أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - قراءة في قصيدة «رَجفةُ اكتِمال» للشاعر العراقي هاني النواف «بلاغةُ الارتجاف وتأويلُ الجسد المؤجَّل»















المزيد.....

قراءة في قصيدة «رَجفةُ اكتِمال» للشاعر العراقي هاني النواف «بلاغةُ الارتجاف وتأويلُ الجسد المؤجَّل»


طه دخل الله عبد الرحمن

الحوار المتمدن-العدد: 8880 - 2026 / 11 / 5 - 13:22
المحور: الادب والفن
    


قراءة في قصيدة «رَجفةُ اكتِمال» للشاعر العراقي هاني النواف
«بلاغةُ الارتجاف وتأويلُ الجسد المؤجَّل»
حين يرتجفُ التمامُ ويستضيءُ الغياب
للغيابِ ساعةٌ لا تدقُّ في الجدران، بل في الأضلاع؛ وللمؤجَّلِ بابٌ لا ينفتحُ على مهل، بل ينخلعُ في القلب دفعةً واحدة، فيدخل منه ما حسبناه انقضى، وما خِفنا أن يجيء، وما لم نعرف أنّنا كنّا ننتظره. عندئذٍ لا يكون الارتعاشُ ضعفَ الجسد، بل فصاحةَ ما عجز اللسان عن احتماله؛ ولا يكون الاكتمالُ استراحةَ الأشياء في حدودها، بل انكشافَ الكائن على ما يفيض عن حدوده. من هذه التخوم، حيث يتجاور الامتلاءُ والفقد، ويتلامس الميلادُ والاستعادة، تنهض قصيدة هاني النواف؛ لا لتضع أمامنا مرآةً نستوثق فيها من ملامحنا، بل لتصدع المرآةَ فنرى، في شقوقها، ما حجبه عنّا انتظامُ الصورة. إنّها كتابةٌ تجعل من الرجفة معرفة، ومن الجسد سؤالًا، ومن الغياب ضوءًا لا يُرى مصدرُه، ولكنّ أثره يمتدّ في الجهات.
ولعلّ أوّل ما يستوقف القراءة أنّ عنوان القصيدة لا يسمّي حالًا بقدر ما يعقد مأزقًا: «رَجفةُ اكتِمال». كلمتان تتعانقان في النحو، وتتدافعان في الدلالة؛ إذ يُنتظر من الاكتمال أن يُسكّن، فإذا به يُرجف، ومن الرجفة أن تشهد على نقصٍ أو خوف، فإذا بها تُضاف إلى التمام نفسه. غير أنّ الإضافة لا تُسقط التناقض، بل تجعله أصل العلاقة: ليست الرجفة عارضًا يأتي الاكتمالَ من خارجه، وإنّما هي رجفتُه هو، العلامةُ التي يكشف بها عن وطأته. كأنّ بلوغ الشيء لا يُنهي شوقنا إليه فحسب، بل ينهي أيضًا صورتنا القديمة عن أنفسنا ونحن نشتاق؛ فنفقد، لحظةَ الوصول، الكائنَ الذي كنّاه في الانتظار. ومن هنا يمكن أن يُقرأ العنوان بوصفه سؤالًا عن ثمن التحقّق: ماذا يبقى من القلب حين يحضر ما رتّب حياته على غيابه؟
تفتتح القصيدة بعبارةٍ تكاد تكون مفتاحًا معلنًا: «الفجاءةُ كشفٌ للمؤجَّلِ، وإلغاءٌ لزمنِ التدرُّجِ». لكنّ المفتاح، هنا، لا يفتح المعنى ليستنفده؛ إنّه يفتح عليه أبوابَ اضطرابه. فالفجاءة لا تُنشئ المؤجَّل من عدم، بل تزيح عنه حجاب الوقت؛ وما يظهر ليس غريبًا تمامًا، لأنّه كان يقيم في الانتظار، وليس مألوفًا تمامًا، لأنّ الانتظار لم يهيّئ القلب لحقيقة ظهوره. ولهذا تنكسر السكينة: لا لأنّ ما استندت إليه كان معدومًا بالضرورة، بل لأنّه لم يعد قادرًا على تفسير ما انكشف. وما أرهف الفارق بين أن يتغيّر العالم وأن يسقط النظامُ الذي كنّا نفهم العالم به؛ ففي الحال الثانية لا نفقد جوابًا واحدًا، بل ترتعش فينا طريقةُ السؤال.
ومن هذا الارتعاش المفهومي تنحدر القصيدة إلى مادّة الجسد: «والقلبُ المربكُ بفجاءتِهِ / يمزعُ أطرافَ الفراغِ». إنّها صورةٌ لا تكتفي بإسناد فعلٍ عنيف إلى القلب؛ إنّها تمنح الفراغ أطرافًا قابلةً للتمزيق، فتخرجه من كونه عدمًا خالصًا إلى كونه نسيجًا يحيط بالذات ويقاومها. وليس القلب، في هذا المشهد، إناءً يتلقّى الصدمة، بل قوّةً تردّ عليها، وإن بدا ردّها اندفاعًا بلا وجهةٍ مأمونة. إنّه يمزّق ما لا يُمسك، ويصارع ما لا يُرى؛ وتلك بلاغةُ المحنة حين لا تجد لخصمها جسدًا، فتمنح العدمَ جسدًا كي تستطيع أن تواجهه.
غير أنّ المدهش ليس عنف الفعل وحده، بل غايته: «كي لا تنموَ في ريحِ القلبِ / نسمةٌ خجلى / تناجي / غائبةَ الجهاتِ». هنا يقف القلب في وجه النسمة، لا في وجه العاصفة؛ كأنّ الخطر كلّه في تلك الرقّة التي تستطيع أن تتسلّل من حيث يعجز العنف عن الدخول. فالنسمة لا تقتحم، بل تناجي؛ ولا تأمر الذاكرة، بل تستدرجها. ولذلك يبدو تمزيق الفراغ دفاعًا متوتّرًا ضدّ إمكان النداء، ومحاولةً لئلّا ينمو في الداخل ما سيعيده إلى سلطان الغائبة. وما أقسى أن يصير الرجاء نفسه موضعَ خشية، وأن يحرس القلب خرابَه لأنّ زهرةً واحدة قد توقظه على مقدار ما فقد.
وفي «غائبةَ الجهاتِ» يتّسع الفقد من غياب وجهٍ إلى اختلال بوصلة. فالجهات، وهي ما يُفترض أن يدلّ على المكان، تدخل هنا في نعت الغائبة، حتى يكاد غيابها يبتلع إمكان الوصول إليها. ليست بعيدةً فحسب، بل مستعصيةً على التعيين؛ ليست وراء أفقٍ معلوم، بل لعلّها ممّا صار الأفقُ غامضًا بفقده. على أنّ التأنيث، وإن فتح باب القراءة العاطفية، لا يُلزمنا بحكاية غرامٍ محدّدة؛ فالقصيدة تمنح الغائبة آثارًا أكثر ممّا تمنحها سيرة. نعرف ما تفعله في القلب، ولا نعرف على وجه القطع مَن تكون. وهذا الاقتصاد في التعيين ليس فراغًا ينبغي ملؤه بالتخمين، بل مساحةٌ ينبغي صونُها، كي يبقى للغائبة حضورُها الشعري، لا بطاقةُ تعريفٍ نعلّقها على غموضها.
ثمّ تنتقل القصيدة إلى «الأكتافُ التي حملت / ذلكَ الانقباضَ»، فيكتسب ما هو باطنيٌّ وزنًا خارجيًّا. الانقباض، الذي يُحسّ عادةً في الداخل، يُحمَل هنا على الأكتاف؛ كأنّ الوجع لم يعد حادثةً في الجسد، بل صار حملًا يقع عليه. وتأتي العبارة التالية لتزيد هذا الحمل غرابةً ورقّة: «الذي لا تجيدُهُ / إلّا أناشيدُ / نسِيَها النهرُ». إنّ الإحساس لا تفسّره الأناشيد، بل «تجيده»، كأنّ الانقباض فنٌّ أتقنته أصواتٌ خذلتها الذاكرة. أمّا النهر، فلا يجرفها ولا يغرقها، بل ينساها؛ وفي هذا النسيان قسوةٌ أدقّ من العنف، لأنّه يترك المنسيّ قائمًا خارج الاعتراف. يجري الماء، ولا يجري معه النشيد؛ يستمرّ العالم، ولا يلتفت إلى ما انقطع فينا. وهكذا يصبح الألم تفاوتًا بين زمنين: زمنٍ يمضي، وزمنٍ لم يجد مَن يحمله إلى المضيّ.
ومن هذا التعليق تنبثق صورة الولادة: «مطويّةً على احتمالٍ / خرجَ من بينِ ساقَيها / وجهٌ قديمٌ». يلد الاحتمالُ ما يبدو سابقًا عليه، ويخرج من موضع البدء وجهٌ موسومٌ بالقِدم. إنّ النصّ يطوي الخطّ المستقيم للزمن، فيلتقي ما سيأتي بما كان، ويتحوّل الانبثاق إلى تعرّف. ويمكن أن نرى في هذا الوجه عودةَ ما لم يُحسم، أو خروجَ الذاكرة من كمونها إلى صورتها؛ لكنّ الصورة تبقى أوسع من تأويلٍ واحد، لأنّ مرجع الضمير نفسه لا يستقرّ استقرارًا قاطعًا. هنا تتجلّى مخاطرة الكتابة: أن تدع الدلالة تتولّد من تجاور الصور قبل أن تستوثق تمامًا من جسورها النحوية. وهي مخاطرةٌ قد تمنح النصّ خصوبة الحلم، وقد تجعل بعض انتقالاته أشدّ إظلامًا ممّا يحتمله اتصالها. والقراءة التي تنصف الشعر لا تُطفئ عتمته كلّها، ولا تتعبّد لكلّ عتمة؛ إنّما تميّز بين غموضٍ يُنبت العلاقات وغموضٍ يكاد يقطعها.
ولعلّ «حافّةُ اعتذاراتٍ / تنكسرُ عليها الأجسادُ» من المواضع التي يبلغ فيها المجاز حدّته الأصفى. فالاعتذار، بما يفترضه من طلب الوصل، يتحوّل إلى حافّة؛ والقول الذي يُراد له أن يرمّم يصير تضاريسَ للاصطدام. ليست المسألة أنّ الكلمات قليلة فحسب، بل أنّها قد تأتي بعد الأوان، أو تأتي وفيها من التحفّظ ما يجعلها عاجزةً عن حمل الألم الذي تتوجّه إليه. حينئذٍ لا تعبر الأجسادُ إلى المصالحة، بل تنكسر على عتبتها. وليس في الصورة ما يستدعي موعظةً عن وجوب الصفح؛ إنّها، على العكس، تنبّه إلى المسافة بين إعلان الاعتذار وتحقيق الجبر، بين أن يُقال ما ينبغي وأن يقع ما يُنقذ.
وتتبع ذلك عبارة «تصيرُ معنًى مغسولاً»، فتترك التحوّل بين طهارةٍ ومحو. فالغسل يخلّص من الأدران، لكنّه قد يطمس الأثر أيضًا؛ وقد يغدو المعنى أنقى، وقد يغدو أقلّ وفاءً لما جرى. لذلك لا يصحّ أن نحمل العبارة على الخلاص وحده؛ فالقصيدة، بما راكمته من انكسارٍ وغبارٍ وبرودة، لا تمنحنا براءةً مجانية. إنّها تسأل، من داخل الصورة: ما الذي يبقى من التجربة حين تُغسل؟ أتبقى حقيقتها، أم يبقى منها ما استطاع الماءُ ألّا يأخذه؟ وفي هذا التردّد تنجو العبارة من الزينة، لأنّها لا تُجمّل الألم، بل تمتحن ما يحدث له حين يصير قابلًا لأن يُقال.
وتستأنف الحواسُّ اختلاطها في «نبرةٌ أطلقت يدَها»، ثمّ في «يلعقُ رائحةَ الرعشاتِ». للصوت يدٌ تتصرّف، وللرعشة رائحةٌ تُلعَق؛ كأنّ التجربة قد اشتدّت حتى ضاقت بكلّ حاسّةٍ منفردة، فاضطرّت الحواس إلى التواطؤ على حملها. وليس الخوف هنا مفهومًا قائمًا خارج الأشياء؛ إنّه «سائبٌ»، منفلتٌ من القيد، يتعقّب ما هو أرهف من الحركة: أثرَ الحركة في الهواء. وقد يضطرب تعيين الفاعل في هذا السياق، لكنّ الاضطراب نفسه يواكب انتشار الخوف؛ فلا يستقرّ في موضعٍ يمكن الإشارة إليه، بل يتسرّب بين الريح والرائحة والملامح. ومع ذلك، تظلّ هذه الكثافة في حاجةٍ إلى انتباه القارئ، لأنّ وفرة المجاز قد تحجب بعض الصلات بقدر ما تُغني الحقل الشعوري.
ولا تنفصل بنية الأسطر عن هذه الخبرة. فالجملة لا تُعطى دفعةً واحدة؛ تُوزَّع على وقفاتٍ تجعل العين تبلغ قبل أن يبلغ الفهم، وتجعل الفهم يتريّث ليستردّ ما علّقه السطر السابق. وهنا تنشأ مفارقةٌ دقيقة: تتحدّث العتبة عن «إلغاء زمن التدرّج»، فيما تبني القصيدة تلقّيها على تدرّجٍ متقطّع. وليست هذه المفارقة خللًا لازمًا، بل يمكن أن تُقرأ بوصفها فرقًا بين زمن الواقعة وزمن احتمالها: الفجاءة تقع كلّها، لكنّ القلب لا يستوعبها كلّها؛ يأتي الكشف كالصاعقة، ثمّ يتوزّع صداه في الوعي. لذلك تبدو الوقفات أشبه بأنفاسٍ يحاول بها الجسد استرداد توازنه، ويغدو البياض بين الأسطر حيّزًا لارتداد الصدمة، لا مجرّد فراغٍ في الصفحة.
وحين يظهر «ثديٌ يكشفُ نفسَهُ / بحثاً عن امتلاءٍ»، تبلغ القصيدة واحدةً من أكثر مفارقاتها حميميّة. فموضع الإرواء يبحث عمّا يملؤه، وما يُنتظر منه العطاء ينكشف في حاجته. وليست الصورة، في هذا السياق، جسدًا معروضًا للنظر، بل حاجةً تتجسّد كي تُرى. إنها تردّ العطاء إلى هشاشته الأولى: لا يمنح الكائن دائمًا لأنّه فائضٌ مكتفٍ، وقد يتّجه إلى الامتلاء لأنّه يريد أن يستطيع المنح. ومن هنا تنفتح صورة الثدي على معنى الرعاية من غير أن تنحصر فيه، وعلى الافتقار من غير أن تصير رمزًا فقيرًا ذا مقابلٍ واحد. يبقى الجسد جسدًا، وتبقى دلالته أرحب من أن تنوب عنه فكرة.
والامتلاء نفسه ليس حالةً ناجزة، بل حركةٌ «كانَ يواصلُ صعودَهُ». وهنا يعود العنوان إلى مساءلة نفسه: أيّ اكتمالٍ هذا الذي لا يزال يبحث ويصعد؟ لعلّه اكتمالُ الانكشاف، لا اكتمالُ الاكتفاء؛ أن يبلغ الاحتياجُ تمام ظهوره، لا أن يبلغ نهايته. ولعلّ الرجفة هي ما يمنع التمام من التصلّب، وما يتركه مفتوحًا على ما لم يتحقّق. وحين يتّصل الصعود بموضعٍ «ينامُ الغائبونَ» تتشابك الحاجة مع الذاكرة، فلا يعود الامتلاء نقيضًا بسيطًا للفقد، بل طريقًا يمرّ به. إنّ الغائبين لا يخرجون من المشهد لكي يضيء؛ يبقون في عمقه، ويصبح الضوء ممكنًا من جوارهم، لا من نسيانهم.
ثمّ تأتي الخاتمة لتبدّل وجهة الطاقة كلّها: «تنيرُ للعابرينَ / ما كانَ يؤجّلُهُ الأمسُ». لقد بدأ النصّ بقلبٍ يمزّق أطراف الفراغ كي يمنع نسمةً من النمو، وانتهى بضوءٍ يتّجه إلى الآخرين. وبين البدء والمنتهى يتحوّل الداخل من حراسة جرحه إلى إتاحة رؤيته، ويتحوّل الجسد من موضعٍ للانقباض إلى إمكانٍ للإنارة. غير أنّ هذه الحركة لا تُجيز لنا ادّعاء شفاءٍ كامل؛ فالغائبون باقون، والمسافة باقية، والقصيدة لا تعلن محو الخوف. إنّها تفعل ما هو أشدّ تواضعًا وأعمق أثرًا: تجعل للوجع ثمرةً لا تنكره، وللمسافة وظيفةً لا تلغيها. وما أبلغ اختيار «العابرين»؛ فالضوء لا يشترط إقامةً ولا يطالب بانتماء، بل يمنح ما عنده لمن يمرّ.
كذلك تستجيب النهاية للبداية استجابةً لا تخلو من التحوّل. ففي المطلع «كشفٌ للمؤجّل»، وفي الختام إنارةٌ لما «كان يؤجّله الأمس». لكنّ الكشف في البدء يصدم القلب، فيما تصير الإنارة في النهاية متاحةً لسواه. كأنّ القصيدة تعبر من كلفة المعرفة على من يتلقّاها إلى عطيّتها لمن يأتي بعده؛ من انخلاء الذات أمام الفجاءة إلى قدرتها على أن تترك في الفضاء ما يهدي. وفي هذا القوس تتجلّى وحدتها الأعمق: ليست سلسلة صورٍ متداعيةً فحسب، وإن حملت بعض انتقالاتها على القارئ مشقّة الوصل، بل حركةٌ من انكشافٍ موجع إلى إشراقٍ لا يخلو من وجعه.
هكذا يكتب هاني النواف قصيدةً تُحسن، في أصفى مواضعها، أن تجعل المجاز ضرورةً للخبرة، لا حليةً حولها؛ وأن تستبقي في الصورة أكثر ممّا تصرّح به العبارة، وفي الجسد أكثر ممّا تراه العين. وتبقى كثافةُ التراكيب وتحوّلُ مراجع الضمائر حدَّها الحرج: هناك تفتح اللغة منافذها، وهناك أيضًا تكاد تتعثّر بوفرة ما تفتح. أمّا ما يمنح النصّ أثره الباقي فليس ادّعاء الغموض، بل تلك العلاقة المضطربة بين الحاجة والعطاء، بين الغائب والجهة، بين الجسد الذي ينكسر والصدر الذي يضيء.
ولذلك لا تبدو «رَجفةُ اكتِمال» مديحًا للوصول، بل إصغاءً إلى ما يضطرب فيه؛ ولا مرثيّةً للفقد وحده، بل تأمّلًا في قدرته على أن يغيّر هيئة الحضور. فالاكتمال الذي تلوّح به ليس بابًا يُغلق على طمأنينةٍ أخيرة، بل صدرٌ ينفتح، وفيه من الذاكرة ما يُثقله، ومن النور ما يتعدّاه. وتلك أرهفُ مفارقات القصيدة: أنّ القلب، حين لم يجد في العالم ما يكفي لسكينته، لم يتحوّل إلى حجر؛ ظلّ يرجف، حتى صار في رجفته متّسعٌ لضوءٍ يراه العابرون.
طه دخل الله عبد الرحمن
البعنه == الجليل
4/11/2026
********************
القصيدة:
رَجفةُ اكتِمال
الفجاءةُ كشفٌ للمؤجَّلِ، وإلغاءٌ لزمنِ التدرُّجِ، تكسرُ ما اطمأنَّت إليهِ السكينة ُفينا، وتحيلُها رجفةَ قلبٍ.
والقلبُ المربكُ بفجاءتِهِ
يمزعُ أطرافَ الفراغِ
كي لا تنموَ في ريحِ القلبِ
نسمةٌ خجلى
تناجي
غائبةَ الجهاتِ…
والأكتافُ التي حملت
ذلكَ الانقباضَ
الذي لا تجيدُهُ
إلّا أناشيدُ
نسِيَها النهرُ
مطويّةً على احتمالٍ
خرجَ من بينِ ساقَيها
وجهٌ قديمٌ
وحافّةُ اعتذاراتٍ
تنكسرُ عليها الأجسادُ
تصيرُ معنًى مغسولاً
ونبرةٌ أطلقت يدَها
تنثرُ الغبارَ
فوقَ الأصابعِ الباردة
يسوقُ الريحَ خوفاً سائباً
يلعقُ رائحةَ الرعشاتِ
قبلَ أن يولدَ من ملامحِها
ثديٌ يكشفُ نفسَهُ
بحثاً عن امتلاءٍ
كانَ يواصلُ صعودَهُ
حيثُ ينامُ الغائبونَ
يطيلُ الجلوسَ
في المسافةِ التي يتركُها
مضاءةَ الصدرِ
تنيرُ للعابرينَ
ما كانَ يؤجّلُهُ الأمسُ.
الشاعر هاني النواف – العراق



#طه_دخل_الله_عبد_الرحمن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يُضيء النقدُ ما وراء الحبر: إلى الدكتورة آمال بن الطاهرع ...
- قراءة نقدية تأويلية بعنوان «ما يحرسه الصديق حين تغيب الوجوه» ...
- قراءة نقدية بعنوان: بلاغة التماهي وتحولات المكان في نشيد الا ...
- حين تتآخى البصيرةُ والبيان: حوارُ الوفاء وأمانةُ التأويل بين ...
- قراءة نقدية حوارية في «الوجود حين يسكن الصدر» للناقدة التونس ...
- قراءة نقدية في مادة -الورقة الإبداعية الذاتية- للدكتورة آمال ...
- مرايا التأويل: قراءةٌ على قراءة الدكتور محمد ميموني ومساءلةُ ...
- حين تفيض الروح… يصير الحرف مرآةً لما لا يُرى
- دراسة في سيادة السؤال العربي: حوار نقدي مع مقالة الناقدة جلي ...
- حوار خاص عن الام مع الدكتورة سلوى الفيلالي منتدى شعاع للأدبا ...
- منتدى شعاع يستضيف الاديب الشاعر الناقد عبد الرحمن بوطيب ومحا ...
- قراءة نقدية تأويلية في جماليات الانكسار وشعرية الانبعاث لومض ...
- قراءة أدبية وجدانية في مرثيّة الدكتورة سلوى الفيلالي لوالدته ...
- استضافتي لبرنامج – أسابيع الرؤى الثقافية – من 5-10- الى 11-1 ...
- استعلاء الكتّاب والنقّاد حين تصبح كتابة الآخرين تهديدًا.
- النقد الأدبي: بين النظرية والتطبيق
- مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية [ أسابيع الرؤى الثقافية ...
- مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية Abdou Bout [ أسابيع الرؤ ...
- مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية Abdou Bout · مسؤول 9/10/ ...
- مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية [ أسابيع الرؤى الثقافية ...


المزيد.....




- صفاء سلطان في ورطة بسبب العلم السوري القديم
- أمل عرفة تخوض أولى تجاربها في الدراما السعودية عبر -ليل خرمس ...
- بعد العوضي.. محمد رمضان يثير الجدل برسالة إلى أحمد فلوكس
- انطلاق فعاليات مهرجان البحرين المسرحي في دورته الخامسة بالمن ...
- السينما العربية في مهرجان القاهرة: حكايات الهوية وذاكرة الصم ...
- من ذاكرة الحروب إلى معارك الهوية.. حكايات السينما العربية في ...
- زاك كريغر يخطط لأفلام الرعب على الآيفون قبل أن تبدأ الكاميرا ...
- أموريم يحدد معضلة ميلان الفنية ويؤكد: تجاوزنا نشوة الفوز على ...
- اعتراف بجميع كتّاب القصة.. كريستينا فرنانديث كوباس تفوز بجائ ...
- كتاب -إمبراطورية الأكاذيب- لتشارلز غويِت.. تشريح حروب الدولة ...


المزيد.....

- الدومري لا يطفئ عينيه / د. خالد زغريت
- رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي / محمد الفقي
- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - قراءة في قصيدة «رَجفةُ اكتِمال» للشاعر العراقي هاني النواف «بلاغةُ الارتجاف وتأويلُ الجسد المؤجَّل»