمطارق، وسائقي الخيول،
أستطيع أن آكل وأنام معهم أسبوعًا بعد أسبوع.

أكثر ما هو شائع، وأرخص، وأقرب، وأسهل، هو أنا،
أنا أغتنم فرصي، وأنفق لأجل عوائد عظيمة،
أتزين لأهب نفسي لمن يقبلني أولاً،
لا أطلب من السماء أن تنزل استجابةً لرغبتي،
بل أنثرها بحرية إلى الأبد.


15.
يُغني صوت الكونترالتو النقي في شرفة الأرغن،
ينحت النجار لوحه الخشبي، ويُصدر لسان مقدمة طائرته صفيرًا صاعدًا جامحًا،
يعود الأطفال، المتزوجون وغير المتزوجين، إلى منازلهم لتناول عشاء عيد الشكر،
يمسك الطيار بالمحور الرئيسي، ويدفعه بقوة،
يقف المساعد متماسكًا في قارب صيد الحيتان، والرمح والحربة جاهزان،

يسير صياد البط في صمت وحذر،
يتم رسامة الشمامسة بأيدٍ متقاطعة عند المذبح،
تتراجع الفتاة التي تغزل وتتقدم على وقع هدير العجلة الكبيرة،
يتوقف المزارع عند القضبان وهو يمشي على رغيف خبز اليوم الأول
وينظر إلى الشوفان والجاودار،
يُحمل المجنون أخيرًا إلى المصحة العقلية، حالة مؤكدة،

(لن ينام بعد الآن كما كان ينام في سريره في غرفة نوم أمه؛)
طابع الصحف ذو الرأس الرمادي و يعمل ذو الفكين النحيلين على قضيته،
يقلب قطعة التبغ خاصته بينما تغشى عيناه بالمخطوطة؛
الأطراف المشوهة مربوطة إلى طاولة الجراح،
ما يُستأصل يسقط بشكل مروع في دلو؛
تُباع الفتاة ذات البشرة المختلطة في منصة المزاد،
ويومئ السكير برأسه بجوار موقد الحانة،
يشمر الميكانيكي عن ساعديه، ويسير الشرطي في دوريته،
ويراقب حارس البوابة المارة،
يقود الشاب عربة البريد السريع، (أحبه رغم أنني لا أعرفه؛)
يرتدي الهجين حذاءه الخفيف للمشاركة في السباق،
تجذب مسابقة صيد الديك الرومي في الغرب الأمريكي الصغار والكبار،
بعضهم يتكئ على بنادقه، وبعضهم يجلس على جذوع الأشجار،
يخرج من بين الحشد الرامي، ويتخذ موقعه، ويصوّب بندقيته؛

تتجمع مجموعات المهاجرين الجدد على رصيف الميناء أو السد،
بينما يحرث عمال الصوف حقل قصب السكر، يراقبهم المشرف من على سرجه،
يُسمع صوت البوق في قاعة الرقص، ويركض السادة نحو شريكاتهم،
وينحني الراقصون لبعضهم البعض،
يبقى الشاب مستيقظًا في العلية ذات السقف المصنوع من خشب الأرز
ويستمع إلى صوت المطر الموسيقي،
ينصب ولفيرين الفخاخ على الجدول الذي يساعد في ملء نهر هورون،
تعرض المرأة الهندية الملفوفة بقطعة قماش صفراء الحواف أحذية الموكاسين وأكياس الخرز للبيع،
ينظر الخبير على طول معرض المعرض بعيون نصف مغلقة منحنية جانبًا،
بينما يقوم البحارة بتثبيت السفينة البخارية،
تُلقى الألواح الخشبية للركاب المتجهين إلى الشاطئ،
تمسك الأخت الصغرى بكرة الصوف بينما تقوم الأخت الكبرى بلفها على شكل كرة،
وتتوقف بين الحين والآخر لعقدها،
الزوجة التي مضى على زواجها عام واحد تتعافى وسعيدة قبل أسبوع أنجبت طفلها الأول،
تعمل الفتاة الأمريكية ذات الشعر الأملس على ماكينة الخياطة أو في المصنع أو المطحنة،
يتكئ عامل رصف الطرق على مدكته ذات اليدين،
وينطلق رصاص الصحفي بسرعة فوق دفتر الملاحظات،
ويكتب رسام اللافتات بالأزرق والذهبي،
يهرول صبي القناة على ممر السحب، ويحسب المحاسب على مكتبه،
ويشمع صانع الأحذية خيطه،
يضبط قائد الفرقة الموسيقية الإيقاع ويتبعه جميع العازفين،
يُعمّد الطفل، ويؤدي المهتدي نذوره الأولى،
تُفرش قوارب السباق في الخليج، ويبدأ السباق، (يا لروعة الأشرعة البيضاء!)
يُغني راعي الماشية الذي يراقب قطيعه لمن قد يضل طريقه،
يتصبب البائع المتجول عرقًا وحقيبته على ظهره، (ويساوم المشتري على السنت الأخير؛)
تُفرد العروس فستانها الأبيض المجعد،
ويتحرك عقرب الدقائق في الساعة ببطء،
الـ مدمن الأفيون يستلقي برأس متصلب وشفتين مفتوحتين للتو،
العاهرة تجر شالها، وقبعتها تتمايل على رقبتها المنهكة المليئة بالبثور،
يضحك الحشد على أيمانها الدنيئة، ويسخر الرجال ويغمزون لبعضهم البعض،
(يا بائس! أنا لا أضحك على أيمانك ولا أسخر منك؛)
الرئيس يعقد اجتماعًا لمجلس الوزراء محاطًا بكبار الوزراء،
في ساحة الممشى ثلاث سيدات مهيبات وودودات متشابكات الأذرع،
طاقم سفينة صيد السمك يحزمون طبقات متكررة من سمك الهلبوت في عنبر السفينة،
المواطن الميسوري يعبر السهول حاملًا بضاعته وماشيته،
بينما يمر جامع الأجرة عبر القطار، يُعلن عن ذلك برنين النقود المعدنية،
عمال الأرضيات يضعون الأرضية، وعمال القصدير يغطون السقف بالقصدير،
والبناؤون يطلبون الملاط،
يسير العمال في صف واحد، كلٌ يحمل معوله على كتفه،
العمال يتقدمون؛ تتوالى الفصول، ويتجمع حشدٌ لا يوصف،
إنه الرابع من الشهر السابع (يا له من دويّ مدافع وأسلحة خفيفة!).

تتوالى الفصول، يحرث الحراث، ويحصد الحصاد،
ويتساقط محصول الشتاء في الأرض.
في البحيرات، يترقب صياد سمك الكراكي وينتظر عند ثقب في سطح الجليد.
تنتشر جذوع الأشجار بكثافة حول الفسحة، ويضرب المستوطن بفأسه عميقًا.

يرسو أصحاب القوارب المسطحة عند الغسق قرب أشجار الحور أو الجوز.
يسلك صيادو الراكون مناطق نهر ريد أو تلك التي يرويها نهر تينيسي،
أو تلك التي ترويها أركنساس.
تضيء المشاعل في الظلام الذي يخيّم على نهري تشاتاهوتشي وألتاماهو.
يجلس الآباء على مائدة العشاء محاطين بأبنائهم وأحفادهم وأبناء أحفادهم،
في جدران الطوب اللبن، وفي خيام من القماش، يستريح الصيادون بعد يوم صيدهم،
المدينة تنام والريف ينام،
الأحياء ينامون لأجل أجلهم، والأموات ينامون لأجل أجلهم،
الزوج المسن ينام بجوار زوجته والزوج الشاب ينام بجوار زوجته؛
وهؤلاء يميلون إليّ، وأنا أميل إليهم،
وأنا منهم، بدرجات متفاوتة،
ومنهم جميعًا أنسج أغنية نفسي.



16.
أنا من الصغار والكبار، من الحمقى والحكماء على حد سواء،
لا أبالي بالآخرين، ودائمًا ما أراعيهم،
أميٌّ وأبيٌّ، طفلٌ ورجل،
ممتلئٌ بالخشن والناعم،
واحدٌ من أمةٍ من أممٍ كثيرة، صغيرها وكبيرها،
جنوبيٌّ كما شماليٌّ، مزارعٌ مضيافٌ وكريمٌ على ضفاف نهر أوكوني حيث أعيش،
يانكيٌّ أسيرُ على طريقي الخاص، مستعدٌّ للتجارة،
مفاصلي هي الأكثر مرونةً على وجه الأرض،
والأكثر صلابةً على وجه الأرض،
كنتاكيٌّ أسيرُ في وادي إلكهورن مرتديًا سروالي المصنوع من جلد الغزال، لويزيانيٌّ أو جورجيٌّ،
بحارٌ في البحيرات أو الخلجان أو على طول السواحل، هوسيري، بادجر، باكاي؛
أنا من إنديانا، من بادجر، من باكاي؛ أشعر بالراحة على أحذية الثلج الكندية، أو في الأدغال، أو مع الصيادين قبالة نيوفاوندلاند،
أشعر بالراحة في أسطول قوارب الجليد، أبحر مع البقية وأغير اتجاهي،
أشعر بالراحة على تلال فيرمونت، أو في غابات مين، أو في مزرعة تكساس،
رفيق الكاليفورنيين، رفيق أحرار الشمال الغربي (مُعجبًا بضخامة أجسادهم)،
رفيق عمال الطوافات وعمال الفحم، رفيق كل من يصافح ويرحب بالشرب واللحم،
متعلم من أبسط الأشياء، ومعلم من أعمقها،
مبتدئ في البداية، لكنني خبير في فصول لا تُحصى،
أنا من كل لون وعرق، من كل طبقة ودين،
مزارع، ميكانيكي، فنان، رجل نبيل، بحار، كويكر،
سجين، هاوٍ، مشاغب، محامٍ، طبيب، كاهن.

... أقاوم أي شيء أفضل من تنوعي،
أتنفس الهواء وأترك وراءي الكثير،
وأنا لست متكبرًا، بل في مكاني.

(العثة وبيض السمك في مكانهما،
الشمس الساطعة التي أراها والشمس المظلمة التي لا أراها في مكانها،
الملموس في مكانه واللامملوس في مكانه.)



17.
هذه في الحقيقة أفكار جميع البشر في كل العصور والأراضي، وليست من ابتكاري،
إن لم تكن أفكارك بقدر ما هي أفكاري فهي لا شيء، أو تكاد تكون لا شيء،
إن لم تكن اللغز وحل اللغز فهي لا شيء،
إن لم تكن قريبة بقدر ما هي بعيدة فهي لا شيء.

هذا هو العشب الذي ينمو حيثما توجد الأرض والماء،
هذا هو الهواء المشترك الذي يغمر العالم.



18
بموسيقى قوية آتي، مع أبواقي وطبولِي،
لا أعزفُ مسيراتٍ للمنتصرين المُعترف بهم فحسب،
بل أعزفُ مسيراتٍ للمهزومين والقتلى.

هل سمعتم أن النصرُ خيرٌ؟
أقولُ أيضًا إن السقوطُ خيرٌ، فالمعاركُ تُخسرُ بنفسِ الروحِ التي رُبحتَ بها.

أضربُ وأدقُّ على الموتى،
وأنفخُ بأعلى صوتي وأبهجِ ما لديّ من أجلهم.

تحياُ من هُزموا!
وتحياُ من غرقت سفنُهم في البحر!
وتحياُ من غرقوا في البحر!
وتحياُ جميعُ القادةِ الذين خسروا المعارك، وجميعُ الأبطالِ الذين انتصروا!
وتحياُ الأبطالُ المجهولون الذين لا يُحصى عددهم،
والذين يُضاهون أعظمَ الأبطال المعروفين!



19.
هذه هي الوجبة المُعدّة بالتساوي، هذا هو اللحم لإشباع الجوع الطبيعي،
هو للأشرار كما هو للأبرار، أُحدد مواعيد مع الجميع،
لن أسمح لأحدٍ بالإهمال أو الاستبعاد،
المرأة المُعالة، والمتطفلة، واللصة، مدعواتٌ هنا،
العبد ذو الشفتين الغليظتين مدعو، والعاهرة مدعوة؛
لن يكون هناك فرق بينهن وبين البقية.

هذه هي لمسة يدٍ خجولة، هذا هو عبير الشعر ورائحته،
هذه هي لمسة شفتي لشفتيك، هذا هو همس الشوق،
هذا هو العمق والارتفاع البعيدان اللذان يعكسان وجهي،
هذا هو اندماجي المُتأمل لذاتي، ثم الخروج مرة أخرى.

هل تظن أن لي غايةً خفية؟
حسنًا، لديّ، كما كان لمطر الشهر الرابع، وللميكا على جانب الصخرة.

هل تعتقد أنني سأُدهش؟
هل يُدهش ضوء النهار؟ هل يُغرّد طائر الحميراء المُبكر في الغابة؟
هل أُثير دهشتهم أكثر منهم؟

في هذه الساعة، سأُخبركم سرًا،
قد لا أُخبر الجميع، لكنني سأُخبركم.


20.
من يذهب إلى هناك؟ متلهف، فظ، غامض، عارٍ؛
كيف أستمد القوة من اللحم الذي آكله؟

ما هو الإنسان أصلاً؟ ما أنا؟ ما أنت؟

كل ما أعتبره ملكي، عليك أن تقابله بما لديك،
وإلا لكان وقتي ضائعاً في الاستماع إليّ.

لا أتذمر كما يتذمر العالم أجمع،
أن الشهور فراغ والأرض مستنقع وقذارة.

يُطوى المتذمرون والمتذللون بمساحيق المرضى، والامتثال يذهب إلى أبعد الناس،
أرتدي قبعتي كما أشاء في الداخل أو الخارج.

لماذا أصلي؟ لماذا أُبجّل وأُقيم الطقوس؟

بعد أن نقّبت في الطبقات، وحلّلتُ شعرة، واستشرتُ الأطباء، ودرستُ بدقة،
لم أجد دهناً أحلى من دهن عظامي.


أرى نفسي في كل الناس، لا أحد أكثر ولا أحد أقل منهم،
وما أقوله عن نفسي، خيرًا كان أم شرًا، أقوله عنهم.

أعلم أنني راسخٌ وقوي،
إليّ تتدفق أجسام الكون المتقاربة باستمرار،
كلها مكتوبة لي، وعليّ أن أفهم معنى الكتابة.

أعلم أنني خالد،
أعلم أن مداري هذا لا يمكن قياسه بفرجار نجار،
أعلم أنني لن أرحل كقطعة حلوى طفل قُطعت بعصا محترقة في الليل.

أعلم أنني مهيب،
لا أُرهق روحي بتبرير نفسها أو أن تُفهم،
أرى أن القوانين الأساسية لا تعتذر أبدًا،
(فأنا لا أتصرف بغرور أكثر من مستوى الأرض التي أبني عليها بيتي، في نهاية المطاف.)

أنا موجود كما أنا، وهذا يكفي،
إن لم يعلم أحد في العالم بوجودي، فأنا راضٍ،
وإن علم الجميع بوجودي، فأنا راضٍ.

عالم واحد واعٍ، وهو الأكبر والأعظم عندي، ألا وهو نفسي.
وسواء بلغتُ حتفي اليوم، أو بعد عشرة آلاف أو عشرة ملايين سنة،
فأستطيع أن أتقبله الآن بفرح، أو أن أنتظره بنفس الفرح.

موطئ قدمي راسخٌ كالصخر،
أضحك على ما تسمونه فناءً،
وأنا أعرف سعة الزمن.



21.
أنا شاعر الجسد، وأنا شاعر الروح،
ملذات الجنة معي، وآلام الجحيم معي،
الأولى أضيفها إلى نفسي، والثانية أترجمها إلى لغة جديدة.

أنا شاعر المرأة كما أنا شاعر الرجل،
وأقول إن عظمة المرأة لا تقل عن عظمة الرجل،
وأقول إنه لا شيء أعظم من أم الرجال.

أُنشدُ ترنيمةَ الاتساع أو الفخر،
لقد اكتفينا من التملص والتقليل من شأننا،
أُبينُ أنَّ الحجم ليس إلا تطورًا.

هل تفوقتَ على البقية؟ هل أنتَ الرئيس؟
إنها مسألةٌ تافهة، سيصلون جميعًا إلى هناك، بل وسيرحلون.

أنا من يسير مع الليل الرقيق المتنامي،
أُنادي الأرض والبحر اللذين يحتضنهما الليل جزئيًا.

اقتربي يا ليل عاري الصدر - اقتربي يا ليل مغناطيسي مُغذٍ!
ليل رياح الجنوب - ليلة النجوم القليلة الكبيرة!
ليل ساكن مُتمايل - ليلة صيفية عارية مجنونة.

ابتسمي يا أرضًا فاتنة ذات الأنفاس الباردة!
أرض الأشجار النائمة السائلة!
أرض غروب الشمس الراحل - أرض قمم الجبال الضبابية!
أرض تدفق القمر المكتمل الزجاجي المُلوَّن بالزرقة!

أرض اللمعان والظلام اللذين يُرقِّقان مدّ النهر! يا أرضًا رمادية صافية،
يا أرضًا أكثر إشراقًا وصفاءً من أجلي!
يا أرضًا ممتدة، يا أرضًا غنية بأزهار التفاح!
ابتسمي، فحبيبكِ قادم.

يا ابني المُبذر، لقد منحتني الحب، لذلك أنا أمنحك الحب!
يا حبًا عاطفيًا لا يوصف.



22.
يا بحر! أستسلم لك أيضًا، وأظن أنك تعني ما أقصده
أرى من الشاطئ أصابعك الملتوية الجذابة
أعتقد أنك ترفض العودة دون أن تشعر بي
يجب أن نقضي وقتًا ممتعًا معًا، أخلع ملابسي، وأسرع بي بعيدًا عن أنظار اليابسة.
دللني بلطف، وهزني في غفوة هادئة.
أغرقني بفيض من العشق، وسأرد لك الجميل.

بحرٌ من أمواجٍ عاتيةٍ ممتدة،
بحرٌ يتنفس أنفاسًا واسعةً متشنجة،
بحرٌ من ملوحة الحياة وقبورٍ لم تُجرف بعد، جاهزةٌ دائمًا،
عاصفٌ ومجرفٌ للعواصف، بحرٌ متقلبٌ ورقيق،
أنا جزءٌ لا يتجزأ منك، أنا أيضًا من طورٍ واحدٍ ومن جميع الأطوار.

أنا مشاركٌ في التدفق والانحسار، مُشيدٌ بالكراهية والمصالحة،
مُشيدٌ بالأصدقاء ومن ينعمون في طمأنينة بعضهم.

أنا من يشهد على التعاطف،
هل أُعدّ قائمةً بأشياء المنزل وأتجاهل المنزل الذي يحتضنها؟

أنا لستُ شاعر الخير فقط، ولا أرفض أن أكون شاعر الشر أيضًا.

ما هذا الهراء عن الفضيلة والرذيلة؟
الشر يدفعني، وإصلاح الشر يدفعني، وأنا أقف غير مبالٍ.
خطوتي ليست خطى ناقد أو رافض.
أروي جذور كل ما نما.

هل خشيت من داء الخنازير من الحمل المتواصل؟
هل خمنت أن القوانين السماوية لم تُراجع وتُصحح بعد؟

أجد جانبًا متوازنًا، والجانب الآخر متوازنًا.
العقيدة اللينة كالعون الثابت كالعقيدة الراسخة.
أفكارنا وأفعالنا في الحاضر هي محفزنا وبدايتنا المبكرة.

هذه اللحظة التي تأتيني عبر مليارات السنين الماضية،
لا يوجد أفضل منها والآن.

ما كان حسن السلوك في الماضي أو ما هو حسن السلوك اليوم ليس عجبًا.
العجب دائمًا هو كيف يمكن أن يوجد رجل لئيم أو كافر.


23.
تتكشف كلمات العصور بلا نهاية!
ولي كلمة من كلمات العصر الحديث، كلمة "بشكل جماعي".

كلمة إيمان لا يتزعزع،
هنا أو فيما بعد، الأمر سيان بالنسبة لي، فأنا أقبل الزمن قبولًا مطلقًا.

هو وحده الذي لا تشوبه شائبة، هو وحده الذي يُكمل كل شيء ويُضفي عليه الكمال،
تلك العجائب الغامضة وحدها تُكمل كل شيء.

أقبل الواقع ولا أجرؤ على التشكيك فيه،
المادية هي الأساس والأخير.

هتاف للعلم التطبيقي! عاشت البراهين الدقيقة!
أحضروا نبات السدوم المختلط بالأرز وأغصان الليلك،
هذا هو المعجمي، وهذا هو الخيميائي، وهذا من وضع قواعد اللغة للخراطيش القديمة،
هؤلاء البحارة أبحروا بالسفينة عبر بحار مجهولة وخطيرة.
هذا هو الجيولوجي، وهذا من يعمل بالمشرط، وهذا هو عالم الرياضيات.

أيها السادة، لكم كل التقدير دائمًا!
حقائقك مفيدة، لكنها ليست مسكني،
إنني لا أدخل بها إلا إلى جزء من مسكني.

لم تُذكّرني كلماتي بما أملك،
بل ذكّرتني بحياة لم تُروَ، وبالحرية والتحرر،
وتجاهلت المخصيين والخُصى، وأفضّلت الرجال والنساء المجهزين تجهيزًا كاملًا،
ودقت جرس الثورة، ووقفت مع الهاربين ومن يتآمرون ويدبرون المكائد.



24.
والت ويتمان، كونٌ، ابن مانهاتن،
مضطرب، جسدي، شهواني، يأكل ويشرب ويتكاثر،
ليس عاطفيًا، ولا يقف فوق الرجال والنساء أو منفصلًا عنهم،
ليس أكثر تواضعًا من غير المتواضع.

افتحوا الأبواب!
افتحوا الأبواب نفسها من قوائمها!

من يُهين غيره يُهينني،
وكل ما يُفعل أو يُقال يعود إليّ في النهاية.

من خلالي يتدفق الإلهام ويتدفق، من خلالي التيار والمؤشر.

أنطق كلمة السر البدائية، وأرفع راية الديمقراطية،
والله! لن أقبل شيئًا لا يمكن للجميع الحصول على نظيره بنفس الشروط.

من خلالي أصواتٌ كثيرة صامتة،
أصوات أجيال لا تُحصى من السجناء والعبيد،
أصوات المرضى واليائسين واللصوص والأقزام،
أصوات دورات الإعداد والتراكم،
وأصوات الخيوط التي تربط النجوم، وأصوات الأرحام والمادة الأم،
وأصوات حقوقهم التي يُنتهكها الآخرون،
أصوات المشوهين، والتافهين، والمسطحين، والحمقى، والمحتقرين،
ضباب في الهواء، وخنافس تدحرج كرات من الروث.

أصواتٌ محرمةٌ تتسلل إليّ،
أصواتُ شهواتٍ وأهواء، أصواتٌ مُحجبةٌ فأزيلُ عنها الحجاب،
أصواتٌ فاحشةٌ أُوضّحها وأُحوّلها.

لا أضغطُ بأصابعي على فمي،
أُحافظُ على رقة أحشائي كما أُحافظُ على رقة رأسي وقلبي،
الجماعُ ليسَ عندِي أقبحَ من الموت.

أؤمنُ بالجسدِ والشهوات،
الرؤيةُ والسمعُ والشعورُ معجزات، وكلُّ جزءٍ مني معجزة.

أنا إلهيٌّ في داخلي وخارجي، وأُقدِّسُ كلَّ ما ألمسُه أو يُلمسُني،
رائحةُ إبطيَّ أزكى من الصلاة،
هذا الرأسُ أقدسُ من الكنائسِ والأناجيلِ وكلِّ العقائد.

إنْ عبدتُ شيئًا أكثرَ من غيرِه، فسيكونُ جسدي، أو أيَّ جزءٍ منه،
أنتَ قالبُي الشفافُ!
أنتَ الحوافُّ المُظلَّلةُ وأماكنُ الراحةِ!
يا مهرًا ذكوريًا قويًا، أنتَ هو!
كل ما يلامس جسدي، أنتَ هو!
يا دمي الغني! يا مجرى اللبن، يا بقايا حياتي الشاحبة!
يا صدرًا يضغط على صدور أخرى، أنتَ هو!
يا عقلي، أنتَ يا تعقيداتك الخفية!
يا جذر القصب المغسول! يا طائر البركة الخجول! يا عش البيض المكرر المحروس! أنتَ هو!
يا قشًا مختلطًا من الرأس واللحية والعضلات، أنتَ هو!
يا عصارة القيقب المتدفقة، يا ألياف القمح الرجولي، أنتَ هو!
يا شمسًا كريمة، أنتَ هو!
يا أبخرة تضيء وجهي وتظلله، أنتَ هو!
يا جداول متعرقة وندى، أنتَ هو!
يا رياحًا تداعبني بلطف، أنتَ هو! حقولٌ رحبةٌ ممتدة، وأغصانُ بلوطٍ وارفة،
ورفيقٌ مُحبٌّ في دروبِ متعرجة، سيكون أنتَ!
أيدٍ صافحتُها، ووجوهٌ قبّلتُها، وبشرٌ لمستُه، سيكون أنتَ.

أُغْنِي نفسي، فأنا بكلّ ما فيّ من جمالٍ ورونق،
كلُّ لحظةٍ وكلّ ما يحدث يُثير فيّ بهجةً غامرة،
لا أستطيعُ تفسيرَ كيفَ تنثني كاحلاي، ولا من أينَ يكمنُ سببُ أمنيتي الخافتة،
ولا سببُ الصداقةِ التي أُبديها، ولا سببُ الصداقةِ التي أتلقّاها.

أصعدُ عتبةَ بيتي، وأتوقفُ لأتأملَ إن كان ذلك حقيقةً،
زهرةُ الصباحِ عند نافذتي تُرضيني أكثرَ من تأملاتِ الكتب.

أن أرى بزوغَ الفجر!
يُبددُ الضوءُ الخافتُ الظلالَ الشاسعةَ الشفافة،
الهواءُ يُنعشُ حواسي.

أوزان العالم المتحرك في لهو بريء، ترتفع بصمت، تنضح بنضارة،
تنزلق بشكل مائل عالياً ومنخفضاً.

شيء لا أراه يرفع شوكات شهوانية،
بحار من عصير متلألئ تغمر السماء.

الأرض بجانب السماء، متوقفة عند التقائهما اليومي،
التحدي المرتفع من الشرق في تلك اللحظة فوق رأسي،
السخرية اللاذعة، انظر إذن هل ستكون سيد الموقف!



25.
يا له من شروقٍ خاطفٍ وعظيمٍ، كم سيقتلني هذا الشروق سريعًا،
لو لم أستطع الآن ودائمًا أن أُرسل الشروق من داخلي.

نحن أيضًا نصعد مبهرين وعظيمين كالشمس،
وجدنا ذواتنا يا روحي في هدوء وبرودة الفجر.

صوتي يسعى وراء ما لا تستطيع عيناي إدراكه،
بلف لساني أُحيط بعوالم وأحجام من العوالم.

الكلام توأم بصري، لا يُقاس بذاته،
يُثيرني دائمًا، يقول ساخرًا،
ألا يكفيك ما في داخلك، فلماذا لا تُطلقه إذًا؟

هيا الآن، لن أُفتن، أنت تُبالغ في التعبير،
ألا تعلم يا كلام كيف تُطوى البراعم تحتك؟
أنتظر في العتمة، يحميني الصقيع،
التراب يتراجع أمام صرخاتي النبوئية،
أحاول أخيرًا تحقيق التوازن بين الأسباب الكامنة،
معرفتي هي جوهر حياتي، وهي تتناغم مع معنى كل شيء،
السعادة، (التي على كل من يسمعني أن يسعى إليها في هذا اليوم).
أرفضُ فضلي الأخير، أرفضُ أن أُخفي حقيقتي،
أُحيطُ بالعوالم، لكن لا تُحاولوا أبدًا أن تُحيطوا بي،
أُزاحمُ أروعَ ما لديكم وأجملَه بمجرد النظر إليكم.

الكتابة والكلام لا يُثبتانني،
أحملُ في وجهي كمالَ البراهين وكل شيء آخر،
بصمتِ شفتيّ أُحيرُ المُتشكك تمامًا.


26.
الآن لن أفعل شيئًا سوى الإصغاء،
لأُضيف ما أسمعه إلى هذه الأغنية، ولأدع الأصوات تُساهم فيها.

أسمعُ زقزقة الطيور، وحفيف القمح، وهمس النيران، وطقطقة الحطب وهو يطهو طعامي،
أسمعُ الصوتَ الذي أحب، صوتَ الإنسان،
أسمعُ كلَّ الأصواتِ تتداخلُ، وتتحدُّ، وتندمجُ، أو تتبعُ بعضها،
أصواتُ المدينةِ وأصواتُ ما وراءها، أصواتُ الليلِ والنهار،
ثرثرةُ الشبابِ مع من يُحبُّهم، وضحكاتُ العمَّالِ العاليةِ أثناءَ تناولِهم الطعام،
غضبُ الصداقاتِ المتصدِّقة، وهمساتُ المرضى الخافتة،
القاضي الذي يشدُّ يديه على مكتبه، وشفتيه الشاحبتانِ ينطقانُ بحكم الإعدام،
هديرُ عمالِ الموانئِ وهم يُفرغون حمولاتِ السفنِ على الأرصفة، وترديدَ رافعاتِ المراسي،
رنينُ أجراسِ الإنذار، وصيحةَ الحريق،
وأزيزَ المحركاتِ السريعةِ وعرباتِ الخراطيمِ ذاتِ النغماتِ التحذيريةِ والأضواءِ الملونة،
صفيرَ البخار، ودويّ القطارِ المُقترب سيارات،
عزفت المسيرة البطيئة في مقدمة المجموعة، يسيرون اثنين اثنين،
(يذهبون لحراسة جثة، أعلامهم مغطاة بقماش موسلين أسود.)

أسمع صوت التشيلو، (إنه وجع قلب الشاب،)
أسمع صوت الكورنيت، ينساب سريعًا عبر أذني،
يهزّني بآلام حلوة مجنونة في بطني وصدري.

أسمع الكورس، إنها أوبرا عظيمة،
آه، هذه هي الموسيقى حقًا - إنها تناسبني.

صوت تينور قوي وعذب كالإبداع يملأني،
صوت فمه المتدفق يملأني تمامًا.

أسمع صوت السوبرانو المُدرَّب (يا تُرى ما هذا العمل الذي قامت به؟)
تدور بي الأوركسترا أوسع من دوران أورانوس،
تنتزع مني شغفًا لم أكن أعلم أنني أمتلكه،
تبحر بي، فأُلامس الأرض بقدميّ العاريتين، فتُداعبها الأمواج الهادئة،
يُقطعني بردٌ قاسٍ غاضب، فأفقد أنفاسي،
غارقًا في نشوة المورفين، تُخنق قصبتي الهوائية بأوهام الموت،

وأخيرًا أتحرر لأشعر بلغز الألغاز،
وهذا ما نسميه الوجود.



27.
أن نكون بأي شكل، ما هو؟
(ندور وندور، جميعنا، ونعود دائمًا إلى هناك،)
لو لم يكن هناك شيء أكثر تطورًا، لكان المحار في قشرته القاسية كافيًا.

جسدي ليس قاسياً،
لديّ موصلات فورية في كل مكان، سواء مررت أو توقفت،
تلتقط كل شيء وتمرره عبر جسدي دون أن تؤذيني.

أنا فقط أحرك، أضغط، أتحسس بأصابعي، وأشعر بالسعادة،
أما ملامسة جسدي لجسد شخص آخر فهي أقصى ما أستطيع تحمله.


28
هل هذا إذن لمسة؟ يهزّونني لهوية جديدة،
لهيب وأثير يندفعان نحو عروقي،
طرفي الخائن يمتدّ ويتزاحم لمساعدتهم،
لحمي ودمي يحوّلانني إلى برق ليضربا ما لا يختلف عني،
من كلّ جانب مثيرون شهوانيون يشدّون أطرافي،
يجهدون ضرع قلبي من أجل قطرته المحجوزة،
يتصرفون معي بوقاحة، لا يقبلون الرفض،
يحرمونني من أفضل ما لديّ وكأنّ لهم غاية،
يفكّون أزرار ملابسي، يمسكونني من خصري العاري،
يخدعون حيرتي بهدوء ضوء الشمس وحقول المراعي،
يسحبون حواسي الأخرى بعيدًا بوقاحة،
رشوتهم ليتبادلوا اللمسات والرحيل ويرعوا على أطرافي،
لا اعتبار، لا اكتراث لقوتي المنهكة أو غضبي،
يجمعون بقيّة القطيع حولهم ليستمتعوا بهم قليلًا،
ثمّ يتحدون جميعًا ليقفوا على رأس صخرة ويقلقوني.

تخلى الحراس عني تمامًا،
تركوني عاجزًا أمام غازٍ أحمر،
جاؤوا جميعًا إلى الرأس ليشهدوا عليّ ويساعدوني ضدي.

خانوني،
أهذي بكلامٍ غير مفهوم، فقدتُ صوابي، أنا وحدي الخائن الأكبر،
ذهبتُ بنفسي إلى الرأس، حملتني يداي إلى هناك.

يا لمسةً لئيمة! ماذا تفعلين؟ أنفاسي محصورة في حلقي،
افتحي أبوابكِ، أنتِ أقوى مني.


29.
لمسةٌ عمياءٌ محبةٌ متصارعة، لمسةٌ مغلفةٌ بغطاءٍ وأسنانٍ حادة!
هل آلمكِ فراقي هكذا؟

الفراق يتبعه وصول، سدادٌ دائمٌ لدينٍ دائم،
مطرٌ غزيرٌ، ومكافأةٌ أغنى بعد ذلك.

تنمو البراعم وتتراكم، تقف على جانب الطريق خصبة وحيوية،
مناظر طبيعية مُسقطة ذكورية، كاملة الحجم وذهبية.



30.
كل الحقائق كامنة في كل شيء،
لا تُعجّل بظهورها ولا تُقاومه،
لا تحتاج إلى ملقط الجراح،
التافه كبير عندي كأي شيء آخر،
(ما هو أقل أو أكثر من لمسة؟)

المنطق والمواعظ لا تُقنع أبدًا،
رطوبة الليل تتغلغل أعمق في روحي.

(ما يثبت نفسه لكل رجل وامرأة هو الحقيقة،
ما لا ينكره أحد هو الحقيقة.)

لحظة وقطرة مني تُهدئ عقلي،
أؤمن أن الكتل الرطبة ستتحول إلى عشاق ومصابيح،
ومجموعة من المجموعات هي جوهر الرجل أو المرأة،
والقمة والزهرة هما الشعور الذي يكنونه لبعضهم البعض،
ويجب أن يتفرعوا بلا حدود من هذا الدرس حتى يصبح شاملاً،
وحتى يُسعدنا جميعًا، ونسعدهم.



31
أؤمن أن ورقة العشب لا تقلّ شأناً عن رحلة النجوم،
والزهرة الصغيرة كاملةٌ كحبة الرمل وبيضة النمنمة،
والضفدع الشجري تحفةٌ فنيةٌ للأعلى شأناً،
وثمرة العليق المتدلية تُزيّن قاعات السماء،
وأصغر مفصلٍ في يدي يُهين كلّ الآلات،
والبقرة التي تمضغ الطعام برأسٍ مُنكسٍ تتفوق على أيّ تمثال،
والفأر معجزةٌ كافيةٌ لإرباك ملايين الكفار.

أجد نفسي أُدمج النيس والفحم والطحالب الطويلة والفاكهة والحبوب والجذور الصالحة للأكل،
وأنا مُغطّى بالجصّ من الحيوانات والطيور في كلّ مكان،
وقد أبعدتُ ما هو خلفي لأسبابٍ وجيهة،
لكنني أستطيع استعادة أيّ شيءٍ متى أردت.

عبثًا السرعة أو الخجل،
عبثًا تُرسل الصخور النارية حرارتها القديمة ضد اقترابي،
عبثًا يتراجع الماموث تحت عظامه المسحوقة،
عبثًا تقف الأشياء على بُعد أميال وتتخذ أشكالًا متعددة،
عبثًا يستقر المحيط في المنخفضات والوحوش العظيمة تختبئ،
عبثًا يتخذ النسر مأوىً له مع السماء،
عبثًا تنزلق الأفعى بين النباتات المتسلقة وجذوع الأشجار،
عبثًا يلجأ الأيل إلى الممرات الداخلية للغابة،
عبثًا يُبحر طائر الأوك ذو المنقار الحاد شمالًا إلى لابرادور،
أتبعه سريعًا، وأصعد إلى العش في شق الجرف.



32.
أظن أنني أستطيع أن أعيش مع الحيوانات، فهي وديعة وهادئة،
أقف وأتأملها مطولاً.

لا تتصبب عرقاً ولا تتذمر من حالها،
لا تسهر في الظلام وتبكي على ذنوبها،
لا تُمرضني بحديثها عن واجبها تجاه الله،
لا أحد منها ساخط، ولا أحد منها مهووس بالتملك،
لا أحد منها يركع لآخر، ولا لجنسه الذي عاش قبل آلاف السنين،
لا أحد منها محترم أو تعيس على وجه الأرض.

لذا فهي تُظهر لي صلتها بي فأقبلها،
تُحضر لي دلائل على ذاتي، تُظهرها بوضوح في حوزتها.

أتساءل من أين تأتي بتلك الدلائل،
هل مررتُ من هنا منذ زمن بعيد وأسقطتها سهواً؟

أنا أتقدم للأمام، حينها والآن وإلى الأبد،
أجمع وأُظهر المزيد دائمًا وبسرعة،
لا نهائي وشامل، ومن بينهم أمثال هؤلاء،
ليس حصريًا لمن يطالهم ذكري،
أختار هنا من أحب، وأمضي معه الآن كأخ.

حصانٌ ضخم الجمال، نشيطٌ ومتجاوبٌ مع لمساتي،
رأسه عالٍ في جبهته، واسعٌ بين أذنيه،
أطرافه لامعةٌ ومرنة، وذيله يلامس الأرض،
عيناه تفيضان ببريقٍ خبيث، وأذناه مصقولتان بدقة، تتحركان بمرونة.

تتسع منخراه حين تعانقه كعباي،
وترتجف أطرافه القوية من اللذة ونحن نركض ونعود.

أستخدمك لدقيقةٍ فقط، ثم أتخلى عنك أيها الحصان،
لماذا أحتاج إلى خطواتك وأنا أسبقها في العدو؟
حتى وأنا واقفٌ أو جالسٌ أسرع منك.




33.
المكان والزمان! الآن أرى أن ما ظننته حقيقة،
ما ظننته وأنا مسترخٍ على العشب،
ما ظننته وأنا مستلقٍ وحيدًا في فراشي،
ومرة أخرى وأنا أسير على الشاطئ تحت نجوم الصباح الباهتة.

تفارقني قيودي وأثقالي، وتستقر مرفقاي في فجوات البحر،
أجتاز السلاسل الجبلية، وتغطي راحتاي القارات،
أنا أسير برؤيتي.

بين بيوت المدينة المربعة - في أكواخ خشبية، مخيمين مع الحطابين،
على طول أخاديد الطريق السريع، على طول الوادي الجاف ومجرى النهر،
أزيل الأعشاب الضارة من حقل البصل أو أحرث صفوف الجزر والجزر الأبيض،
أعبر السافانا، أتجول في الغابات،
أبحث عن الذهب، وأنقّب عن أشجار اشتريتها حديثًا،
أحرقت قدمي من الرمال الساخنة، وأنا أسحب قاربي في النهر الضحل،
حيث يسير الفهد جيئة وذهابًا على غصن فوق رأسي،
وحيث ينعطف الأيل بغضب نحو الصياد،
حيث تستلقي الأفعى الجرسية على صخرة،
وحيث يتغذى ثعلب الماء على السمك،
حيث ينام التمساح في بثوره الصلبة بجانب المستنقع،
حيث يبحث الدب الأسود عن الجذور أو العسل،
وحيث يربت القندس على الطين بـ ذيلٌ على شكل مجداف؛
فوق قصب السكر النامي، فوق نبات القطن ذي الأزهار الصفراء،
فوق الأرز في حقله الرطب المنخفض،
فوق بيت المزرعة ذي القمة الحادة،
برغوته المتموجة وبراعمه النحيلة المتدلية من المزاريب،
فوق الكاكي الغربي، فوق الذرة ذات الأوراق الطويلة،
فوق الكتان الرقيق ذي الأزهار الزرقاء،
فوق الحنطة السوداء البيضاء والبنية، طنانٌ وطنانٌ هناك مع البقية،
فوق خضرة الجاودار الداكنة وهي تتماوج وتظلل في النسيم؛
أتسلق الجبال، أسحب نفسي بحذر إلى الأعلى، متشبثًا بأغصانٍ واهنة،
أسير على الدرب الذي حفرته الأعشاب وشقته أوراق الشجيرات،
حيث يصفر السمان بين الغابة وحقل القمح،
حيث يطير الخفاش في ليلة الشهر السابع،
وحيث تهبط حشرة الذهب الكبيرة في الظلام،
حيث ينبثق الجدول من جذور الشجرة العتيقة ويتدفق إلى المرج،
حيث تقف الماشية وتنفض الذباب مع ارتعاش جلودها،
حيث تتدلى قطعة القماش القطنية في المطبخ،
وحيث تستقر دعامات الموقد على سطح الموقد،
وحيث تتساقط خيوط العنكبوت كأكاليل من العوارض الخشبية؛
حيث تتحطم المطارق، وحيث تدور أسطوانات المطبعة،
حيث ينبض قلب الإنسان بآلامٍ مُرعبة تحت أضلاعه،
حيث يطفو البالون الكمثري الشكل في الأعالي،
(أطفو فيه بنفسي وأنظر بهدوء إلى الأسفل،)
حيث تُسحب سيارة النجاة على حبل المشنقة،
وحيث تفقس الحرارة بيضًا أخضر باهتًا في الرمال المتعرجة،
حيث تسبح الحوتة مع صغيرها ولا تتخلى عنه أبدًا،
حيث تجر السفينة البخارية خلفها رايتها الطويلة من الدخان،
حيث يقطع زعنفة القرش الماء كقطعة سوداء،
حيث تطفو السفينة الشراعية نصف المحترقة على تيارات مجهولة،
حيث تنمو الأصداف على سطحها اللزج،
وحيث تتحلل الجثث في الأسفل؛
حيثُ يُرفع العلمُ ذو النجوم الكثيفة على رأسِ الأفواج،
أقتربُ من مانهاتن من جهة الجزيرة الممتدة،
تحت شلالات نياجرا، التي تسقطُ كحجابٍ على وجهي،
على عتبةِ باب، على حاجزِ الخيولِ الخشبيِّ في الخارج،
في مضمارِ السباق، أو أستمتعُ بالنزهاتِ أو الرقصاتِ أو لعبةِ البيسبول،
في المهرجاناتِ، مع سخريةِ الفظاظةِ، والتهكمِ،
ورقصاتِ الثيران، والشربِ، والضحك،
في معصرةِ عصيرِ التفاحِ أتذوقُ حلاوةَ العجينِ البنيِّ،
وأمتصُّ العصيرَ عبرَ قشة،
أثناءَ تقشيرِ التفاحِ أتوقُ إلى القُبلِ لكلِّ ثمرةٍ حمراءَ أجدها،
في التجمعات، وحفلات الشاطئ، وتجمعات النحل الودية،
وتقشير الحبوب، وبناء المنازل؛
في التجمعات، وحفلات الشاطئ، والنحل الودود،
وتقشير الحبوب، وبناء المنازل؛
حيث يُغرّد طائر المحاكاة بأصواته العذبة،
من غرغرة وقهقهة وصراخ وبكاء،
حيث تقف أكوام التبن في حظيرة الماشية،
وحيث تتناثر السيقان الجافة،
وحيث تنتظر البقرة في حظيرتها،
حيث يتقدم الثور ليؤدي دوره الرجولي،
وحيث يهاجم الفحل الفرس،
وحيث يدوس الديك الدجاجة،
حيث ترعى العجلات، وحيث تنقر الأوز طعامها بحركات سريعة،
حيث تطول ظلال الغروب فوق البراري الشاسعة الموحشة،
حيث تنتشر قطعان الجاموس زاحفةً على مساحات شاسعة قريبة وبعيدة،
حيث يتلألأ الطائر الطنان، وحيث ينحني عنق البجعة المعمرة ويلتف،
حيث ينزلق النورس الضاحك على الشاطئ،
وحيث يضحك ضحكته الشبيهة بضحكة البشر،
حيث خلايا النحل مجموعة على مقعد رمادي في الحديقة،
نصفها مخفي بين الأعشاب الطويلة،
حيث تستريح طيور الحجل ذات العنق المخطط في حلقة على الأرض
ورؤوسها بارزة،
حيث تدخل عربات الجنازة البوابات المقوسة للمقبرة،
حيث تنبح ذئاب الشتاء وسط أكوام الثلج والأشجار المتجمدة،
حيث يأتي مالك الحزين ذو التاج الأصفر إلى حافة المستنقع ليلاً
ويتغذى على السرطانات الصغيرة،
حيث يلطف رذاذ السباحين والغواصين حرارة الظهيرة،
حيث تعزف صرصور الليل على قصبة ملونة على شجرة الجوز فوق البئر،
عبر بقع من الليمون والخيار بأوراق فضية اللون،
عبر بقعة الملح أو بستان البرتقال، أو تحت أشجار التنوب المخروطية،
عبر صالة الألعاب الرياضية، عبر الصالون ذي الستائر، عبر المكتب أو القاعة العامة؛
حيث مسرورٌ بالمواطن والمستورد، مسرورٌ بالجديد والقديم،
مسرورٌ بالمرأة البسيطة والجميلة على حدٍ سواء،
مسرورٌ بالراهبة الكويكرية وهي تخلع قبعتها وتتحدث بصوتٍ عذب،
مسرورٌ بنغم جوقة الكنيسة المطلية بالجير،
مسرورٌ بكلمات الواعظ الميثودي المتعرقة، المتأثرة بشدة في اجتماع المخيم؛
أقضي الصباح كله أنظر إلى واجهات متاجر برودواي،
وأضغط أنفي على الزجاج السميك،
أتجول في نفس فترة ما بعد الظهر ووجهي مرفوعٌ نحو السماء،
أو أسير في أحد الأزقة أو على طول الشاطئ،
ذراعاي اليمنى واليسرى تحيطان بصديقين، وأنا في المنتصف؛

أعود إلى المنزل مع فتى الأدغال الصامت ذي الخدين الداكنين
(يركب خلفي مع حلول المساء)،
بعيدًا عن المستوطنات، أتأمل آثار أقدام الحيوانات، أو آثار الأحذية،
بجوار سرير المريض في المستشفى، أقدم عصير الليمون لمريضٍ مُحمّى،
قرب الجثة في نعشها حين يسود السكون، أفحصها بضوء شمعة؛
أسافر إلى كل ميناء لأساوم وأخوض المغامرات،

أهرول مع جموع العصر الحديث، متلهفًا ومتقلبًا كغيري،
أشعر بالغضب تجاه من أكره، مستعدًا في جنوني لطعنه،
وحيدًا في منتصف الليل في فناء منزلي الخلفي، أفكاري شاردة منذ زمن،
أسير على تلال يهوذا القديمة، والله الجميل الرحيم بجانبي،
أسرع عبر الفضاء، أسرع عبر السماء والنجوم،
أسرع بين الأقمار السبعة والحلقة العريضة، وقطرها الذي يبلغ ثمانين ألف ميل،
أسرع مع النيازك ذات الذيل، أقذف كرات نارية كالبقية،
أحمل الطفل الهلالي الذي يحمل أمه كاملة في أحشائه،
أهيم، أستمتع، أخطط، أحب، أحذر،
أتراجع وأملأ، أظهر وأختفي،
أسلك هذه الدروب ليلًا ونهارًا.

أزور بساتين الكرات وأتأمل ثمارها،
وأتأمل في ملياراتٍ منها ناضجة، وفي ملياراتٍ أخرى خضراء.

أحلق في رحلات روحٍ سائلةٍ تبتلع كل شيء،
مساري يسير تحت هدير الأعماق.

أستقي من المادي والمعنوي،
لا حارس يستطيع إيقافي، ولا قانون يمنعني.

أرسي سفينتي لبرهةٍ وجيزة،
رسلي يبحرون بعيدًا أو يعودون إليّ برسائلهم.

أذهب للصيد، أصطاد الفراء القطبي والفقمة،
أقفز فوق الوديان بعصا مدببة، وأتشبث بأكوامٍ هشةٍ زرقاء.

أصعد إلى مقدمة السفينة،
أتخذ مكاني في عش الغراب في وقت متأخر من الليل،
نبحر في بحر القطب الشمالي، والضوء كافٍ تمامًا،
أستمتع بجمال الطبيعة الخلاب من خلال صفاء الجو،
تمر بي كتل الجليد الهائلة وأمر بها،
والمناظر الطبيعية واضحة في كل الاتجاهات،
تظهر الجبال ذات القمم البيضاء في الأفق، فأطلق العنان لخيالي نحوها،
نقترب من ساحة معركة عظيمة سنخوض فيها معركة وشيكة،
نمر بمواقع المعسكر الضخمة، نمر بخطوات ثابتة وحذر،
أو ربما ندخل ضواحي مدينة شاسعة مدمرة،
أرى فيها من المباني والآثار المنهارة أكثر من جميع المدن الحية في العالم.

أنا رفيق حر، أبيت بجوار نيران المراقبة،
أُخرج العريس من فراشه وأبقى مع العروس،
أضمها طوال الليل إلى فخذي وشفتيّ.

صوتي هو صوت الزوجة، صرخةٌ عند سلم الدرج،
يُحضرون جثة زوجتي غارقةً تقطر ماءً.

أفهم عظمة قلوب الأبطال،
شجاعة الحاضر وكل العصور،
كيف رأى القبطان حطام السفينة البخارية المكتظة بلا دفة،
والموت يطاردها في العاصفة،
كيف تمسك بثبات ولم يتراجع قيد أنملة، وكان وفيًا نهارًا وليلًا،
وكتب بأحرف كبيرة على لوح: "اطمئنوا، لن نتخلى عنكم"؛
كيف تبعهم وأبحر معهم ثلاثة أيام ولم يستسلم،
كيف أنقذ الطاقم التائه في النهاية،
كيف بدت النساء النحيلات ذوات الثياب الفضفاضة وهنّ يُنقلن بالقارب من جانب قبورهن المُعدّة،
كيف كان حال الأطفال الرضع الصامتين ذوي الوجوه الشاحبة،
والمرضى الذين رُفعوا من على متن السفينة،
والرجال ذوي الشفاه الحادة غير الحليقة؛
كل هذا أتقبله، إنه لذيذ، يعجبني، إنه جزء مني،
أنا الرجل، لقد عانيت، كنت هناك.

ازدراء الشهداء وهدوؤهم،
الأم العجوز، المدانة بالسحر، المحروقة بالحطب الجاف، وأطفالها يحدقون بها،
العبد المطارد الذي يضعف في السباق، يتكئ على السياج، يلهث، مغطى بالعرق،
الوخزات التي تلسع كالإبر في ساقيه ورقبته، طلقات الخرطوش القاتلة والرصاص،
كل هذا أشعر به أو أنا هو..

أنا العبد المطارد، أتألم من عضة الكلاب،
الجحيم واليأس يحيطان بي، طلقات الرماة تتكسر مرارًا وتكرارًا،
أتشبث بقضبان السياج، دمي يسيل، ممزوجًا بسائل جلدي،

أسقط على الأعشاب والحجارة،
يحث الفرسان خيولهم المكرهة، ويقتربون،
يسخرون من أذني الدوارة ويضربونني بعنف على رأسي بعصي السياط.

الألمُ أحدُ حُليَّ المُتغيرة،
لا أسألُ الجريحَ عن حاله، بل أُصبحُ أنا الجريح،
تتحولُ آلامُي إلى جحيمٍ مُرعبٍ وأنا أتكئُ على عكازٍ وأُراقب.

أنا رجلُ الإطفاءِ المُهشَّمُ ذو عظمِ الصدرِ المكسور،
دفنتني الجدرانُ المُنهارةُ تحتَ أنقاضِها،
أشعلتُ نارًا ودخانًا، وسمعتُ صيحاتِ رفاقي،
سمعتُ طقطقةَ معاولِهم ومجارفِهم البعيدة،
أزالوا العوارضَ، ورفعوني برفقٍ.

أستلقي في هواءِ الليلِ بقميصي الأحمر، والصمتُ المُطبقُ هو من أجلي،
أُستلقي بلا ألمٍ بعدَ كلِّ شيء، مُنهكًا لكنَّني لستُ تعيسًا،
الوجوهُ من حولي بيضاءُ وجميلة، ورؤوسُهم مكشوفةٌ من قبعاتِ الإطفاء،
يتلاشى الحشدُ الراكعُ مع ضوءِ المشاعلِ.

تُبعثُ من جديدِ أشياءٌ بعيدةٌ هامدة،
تظهرُ كقرصِ الساعةِ أو تتحركُ كعقاربِها، فأنا الساعةُ بنفسي.

أنا مدفعيٌّ قديم، أرويُ قصفَ حصني،
أنا هناكُ مجدداً.

مرةً أخرى دويُّ الطبولِ الطويل،
مرةً أخرى دويّ المدافعِ وقذائفِ الهاونِ المهاجمة،
مرةً أخرى صدى المدافعِ في أذني المُصغية.

أشاركُ، أرى وأسمعُ كلَّ شيء،
الصيحاتُ والشتائمُ والهديرُ، والثناءُ على الطلقاتِ المُصوَّبةِ بدقة،
سيارةُ الإسعافِ تمرُّ ببطءٍ تاركةً وراءها قطراتِ الدمِ،
العمالُ يبحثونُ عن الأضرارِ، يُجرون إصلاحاتٍ لا غنى عنها،
سقوطُ القنابلِ اليدويةِ عبرَ السقفِ المُمزَّق، الانفجارُ على شكلِ مروحة،
أزيزُ الأطرافِ والرؤوسِ والحجارةِ والخشبِ والحديدِ عالياً في الهواء.

يُصدر جنرالي المحتضر غرغرةً أخرى، وهو يلوّح بيده بعنف،
يلهث من خلال الجلطة: لا تُبالوا بي، بل انتبهوا للتحصينات.


34.
والآن أروي ما عرفته في تكساس في مطلع شبابي،
(لا أروي سقوط ألامو،
لم ينجُ أحد ليروي سقوط ألامو،
لا يزال المئة والخمسون صامتين في ألامو،)
إنها قصة مقتل أربعمئة واثني عشر شابًا بدم بارد.

كانوا ينسحبون وقد اتخذوا شكل مربع مجوف، مستخدمين أمتعتهم كمتاريس،
تسعمئة روح من أرواح العدو المحيط، أي تسعة أضعاف عددهم،
كان الثمن الذي دفعوه مقدمًا،
أُصيب قائدهم ونفدت ذخيرتهم،
طلبوا استسلامًا مشرفًا، وحصلوا على وثيقة مكتوبة ومختومة،
وسلموا أسلحتهم وعادوا أسرى حرب.

كانوا فخر سلالة الحراس،
لا يُضاهون في ركوب الخيل، والرماية، والغناء، والعشاء، والمغازلة،
ضخمين، صاخبين، كرماء، وسيمين، فخورين، وحنونين،
ملتحين، مُسمرين من الشمس، يرتدون زي الصيادين الفضفاض،
لم يتجاوز عمر أي منهم الثلاثين عامًا.

في صباح اليوم الأول الثاني، أُخرجوا في فرقٍ وأُبيدوا، كان صيفًا جميلًا في بدايته،
بدأ العمل حوالي الساعة الخامسة وانتهى بحلول الساعة الثامنة.

لم يُطع أحدٌ أمر الركوع،
اندفع بعضهم بجنونٍ وعجز، ووقف آخرون شامخين،
سقط قليلٌ منهم على الفور، برصاصةٍ في الصدغ أو القلب،
وتناثر الأحياء والأموات معًا،
دُفن المصابون والمشوّهون في التراب، ورآهم الوافدون الجدد هناك،
حاول بعضهم، وهم على وشك الموت، الزحف بعيدًا،
فُني هؤلاء بالحراب أو ضُربوا ببنادق المسكيت،
أمسك شابٌ لم يبلغ السابعة عشرة من عمره بقاتله حتى جاء اثنان آخران لتحريره،
مُزّق الثلاثة جميعًا وغُطّوا بدماء الصبي.

في الساعة الحادية عشرة، بدأ حرق الجثث؛
هذه هي قصة مقتل الأربعمائة واثني عشر شابًا.


35
هل تسمعون عن معركة بحرية قديمة؟
هل تريدون معرفة من انتصر في ضوء القمر والنجوم؟
استمعوا إلى الحكاية، كما رواها لي جدّي البحار.

قال: "لم يكن عدوّنا متخاذلاً في سفينته، أقول لكم،"
كانت لديه الشجاعة الإنجليزية العنيدة، ولا يوجد أشدّ منها ولا أصدق، ولم يكن ولن يكون.
مع حلول المساء، هاجمنا بشراسة.

اقتربنا منه، وتشابكت صواري سفينتنا، وتلامست مدافعنا.
تشبث قائدي بيديه.

تلقينا حوالي 18 قذيفة من عيار 18 رطلاً تحت الماء.
على سطح مدفعنا السفلي، انفجرت قطعتان كبيرتان مع أول طلقة،
فقتلتا كل من حولنا وتناثرتا فوق رؤوسنا.

قتالٌ عند الغروب، قتالٌ في الظلام،
العاشرة ليلًا، والقمرُ البدرُ يكتمل، وتسربُ المياهِ يزداد،
وبلغ ارتفاعُها خمسةَ أقدام،
أطلقَ قائدُ الأسلحةِ سراحَ الأسرى المحتجزينَ في مؤخرةِ السفينةِ
ليمنحهم فرصةً للدفاعِ عن أنفسهم.

توقفَ الحراسُ الآنَ عن نقلِ الذخيرةِ من وإلى المخزن،
يرونَ وجوهًا غريبةً كثيرةً لا يعرفونَ بمن يثقون.

تعرضت فرقاطتنا لإطلاقِ النار،
سألَ الآخرُ إن كنا نطالبُ بالاستسلام؟
إن أنزلنا راياتنا وانتهى القتال؟

الآن أضحكُ راضيًا، لأني أسمعُ صوتَ قائدي الصغير،
لم نستسلم، يصيحُ بهدوء، لقد بدأنا للتو دورنا في القتال.

ثلاثُ مدافعَ فقط قيدُ الاستخدام،
أحدُها يوجهُه القائدُ بنفسهِ نحوَ الصاريِ الرئيسيِّ للعدو،
اثنانُان مُجهزان جيدًا بقذائفِ العنبِ والقنبلةِ يُسكتانَ نيرانَ بنادقِهِ ويُخليانَ سطحَ سفينتهِ.

تُساند القمم وحدها نيران هذه البطارية الصغيرة، وخاصة القمة الرئيسية،
تصمد ببسالة طوال المعركة.

لم تتوقف لحظة واحدة،
تتسرب المياه بسرعة من المضخات، والنيران تلتهم مخزن البارود.

أُصيبت إحدى المضخات، ويُعتقد عمومًا أننا نغرق.

يقف القائد الصغير هادئًا،
لا يبدو عليه التسرع، وصوته ليس عاليًا ولا منخفضًا،
عيناه تُنيرنا أكثر من مصابيحنا الحربية.

عند الثانية عشرة، يستسلمون لنا في ضوء القمر.




36.
يمتد الليل ساكنًا،
هيكلان عظيمان بلا حراك على صدر الظلام،
سفينتنا مثقوبة وتغرق ببطء، استعدادات للانتقال إلى السفينة التي غلبناها،
القبطان على سطح السفينة يُصدر أوامره ببرود من خلال وجه شاحب كالملاءة،
بالقرب جثة الطفل الذي كان يعمل في المقصورة،
وجه بحار عجوز ميت ذو شعر أبيض طويل ولحية مجعدة بعناية،
اللهب يشتعل رغم كل ما يمكن فعله، يرتعش في الأعلى والأسفل،
أصوات الضباط الخافتة، اثنان أو ثلاثة، لا يزالون قادرين على أداء واجبهم،
أكوام من الجثث بلا شكل، وجثث منفردة، وبقع من اللحم على الصواري والأذرع،
حبال مقطوعة، وأشرعة متدلية، وهزة خفيفة من هدوء الأمواج،
مدافع سوداء جامدة، أكوام من عبوات البارود، رائحة قوية،
نجوم قليلة كبيرة في السماء، تتلألأ بصمت وحزن،
رقيقة نفحات من نسيم البحر، وروائح العشب المتساقط والحقول على الشاطئ،
ورسائل الموت تُسلّم للناجين،
أزيز سكين الجراح، وأسنان منشاره الحادة،
أزيز، نقر، تدفق الدم المتساقط، صرخة قصيرة جامحة،
وأنين طويل مكتوم متناقص،
هذه كلها، هذه لا رجعة فيها.


37.
أيها المتخلفون هناك في الحراسة! انظروا إلى أسلحتكم!
يدخلون من الأبواب المفتوحة، يتزاحمون! أنا مسكون!
أجسد كل الوجود الخارج عن القانون أو المتألم،
أرى نفسي في السجن على هيئة رجل آخر،
وأشعر بالألم الخافت المتواصل.

من أجلي يحمل حراس المدانين بنادقهم ويحرسون،
أنا الذي أُطلق سراحي في الصباح وأُحبس في الليل.

لا يُساق متمردٌ مكبّل اليدين إلى السجن،
(لكنني مكبّلٌ معه وأسير بجانبه.)

لستُ ذلك الشخص المرح، بل الصامت الذي يتصبب عرقًا على شفتيه المرتعشتين.

لا يُقبض على شابٍّ بتهمة السرقة، لكنني أُحاكم وأُصدر بحقي الحكم.

لا يُفارق مريض الكوليرا الحياة، لكنني أُفارقها أيضًا،
وجهي شاحبٌ كالجمر، وعضلاتي متشنجة، والناس يبتعدون عني.

يتجسد السائلون فيّ، وأتجسد فيهم،
أُلقي بقبعتي، وأجلس خجلًا، وأتوسل.



38.
كفى! كفى! كفى!
لقد صُعقتُ بطريقةٍ ما. ابتعدوا!
امنحوني بعض الوقت بعيدًا عن رأسي المكبل، وغفوتي، وأحلامي، وذهولي،
أجد نفسي على وشك ارتكاب خطأٍ معتاد.

أن أنسى الساخرين والإهانات!
أن أنسى الدموع المتساقطة وضربات الهراوات والمطارق!
أن أنظر بنظرةٍ مختلفة إلى صلبي وتتويجي الدامي.

أتذكر الآن،
أستأنف الكسر الممل،
قبر الصخر يُضاعف ما أُودع فيه، أو في أي قبر،
تنهض الجثث، وتلتئم الجروح، وتتدحرج القيود عني.

أتقدمُ مُفعمًا بقوةٍ عظمى، كواحدٍ من موكبٍ لا ينتهي،
نسيرُ في البر والبحر، ونجتازُ جميعَ الحدود،
قوانينُنا السريعةُ تجوبُ الأرضَ بأسرها،
أزهارُنا التي نُزيّنُ بها قبعاتِنا هي ثمرةُ آلافِ السنين.

أيها الجان، أُحيّيكم! تقدّموا!
واصلوا تدوينَكم، واصلوا أسئلتكم.



39.
من هو ذلك المتوحشُ الودودُ المتدفق؟
هل ينتظرُ الحضارة، أم تجاوزها ويتقنُها؟

هل هو من سكانِ الجنوبِ الغربيّين الذين نشأوا في العراء؟ هل هو كنديّ؟
هل هو من بلادِ المسيسيبي؟ أيوا، أوريغون، كاليفورنيا؟
من الجبال؟ من حياةِ البراري، من حياةِ الأدغال؟ أم بحّارٌ من البحر؟

أينما حلّ، يقبلهُ الرجالُ والنساءُ ويرغبونَ به،
يتوقونَ أن يُحبّهم، أن يلمسهم، أن يُكلمهم، أن يبقى معهم.

أينما ذهب، يقبلهُ الرجالُ والنساءُ ويرغبونَ به،
يتوقونَ أن يُحبّهم، أن يلمسهم، أن يُكلمهم، أن يبقى معهم.

سلوكٌ جامحٌ كرقاقات الثلج، كلماتٌ بسيطةٌ كالعشب، رأسٌ أشعث، ضحكٌ وبراءةٌ،
خطواتٌ بطيئة، ملامحٌ مألوفة، أنماطٌ وإشعاعاتٌ مألوفة،
تنزل بأشكالٍ جديدةٍ من أطراف أصابعه،
تفوح منها رائحة جسده أو أنفاسه، وتطير من نظرة عينيه.



40.
يا تباهي أشعة الشمس، لستُ بحاجةٍ إلى دفئكِ - استلقي فوقي!
أنتِ تُضيئين الأسطح فقط، أما أنا فأُجبر الأسطح والأعماق أيضًا.

يا أرض! يبدو أنكِ تبحثين عن شيءٍ في يديّ،
قولي، يا خصلة الشعر القديمة، ماذا تريدين؟

رجلاً كنتِ أم امرأة، قد أخبركِ بمدى إعجابي بكِ، لكنني لا أستطيع،
وقد أخبركِ بما في داخلي وما في داخلكِ، لكنني لا أستطيع،
وقد أخبركِ بذلك الشوق الذي يملأني، ذلك النبض الذي ينبض في لياليّ وأيامي.

ها أنا ذا، لا أُلقي محاضراتٍ ولا أُقدم صدقاتٍ زائفة،
عندما أُعطي، أُعطي نفسي.

أيها العاجز، المرتخي الركبتين،
افتح فمك المغطى بالوشاح حتى أنفخ فيك غبارًا،
افرد راحتيك وارفع جيوبك،
لن أُحرم، أنا أُجبر، لديّ مخزون وفير وفائض،
وكل ما أملك أُعطيه.

لا أسأل من أنت، فهذا ليس مهمًا بالنسبة لي،
لا يمكنك فعل شيء أو أن تكون شيئًا سوى ما سأُدخله فيك.

أميل إلى عامل حقل القطن أو عامل تنظيف المراحيض،
أضع قبلة العائلة على خده الأيمن،
وأقسم في نفسي أنني لن أحرمه أبدًا.

أُنجب أطفالًا أكبر حجمًا وأكثر رشاقة من النساء القادرات على الإنجاب.
(في هذا اليوم، أُطلق مواد جمهوريات أكثر غطرسة.)

إلى كل من يحتضر، أسرع إليه وأُدير مقبض الباب.
أُدير أغطية السرير نحو أسفل السرير،
دع الطبيب والكاهن يذهبان إلى المنزل.

أمسك بالرجل الهابط وأرفعه بإرادة لا تُقهر،
يا يائس، ها هو عنقي،
والله، لن تسقط! علق كل ثقلك عليّ.

أُوسعك بنَفَسٍ هائل، وأرفعك،
أملأ كل غرفة في البيت بقوةٍ مُسلّحة،
عشاقي، مُحيرو القبور.

نم - أنا وهم نحرسك طوال الليل،
لا شك، ولا موت يجرؤ على لمسك،
لقد احتضنتك، ومن الآن فصاعدًا أنت لي وحدي،
وعندما تستيقظ في الصباح ستجد أن ما أقوله لك صحيح.



41.
أنا الذي أُقدّم العون للمرضى وهم يلهثون على ظهورهم،
وللرجال الأقوياء المستقيمين أُقدّم عونًا أكبر.

سمعتُ ما قيل عن الكون،
سمعتُه مرارًا وتكرارًا على مدى آلاف السنين؛
إنه متوسط الحال إلى حد ما - ولكن هل هذا كل شيء؟

أُكبّر وأُطبّق،
أُزايد في البداية على الباعة المُحتالين الحذرين،
أتخذ لنفسي الأبعاد الدقيقة ليهوه،
أطبع كرونوس، وزيوس ابنه، وهرقل حفيده،
أشتري مسودات أوزيريس، وإيزيس، وبيلوس، وبراهما، وبوذا،
أضع في ملف أعمالي مانيتو مُفككًا، والله على ورقة، والصليب محفورًا،
مع أودين ومكسيتلي ذي الوجه البشع وكل صنم وصورة،
آخذها جميعًا بقيمتها الحقيقية لا أكثر،
مُقرًا بأنها كانت حية وقامت بعمل أيامها،
(لقد حملت ذرات كالعصافير التي لم تُفرخ بعد والتي عليها الآن أن تنهض
وتطير وتُغني بنفسها،)
أقبل الرسومات الإلهية الأولية لأُكملها بشكل أفضل في نفسي،
وأمنحها بسخاء لكل رجل وامرأة أراهم،
مكتشفًا الكثير، أو أكثر، في مُؤطِّر يُؤطِّر منزلًا،
أضع له هناك مطالب أعلى أكمامه المطوية تدق المطرقة والإزميل،
لا أمانع في الوحي الخاص، فأعتبر خصلة دخان أو شعرة على ظهر يدي غريبة كأي وحي،
الفتيان الذين يحملون سيارات الإطفاء وحبال السلالم لا يقلون عندي شأناً عن آلهة الحروب القديمة،
أصغي لأصواتهم التي تتردد وسط دوي الدمار،
أطرافهم القوية تعبر بأمان فوق الألواح المتفحمة، وجباههم البيضاء سليمة سالمة من اللهب؛
بواسطة زوجة الميكانيكي وطفلها الرضيع على حلمتها تتضرع من أجل كل مولود جديد،
ثلاثة مناجل في موسم الحصاد تدور في صف واحد من ثلاثة ملائكة مفتولي العضلات بقمصان ممزقة عند خصورهم،
العامل ذو الأسنان البارزة والشعر الأحمر يكفر عن الذنوب الماضية والمستقبلية،
يبيع كل ما يملك، ويسافر سيراً على الأقدام ليدفع أتعاب المحامين لأخيه ويجلس بجانبه أثناء محاكمته بتهمة التزوير؛ ما كان مُنتشرًا في أوسع نطاق، يُحيط بي بقضيب مربع، ولا يملأه حينها،
لم يُعبد الثور والحشرة نصف عبادتهما قط،
الروث والتراب أكثر إثارة للإعجاب مما كان يُحلم به،
الخوارق لا قيمة لها، وأنا أنتظر وقتي لأكون من العظماء،
اليوم الذي يُجهز لي، حين سأفعل خيرًا مثل الأفضل، وأكون عظيمًا مثلهم؛
بحق حياتي! أصبحتُ خالقًا بالفعل،
أضع نفسي هنا والآن في رحم الظلال المُكَبَّل.



42.
نداءٌ وسط الحشد،
صوتي، جهوريٌّ شاملٌ ونهائيّ.

هلموا يا أبنائي،
هلموا يا أولادي وبناتي، يا نسائي، يا أهل بيتي وأقربائي،
الآن يُطلق العازف العنان لقوته، وقد عزف مقدمته على آلات النفخ.

أوتارٌ سهلةُ العزف، بأصابعٍ طليقة، أشعرُ بدقاتِ ذروتكِ واقترابِها.

رأسي يدورُ على رقبتي،
الموسيقى تتدفق، ولكن ليس من الأرغن،
الناسُ حولي، لكنهم ليسوا أهل بيتي.

الأرض الصلبة التي لم تغرق قط،
الآكلون والشاربون، الشمس الصاعدة والهابطة، الهواء والمد والجزر الدائم،
أنا وجيراني، منعشون، أشرار، حقيقيون،
السؤال القديم الذي لا يُفسر، ذلك الإبهام الشائك، ذلك النفس من الحكة والعطش،
صيحة المُزعج! صيحة! حتى نجد حيث يختبئ الماكر ونُخرجه،
الحب، سائل الحياة الباكي،
الضمادة تحت الذقن، جسور الموت.

هنا وهناك، يمشون بقطع نقدية على أعينهم،
لإشباع جشع البطون التي تلتهم العقول بسخاء،
شراء التذاكر، أخذها، بيعها، ولكن دون دخول الوليمة ولو لمرة واحدة،
كثيرون يتعرقون، يحرثون، يضربون، ثم يتقاضون التبن،
قليلون يعترفون بلا مبالاة، وهم يطالبون بالقمح باستمرار.

هذه هي المدينة، وأنا واحد من سكانها.
كل ما يهم الآخرين يهمني، السياسة، الحروب، الأسواق، الصحف، المدارس.
العمدة والمجالس، البنوك، الرسوم الجمركية، السفن البخارية،
المصانع، الأسهم، المتاجر، العقارات، والممتلكات الشخصية.

الدمى الصغيرة الكثيرة التي تقفز هنا وهناك بأطواقها ومعاطفها الرسمية
أعرف من هم (إنهم ليسوا ديدانًا ولا براغيث).
أُقرّ بوجود نسخ مني، أضعفها وأسطحها خالدة معي.
ما أفعله وأقوله ينتظرهم.
كل فكرة تتخبط في داخلي تتخبط في داخلهم.

أعرف أنانيتي جيدًا.
أعرف سطوري النهمة، ولن أكتب أقل من ذلك.
وسأجعلك، أيًا كنت، مثلي تمامًا.

ليست كلمات أغنيتي هذه كلمات روتينية.
بل هي كلمات تُثير التساؤل فجأة، وتدفعك للقفز إلى ما هو أبعد، لتقترب أكثر.
هذا الكتاب المطبوع والمجلد - لكن ماذا عن الطابع وعامل الطباعة؟
الصور الفوتوغرافية الملتقطة بإتقان - لكن ماذا عن زوجتك
أو صديقتك المقربة إليك بين ذراعيك؟
السفينة السوداء المحصنة بالحديد، مدافعها الجبارة في أبراجها -
لكن ماذا عن شجاعة القبطان والمهندسين؟
في البيوت، الأطباق والطعام والأثاث - لكن ماذا عن المضيف والمضيفة،
والنظرة التي تنبع من أعينهم؟
السماء هناك - لكن ماذا عن هنا أو في الجوار أو في الجهة المقابلة؟
القديسون والحكماء في التاريخ - لكن ماذا عنك أنت؟
المواعظ والعقائد واللاهوت - لكن ماذا عن العقل البشري الذي لا يُدرك؟
وما هو العقل؟ وما هو الحب؟ وما هي الحياة؟



43.
لا أحتقركم أيها الكهنة، في كل زمان ومكان،
إيماني هو أعظم الأديان وأصغرها،
يجمع بين العبادة القديمة والحديثة وكل ما بينهما،
مؤمنًا بأنني سأعود إلى الأرض بعد خمسة آلاف عام،
منتظرًا إجابات العرافين، مكرمًا الآلهة، محييًا الشمس،
صانعًا تمثالًا من أول صخرة أو جذع شجرة، ضاربًا بالعصي في دائرة الأوبي،
مساعدًا اللاما أو البراهمي وهو يزين مصابيح الأصنام،
راقصًا في الشوارع في موكب رمزي، منغمسًا في الغابة كعالم تأملات،
شاربًا الميد من كأس الجمجمة، معجبًا بالشاستا والفيدا، متذكرًا القرآن،
سائرًا في التيوكاليس، ملطخًا بدماء الحجر والسكين، ضاربًا جلد الأفعى طبل،
أقبل الأناجيل، أقبل المصلوب، وأعلم يقيناً أنه إلهي،
أراكعاً في القداس، أو أقف في صلاة المتزمتين، أو أجلس بصبر في مقعدي،
أهذي وأثور في أزمتي المجنونة، أو أنتظر كالميت حتى توقظني روحي،
أنظر إلى الرصيف والأرض، أو خارجهما،
أنتمي إلى دوامات دوائر الدوائر.
أحد أفراد تلك الجماعة الجاذبة والطاردة،
ألتفت وأتحدث كمن يترك شحنات قبل رحلة.

أيها الشكاك المحبطون، الباهتون والمستبعدون،
أيها التافهون، الكئيبون، المكتئبون، الغاضبون، المتأثرون، اليائسون، الملحدون،
أعرفكم جميعاً، أعرف بحر العذاب والشك واليأس والكفر..

كيف تتلاطم الأمواج!
كيف تلتوي بسرعة البرق، بتشنجات ونوافير من الدم!

اطمئنوا أيها المتشككون والمتشائمون،
أنا بينكم كما أنا بين أي أحد،
الماضي هو دافعكم، دافعي، دافع الجميع، تمامًا كما هو،
وما لم يُجرَّب بعد، وما سيأتي، هو لكم، لي، جميعًا، تمامًا كما هو..

لا أعرف ما لم يُجرَّب بعد،
لكنني أعلم أنه سيثبت بدوره أنه كافٍ، ولا يمكن أن يخيب.
كل عابر يُحسب، كل واقف يُحسب، لا يمكن أن يفشل أحد..
لا يمكن أن يفشل الشاب الذي مات ودُفن،
ولا الشابة التي ماتت ووُضعت بجانبه،
ولا الطفل الصغير الذي أطل من الباب، ثم انصرف ولم يُرَ ثانيةً،
ولا الشيخ الذي عاش بلا هدف، ويشعر بذلك بمرارة أشد من المرارة،
ولا ذلك الذي في بيت الفقراء الذي أنهكه الخمر والمرض،
ولا العدد الهائل من المذبوحين والمدمرين، ولا ذلك الكائن الوحشي الذي يُسمى براز البشرية،
ولا تلك الأكياس الطافية بأفواه مفتوحة لدخول الطعام،
ولا أي شيء في الأرض، أو في أقدم قبورها،
ولا أي شيء في العوالم التي لا تُحصى، ولا تلك التي لا تُحصى التي تسكنها،
ولا الحاضر، ولا حتى أدنى ذرة معروفة.


44.
حان وقت شرح نفسي - فلنقف.

أكشف ما هو معروف،
أُطلق جميع الرجال والنساء معي إلى المجهول.

الساعة تُشير إلى اللحظة - ولكن ماذا تُشير الأبدية؟

لقد استنفدنا حتى الآن تريليونات من الشتاء والصيف،
هناك تريليونات قادمة، وتريليونات أخرى تنتظرنا.

لقد جلبت لنا الولادات ثراءً وتنوعًا،
وستجلب لنا ولادات أخرى ثراءً وتنوعًا.

لا أُسمّي واحدًا أعظم من آخر،
ما يملأ وقته ومكانه يُساوي أي شيء.

هل كان البشر قتلة أو حسودين عليك يا أخي، يا أختي؟
أنا آسف عليكم، فهم ليسوا قتلة أو حسودين عليّ،
لقد كان الجميع لطيفًا معي، لا أُبالي بالحزن،
(ما شأني بالحزن؟)

أنا ذروة الإنجازات، وأنا مُحيطٌ بما سيكون.

تلامس قدماي قمة الدرج،
على كل درجةٍ تتجمع أكوامٌ من القدماء، وبين الدرجات تتجمع أكوامٌ أكبر،
كل من في الأسفل سار كما ينبغي، وما زلتُ أصعد وأصعد.

مع كل صعودٍ تنحني الأشباح خلفي،
أرى من بعيدٍ العدمَ الأولَ الهائل، أعلم أنني كنتُ هناك،
انتظرتُ في الخفاء، ونمتُ خلال الضباب الخامل،
وتأنيتُ، ولم أُصب بأذى من الكربون النتن.

طالما حُصرتُ في حضنٍ دافئ، طويلًا وطويلًا..

كانت الاستعدادات لي هائلة،
وكانت الأذرع التي ساعدتني وفيةً وودودة.

حملت دوراتٌ مهدي، تجدف وتجدف كبحارةٍ مرحين،
فُضّت لي مساحةٌ من النجوم التي حُفظت في حلقاتها،
أرسلت تأثيراتٍ لترعى ما سيحملني..

قبل أن أولد من رحم أمي، أرشدتني أجيالٌ،
لم يكن جنيني خامدًا قط، لم يستطع شيءٌ أن يُغطيه.

من أجله تجمّع السديم ليُشكّل كرةً،
تراكمت الطبقات الطويلة البطيئة لتستقرّ عليه،
مُنحت له خضراواتٌ شاسعةٌ غذاءه،
حملته ديناصوراتٌ عملاقةٌ في أفواهها ووضعته بعناية.

سُخّصت جميع القوى بثباتٍ لإكمالي وإسعادي،
الآن أقف في هذا المكان بروحي القوية.



45.
يا لشبابٍ يا مدّ العمر! يا مرونةً دائمة!
يا رجولةً متوازنةً، زاهيةً، كاملةً.

عشاقي يخنقونني،
يُزاحمون شفتيّ، مُتغلغلين في مسامّ جلدي،
يدفعونني في الشوارع والساحات العامة، يأتون إليّ عراةً في الليل،
ينادونني نهارًا "آه!" من صخور النهر، يتأرجحون ويُغرّدون فوق رأسي،
ينادونني باسمي من أحواض الزهور، والكروم، والأحراش المتشابكة،
يُضيئون كل لحظة من حياتي،
يُلامسون جسدي بقبلاتٍ ناعمةٍ عطرة،
يُمرّرون بصمتٍ حفناتٍ من قلوبهم ويُهدونها لي.

الشيخوخة تنهض بجلال! يا لروعة أيام الموت، يا نعمةً لا تُوصف!

كل حالةٍ لا تُعلن عن نفسها فحسب، بل تُعلن أيضًا ما ينمو بعدها ومنها،
والصمت المُظلم يُعلن بقدر ما يُعلن أي شيء.

أفتحُ قبوَتي ليلاً فأرى الأنظمةَ المتناثرةَ في أرجاءِ الأرض،
وكلُّ ما أراهُ مُتَكَبِّرٌ إلى أقصى ما أستطيعُ تمييزَ حوافِّه، إلاَّ حوافَّ الأنظمةِ الأبعد.

تتَّسعُ وتتوسعُ، تتوسعُ باستمرار،
إلى الخارجِ وإلى الأبدِ إلى الخارج.

لشمسي شمسُها، وتدورُ حولها في طاعة،
تنضمُّ إلى شركائها في مجموعةٍ من الدوائرِ العليا،
وتتبعها مجموعاتٌ أكبر، تُشكِّلُ ذراتٍ من الأعظمِ داخلَها.

لا يوجدُ توقفٌ ولن يكونَ هناكَ توقفٌ أبدًا،
لو أنني، وأنتَ، والعوالم، وكلُّ ما تحتَها أو علىَ أسطحِها،
قد خُفِّضنا في هذه اللحظةِ إلى عوامةٍ باهتة، لما كانَ ذلك مُجديًا على المدى البعيد،
سنعودُ حتمًا إلى ما نحنُ عليه الآن،
وسنذهبُ حتمًا إلى أبعدَ فأبعدَ، ثمَّ إلى أبعدَ فأبعدَ.

بضعة كوادريليونات من العصور، وبضع أوكتيليونات من الليرات المكعبة،
لا تُعرّض المدى للخطر ولا تجعله مُستعجلاً،
إنها مجرد أجزاء، وكل شيء ليس إلا جزءًا.

انظر إلى أبعد مدى، فهناك فضاء لا حدود له خارجه،
عدّ إلى ما لا نهاية، فهناك زمن لا حدود له حوله.

موعدي مُحدد، هذا أمرٌ مؤكد،
سيكون الرب هناك وينتظرني حتى أصل على أكمل وجه،
الرفيق العظيم، الحبيب الوفي الذي أشتاق إليه، سيكون هناك.




46.
أعلم أنني أملك أفضل ما في الزمان والمكان، ولم أُقاس ولن أُقاس أبدًا.

أسير في رحلة دائمة، (هلموا جميعًا!)
علاماتي معطف واقٍ من المطر، وحذاء مريح، وعصا من خشب الغابة،
لا أحد من أصدقائي يستريح على كرسيي،
لا كرسي لي، ولا كنيسة، ولا فلسفة،
لا أقود أحدًا إلى مائدة طعام، أو مكتبة، أو سوق،
لكنني أقود كل واحد منكم، رجلاً كان أو امرأة، إلى تلة،
يدي اليسرى تُحيطكم من خصوركم،
يدي اليمنى تُشير إلى مناظر القارات والطريق العام.

لا أنا، ولا أي شخص آخر، يستطيع أن يسلك هذا الطريق نيابةً عنكم،
عليكم أن تسلكوه بأنفسكم.

إنه ليس بعيدًا، إنه في متناول اليد،
ربما كنتم تسلكونه منذ ولادتكم دون أن تدركوا،
ربما هو في كل مكان، على الماء والبر.

احمل ملابسك يا بني العزيز، وسأحمل ملابسي، ولنُسرع،
سنجد مدنًا رائعة وأممًا حرة في طريقنا.

إذا تعبت، فأعطني كلا العبأين، وأرح يدك على وركي،

وفي الوقت المناسب سترد لي الجميل،
فبعد أن نبدأ لن نتوقف أبدًا.

في هذا اليوم، قبل الفجر، صعدتُ تلةً ونظرتُ إلى السماء المزدحمة،
وقلتُ لروحي: عندما نصبح مُحاطين بتلك الأجرام السماوية،
وننعم بمتعة ومعرفة كل شيء فيها، هل سنكون حينها ممتلئين وراضين؟

فقالت روحي: لا، نحن فقط نُسوّي ذلك المصعد لنعبر ونواصل المسير.

أنت أيضًا تسألني أسئلةً وأنا أسمعك،
أجيبك أنني لا أستطيع الإجابة، عليك أن تكتشف بنفسك.

اجلس قليلًا يا بني العزيز،
هذا بسكويت لتأكله وهذا حليب لتشربه،
ولكن حالما تغفو وترتدي ثيابًا جميلة،
سأقبلك قبلة وداع وأفتح لك الباب لتخرج من هنا.

طالما حلمتَ بأحلامٍ حقيرة،
والآن سأغسلُ العلكةَ من عينيك،
عليك أن تعتادَ على وهج النور وفي كل لحظة من حياتك.

طالما خضتَ الماءَ بخوفٍ ممسكًا بلوحٍ خشبيٍّ على الشاطئ،
والآن أريدك أن تكون سباحًا جريئًا،
أن تقفز في وسط البحر، وتنهضَ من جديد،
وتومئَ لي، وتصرخ، وتركضَ ضاحكًا بشعرك.


47.
أنا مُعلِّم الرياضيين،
من يوسع صدره على يدي أكثر من صدري يُثبت اتساع صدري،
أعظم من يُجلّ أسلوبي هو من يتعلم منه كيف يُهزم المُعلِّم.

الفتى الذي أحبه، هو نفسه الذي يصبح رجلاً لا بقوة مُكتسبة، بل بجدارة،
شريرٌ لا فاضلٌ بدافع المُجاراة أو الخوف،
مُغرمٌ بحبيبته، مُستمتعٌ بشريحة لحمه،
الحب من طرف واحد أو إهانةٌ تُؤذيه أشد من جروح الفولاذ الحادة،
بارعٌ في ركوب الخيل، والقتال، وإصابة الهدف،
والإبحار بقارب صغير، والغناء أو العزف على البانجو،
يُفضِّل الندوب واللحية والوجوه المُصابة بالجدري على كل من يُغطِّي وجهه بالجلد،
ويُفضِّل ذوي البشرة السمراء على من يتجنبون الشمس.

أُعلِّم من يبتعد عني، ولكن من يستطيع أن يبتعد عني؟
أتبعك أياً كنت من هذه الساعة،
كلماتي تُلحّ عليك حتى تفهمها.

لا أقول هذا من أجل المال أو لتمضية الوقت أثناء انتظاري للقارب،
(أنت تتحدث بقدر ما أتحدث، أنا لسانك، مقيد في فمك، وفي فمي يبدأ بالتحرر.)

أقسم أنني لن أذكر الحب أو الموت داخل بيت،
وأقسم أنني لن أترجم نفسي أبداً، إلا لمن يجلس معي في خلوة في الهواء الطلق.

إن أردت أن تفهمني، اذهب إلى المرتفعات أو شاطئ البحر،
أقرب ذبابة هي تفسير، وقطرة أو حركة أمواج هي مفتاح،
المطرقة، والمجداف، والمنشار اليدوي، تؤكد كلامي.

لا غرفة مغلقة ولا مدرسة تستطيع التواصل معي،
إلا الأطفال الصغار والأطفال الأشداء فهماً.

الميكانيكي الشاب هو الأقرب إليّ، فهو يعرفني جيدًا،
الحطّاب الذي يحمل فأسه وإبريقَه معه، سيأخذني معه طوال اليوم،
الفتى الريفيّ الذي يحرث في الحقل يشعر بالسعادة لسماع صوتي،
في السفن التي تبحر، تبحر كلماتي، أذهب مع الصيادين والبحارة وأحبهم.

الجنديّ المعسكر أو المسير هو لي،
في الليلة التي تسبق المعركة الوشيكة، يبحث عني الكثيرون، ولا أخذلهم،
في تلك الليلة الجليلة (قد تكون الأخيرة لهم)، يبحث عني من يعرفني.

وجهي يلامس وجه الصياد عندما يستلقي وحيدًا في بطانيته،
السائق الذي يفكر بي لا يكترث بهزة عربته،
الأم الشابة والأم العجوز تفهمانني،
الفتاة والزوجة تضعان الإبرة جانبًا للحظة وتنسيان مكانهما،
هم جميعًا سيستأنفون ما أخبرتهم به.




48.
لقد قلتُ إن الروح ليست أعظم من الجسد،
وقلتُ إن الجسد ليس أعظم من الروح،
ولا شيء، حتى الله، أعظم من الذات،
ومن يمشي فرسخًا بلا شفقة، فإنه يسير إلى جنازته مُكفنًا،
وأنا أو أنت، بلا مال، نستطيع شراء أجود ما في الأرض،
وإن نظرة خاطفة أو إظهار حبة فاصولياء في قرنها يُحير علم كل العصور،
وليس هناك مهنة أو عمل إلا وقد يصبح الشاب الذي يتبعه بطلًا،
وليس هناك شيء لين إلا ويُشكل محورًا للكون،
وأقول لكل رجل وامرأة: اجعل روحك هادئة ومتزنة أمام ملايين الأكوان.

وأقول للبشرية: لا تتساءلوا عن الله،
فأنا الذي أتساءل عن كل شيء، لا أتساءل عن الله،
(لا يمكن لأي كلمات أن تعبر عن مدى سلامي مع الله ومع الموت).

أسمع الله وأراه في كل شيء، ومع ذلك لا أفهمه قيد أنملة،
ولا أفهم من هو أعظم مني.

لماذا أرغب في رؤية الله بشكل أفضل من هذا اليوم؟
أرى شيئًا من الله في كل ساعة من ساعات اليوم الأربع والعشرين، وفي كل لحظة،
في وجوه الرجال والنساء أرى الله، وفي وجهي في المرآة،
أجد رسائل من الله ملقاة في الشارع، وكلها تحمل اسم الله،
وأتركها حيث هي، لأني أعلم أنه أينما ذهبت،
ستأتي رسائل أخرى في موعدها إلى الأبد.


49.
وأما أنت يا موت، يا عناق الفناء المرير، فلا جدوى من محاولة إخافتي.

يأتي المُجهِّز إلى عمله دون تردد،
أرى اليد العجوز تضغط وتستقبل وتدعم،
أستلقي على عتبات الأبواب المرنة الرائعة،
وأُحدِّد المخرج، وأُحدِّد الراحة والهروب.

أما أنتِ يا جثة، فأظنكِ سمادًا جيدًا، لكن هذا لا يُزعجني،
أشمُّ عبير الورود البيضاء العطرة وهي تنمو،
أمد يدي إلى الشفاه المورقة، وأمد يدي إلى صدور البطيخ المصقولة.

أما أنتِ يا حياة، فأظنُّكِ بقايا موتٍ كثير،
(لا شك أنني مُتُّ عشرة آلاف مرة من قبل.)

أسمعكِ تهمسين هناك يا نجوم السماء،
يا شموس - يا عشب القبور - يا تنقلات وترقيات دائمة،
إذا لم تنطقي بشيء، فكيف لي أن أنطق بشيء؟

من البركة العكرة التي تقع في غابة الخريف،
من القمر الذي ينحدر على منحدرات الشفق الخافت،
تتطاير بريق النهار والغسق، تتطاير على السيقان السوداء التي تتحلل في الوحل،
تتطاير مع أنين الأغصان الجافة.

أصعد من القمر، أصعد من الليل،
أدرك أن ذلك الوميض المرعب هو انعكاس لأشعة شمس الظهيرة،
وأُقبل على الثابت والمركزي من النسل، كبيرًا كان أم صغيرًا.



50.
هناك شيءٌ في داخلي، لا أعرف ما هو، لكنني أعلم أنه في داخلي.

مُنهكٌ ومُتصببٌ عرقًا، ثم يهدأ جسدي ويبرد،
أنام، أنام طويلًا.

لا أعرفه، إنه بلا اسم، إنه كلمةٌ لم تُنطق،
ليس في أي قاموس، ولا في أي لفظ، ولا في أي رمز.

شيءٌ يتأرجح عليه أكثر من الأرض التي أتأرجح عليها،
له الخليقة الصديق الذي يوقظني عناقه.

ربما أستطيع أن أخبركم بالمزيد. خطوط عريضة! أناشدكم من أجل إخوتي وأخواتي.

هل ترون يا إخوتي وأخواتي؟
ليس فوضى ولا موت، بل هو شكل، واتحاد، وخطة، إنها الحياة الأبدية، إنها السعادة.



51.
يذبل الماضي والحاضر، لقد ملأتهما وأفرغتهما،
وأمضي قدمًا لأملأ طيتي التالية من المستقبل.

أيها المستمع هناك في الأعلى! ماذا لديك لتُفضي إليّ؟
انظر في وجهي وأنا أستنشق غبار المساء،
(تكلم بصدق، لا أحد يسمعك، ولن أبقى إلا دقيقة أخرى).

هل أنا متناقض؟
حسنًا، أنا متناقض إذًا،
(أنا واسع، أنا أحوي الكثير).

أركز على من هم قريبون، أنتظر على عتبة الباب.

من أنهى عمله اليوم؟ من سينتهي من عشاءه قريبًا؟
من يرغب في المشي معي؟

هل ستتكلم قبل أن أرحل؟ أم أنك ستكون قد فات الأوان؟



52.
ينقض الصقر المرقط ويتهمني، يشكو من ثرثرتي وتسكعي.

أنا أيضًا لست مروضًا، أنا أيضًا لا يُترجم،
أطلق صرختي الوحشية فوق أسطح العالم.

آخر خيوط النهار تتأخر عني،
تقذف بصورتي بعد البقية، صادقة كأي صورة في البراري المظللة،
تغريني بالضباب والغسق.

أرحل كالهواء، أهز خصلات شعري البيضاء للشمس الهاربة،
أُفيض جسدي في دوامات، وأُحركه في حركات متعرجة.

أُسلم نفسي للتراب لأنبت من العشب الذي أحب،
إن أردتني ثانيةً، ابحث عني تحت نعليك.

بالكاد ستعرف من أنا أو ما أعنيه،
لكنني سأكون لك صحة جيدة على أي حال،
وسأُنقي دمك.

إن لم تجدني في البداية، فلا تيأس،
إن لم تجدني في مكان، ابحث في آخر،

سأتوقف في مكان ما أنتظرك.


--------
يُعدّ والت ويتمان (1819-1892)() أحد أشهر شعراء أمريكا. كان يُعتبر إنسانيًا، مؤمنًا بأن قيمة الإنسان، فردًا وجماعة، تفوق الممارسات والمعتقدات والعقائد الراسخة(). فضّل ويتمان الحدس والعاطفة على العقلانية، وأصبح مساهمًا بارزًا في أدب ما يُعرف بالفلسفة المتعالية، وهي فلسفة ترى أن الروح الإلهية تسكن فينا جميعًا، وفي الخير الكامن في الإنسان والطبيعة. - (ملحمة أوراق العشب، 1855)() . و (ملحمة "أغنية نفسي. 1855)(). أيضا. - توفي في 26 مارس 1892، كامدن، نيو جيرسي.()

لذا. فأن ما به بدء القول. بأن "بعد أن تستنفد كل ما في التجارة والسياسة والتواصل الاجتماعي والحب، وما إلى ذلك، وتجد أن لا شيء منها يُشبعك تمامًا، أو يدوم، فماذا يتبقى؟ تبقى الطبيعة؛ لتُخرج من سباتها، تلك الروابط الفطرية بين الإنسان والإنسان والهواء الطلق، والأشجار، والحقول، وتغير الفصول، والشمس نهارًا ونجوم السماء ليلًا."()

في طبعة عام 1855() من "أوراق العشب"، احتلت قصيدة "أغنية نفسي" المرتبة الأولى ضمن سلسلة من اثنتي عشرة قصيدة غير معنونة()، مهيمنةً على المجلد ليس فقط بحجمها الهائل، بل أيضاً بعرضها البارع لتقنيات ويتمان المبتكرة ومواضيعه الأصيلة. أبقى ويتمان القصيدة في المقدمة في طبعة عام 1856()، ومنحها عنوانها الأول "قصيدة والت ويتمان، أمريكي"()، والذي اختُصر إلى "والت ويتمان" في الطبعة الثالثة عام 1860(). وبحلول الوقت الذي صاغ فيه ويتمان "أوراق العشب" في بنيتها النهائية عام 1881()، أبقى القصيدة (التي جُمعت أبياتها في 52 مقطعاً)() في المقدمة، لا يسبقها سوى مجموعة "نقوش" الشبيهة بالاقتباسات، وقصيدة "انطلاقاً من باومانوك" ذات الطابع المنهجي.()

تصوّر "أغنية نفسي" (وتضفي عليها طابعاً أسطورياً) ميلاد ويتمان الشعري ورحلته نحو المعرفة التي انطلقت مع ذلك "الصحوة". لكن "الأنا" المتحدثة ليست وحيدة. رفيقه، المخاطب بـ"أنت" في السطر الثاني من القصيدة، هو القارئ، الذي يشارك الشاعر رحلته، حاضرًا في معظمها. مع بداية القصيدة، يجد القارئ الشاعر "يتأمل سنبلة عشب صيفية"() ويوجه دعوة لروحه. يتعهد الشاعر "بالسماح للطبيعة بالكلام مهما كانت المخاطر، / دون قيود، بطاقة أصيلة" (المقطع 1)(). تاركًا "العقائد والمدارس" خلفه، يتجه "إلى ضفة النهر قرب الغابة ليتجرد من قناعه ويصبح عاريًا" (المقطعان 1 و2)()، مُهيئًا نفسه بوضوح لزيارة الروح في المقطع 5()، الذي يُجسد الحدث المُغيّر الذي يُطلق الشاعر في رحلته الروحية.

يمكن وصف هذا الحدث بأنه اتحاد عضوي بين جسد الشاعر وروحه، حيث تظهر الأخيرة أولًا في "همهمة" ()صوتٍ مُجرد من الجسد. في صور إيروتيكية مشحونة للغاية، تستقر الروح برأسها "على" وركي الشاعر، و"تنقلب" عليه "برفق"، وتفصل قميصه عن "صدره"، وتغرز "لسانها"() في "قلب الشاعر العاري"() - بينما تمتد في الوقت نفسه لتلمس "لحيته" وتمسك "قدميه"(). باختصار، تخترق الروح بلسانها الفالوسي (أداة "صوتها المكبوت")() قلب الشاعر مباشرة، مانحةً إياه، دون مساعدة العقل أو "المنطق"، نطفة المعرفة الحدسية المؤكدة للحياة، والتي تُشكل في الواقع أساسًا لثقة بالنفس متعالية ستدعم الشاعر في بحثه. في غمرة نشوة الروح من لحيته إلى قدميه، يستيقظ الشاعر فجأة على "السلام والمعرفة اللذين يتجاوزان كل جدال الأرض"()، معرفة مجزأة لكنها يقينية: "أن روح الله هي أخو روحي"، "أن جميع الرجال الذين وُلدوا هم إخوتي، والنساء أخواتي وحبيباتي"، "أن جوهر الخلق هو الحب"(). تتلاشى هذه التأكيدات الشاملة في ما يبدو كومة من الصور غير المترابطة - "أوراق لا حدود لها"، "نمل بني"،() "بلسان، ومولين، ونبات البوك"(). في الواقع، إن التعددية غير المفهومة للطبيعة، في أصغر مظاهرها، تُحتضن أيضًا في تأكيدات الله والأخوة الشاملة.

بما أن الصحوة المصورة في القسم الخامس() قد هيأت الشاعر لنوع جديد من المعرفة، فإن القسم السادس ينطلق به في رحلته نحو المعرفة، بدءًا باستكشاف سؤال طفل: "ما هو العشب؟"(). تمتد هذه المرحلة من الرحلة حتى القسم الثاني والثلاثين، موفرةً للشاعر فرصةً سانحةً لتأسيس العديد من المواضيع والأفكار التي تناولها في مواضع أخرى من "أوراق العشب". من التركيز على صور العشب في القسم السادس()، ينتقل الشاعر إلى موضوع "الجماعة" في الأقسام من السابع إلى السادس عشر(). يصبح الشاعر بمثابة والت ويتمان الأمريكي، يجوب القارة، محتفيًا بمشاهد الحياة اليومية العادية. يقدم نفسه (في القسم الثالث عشر)() على أنه "مداعب الحياة أينما كان... يستوعب كل شيء لنفسه ولهذه الأغنية". يتصاعد هذا التوجه تدريجيًا إلى القسم الخامس عشر، بسرده المطول لأنماط ومشاهد أمريكية متلاحقة.

في المقطع 17، ينتقل الشاعر من الحديث عن التنوع الأمريكي إلى الحديث عن القواسم المشتركة بين البشر، إلى "العشب الذي ينبت حيثما توجد الأرض والماء"(). وفي المقاطع من 18 إلى 24،() يُفكك الشاعر التمييزات التقليدية، مُحتفيًا بـ"المهزومين والقتلى" (المقطع 18)() إلى جانب المنتصرين، و"الأبرار" إلى جانب "الأشرار"، مُوسعًا نطاق احتفائه ليشمل المنبوذين والخارجين عن القانون. لكن تركيزه يتزايد على المساواة بين الجسد والروح، وسبل إنقاذ الجسد من وضعه الأدنى. ثم يتجه إلى نفسه وجسده، مُقدمًا في المقطع 24 صورة عارية لـ"والت ويتمان، الكون"()، مُقدمًا وصفًا دقيقًا، مليئًا بالاستعارات، لكل جزء من جسده ("خصية ذكورية قوية"، "بويضات مُكررة")().

في المقاطع من 18 إلى 32 من قصيدة "أغنية نفسي"، يحتفي الشاعر بالبعد الإيروتيكي لجميع الحواس، لكنه ينتقل إلى اللمسة المعجزة في المقطع 28: "أهذه إذن لمسة؟ تُهزّني نحو هوية جديدة؟". وفي بعض أكثر الأبيات سريالية في "أوراق الشجر"، يشرع الشاعر في تصوير نفسه في مشهد من الإثارة الجنسية الذاتية وصولًا إلى ذروة النشوة. ويُقدّم المقطع 29 وداع الشاعر الرقيق للمسة المتواطئة()، بينما تستكشف المقاطع من 30 إلى 32 المعرفة التي تمنحها التجربة: "ما هو أقل أو أكثر من لمسة؟". بعد أن اختبر الشاعر وأكد أشدّ أنواع النشوة الجسدية، يتأمل في التوحد مع الحيوانات: يمتطي ويتسابق مع "حصان ضخم الجمال"(). لكنه ينهي الأمر بـ"التخلي" عن الحصان، مدركًا أن معرفة أعمق تنتظره.()

بعد أن تأقلم مع هويته الجديدة التي منحته إياها اللمسة، أصبح الآن جاهزًا للمرحلة الرئيسية الثانية من رحلته. يبدأ المقطع 33() بتأكيدات جديدة وأسمى: "المكان والزمان! الآن أرى أن ما ظننته حقيقة، / ما ظننته حين كنت أسترخي على العشب."() في هذا المقطع الأطول من "أغنية نفسي"()، يشعر الشاعر بنشوة التحرر من قيود المكان والزمان: إنه "يسير" برؤيته. يشعر، في الواقع، بقدرته على التجوال ذهابًا وإيابًا عبر الزمن، والتحليق كشهاب في الفضاء. لكن في واحدة من أغرب التحولات في "أغنية نفسي"، تنزلق ذروة النشوة هذه في المقطع 33 إلى نقيضها حين يبدأ الشاعر بالتماهي أكثر فأكثر مع المنبوذين والمرفوضين: "أنا الرجل، لقد عانيت، لقد كنت هناك." يتحول إلى "الأطفال ذوي الوجوه الشاحبة والمرضى المرفوعين"()، والأم "المدانة بالسحر"()، ()و"العبد المضطهد"(). تتعالى نبرة اليأس تدريجيًا في المقاطع من 34 إلى 37()، حتى يصبح الشاعر في النهاية متسولًا بلا مأوى. هذا اليأس، الذي لم يُشعر به خلال تعاطفه مع المنبوذين في المقاطع من 17 إلى 20()، يوحي بأن الشاعر قد تجاوز، بشكل غامض، معرفة مرحلته السابقة.

يبدأ المقطع 38 برفض قاطع لدور المتسول الذي اتخذه ("كفى! كفى! كفى!")()، ليعيد توجيه مسار الشاعر فجأة: "أجد نفسي على وشك الوقوع في خطأ معتاد". ورغم أنه لا يوضح أبدًا أساس ما يعرفه، إلا أنه يقول إنه "يتذكر الآن" ويستأنف "الجزء الممل". يُلمّح الشاعر مجازيًا إلى أن طبيعة هذا "الجزء المُتقادم" تكمن في القيامة التي أعقبت (أو تعقب) الصلب، في أبياتٍ تُشير إلى تماهي البشرية مع التجربة الإنسانية المُعمّمة للمسيح: "يُضاعف قبر الصخر ما أُودع فيه، أو في أي قبر، / تنهض الجثث، وتلتئم الجروح، وتتدحرج القيود عني". ()وهكذا، يخرج الشاعر من يأسه "مُفعمًا بقوةٍ عظمى"()، قوةٌ تتجاوز التماهي مع المظلومين والمرفوضين، قوةٌ قادرةٌ على "تقديم العون للمرضى وهم يلهثون على ظهورهم"، فضلًا عن "تقديم العون الأكثر إلحاحًا" ()للرجال الأقوياء المستقيمين (القسم 41)().

تمتد هذه المرحلة، التي يثق فيها الشاعر بقوته المُتسامية، حتى الأقسام الختامية، 38-49. في المقطع 43، يؤكد الشاعر على جميع المعتقدات الدينية ("عبادة القديم والحديث وكل ما بينهما")()، وفي المقطع 44 يحتفي بمكانته في نظرية التطور: فكل من الدين والعلم يحملان البذور التي تُشكل مصدر قوته المطلقة.()

يتعلم القارئ في المقطع 46 أن رحلة الشاعر "رحلة أبدية"()، وأنه "لا يملك كرسيًا ولا كنيسة ولا فلسفة"()، وأنه لا يستطيع أن يسلك الطريق نيابةً عنك، بل "عليك أن تسلكه بنفسك". وفي المقطعين 48 و49، يؤكد مجددًا على مساواة الجسد بالروح، كما يؤكد على وحدة الذات والألوهية. وبالمثل، يُعلن أن الموت والحياة مرتبطان ارتباطًا وثيقًا لا ينفصم، بحيث لا يُمكن تصور أحدهما دون الآخر. قرب نهاية المقطع 49()، يبدو أن الشاعر قد تخلى عن بذل المزيد من الجهد للتعبير بالكلمات عما يعرفه، ولجأ إلى العالم الطبيعي طلباً للمساعدة: "يا شموس - يا عشب القبور - يا عمليات النقل والترقيات الدائمة، / إذا لم تقولوا شيئاً، فكيف لي أن أقول شيئاً؟"()

في المقطع 50()، يبدو الشاعر وكأنه يخرج من حالة تشبه الغيبوبة، كتلك التي دخلها في المقطع 5: "مُنتزعًا ومتعرقًا، ثم يهدأ جسدي ويبرد، / أنام - أنام طويلًا". وبعد أن يستيقظ من نومه العميق، يتلعثم الشاعر بكلام غير مفهوم تقريبًا: "لا أعرفه... إنها كلمة لم تُنطق، / ليست في أي قاموس، أو عبارة، أو رمز"() (التشديد مُضاف). قد يخمن القراء أن "هو" يشير إلى المعنى المتعالي الذي لا يُوصف لتجربة الشاعر في رحلته الشبيهة بالحلم. ولا يمكن نقل هذا المعنى إلا من خلال تشبيه غير مباشر: "شيء يتأرجح عليه أكثر من الأرض التي أتأرجح عليها، / له الخلق هو الصديق الذي يوقظني عناقه"() (التشديد مُضاف). في النهاية، يخاطب الشاعر أولئك "الإخوة والأخوات" الذين ذكرهم لأول مرة في القسم الخامس، محاولًا إيجاد كلمة قد تنقل ولو فكرةً ما، وإن كانت قاصرة، عن المعنى المتعالي الذي اكتشفه في رحلته: "ليست فوضى ولا موتًا، بل هي شكل، واتحاد، وخطة، إنها حياة أبدية، إنها السعادة".()

وبصفتك متابعا للشاعر. لابد من الإشاره، كما تبرز في القسمين الختاميين (51-52) من القصيدة(). لا ينكر الشاعر "تناقضاته" بل يتجاهلها، مؤكدًا: "أنا واسع، أنا أحوي عوالم لا تُحصى"(). عند بدء رحلته (القسم الأول)()، وعد بأنه "سيسمح لنفسه بالكلام مهما كانت المخاطر، / الطبيعة بلا قيود بطاقة أصيلة"()؛ وبالمثل، في النهاية، يصف نفسه بأنه "غير مروض على الإطلاق"()، و"لا يُترجم"، كمن يُطلق "صيحته البربرية فوق أسطح العالم". بعد أن انتهت رحلته، يستعد للرحيل، متخليًا عن نفسه "للأرض لينمو من العشب"() الذي يعشقه، وينبه. هنا. كما بين في: "إن أردتني ثانيةً، فابحث عني تحت نعليك"(). حتى النهاية، يُصرّ الشاعر على أن معرفته المتعالية التي اكتسبها في رحلته الروحية لا يمكن تجسيدها بالكلمات، ولكن مع ذلك يمكن نقلها بشكل غير مباشر. سيعرف القراء، ليس لأنه نقل معناه بشكل مجرد، بل لأنه جاء "ليُصفّي ويُنقّي" دماءهم. في النهاية، ينصح الشاعر قراءه "بالتفاؤل" ومواصلة البحث عنه، واعدًا: "سأنتظركم في مكان ما".()

ومثل معظم الأعمال الشعرية العبقرية، تحدّت "أغنية نفسي" محاولات تقديم تفسير نهائي لها. بمعنى حقيقي، لم تُوضّح أي قراءة للقصيدة مجمل ألغازها العديدة. قدّم النقاد قراءات قيّمة، ركّزوا فيها على بُعدٍ أو آخر من أبعاد القصيدة: كارل ف. ستراوخ على متانة البنية الأساسية، وراندال جاريل على روعة أبياتها الفردية، وجيمس إي. ميلر الابن على تصوير "تجربة صوفية معكوسة"()، وريتشارد تشيس على الجوانب الكوميدية التي غالبًا ما تُغفل، ومالكولم كولي على أوجه التشابه مع نبوءات العصور القديمة الملهمة، وروبرت ك. مارتن على التشابه مع "رؤية حلمية مبنية على تجربة جنسية [مثلية في جوهرها"(). إضافةً إلى ذلك، قدّم إدوين هافيلاند ميلر() دليلًا شاملًا للقراءات المختلفة في كتاب والت ويتمان "أغنية نفسي": فسيفساء من التأويلات (1989)(). في نهاية المطاف، على القراء أن يجدوا طريقهم الخاص في فهم "أغنية نفسي". سيعرفون أنهم على الطريق الصحيح عندما يبدأون في الشعور بشيء من "القوة العظيمة" التي شعر بها رالف والدو إيمرسون في عام 1855().

وبالعودة إلى ما ورد اعلاه. فـ"بعد أن تستنفد كل ما في جعبة العمل والسياسة والتواصل الاجتماعي والحب، وتجد أن لا شيء من هذا يُشبعك تمامًا، أو يدوم، فماذا يتبقى؟ تبقى الطبيعة؛ لتُخرج من أعماقها الخاملة، تلك الروابط بين الإنسان والإنسان والهواء الطلق، والأشجار، والحقول، وتغير الفصول، والشمس نهارًا ونجوم السماء ليلًا." "مواضيع جديدة تُطرح"()

كان أسلوب ويتمان المفضل هو الشعر الحر، وهو شكل من أشكال الشعر لا يتقيد بوزن أو قافية أو نمط ثابت. تُعدّ "أوراق العشب" (1855)() أهم مجموعاته الشعرية، وقد نُشرت في خمس طبعات لاحقة، لتصل إلى خمسة وثلاثين كتابًا () يُعتبر "أغنية نفسي" أهم أعمال شاعر أمريكي حديث. تفضل بزيارة دليل دراسة "أغنية نفسي" للاطلاع على خلفية القصيدة وروابط مفيدة.

خلال الحرب الأهلية، عالج ويتمان الجنود الجرحى في مستشفيات الجيش في واشنطن العاصمة. تحوّلت أعماله من التركيز على "الذات" إلى تأثير الحرب. وُصفت أعماله بأنها رسومات انطباعية لمشاهد الحرب الأهلية باستخدام الكلمات بدلًا من الألوان، ويتجلى هذا التحوّل العميق في أسلوبه الكتابي بوضوح في اثنتين من أروع قصائده. نُشرت كلتاهما بعد وفاة لينكولن عام 1865(): "عندما أزهر الليلك آخر مرة في فناء المنزل" (1865)()، و"يا قبطان!". قصيدة "يا قائدي!"، استعارة مطولة ذات وزن وقافية تقليديين، ألهمت أجيالًا عديدة.

والت ويتمان: أغنية نفسي، 1855(). بعد الحرب، عمل ويتمان في وزارتي الداخلية والعدل، حيث شغل منصب كاتب حتى إصابته بجلطة دماغية عام 1873. عاش قرابة عشرين عامًا بعد قصيدته الملحمية "أوراق العشب". أصدر قصيدتين رئيسيتين قبل وفاته: "رحلة إلى الهند” (1871)() و"صلاة كولومبوس” (1874)().


- أوراق العشب، 1855.()

- توفي في 26 مارس 1892، كامدن، نيو جيرسي.()
ــــــــــــــــــــ
Copyright © akka2026
المكان والتاريخ: طوكيـو ـ 02/09/26
ـ الغرض: التواصل والتنمية الثقافية
ـ العينة المستهدفة: القارئ بالعربية (المترجمة).



#أكد_الجبوري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تَرْويقَة : ثلاث قصائد/بقلم سيرجو كوراتزيني* - ت: من الإيطال ...
- تَرْويقَة : قصيدتان/بقلم الفنزويلي سيسيليو أكوستا* - ت: من ا ...
- تَرْويقَة : قصيدتان/بقلم لولا رودريغيز دي تيو* - ت: من الإسب ...
- العمال الرقميون وفقًا لخافيير الكوبر/أبوذر الجبوري - ت: من ا ...
- مختارات رافائيل كاديناس الشعرية * - ت: من الإسبانية أكد الجب ...
- تَرْويقَة : غيبوبة الزمن/بقلم لافائيل كافينَز* - ت: من الإسب ...
- قصيتان/بقلم رافائيل كاديناس* - ت: من الإسبانية أكد الجبوري
- تَرْويقَة : -وداعًا للبحر-/بقلم خوسيه ييرو* - ت: من الإسباني ...
- قصائد/بقلم آلان بورن * - ت: من الفرنسية أكد الجبوري
- تَرْويقَة : -أوراق-/بقلم سارة تيسديل * - ت: من الانجلبزية أك ...
- قصائد/بقلم لوبي دي فيغا كاربيو* - ت: من الإسبانية أكد الجبور ...
- تَرْويقَة : -محادثة مع صاحبي-/بقلم فرانسيسكو برينيس* - ت: من ...
- قطيعة الخطاب المعرفي حين يتلاشى عدم اليقين في العالم الكمومي ...
- قصائد/بقلم بيير جن جوف* - ت: من الفرنسية أكد الجبوري
- تَرْويقَة : القصيدة الأخيرة/بقلم روبرت ديسنوس - ت: من الفرنس ...
- قصائد/ بقلم بيارو بيغونجاري* - ت: من الإيطالية أكد الجبوري
- قصائد/ بقلم خورخي تيليه* - ت: من الإسبانية أكد الجبوري
- قصائد/ بقلم ليوبولدو بانيرو* - ت: من الإسبانية أكد الجبوري
- قصائد/ بقلم إنريكي لين* - ت: من الإسبانية أكد الجبوري
- تَرْويقَة : -الكلمات المحرمة-/ بقلم يوجين دي أندرادي* - ت: م ...


المزيد.....




- -حتى لا تنسى أميركا 1777- رواية عن اعتراف المغرب باستقلالها ...
- العلويون بعد أحداث الساحل: تشتّت في التمثيل السياسي.. ووحدة ...
- شهادات مؤثرة لأطباء غزة بعد عرض فيلم -الطبيب الأخير- بمنتدى ...
- أزمة داخل كواليس -مناعة-.. اتهامات متبادلة بين هند صبري ومها ...
- المنتدى الثقافي الأوروبي الفلسطيني يعقد مؤتمره الثاني ‏بمشار ...
- باحث إسرائيلي يحذر: تهميش التمثيل السياسي للفلسطينيين يمهد ل ...
- -نحن الذين لم نمت بعد-.. قصص توثق مأساة البقاء والفقد في غزة ...
- كيف تحول شات جي بي تي من مساعد ذكي إلى -رسام الكاريكاتير الأ ...
- مرتفعات وذرينغ: ما قصة الرواية التي لا تزال تثير الجدل رغم م ...
- عصر ترامب وحالة الطوارئ اللغوية: كيف تحولت الكلمات إلى سلاح ...


المزيد.....

- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أكد الجبوري - تَرْويقَة : قصيدة -أغنية نفسي-* /بقلم والت ويتمان - ت: من الإنجليزية أكد الجبوري