|
|
قصائد/بقلم لوبي دي فيغا كاربيو* - ت: من الإسبانية أكد الجبوري
أكد الجبوري
الحوار المتمدن-العدد: 8601 - 2026 / 1 / 28 - 07:52
المحور:
الادب والفن
قصائد/بقلم لوبي دي فيغا كاربيو* - ت: من الإسبانية أكد الجبوري اختيار وإعداد إشبيليا الجبوري - ت من الإسبانية أكد الجبوري
1. يا لخداع البشر، يا لقصر الحياة...
يا لخداع البشر، يا لقصر الحياة، طموحٌ جامحٌ يتشبثُ بالهواءِ الخافت! فمن يقتربُ من الرحيل، يجرؤُ على البقاءِ بثقةٍ أكبر.
يا زهرةً للجليد! يا غصنًا للريحِ اللطيفة، بعيدًا عن الجذع! إن كنتَ حين تُسمّي نفسك حياةً، فأنت تُعلنُ أنك راحل، فأيّ غرورٍ يُحرّكُ أفكارك؟
إن كيانك الفانيّ يتكوّنُ من جزأين: جزءٌ يسقطُ إلى الأرضِ الهابطة، وجزءٌ آخرُ ينفيكَ من الأرض؛
فأنت تُحدّدُ أيّهما أحرصُ: فإن كان الجسدُ يُريدُ أن يكونَ أرضًا على الأرض، فإن كانت الروحُ تُريدُ أن تكونَ جنةً في السماء.
2. ما لي حتى تطلب صداقتي؟
ما لي حتى تطلب صداقتي؟ ما مصلحتك يا يسوعي، حتى تقضي ليالي الشتاء المظلمة عند بابي، مغطى بالندى؟
يا لقسوة قلبي، لأنني لم أفتح لك! يا له من حماقة غريبة، لو أن جليد جحودي البارد جفف جراح قدمي الطاهرة!
كم مرة قال لي الملاك: "يا نفسي، انظري من النافذة الآن، سترين بأي حب ينادي بإصرار!"
ويا له من جمال مهيب: "غدًا سنفتح له"، أجبت، لأعطيه نفس الجواب غدًا!
3. يا له من سرٍّ، سيداتي، يا سادة...
يا له من سرٍّ، سيداتي، يا سادة، يا له من سرٍّ للحب! يا له من سرٍّ! يا لها من فكرةٍ رائعة! يا له من مفهومٍ دقيق! والله، إنها ورقةٌ من صنعي يا يوحنا!
اليوم، تتلاشى كلّ مظاهر التكلّف والإيماءات، وتكفّلت كلّ المصالح الشخصية، وكلّ رغبةٍ غيورة؛ من اليوم فصاعدًا، سيكون الحبّ راسخًا وكاملًا، دون أن يرى حدائق، ولا يتسلّق علّيات.
ليس هذا جهدًا فلسفيًا، أو تحويلًا خفيًا، أو خيمياءً باطلة، بل هو الجوهر الحقيقيّ، الذي يدفع إلى اللمس.
إنه سرٌّ، ولكنه أمرٌ واضح، يرغب القارئ الكريم في معرفته: حسنًا، مع الله إلى الغد.
4. يا راعي، بصافراتك الحنونة...
يا راعي، بصافراتك الحنونة، أيقظتني من سباتي العميق؛ أنت الذي صنعت عصًا من ذلك الخشب الذي تمد عليه ذراعيك القويتين،
ألقِ بنظراتك الرحيمة على إيماني، لأني أعترف بك حبًا وسيدي، وأتعهد باتباعك، صافراتك العذبة وقدميك الجميلتين...
اسمع يا راعي، الذي يموت من أجل الحب، لا تخف من عظم ذنوبي، فأنت خير صديق للقلوب المكسورة؛
انتظر إذن، واستمع إلى همومي... ولكن كيف لي أن أطلب منك أن تنتظرني، وقدميك مثبتتان في الانتظار؟
5. الحب الحقيقي
تأملتُ، يا سيدتي، جمالًا مثاليًا، الحب يرشدني في دروبٍ متعرجة في عوالم السماوات التسع، ومنغمسًا في عظمته، نزلتُ لأتأمل الصور المثالية للأشياء في حجابات البشر، وفيكِ المحسوسة رأيتُ الإلهي المُدرك. ولما رأيتُ أن الصورة تُطابق شكلها الأصلي تمامًا، أحببتُ جمالكِ، صورة نوركِ الإلهي النقي، مما جعلني، حين أراكِ، أُسيطر العقل على الرغبة. ولأنني محكومٌ بالعقل وحده، فالحب، الذي هو الروح كلها، سيكون أبديًا.
6. إلى وردة
يا لها من براعة إلهية تبرزين بها من ذلك القميص الزمردي الرائع، يا وردة الإسكندرية السماوية، المتوجة باللآلئ الشرقية!
تتألقين الآن بالياقوت، ثم بالمرجان، ثم يميل لونكِ إلى البنفسجي، مستقرة على تلك القاعدة البديعة المكونة من خمس نقاط غير متساوية.
مباركٌ خالقكِ الإلهي، فأنتِ تحركين الفكر إلى التأمل، أو حتى إلى التفكير في سنواتنا القصيرة.
هكذا يتبدد الشباب الأخضر في مهب الريح، وهكذا تكون الآمال غادرة التي تستند إلى الأرض...
7. إلى الليل
يا ليل، يا صانع الأوهام، يا مجنونًا، يا خياليًا، يا حالمًا، أنت تُري من يجد الخير فيك الجبال المنبسطة والبحار الجافة؛
يا ساكن العقول الفارغة، يا الميكانيكيًا، يا الفلسفيًا، يا الخيميائيًا، يا ألف مُخفي، يا الوشقًي أعمى، يا خائفًا من أصداءك:
يُنسب إليك الظل والخوف والشر، يا حنونًا، يا شاعرًا، يا مريضًا، يا باردًا، يا أيادي الشجعان وأقدام الهاربين.
سواءً سهرتُ أو نمتُ، نصف حياتي لك: إن سهرتُ، أدفع لك ثمن يومي، وإن نمتُ، لا أشعر بما أعيش.
8. شعرها ينسدل على ظهرها...
شعرها ينسدل على ظهرها، الذي كان يومًا ما موضع سخرية الشمس وإعجابها، جمعت سيلفيا الأصداف على تنورتها على طول الشاطئ الأخضر، لبحر قادس.
انخفض منسوب الماء بين الشمر الزمردي، ليجري مجراه أعمق؛ نسجت سلة خوص طويلة، ووضعتها على جبينها كإكليل.
لكن عندما غادرت الشاطئ، قالت: "ملعون، هذا الماء القليل، بملحه، أحرق قدميّ وملابسي."
كنتُ قريبًا فأجبت: "ملعون الملح في فمكِ الكريم، حيث أحرق حواسي هكذا."
9. الازدراءٌ الحلو، الأذى تُلحقه بي
ازدراءٌ حلو، إن كان الأذى الذي تُلحقه بي أشكرك على القدر الذي تعلمه، ماذا أفعل إن كنتُ أستحق نعمةً من قسوتك، فأنت لا تُشبعني إلا بالشر.
آمالي الدائمة ليست لمن أُعاني من أجله شرور خيرك، بل لمجد معرفة أنني أُقدم روحًا وحبًا قادرين على قسوتك.
امنحني بعض الخير، حتى لو حرمتني به من المعاناة من أجلك، فأنا أموت من أجلك إن قبلتَ دموعي بسببه.
لكن كيف ستمنحني الخير الذي أرجوه؟، إن كنتَ بخيلًا جدًا في إعطائي الشرور، حتى أنني بالكاد أملك كل الشرور التي أشتهيها!
10. لدغة ذرة حية جريئة...
لدغت ذرة حية جريئة ثديي ليونور البيضاء الجميلة، عقيقٌ في لؤلؤ، ومحراثٌ في وردة، شامةٌ خاطفةٌ من السنّ الخفيّ؛
غسلت نقطتين من العاج اللامع بقلقٍ مفاجئ، متذمّرة، وتقلب حياتها الصاخبة، شاعرةً بانتقامين في عقابٍ واحد.
عندما لفظت البرغوث أنفاسها الأخيرة، قالت: "يا للأسف، أيتها الحزينة، لشرٍّ صغيرٍ كهذا، ألمٌ عظيم!" قلتُ: "يا برغوث، ما أسعدكِ!
احتفظي بروحي وحذّري ليونور أن تدعني أُلدغ حيث كنتِ، وسأضحي بحياتي من أجل موتكِ."
11. إلى جمجمة امرأة
كان لهذا الرأس، حين كان حيًا، لحمٌ وشعرٌ على عظامه، حُبست فيهما العيون التي حدّقت إليه.
هنا كانت وردة الفم، التي ذبلت الآن من قسوة القبلات؛ هنا العيون، المطبوعة بالزمرد، لونٌ أسر قلوب الكثيرين؛
هنا التقدير، الذي فيه مبدأ كل حركة؛ هنا تناغم الملكات.
يا جمالًا فانيًا، يا مذنبًا في مهب الريح! حيث سكن هذا الغرور، احتقرت الديدان مسكنها.
12. المرأة أعظم هبة للرجل...
المرأة أعظم هبة للرجل، ومن الجنون القول إنها أعظم شروره، فهي غالبًا حياته وهبته، وهي غالبًا موته وسمّه.
جنة للعيون، بريئة وهادئة، التي غالبًا ما أساويها بالجحيم، أشير إلى قيمتها النادرة في العالم، وأدين قسوة الرجل الزائفة.
هي تُعطينا دمها، وهي تُحيينا، لم يخلق الله شيئًا أكثر جحودًا منها: هي ملاك، وأحيانًا جحيم.
هي تُحب، وهي تكره، وهي تُحسن، وهي تُسيء، والمرأة في النهاية كالسفك، حيث يُعطي الصحة أحيانًا، ويُهلك أحيانًا أخرى.
13. لا أرغب بشيءٍ أكثر من أن أحبكِ...
لا أرغب بشيءٍ أكثر من أن أحبكِ، ولا أرغب بأي حياةٍ أخرى يا لوسيندا، إلا أن أهبكِ الحياة التي تمنحينني إياها، حين أستحق رؤيتكِ، ولا أرغب برؤية أي نورٍ آخر غير عينيكِ الصافيتين.
يكفيني أن أعيش، أن أرغب بكِ، أن أكون سعيدًا، أن أعرفكِ، أن أُعجب بالعالم، أن أُعلي شأنكِ، وأن أكون هيروستراتوس، أن أعانقكِ.
القلم واللسان، يُجيبان في جوقةٍ واحدة، يتوقان لرفعكِ إلى السماوات البهية، حيث تسكن أنقى الأرواح؛
حتى بين هذه الثروات والكنوز، تبقى دموعي، وأشعاري، وآهاتي، خاليةً من النسيان والزمن.
14. من لا يحبكِ لا يعرف الحب...
من لا يحبكِ لا يعرف الحب، يا جمالًا سماويًا، يا زوجًا وسيمًا، رأسكِ من ذهب، وشعركِ كبراعم النخيل.
فمكِ كزنبقةٍ تفيض بالخمر عند الفجر، وعنقكِ من عاج؛ يدكِ تحيط بكِ وفي كفها الختم الذي تسميه الروح، متخفيةً، زهور الياقوت.
يا إلهي! ماذا كنتُ أفكر حين تركتُ هذا الجمال ورأيتُ بشرًا فانين، فقدتُ ما كان بإمكاني التمتع به؟
لكن إن كنتُ أشعر بالندم على الوقت الضائع، فسأُسرعُ كثيرًا حتى أتمكن، وأنا الآن مُحب، من التغلب على السنوات التي قضيتها في التظاهر.
15. أموتُ من الحب الذي لم أعرفه...
أموتُ من الحب الذي لم أعرفه، مع أنني بارعٌ في حبّ الأشياء الدنيوية، لم أتخيّل قطّ أن الحبّ السماويّ، يُشعلُ النفوسَ بهذه الشدّة.
إذا كانت الأخلاق تُسمّي الفلسفة، الرغبة في الجمال حبًّا، فأظنّ أنني أنام بشوقٍ أكبر كلّما ازداد جمالي.
أحببتُ على الأرض، يا للعاشق الحقير، يا له من عاشقٍ أحمق! يا نور روحي، إذ كان عليّ أن أبحث عنك، يا له من وقتٍ أضعته في الجهل!
لكنني الآن أعدك أن أكافئك بألف قرنٍ من الحبّ عن كلّ لحظةٍ توقفتُ فيها عن حبّك وأنا أحبّ نفسي.
16. لطالما قلتُ، وسأقول، وأقول...
لطالما قلتُ، وسأقول، وأقول، إن الصداقة هي أعظم خيرٍ للإنسان؛ ولكن أي إسباني، أو يوناني، أو روماني يستطيع أن يهبنا صديقًا مثاليًا كهذا؟
أُثني، وأُجلّ، وأُحب، وأُبارك من وهبه السماء صديقًا مثاليًا، ولم يذهب هباءً؛ لأنه كان، كما أعترف، كريمًا معي.
أن يكون لك صديق عظيم وأن تكون مدينًا له هو الخير الأسمى، وأن تُشاركه، من خلال الخلاف معه، أن تُشاركه روحك، خيرها وشرها؛
لكنني أُفضّل أن أعيش دون أن أعرفه؛ لأنني لا أرغب في مجد كسبه حتى لا أخشى فقدانه.
17. حاجةٌ ماسة، أمٌّ مخزية...
حاجةٌ ماسة، أمٌّ مخزية، من الخزي والجرأة الدنيئة، ظلام الفهم الواضح، ربما بارعة في المخاطر؛
مخترعة آلات شهيرة، نِعمَ الكرم، مستشارة الشر، أرغوس الريح، ومكروهةٌ للطبيعة البشرية؛
قاطع طريق حقير يخرج إلى الطرق، تقتلين أو تحتجزين الحجاج، وأنتِ جديرةٌ بتدمير الشرف؛
ليس لديكِ سوى شيء واحد نافع؛ لأنه من المستحيل على رجل لم يذق الشرور أن يعرف الخير.
18. إلى سيدة خرجت في صباح أحد الأيام بشعرٍ أشعث
جمالٌ في فوضويته، يُعتمد عليه ما يحترق لاحقًا ويُفتن، كفجرٍ مضطربٍ غالبًا ما ينبثق، ليُحرق بشمس الظهيرة.
سليمان طبيعي، لا يثق، بالبهاء الذي تُذهّب به السماء؛
اتركي الصندوق الصغير، لا تلمسي نفسكِ يا سيدتي، دعي شيخوخة عمتكِ تلمس نفسها.
الياسمين يلمع أجمل، والورد أجمل، لشعركِ الأشعث في الثلج، عمودكِ العاجي، وعنقكِ الجميل.
لأنكِ في الليل أكثر زينة؛ لأنكِ لن تذهبي إلى الغروب بهذه الأناقة، كما استيقظتِ اليوم بشعركِ الأشعث.
19. أن تذهب لتبقى، وبالبقاء تتمزق
أن تذهب وتبقى، ومع البقاء تتمزق، أن ترحل بلا روح وتذهب مع روح غيرك، أن تسمع صوت صفارة الإنذار العذب ولا تستطيع التحرر من الشجرة؛
أن تحترق كشمعة وتحترق تبني أبراجًا على رمال ناعمة؛ أن تسقط من السماء، وتكون شيطانًا في عذاب، ولا تندم أبدًا على ذلك؛
أن تتحدث بين العزلة الصامتة، أن تطلب الصبر، إذ لم يبقَ إلا الإيمان، وأن تسمي ما هو زائل أبديًا؛
أن تصدق الشكوك وتنكر الحقائق، هذا ما يسمونه غيابًا في العالم، نارًا في الروح، وجحيمًا في الحياة.
20. لحظة السونيتة المفاجئة
من "الفتاة الفضية"
أمرتني فيولانتي بكتابة سونيتة؛ لم أواجه في حياتي مثل هذا المأزق، يقولون إن السونيتة تتكون من أربعة عشر بيتًا، مازحًا، بدأتُ بالفعل بكتابة الأبيات الثلاثة الأولى.
ظننتُ أنني لن أجد قافية، وها أنا في منتصف رباعية أخرى؛ لكن إن وصلتُ إلى الثلاثية الأولى، فلا شيء في الرباعيات يُخيفني.
ها أنا ذا أدخل الثلاثية الأولى، ويبدو أنني بدأتُ بداية موفقة، لأنني أنهيها بهذا البيت.
الآن أنا في الثانية، وأظن أنني أنهيتُ الأبيات الثلاثة عشر: عدّها، إن كانت أربعة عشر، وانتهى الأمر.
21. سونيتة
أن يغمى عليه، ليجرؤ، أن يغضب، ليكون قاسياً، رقيقاً، كريماً، مراوغاً، ليتشجع، فانياً، ميتاً، حياً، ليكون مخلصاً، خائناً، جباناً، وشجاعاً؛
ألا يجد المرء مركزاً أو راحة خارج الخير، أن يبدو فرحاً، حزيناً، متواضعاً، متكبراً، غاضباً، شجاعاً، هارباً، راضياً، مستاءً، مرتاباً؛
ليدير وجهه عن خيبة الأمل الواضحة، ليشرب السم كما لو كان خمراً حلواً، لينسى الربح، وأن يحب الأذى؛
حال أن يعتقد أن الجنة يمكن أن تتسع في الجحيم، يمنح الحياة والروح لخيبة الأمل؛ هذا هو الحب، من ذاقه يعرفه.
22. من يقتل بقسوة أكبر؟
من يقتل بقسوة أكبر؟ الحب. من يسبب كل هذا الأرق؟ الغيرة. من هو الشر الكامن في خيري؟ الازدراء. وماذا أكثر منهم جميعًا، أمل ضائع، إذ يزهقون روحي: الحب، والغيرة، والازدراء؟ ما مصير جرأتي؟ عناد. وما دواء شرّي؟ الخداع. من يعارض حبي؟ الخوف. إذن، القسوة ضرورية، والعناد جنون، لأن العناد والخداع والخوف لا يجتمعون. ماذا منحني الحب؟ الاهتمام. وماذا أطلب منه؟ النسيان. ماذا أملك من الخير الذي أراه؟ أرغب... إذا انخرطت في هذا الجنون، حتى أصبحت عدو نفسي، فسيقضون عليّ قريبًا، الاهتمام، والنسيان، والرغبة... كان حزني لم يُنطق به قط... سوء حظ... ماذا يخبئ لي شوقي؟ فرصة... من يقاوم الحب؟ غياب... فأين سيجد الصبر، حتى لو توسلت الموت، إذا ما أرادوا إنهاء حياتي، سوء حظ، فرصة، وغياب؟
23. أبيات حب، أفكار متناثرة...
أبيات حب، أفكار متناثرة، ولدت من روحي في همومي، ولدت من حواسي المتأججة، ولدت بألم يفوق حريتها؛
مكشوفة للعالم، فيه تائهة، تائهة محطمة ومتغيرة، إذ أنك لن تُعرف بالدم إلا في المكان الذي حُبلت فيه
لأنك تسرقين متاهة كريت، وأفكار ديدالوس السامية، وغضب البحر، ولهيب الهاوية،
وإن قبلتنا تلك الأفعى الجميلة، فغادري الأرض، وداعبي الرياح، سترتاحين في أعماقك. —————— *لوبي دي فيغا كاربيو (1562-1635)() كاتبًا مسرحيًا وشاعرًا وروائيًا إسبانيًا بارزًا، اشتهر بكونه أحد أكثر الشخصيات الأدبية غزارةً في تاريخ إسبانيا(). نشأ في بيئة متواضعة، وبرزت مواهبه الأدبية مبكرًا، إذ بدأ كتابة المسرحيات في سن العاشرة.()
من خلال الشعر، يُصوّر فيليكس لوبي دي فيغا كأحد أبرز رموز العصر الذهبي، تطلعاته ونفسه: شغوفًا مُغرمًا، يتأمل في الحب والفراق في قصائد نابضة بالحياة، حزينة، بل وحتى مُرّة (تُعدّ قصائده المُهداة إلى فيليس، إيلينا أوسوريو، إحدى عشيقاته، مثالًا على ذلك)(). لكنّ إبداعه لا يقتصر على الحب؛ فالإلهام الديني، بأبياتٍ روحانية عميقة وحالاته العاطفية()، جوانب أخرى من غنائية شخصية نقية حميمة، خالية من زخارف الباروك،() رغم تأثيره الواضح على لويس دي غونغورا (1561-1627)(). ببراعته في جميع الأوزان الشعرية، تبرز رواياته وسونيتاته، لتسليط الضوء على جوانب قليلة من إنتاجه الغزير. إن إنشادها، بدلًا من قراءتها، يُحوّل قراءتها إلى لحظات من المتعة. يمكنكم أدناه قراءة قصائد للوب دي فيغا. قصائد تُنشد الحب، والله، والحزن.
لم تُلهِ حياة لوبي دي فيغا العاطفية الصاخبة عن الكتابة. فقد كان أحد أكثر الشخصيات الأدبية غزارةً في التاريخ الإسباني. زعم أنه كتب حوالي ألف وخمسمائة مسرحية، مع أن النقاد المعاصرين يرون أن هذا الرقم مبالغ فيه. وصل إلينا حوالي 470() مسرحية طويلة من أعماله. إضافةً إلى ذلك، كتب مسرحيات دينية قصيرة من فصل واحد تُعرف باسم "المسرحية الغامضة"()، فضلاً عن الشعر والروايات. ونظرًا لمواهبه وطاقته الخارقة، لُقّب بـ"عنقاء العباقرة"() و"وحش الطبيعة"().
على خطى لوبي دي رويدا، بدأ لوبي دي فيغا في بدايات مسيرته الأدبية بالكتابة للجماهير. فاختار مواضيع تُثير اهتمام عامة الناس، وغالبًا ما كان يُجسّد أساطير أو أحداثًا تاريخية معروفة وشائعة. استندت العديد من مسرحياته إلى حكايات من سجلات تاريخية أو أغاني شعبية. باختياره مواضيع مألوفة وشائعة، ابتكر لوبي دي فيغا مسرحًا يجذب انتباه جمهوره، مسرحًا ذا طابع إسباني مميز.
في كتابه "الفن الجديد لكتابة المسرحيات" (الفن الجديد صنعة للكوميديا في هذا الوقت، 1914)()، الذي نُشر عام 1609()، شرح لوبي دي فيغا نظريته الدرامية. أوصى كتّاب المسرحيات باختيار مواضيع، كالحب والشرف، تُثير ردود فعل قوية لدى الجمهور. تخلى عن العديد من التقاليد التي ميزت المسرح الإسباني في السابق. فعلى سبيل المثال، كان التقليد الكلاسيكي يُلزم كتّاب المسرحيات باحترام وحدات الزمان والمكان والحدث، والتي بموجبها يجب أن تدور أحداث الحبكة خلال يوم واحد، وفي مكان محدد، وألا تتضمن حبكات فرعية. وجد لوبي دي فيغا هذه القواعد مصطنعة ومقيدة. فضل نهجًا أكثر طبيعية يسمح للأحداث بالحدوث أينما ومتى كان ذلك مناسبًا. في إحدى أشهر مسرحياته، "مَرْشِية الأغنام" (كتبت بين عامي 1611 و1618()، ونُشرت عام 1619/1936)()، التي كُتبت بين عامي 1611 و1618()، يبدأ الفصل الأول في قصر رهبان كالاترافا، في ألماجرو؛ وينتقل إلى ساحة مدينة "فوينتي أوبيخونا"()؛ ثم ينتقل إلى قصر الملكين الكاثوليكيين فرديناند وإيزابيلا؛ وينتهي في الريف المحيط بفوينتيوفيجونا.()
وكما من خلال حياته، ادعى أنه كتب حوالي 1500 مسرحية()؛ مع أن التقديرات الحديثة تشير إلى أن حوالي 470 مسرحية فقط لا تزال موجودة(). أحدثت أعماله ثورة في المسرح الإسباني بالتخلي عن الوحدات الكلاسيكية لصالح أسلوب أكثر واقعية، مما أتاح تنوعًا في الحبكات والأماكن. كثيرًا ما استلهم من الأساطير الشعبية والأحداث التاريخية، فابتكر مسرحًا إسبانيًا مميزًا لاقى رواجًا واسعًا بين الجماهير. من أبرز أعماله "مَرْشِية الأغنام"() و"كلب البستاني"(). إلى جانب إنتاجه المسرحي الغزير، ساهم لوبي دي فيغا أيضًا في الشعر والنثر، بما في ذلك الروايات الرعوية. كان تأثيره على الأدب الإسباني عميقاً، حيث مهد الطريق لكتاب المسرحيات المستقبليين وشكل تطور الدراما الإسبانية طوال العصر الذهبي.
كتب لوبي دي فيغا التراجيديا والكوميديا، كما طوّر التراجيكوميديا، وهي مسرحية تمزج بين عناصر كليهما. كان هدفه محاكاة الطبيعة، حيث تتعايش التراجيديا والكوميديا جنبًا إلى جنب(). وقد حدد بنية الدراما الإسبانية، وحدّد عدد فصولها بثلاثة. كتب جميع مسرحياته شعرًا، وحدّد وظيفة كل وزن شعري. على سبيل المثال، كان يُستخدم الرومانس، وهو شكل تقليدي من أشكال الأغاني الشعبية، في السرد، بينما كان يُستخدم النظم العاشر، وهو مقطع شعري من عشرة أسطر، في المراثي(). استكشف لوبي دي فيغا أنواعًا درامية أخرى أيضًا: فقد كتب مسرحيات تاريخية، وأسطورية، ودينية، ورعوية، وروائية. ()
كما كتب مسرحيات كوميديا دي كابا إي إسبادا (مسرحيات الرداء والسيف)()، التي سُميت بهذا الاسم لأنها كانت تُصوّر مواقف معاصرة، ولذلك كان الممثلون يرتدون ملابس عادية تتضمن رداءً وسيفًا. عادةً ما كانت هذه المسرحيات تدور حول الحب والمؤامرات وسوء الفهم والخدع. أشهر أعماله مسرحية "كلب البستاني" (1613-1615، نُشرت عام 1618)()، المستوحاة من إحدى حكايات إيسوب عن كلب لا يأكل ولا يسمح لغيره بالأكل، ومسرحية "السيدة نيت ويت" (1617)()، المستوحاة من المقولة الشائعة بأن الحب يجعل الحمقى حكماء. تتناول أشهر أعمال لوبي دي فيغا أحداثًا من التاريخ الإسباني، بينما تستند أعمال أخرى إلى الأساطير.()
طوال مسيرته الفنية، دافع لوبي دي فيغا عن البساطة والعفوية على خشبة المسرح. وعندما شاعت في القرن السابع عشر العروض المسرحية المعقدة ذات المؤثرات الخاصة والتقنيات المسرحية المعقدة، عارضها بشدة. كما قاوم النزعة نحو اللغة المزخرفة التي ميزت أدب الباروك. ومع ذلك، تعكس مسرحياته اللاحقة هذه التوجهات الجديدة. فمسرحية "العقاب بلا انتقام"() (1635؛ العدالة بلا انتقام، 1936)() تتضمن العديد من المقاطع البليغة التي تتضمن إشارات إلى التاريخ والأساطير.
على الرغم من أن لوبي دي فيغا يُعرف في المقام الأول ككاتب مسرحي، إلا أنه بدأ مسيرته شاعرًا، وكتب الكثير من الشعر الديني والدنيوي في سنواته الأخيرة. كما كتب إحدى أعظم الروايات الرعوية في إسبانيا، وهي "أركاديا" (1598)(). نال لوبي دي فيغا العديد من الأوسمة، من بينها عضوية وسام القديس يوحنا الأورشليمي، الذي مُنح له عام 1627(). وكانت جنازته حدثًا وطنيًا، ويُقال إنها استمرت تسعة أيام.
الخلاصة. وأخيرا. بإختصار.للشاعر لوبي دي فيغا كاربيو، كان لكتاباته اعتمد تطلعات عمق المسرح الإسباني الذي يعتمد بشكل كبير على المواضيع والأشكال الإيطالية. بل ابتكر لوبي دي فيغا مسرحًا يُعبّر بصدق عن الشخصية الإسبانية. حتى عندما صوّر أجانب، كانت شخصياته إسبانية في جوهرها. كان هدفه الترفيه عن جمهوره لا التثقيف أو التنوير. على عكس أشهر تلاميذه، بيدرو كالديرون دي لا باركا، الذي كان كاتبًا مسرحيًا في البلاط، كتب لوبي دي فيغا لجمهور كان غالبًا ما يكون صاخبًا. لإرضاء هؤلاء الرواد غير المنضبطين، كتب مسرحيات زاخرة بالفكاهة والذكاء والحركة. حتى مآسيه تتضمن الفكاهة، التي عادةً ما يُقدّمها الخدم أو الشخصيات الكوميدية.
على الرغم من أن مسرحياته ليست فلسفية بشكل خاص، إلا أنها تكشف عن فهم عميق للطبيعة البشرية. أدخل لوبي دي فيغا عنصرًا نفسيًا إلى مسرح عصره، والذي طوّره لاحقًا كتّاب مسرحيون مثل تيرسو دي مولينا وكالديرون. لعلّ من المثير للدهشة مدى احترام أتباع لوبي دي فيغا للمعايير التي أرساها. فقد حافظت المسرحية الإسبانية على شكلها ذي الفصول الثلاثة حتى نهاية القرن السابع عشر وما بعده. واستخدم جميع كبار كتّاب المسرح الإسبان في العصر الذهبي أنماط الشخصيات والمواضيع والأساليب الأساسية التي قدمها لوبي دي فيغا. ــــــــــــــــــــ Copyright © akka2025 المكان والتاريخ: آوكسفورد ـ 01/27/26 ـ الغرض: التواصل والتنمية الثقافية ـ العينة المستهدفة: القارئ بالعربية (المترجمة).
#أكد_الجبوري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
تَرْويقَة : -محادثة مع صاحبي-/بقلم فرانسيسكو برينيس* - ت: من
...
-
قطيعة الخطاب المعرفي حين يتلاشى عدم اليقين في العالم الكمومي
...
-
قصائد/بقلم بيير جن جوف* - ت: من الفرنسية أكد الجبوري
-
تَرْويقَة : القصيدة الأخيرة/بقلم روبرت ديسنوس - ت: من الفرنس
...
-
قصائد/ بقلم بيارو بيغونجاري* - ت: من الإيطالية أكد الجبوري
-
قصائد/ بقلم خورخي تيليه* - ت: من الإسبانية أكد الجبوري
-
قصائد/ بقلم ليوبولدو بانيرو* - ت: من الإسبانية أكد الجبوري
-
قصائد/ بقلم إنريكي لين* - ت: من الإسبانية أكد الجبوري
-
تَرْويقَة : -الكلمات المحرمة-/ بقلم يوجين دي أندرادي* - ت: م
...
-
بين ثنائية العقل والجنون (2-4)
-
الفن الإبداعي بين ثنائية العقل والجنون / إشبيليا الجبوري - ت
...
-
قصائد/ بقلم كاميلو سباربارو* - ت: من الإيطالية أكد الجبوري
-
قصائد/ بقلم أليساندرو بارونكي* - ت: من الإيطالية أكد الجبوري
-
من -متلازمة فيتنام- إلى -متلازمة فانزويلا
-
قصائد/ بقلم ألفونسو غاتو* -- ت: من الإيطالية أكد الجبوري
-
مراجعات: مراجعة كتاب: نهاية نظرية المعرفة كما نعرفها/ بقلم ب
...
-
قصائد/ بقلم ألفونسو غاتو* - ت: من الإيطالية أكد الجبوري
-
تَرْويقَة : أنا مُتعبٌ/بقلم سيزار بافيزي* - ت: من الإيطالية
...
-
مراجعة: كتاب:أنا حر، أو لستُ حرًا (00-4)/ ريكاردو مانزوتي/شع
...
-
بيتهوفن.. تجديد الخطاب الموسيقي - ج1/ إشبيليا الجبوري - ت: م
...
المزيد.....
-
فواز حداد للجزيرة نت: في الأنظمة الدكتاتورية يصبح الروائي ال
...
-
نقل الفنان سامح الصريطي إلى المستشفى إثر إصابته بجلطة دماغية
...
-
محمد بن سلمان لـ بزشکيان: لن نسمح باستخدام أجواء أو أراضي ال
...
-
الشهقة الأخيرة.. حسن القطراوي يكتب التاريخ السري للألم من قل
...
-
خريطة سينمائية سياسية.. افتتاح أفغاني لمهرجان برلين السينمائ
...
-
مسارات أدب الرعب في الثقافة العربية من الجن إلى الخيال العلم
...
-
رحلة العقل العربي من الانبهار بكنوز أمريكا الجنوبية إلى تشري
...
-
مصر.. آخر تطورات الحالة الصحيّة للفنان سامح الصريطي
-
غدا.. إطلاق المنحة المالية للصحفيين والأدباء والفنانين
-
فيلم -الرحمة-.. كيف تفكر بقلبك في عالم بلا قلب؟
المزيد.....
-
دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس
/ السيد حافظ
-
مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ
/ السيد حافظ
-
زعموا أن
/ كمال التاغوتي
-
خرائط العراقيين الغريبة
/ ملهم الملائكة
-
مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال
...
/ السيد حافظ
-
ركن هادئ للبنفسج
/ د. خالد زغريت
-
حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني
/ السيد حافظ
-
رواية "سفر الأمهات الثلاث"
/ رانية مرجية
المزيد.....
|