أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - منتدى شعاع يستضيف الاديب الشاعر الناقد عبد الرحمن بوطيب ومحاوره الدكتور محمد ميموني في برنامج لقاء الأسبوع 16-10-2026















المزيد.....



منتدى شعاع يستضيف الاديب الشاعر الناقد عبد الرحمن بوطيب ومحاوره الدكتور محمد ميموني في برنامج لقاء الأسبوع 16-10-2026


طه دخل الله عبد الرحمن

الحوار المتمدن-العدد: 8861 - 2026 / 10 / 17 - 11:59
المحور: الادب والفن
    


منتدى شعاع يستضيف الاديب الشاعر الناقد عبد الرحمن بوطيب ومحاوره الدكتور محمد ميموني في برنامج لقاء الأسبوع 16-10-2026
بسم الله الرحمان الرحيم
والصلاة والسلام على خير الانام سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم
أما بعد:
ليس المثقف من يكتفي بأن يقول كلمته، بل من يختبر معناها في الحياة، ويبحث عن المسافة الفاصلة بين ما يكتبه وما يعيشه، وبين حضوره أمام الشاشة وأثره في الواقع. ففي زمن اتسعت فيه المنابر الرقمية، لم يعد السؤال متعلقًا بقدرة المثقف على الوصول إلى الجمهور فحسب، بل بقدرته على أن يجعل من هذا الوصول مسؤولية، ومن حضوره فعلًا ثقافيًا يتجاوز حدود الظهور إلى صناعة المعنى.
من هذا الأفق، يسرّ منتدى شعاع للأدباء والشعراء العرب أن يفتح اليوم نافذة جديدة للحوار والنقاش، من خلال موعد متجدد من مواعيد «لقاء الأسبوع»، الذي يستضيف الشاعر والناقد المغربي عبد الرحمن بوطيب، لمقاربة موضوع يمسّ جوهر الفعل الثقافي وأسئلته الراهنة:
«المثقف / الفاعل الثقافي في الفضاء الرقمي والفضاء الميداني: أدوار وإكراهات»
تجربة عبد الرحمن بوطيب تحت المجهر.
وإذ نضع هذه التجربة أمام أسئلة الحوار، فإننا لا نقصد محاكمة تجربة بقدر ما نروم الإنصات إليها، واستكشاف ما تتيحه من إمكانات وما تواجهه من تحديات، في زمن أصبح فيه المثقف مطالبًا بأن يوازن بين سرعة الانتشار وعمق التأثير، وبين غواية الحضور الرقمي وضرورة الفعل الثقافي في الميدان.
ومن هنا، نتوجه بدعوة مفتوحة إلى جميع المثقفين والأدباء والشعراء والنقاد والفاعلين الثقافيين، وإلى كل المهتمين بالشأن الثقافي، للمشاركة في هذا اللقاء، وإغنائه بأسئلتهم ومداخلاتهم وقراءاتِهم المختلفة؛ لأن الحوار لا يكتمل بصوت الضيف وحده، ولا بقوة الأسئلة التي أُعدّت مسبقًا، بل بما تضيفه العقول الحاضرة من رؤى، وما يخلقه الاختلاف من إمكانات للفهم والتفكير.
هل أتاح الفضاء الرقمي للمثقف فرصًا أوسع للتأثير، أم جعل حضوره أحيانًا رهين سرعة التفاعل ومقاييس الانتشار؟ وكيف يستطيع الفاعل الثقافي أن يحافظ على استقلالية صوته وسط إكراهات الواقع وضغوط المنصات؟ وهل يمكن للكلمة في العالم الافتراضي أن تتحول إلى ممارسة ثقافية ملموسة في الميدان؟
أسئلة نضعها بين أيديكم، لا بحثًا عن إجابات نهائية، بل رغبةً في أن نوسّع مساحة التفكير، ونستعيد للثقافة دورها بوصفها فعلًا إنسانيًا وحوارًا مفتوحًا ومسؤولية مشتركة.
يدير اللقاء: الدكتور محمد ميموني.
وفي هذه المناسبة، نتوجه بشكر خاص إلى العميد الدكتور محمد أبو خروب العبادي، رئيس مجلس إدارة المنتدى، تقديرًا لجهوده في رعاية هذا الصرح الثقافي ودعم مساراته، كما نتقدم بخالص التقدير إلى جميع أعضاء منتدى شعاع والأدباء والفاعلين الثقافيين، وكل من يسهم بفكره وقلمه وحضوره في استمرار هذا الحراك الثقافي وإغنائه.
فالمؤسسات الثقافية لا يصنع أثرها اسم واحد، ولا تنهض بجهد فردي، وإنما تتشكل قيمتها بما يجتمع فيها من إرادات صادقة، وعقول متحاورة، وأيدٍ تؤمن بأن الثقافة مساحة للالتقاء لا للإقصاء.
موعدنا اليوم في منتدى شعاع، حيث نلتقي لا لنضيف كلامًا إلى الكلام، بل لنمنح أسئلتنا فرصة أن تضيء ما لم ننتبه إليه بعد.
أهلًا بضيفنا الكريم الشاعر والناقد المغربي عبد الرحمن بوطيب، وأهلًا بجميع المشاركين؛ فبكم يكتمل اللقاء، وباختلاف رؤاكم تتسع مساحة الحوار، وبالفكر المشترك يظل للثقافة نبضها وأثرها.
منتدى شعاع للأدباء والشعراء العرب لقاء الأسبوع | حوارٌ يفتح للثقافة أفقًا جديدًا.
طه عبد الرحمن
على عتبات شعاع: حين يتوضّأ الحرف بالنور ويأتلف الوجدان مع البرهان
لله درُّ الكلمة حين تخرج من ضميرٍ نقيّ، فتبلغ من القلوب ما لا تبلغه سطوةُ القول، وتفتح في العقول ما لا تفتحه مفاتيح الجدل؛ ولله درُّ البيان حين يكون للجمال لسانًا، وللحقيقة ميزانًا، وللمودة بين أهل الفضل ميثاقًا لا تنقضه مخالفة، ولا تستنفذه موافقة. والحمد لله الذي علّم بالقلم، وأودع الإنسان سرَّ ما لم يعلم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، المبعوث بجوامع الكلم، وعلى آله وصحبه، أهل الوفاء وشرف الاقتداء.
أما بعد؛ فإن للمجالس أقدارًا بما تحمل، وللمنابر مقاماتٍ بما تقول، وللحروف منازلَ بما توقظ في النفس من معنى، وما تترك في الفكر من أثر. وما كلُّ اجتماعٍ بالأدب مجلسَ أدب، حتى يصفو فيه القصد، ويسمو فيه الود، وتكون الكلمة مسؤوليةً قبل أن تكون مهارة، وشهادةَ ضميرٍ قبل أن تكون براعةَ عبارة. فإذا اجتمع إلى جزالة اللفظ إنصافُ النظر، وإلى حرارة الوجدان أمانةُ الفكر، أشرق المجلس بأهله، وعلا المنبر برسالته، وأصبح للحوار في الذاكرة مقام، وللمعنى في الروح مُقام.
وها أنا أقف على عتبات هذا التراسل البديع في رحاب منتدى شعاع للأدباء والشعراء العرب، فلا أجدني بإزاء تقديمٍ أعقبه جواب، وثناءٍ استتبعه استحسان؛ بل بإزاء نسيجٍ تتعانق فيه خيوط المودة والمعرفة، وتلتقي على صفحته مهابةُ المقام بخصوبة الكلام. كأن كلَّ عبارةٍ فيه تمدّ إلى أختها يدًا، وكلَّ رؤيةٍ تفتح للرؤية الأخرى مدى؛ فلا الحفاوة أغلقت باب المساءلة، ولا المساءلة أطفأت سراج الحفاوة. وتلك منزلةٌ يزداد بها الأدب رفعة؛ حين يأتلف جمالُ ما نقول مع نبلِ ما نقصد.
أيها السادة الأجلاء، يا أصحاب الأقلام التي لا تستعير نورها من بريق الأسماء، بل تستمدّه من صدق الانتماء؛ إن مما يبعث على الاعتزاز أن نرى للكلمة هذا الاحتفاء، ولأهلها هذا الوفاء، وللاختلاف هذا الرحب الذي لا يضيق بصوت، ولا يستوحش من سؤال. فما أبهى مجلسًا لا يتخذ من المديح ستارًا يحجب النظر، ولا يجعل من النقد سيفًا يقطع أواصر البشر؛ وإنما يقيم بين القلب والعقل صلةً تحفظ للمبدع كرامته، وللقارئ حريته، وللنص حقَّه في قراءةٍ لا تظلمه بالإهمال، ولا تخدعه بالإجلال.
لقد أقبل الأستاذ الشاعر فوزي إبراهيم العدوي بتقديمه إقبالَ من يُهيّئ للضيف صدرَ المجلس، وللمعنى صدرَ القلب؛ فاستنفر من اللغة خيلها، واستخرج من البيان أصيله، وأحاط الموعد بهالةٍ من الترقب الجميل. ولم يكن احتفاؤه، فيما قرأت، ثوبًا من الثناء يُلقى على كتفي المناسبة ثم يُطوى؛ بل كان إعلانَ محبةٍ للأدب، وإقرارَ وفاءٍ لأهله، ودعوةً إلى لقاءٍ تُشحذ فيه البصائر كما تُشحذ القرائح، وتُختبر فيه الرؤى كما تُختبر الصياغات. وتلك براعةُ التقديم حين لا يكتفي بأن يصف الباب، بل يُحسن أن يفتحه.
ثم جاء الدكتور محمد ميموني، فدخل من ذلك الباب إلى جوهر السؤال؛ لم ينزع عن العبارة زينتها، ولكنه كشف عما وراء الزينة من مسؤولية، ولم يطفئ وهج الترقب، ولكنه جعل لذلك الوهج جهةً ومعنى. واستوقفتني في ردّه تلك المسافة بين ما أراد المبدع قوله وما استطاعت اللغة أن تكشفه؛ فهي مسافةٌ قد ينبت فيها من الدلالة ما لم يتعمده الكاتب، وقد يظهر فيها من التعثر ما لم يتنبّه إليه. وبين الاحتمالين تقوم يقظة القارئ: فلا يحمل كلَّ غموضٍ على العمق، ولا يردّ كلَّ معنى مستجدٍّ إلى وهم التأويل؛ بل يستنطق الشاهد، ويتأنّى في الحكم، ويجعل من النص دليلَه إليه.
وهنا، في تقديري، تتجلى مهابة النقد؛ لا بوصفه منصةً يتعالى منها قارئٌ على كاتب، ولا محكمةً يُستدعى إليها النص متهمًا حتى يثبت جماله، بل بوصفه صحبةً يقظةً للعمل الإبداعي: تكشف ولا تتعسف، وتفحص ولا تتشفّى، وتُعجب دون أن تُعفي، وتعترض دون أن تُقصي. وليس الناقد من أكثر في النص قولًا، بل من أحسن إليه وصولًا؛ عرف موضع النبض فوضع عليه إصبعه، وأبصر موطن الخلل فأقام عليه حجته. فإن أثنى، أرانا لماذا استحق النص الثناء؛ وإن تحفّظ، دلّنا على ما أوجب التحفّظ؛ فلا يستبدل بالبرهان سلطانَ الاسم، ولا يجعل من رهافة الذوق ذريعةً إلى غموض الحكم.
وما أجمل أن تُقرأ حماسة «النزال الأدبي» في تقديم الأستاذ فوزي إلى جوار رحابة «المساءلة» في جواب الدكتور ميموني؛ فبين الصورتين مجالٌ لاتفاقٍ أرفع من ظاهر اختلافهما. ليكن نزالًا، ولكن مع الابتذال لا مع أصحابه؛ ومع رخاوة الحجة لا مع كرامة المحتج؛ ومع استسلام اللغة للمألوف لا مع حق المبدع في التجريب. ولتكن مساءلةً، ولكن لا تستحي من تسمية الضعف، ولا تستبدل بالموقف الواضح عبارةً لينةً لا تُفيد. فالمودة لا تستلزم المداهنة، والصراحة لا تستبيح الفظاظة؛ وبينهما يستوي أدبٌ يعرف متى يرقّ، ومتى يدقّ، وكيف يصدق في الحالين.
ثم عاد الأستاذ فوزي إبراهيم العدوي بتعقيبه، فإذا بالعبارة تستقبل العبارة استقبالَ الغصن للمطر؛ لا تنازعه ما يحمل، بل تزداد به اخضرارًا. وقد راق لي أن الإضافة الفكرية لم تُقابل بحراسة حدود القول الأول، وإنما قوبلت بفسحةٍ من التقدير، كأن صاحب التقديم يقول بلسان موقفه: ما أضفته إلى المعنى ليس انتقاصًا من عبارتي، بل استكمالٌ لأفقها. وهكذا يعلو الحوار؛ حين لا يكون همُّ المتحاور أن تبقى له الكلمة الأخيرة، بل أن تخرج الكلمة المشتركة أصدقَ وأغنى. فأيُّ فضلٍ في أن ننتصر لأقوالنا ونخسر إمكان اتساعها؟ وأيُّ غنيمةٍ أكرم من رأيٍ نُحسن مراجعته، أو معنى نُحسن اكتشافه؟
وفي هذا الضوء، أتطلع إلى منتدى شعاع، برئاسة الدكتور محمد أبو خروب العبادي لمجلس إدارته، أن يكون لهذا الوعد رحابًا، ولهذه الروح محرابًا؛ يلتقي فيه المختلفون على شرف القصد، وإن تباعدوا في طرائق النظر، ويعرف فيه المبدع أن حسن استقباله لا يعني تعليق السؤال على باب نصه، ويعرف فيه الناقد أن قوة قراءته لا تُقاس بما يتركه من رهبة، بل بما يفتحه من بصيرة. فما يرتفع المنبر بوفرة ما يُقال فوقه وحدها، وإنما يرتفع بما يُتاح عليه من إصغاءٍ عادل، وبما يُصان فيه من حقٍّ متبادل.
وإننا، إذ نترقب حضور الشاعر والأديب الدكتور عبد الرحمن بو ضيف، فإنما نترقب ما يهب اللقاءَ قيمته من تفاعل الرؤية والشاهد، والتجربة والقراءة؛ نترقب حديثًا يُرينا كيف تتآزر الفكرة والصورة، وكيف تستقيم الموسيقى في خدمة الشعور، وكيف يختلف الإيحاء الذي يثري النص عن الإبهام الذي يثقله. فما أمتع أن ينتهي بنا الحوار إلى أن نرى في بيتٍ ألفناه ما لم نكن نرى، وأن نتوقف عند عبارةٍ أعجبتنا لنسأل: أبريقها من صدق التجربة، أم من حُسن الصنعة، أم من اتحادهما في لحظةٍ موفقة؟ هناك يغدو التذوق وعيًا بنفسه، ويصبح الإعجاب معرفةً بأسبابه.
ولأن الحديث قد اتصل بحراسة الهوية وأمانة الكلمة، فإني أرى الوفاء للغتنا عملًا في حاضرها، لا وقوفًا طويلًا على أبواب ماضيها؛ نكرم ميراثها حين نحسن الانتفاع به، ونحفظ قدرتها حين نجرؤ على الإبداع فيها. ليست العربية في حاجةٍ إلى أن نُكثر من وصف سعتها ثم نضيق بها عن أسئلتنا، بل إلى أن نمنحها من صدق التجربة وجدّة النظر ما يُظهر تلك السعة في نصٍّ حيّ. وما أجمل أن يكون اعتزازنا بها باعثًا على الإتقان، لا عذرًا للاكتفاء؛ وأن تكون أصالتنا جذورًا تمدّ أغصاننا بالحياة، لا قيودًا تمنعها من استقبال الهواء.
أيها الأحبة، إنني أقدّر في هذا السجال أن أصواته لم تتزاحم على الضوء، بل أسهم كلٌّ منها في توسيع دائرته: حرارةُ شاعرٍ أحسن الدعوة، وبصيرةُ محاورٍ أحسن الإضافة، ومودةٌ أحسنت استقبال ما أُضيف. ولعل هذا مما يستحق أن نصونه في مجالسنا؛ أن نبقى قادرين على الإعجاب دون ارتهان، وعلى الاختلاف دون جفاء، وعلى الاعتراف بفضل الآخر دون أن نشعر أن في ذلك انتقاصًا من أقدارنا. فالمعرفة أرحب من أن يملكها صوت، والجمال أكرم من أن يستأثر به ذوق.
فإلى الأستاذ الشاعر فوزي إبراهيم العدوي تحيةٌ على بيانٍ جعل للموعد نبضًا قبل أوانه، وإلى الدكتور محمد ميموني تقديرٌ على قولٍ نقل الحفاوة من جمال الاستقبال إلى عمق الاحتمال، وإلى الدكتور عبد الرحمن بو ضيف خالص الترحيب بما نرجوه من ثراء حضوره ومشاركته، وإلى الدكتور محمد أبو خروب العبادي وأسرة منتدى شعاع وفاءٌ يليق بالعناية بالكلمة وجمع أهلها على مائدة الحوار.
دام شعاع ملتقى يُكرَم فيه الإنسان، ويُمحَّص فيه القول؛ فلا يُجرح صاحبٌ من أجل رأي، ولا يُحصَّن رأيٌ من أجل صاحبه. ودامت بينكم هذه المودة التي لا تخشى السؤال، وهذه البلاغة التي لا تستغني عن الدليل؛ حتى يخرج الحرف من مجلسكم أجلى، ويعود القارئ إلى نصّه أبصر، ويكون اختلافكم للمعنى اتساعًا، وللأدب ارتفاعًا، وللقلوب ائتلافًا لا يلغيه تباين الرؤى، بل يزيده رسوخًا وصفاء.
طه دخل الله عبد الرحمن
15/10/2026
Abdou Bout
بسم الله الرحمن الرحيم،
السيدات والسادة الأفاضل، الزملاء الأدباء والمبدعون، حضورنا الكريم عبر هذا الفضاء المعرفي المتميز،
أود في مستهل هذا اللقاء أن أتقدم بأسمى عبارات الشكر والامتنان لـمنتدى "شعاع للأدباء والشعراء العرب" على هذه الاستضافة الكريمة في برنامجكم الراقي "لقاء الأسبوع".
كما أخص بالشكر الجزيل الدكتور محمد ميموني على إدارته الراقية وتقديمه النبيل، ولكل الساهرين على إنجاح هذه المنصة الثقافية التي تجمع شمل المبدعين العرب، ومن بينهم الفاضل الأستاذ مصطفى محمد Mustafa Muhammad Kor Sheikh.
إن اختياركم لموضوع "المثقف / الفاعل الثقافي في الفضاء الرقمي والفضاء الميداني... أدوار وإكراهات" يعكس وعيا عميقا بأسئلة الراهن الثقافي.
ويشرفني جدا أن توضع تجربتي المتواضعة تحت مجهر نقاشكم الرصين، لنتبادل الرؤى حول كيفية تطويع الأدوات الرقمية والفعاليات الحضورية، لخدمة قضايا الفكر والميدان، والوقوف على الإكراهات التي نواجهها كفاعلين في هذين الفضائين.
ممتن لكم مجددا، وأتطلع إلى حوار ممتع ومثمر يلامس تطلعاتكم.
شكرا لكم.
Mustafa Muhammad Kor Sheikh
Abdou Bout
Naceur Nouira
Abdou Bout أهلاً بكَ وبحضوركَ الراقي الذي أثرى هذا اللقاء.
لقد أضفتَ بمداخلتكَ بَهاً وعُمقاً يلامس جوهر القضية الثقافية؛ فكلماتك ليست مجرد رأي عابر، بل هي غرسٌ فكريٌّ أصيل يجسد مسؤولية الكلمة ويرسخ القيمة الحقيقية للحوار. دمْتَ نبعاً للفكر والأدب.
>>بِفِكْرِكَ يَسْتَنِيرُ الحَرْفُ نُوراً>سَكَبْتَ النَّقْدَ فِي الأَرْوَاحِ أُنْساًوَيَسْكُبُ فِي المَدَى طِيباً وَوَرْدَافَصَارَ الفِكْرُ لِلْآفَاقِ زَنْدَا>>
مع خالص التقدير والمحبة،
د. ناصر بن محمد نويرة
سفير السلام
Mustafa Muhammad Kor Sheikh
Abdou Bout
Mustafa Muhammad Kor Sheikh
Abdou Bout
الف مبارك دكتورنا الغالي
Saloua Filaly
Abdou Bout
أهلاً وسهلاً ومرحباً بكم، دكتورنا الفاضل، في رحاب منتدى شعاع للأدباء والشعراء العرب، منارة الفكر ومنبر الكلمة الهادفة، حيث تلتقي العقول النيّرة لتستنطق أسئلة الثقافة، وتستشرف آفاق الإبداع ومسؤولية المثقف في زمن التحولات.
لقد أحسنتم الوقوف عند قضية من صميم واقعنا الثقافي، فالمثقف الحق ليس مجرد صوت يتردد في الفضاء الرقمي، ولا حضوراً عابراً في المحافل، بل هو وعيٌ يتجاوز حدود القول إلى أثر الفعل، وجسرٌ يصل الفكر بنبض المجتمع، ويجعل من المعرفة مسؤولية، ومن الكلمة موقفاً، ومن الإبداع رسالة.
وإن التحدي الحقيقي لا يكمن في امتلاك أدوات التواصل فحسب، بل في حسن توظيفها، وصون القيمة الفكرية وسط ضجيج الانتشار، وتحويل الحضور الافتراضي إلى مبادرات ملموسة تترك أثرها في الواقع.
كل الشكر والتقدير للقائمين على برنامج «لقاء الأسبوع»، الدكتور محمد ميموني على إدارته لهذا الحوار الثقافي، ولكل من يسهم في إثراء هذا المنبر الأصيل.
حللتم أهلاً ونزلتم سهلاً، ومرحباً بكم بين إخوتكم في شعاع، متمنين لهذا اللقاء حواراً يليق بقيمة الموضوع، وعمق التجربة، ونبل الرسالة الثقافية.
فأهلاً بكم، حيث للكلمة ميزان، وللفكر أفق، وللأثر شهادة لا يطويها الزمن
سلوى الفيلالي
زهرة البيلسان حسن
Abdou Bout
خيرة رحماني
أستهل الكاتب مقاله يدور المثقف ، ومدى تأثيره في صناعة الوعي الرقمي، لكنه لم يجعل ثقافته تقتصر على مايكتبه بل مايمارسه .
فالمثقف الحقيقي لا يكتفي باكتساب المعرفة ، بل يوظفها ، في فهم الواقع ، ونقد الأفكار والدفاع عن الحقيقة والاسهام في تطوير المجتمع.
فليس كل متعلم مثقف بالضرورة، وليس كل مثقف صاحب شهادة جامعية بالضرورة ، فالثقافة تتجلى في عمق الفهم ، واستقلال التفكير ، وسعة الأفق، و القدرة على الربط بين المعرفة والحياة والأخلاق.
فالمثقف هو من يتجاوز تحصيل المعرفة إلى تحليلها ونقدها وربطها بقضايا الانسان والمجتمع، والمثقف هو الذي بدأ بالتعلم ثم ارتقى وأصبح مفكرا .وقد يجمع الانسان بين هذه الصفات الثلاث فيكون متعلماا ومثقفا ومفكرا .
والمثقف يسعى دائما لنشر الوعي ، ومحاربة الجهل،ونقد السلطة و توجيه الأفكار السائدة وتسديدها ،والمثقف هو الذي يدافع عن القيم الانسانية والعدل والحرية ويحافظ على الذاكرة و الهوية ويسعى لصناعة مستقبل واع،ليس بالضرورة أن يكون المثقف قائدا للجماهير وليس له أن يكون دائما معارضا للسلطة
بل هو شخص مسؤول ، يسعى لبحث الحقيقة ، واقرار الفضيلة ،ورفع الظلم ، ونصرة الحق ،والقضايا العادلة
فهو شخص ، مستقل الضمير،دقيق المعرفة ، صادق في النقد، ومسؤول عن أثر كلمته، في الواقع والمواقع.
الأديبة والشاعرة
خيرة رحماني
الجزائر
Mohammed Mimouni
خيرة رحماني الأديبة والشاعرة الفاضلة خيرة رحماني،
لعلّ أجمل ما في قراءتكم أنكم لم تحبسوا المثقف داخل ما يعرفه، بل أخرجتموه إلى ما يفعله بمعرفته، وكيف تتحول الثقافة من رصيدٍ في الذهن إلى موقفٍ في الحياة. فليست المشكلة أن نمتلك المعرفة، بل أن نعرف ماذا نفعل بها، وأيَّ إنسانٍ نصبح حين نمتلكها.
وقد استوقفني تمييزكم بين المتعلّم والمثقف والمفكّر؛ فالشهادة قد تثبت أن صاحبها بلغ مرحلةً من التحصيل، لكنها لا تمنح صكًّا بالتفكير، ولا تعفي صاحبها من مساءلة أفكاره. وربما كان الامتحان الأصعب للمثقف أن يحتفظ باستقلال ضميره حين تصبح الحقيقة مكلفة، وأن ينقد الفكرة حتى حين تصدر عمّن يحب، وأن يعترف بخطئه حين يكتشف أن ما دافع عنه لم يعد يصمد أمام السؤال.
أما في الفضاء الرقمي، فالمفارقة أن الكلمة صارت أسرع وصولًا، لكنّ أثرها لم يعد بالضرورة أعمق؛ إذ قد يحصد الوهم آلاف المشاركات، بينما تمرّ الحقيقة هادئةً لا يلتفت إليها أحد. وهنا تتحدد مسؤولية المثقف: ألا يكتفي بأن يكون حاضرًا في المواقع، بل أن يجعل لحضوره معنى، وللكلمة أثرًا يتجاوز لحظة النشر.
فالمثقف لا تُقاس قيمته بقدرته على إقناع الناس بأنه يعرف، بل بقدرته على مساعدتهم في أن يروا ما لم يكونوا يرونه، وأن يفكروا فيما اعتادوا التسليم به. وليس مطلوبًا منه أن يعارض لمجرد المعارضة، ولا أن يوافق طلبًا للسلامة؛ إنما أن يظل وفيًّا للسؤال، حتى حين لا يمنحه السؤال مكانًا مريحًا بين الناس.
شكرًا لكم على هذه الإضاءة التي تذكّرنا بأن الثقافة ليست زينةً للعقل، بل مسؤوليةٌ تجاه الإنسان، وأن أخطر ما قد يصيب المثقف ليس أن يفقد صوته، بل أن يبقى صوته مسموعًا بعد أن يفقد ضميره.
كل التقدير لوعيكم ولقلمكم.
خيرة رحماني
Mohammed Mimouni أهيب بمروركم النابع من رؤى الفكر وآفاق المعرفة ، ولاشك ان أكثر ما يزيد الكلمة غبطة، أنها تجد من يقلبها على جميع وجوهها فالمعرفة ليست ركنا ولا زاوية ، بل هي كل متكامل يندفع كالسيل العرم في أعماق المثقف، فيطرق عليه باب الفكر ونافذة الروح ومساحة النقد وساحة الابداع، فشكرا مرة أخرى لعميق فهمكم ، وسباحتكم بين السطور ، وتحليقكم في فضاء الفهم والحكمة .
تحياتي ودام نبضكم .
طه عبد الرحمن
خيرة رحماني حين تُصبح المعرفةُ ضميرًا، والكلمةُ عهدًا
الأديبة والشاعرة خيرة رحماني،
لقد قرأتم سؤال المثقف بعينٍ تتجاوز بريق المعرفة إلى أمانة حملها؛ فلم تسأل كلماتكم عمّا يملكه الإنسان من أفكارٍ فحسب، بل عمّا تملكه تلك الأفكار من سلطانٍ على سلوكه واختياراته. وهنا يكتسب طرحكم جماله وعمقه: أن تكون الثقافة شيئًا نفعله بما نعرف، لا مجرد شيءٍ نقوله عمّا قرأنا.
وأجمل ما في مداخلتكم أنكم رددتم الاعتبار إلى الضمير؛ ذلك الرقيب الذي يسأل صاحب الكلمة، قبل أن يخرج بها إلى الناس: هل تحرّيت؟ هل أنصفت؟ وهل أنت مستعدٌّ لأن تراجع قولك إذا بان لك ما يخالفه؟ فما أنبل المعرفة حين تمنح صاحبها دقّةً في الحكم، وتواضعًا أمام ما يجهل، ورحمةً بمن يختلف معه.
وفي تمييزكم بين التعلّم والثقافة والفكر دعوةٌ إلى ألّا نخلط بين الشاهد على التحصيل والثمرة التي نرجوها منه. فللشهادة قدرها، وللدراسة فضلها، لكنّ سؤالكم يمضي إلى ما بعدهما: ماذا صنعت المعرفة في نظرتنا إلى الإنسان؟ هل وسّعت قدرتنا على فهمه، أم زادت براعتنا في تصنيفه؟ وهل جعلتنا أقدر على مساءلة أحكامنا، أم أمهر في الدفاع عنها مهما تبيّن لنا قصورها؟
وتستوقفني إشارتكم إلى أن المثقف ليس مطالبًا بأن يكون قائدًا للجماهير، ولا معارضًا دائمًا للسلطة؛ ففي هذا تحريرٌ للموقف من القالب الجاهز. ما أجدر صاحب الرأي أن يزن القضية قبل أن يختار موقعه منها، وأن يكون اعتراضه مبنيًّا على بيّنة، وتأييده موصولًا بحقّ المراجعة. فلا تتحوّل المخالفة إلى عادةٍ تُغنيه عن التفكير، ولا يصبح الاتفاق إذنًا بالتخلّي عن استقلاله.
ولعلّ أدقّ ما منحتموه لهذا الاستقلال أنه استقلالُ ضمير، لا عزلةُ عقل؛ فالمثقف الذي نرجوه يصغي دون أن يتبع عميانًا، ويتعلّم دون أن يرى في التعلّم انتقاصًا، ويغيّر رأيه حين تستدعي الحقيقة ذلك. وليس الوفاء للنفس أن تبقى عند جوابها الأول، بل أن تصون صدقها وهي تنتقل إلى فهمٍ أوسع.
أما جمعكم بين «الواقع والمواقع» فعبارةٌ موفّقة تُعيد الكلمة إلى وحدتها الأخلاقية؛ إذ لا ينبغي أن يصير اختلاف المنبر ذريعةً لاختلاف الأمانة. فليظلّ وراء الشاشة إنسانٌ يتذكّر أن أمامه إنسانًا، وأن من حقّه عليه التثبّت والإنصاف وصون الكرامة، حتى في أشدّ لحظات الاختلاف.
شكرًا لكم، أستاذة خيرة رحماني، على مداخلةٍ جعلت الحديث عن المثقف سؤالًا موجّهًا إلى كل واحدٍ منا، لا وصفًا نعلّقه على الآخرين. ومن الجزائر الحبيبة جاءت كلماتكم لتضيف إلى الحوار هذا الرجاء الجميل: أن تتّصل المعرفة بالحياة، وأن تجد القيم التي نكتبها موضعًا في أفعالنا.
ولعل أبلغ تحيةٍ لروح طرحكم أن نقول: ما أجمل أن يكون في مكتبة الإنسان متّسعٌ للكتب، وفي عقله متّسعٌ للمراجعة، وفي قلبه متّسعٌ للناس؛ ثم يكون في حياته كلّها ما يشهد بأن شيئًا ممّا قرأه قد صار خُلُقًا.
خيرة رحماني
طه عبد الرحمن ذكرتني وأنا أقرأ مداخلتك ، بالطريقة التي عالج بها مالك بن نبي هذا الموضوع في كتابه ( مشكلة الثقافة) وكتابه الآخر ( شروط النهضة )
فأرى انك وصاحبنا قد ركزتما على دور الثقافة في تشكيل دور الانسان ،وتنظيم سلوكه وتوجيه طاقته ،نحو البناء الحضاري ، فالمجتمع لا ينهض بمجرد امتلاك المعلومات بل من خلال توفير الزمكان لتطبيق مشروع النهضة الحضارية لذلك فالثقافة عمل وسلوك وفكر منتج .والمثقف إذا لم يستطع التأثير في مجتمعه ، فعليه أولا أن يراجع نفسه ، وينطلق مرة أخرى من خلال تصحيح سلوكه وتطوير نفسه وتوفير الشروطوالأخذ بالأسباب .
Naceur Nouira
خيرة رحماني أهلاً بكَ وبحضوركَ الراقي الذي أثرى هذا اللقاء.
لقد أضفتَ بمداخلتكَ بَهاً وعُمقاً يلامس جوهر القضية الثقافية؛ فكلماتك ليست مجرد رأي عابر، بل هي غرسٌ فكريٌّ أصيل يجسد مسؤولية الكلمة ويرسخ القيمة الحقيقية للحوار. دمْتَ نبعاً للفكر والأدب.
>>بِفِكْرِكَ يَسْتَنِيرُ الحَرْفُ نُوراً>سَكَبْتَ النَّقْدَ فِي الأَرْوَاحِ أُنْساًوَيَسْكُبُ فِي المَدَى طِيباً وَوَرْدَافَصَارَ الفِكْرُ لِلْآفَاقِ زَنْدَا>>
مع خالص التقدير والمحبة،
د. ناصر بن محمد نويرة
سفير السلام
Fawzy Ibrahim
"هنا، وحيث تلتقي الإرادات الصادقة في منتدى شعاع، نعلنها صرخة فكرية مجلجلة في وجه زمن السيولة الفكرية! برعاية رباننا الشامخ الدكتور محمد أبو خروب العبادي، وعين نائبنا الفنان القدير الدكتور مصطفى كور شيخ، وبمبارزة «مشاكس المعاني» الدكتور محمد ميموني، نصنع اليوم جبهة ثقافية لا تنحني لعواصف الرقمنة الجارفة.
جئنا لننزع الحرف العربي من قيود الخوارزميات وصقيع الشاشات، ونعيده إلى عرشه الأصيل حراً، أبياً، وثائراً يتنفس عشق الميدان وصوت الوعي!
الشاعر فوزي إبراهيم العدوى
طه عبد الرحمن
Fawzy Ibrahim لشعاعَ رايةٌ من وعي، وللحرف أفقٌ من حياة
الشاعر فوزي إبراهيم العدوى،
في كلماتكم جذوةُ انتماءٍ إلى الحرف، وحماسةُ مَن يريد للثقافة أن تحتفظ بحرية سؤالها وكرامة مقصدها؛ فلا تستعير قيمتها من رواجٍ عابر، ولا تترك لضجيج اللحظة أن يختار لها ما تقول. وما أجمل أن تتحوّل هذه الغيرة إلى عهدٍ نأخذه على أنفسنا: أن نكتب ما نؤمن بجدواه، وأن نمنح ما نكتبه حقَّه من المعرفة والتأمل والمراجعة.
ولعل أبهى ما في ندائكم اجتماعُ الإرادات على خدمة معنى يتجاوز أصحابَه؛ ففي تحيتكم للدكتور محمد أبو خروب العبادي، والدكتور مصطفى كور شيخ، والدكتور محمد ميموني، وفاءٌ لمن ترعون في جهودهم أسباب هذا اللقاء. ويكتمل جمال الوفاء حين يتّسع لكل يدٍ تسهم، ولكل عقلٍ يضيف، ولكل صوتٍ صادقٍ يمنح الحوار زاويةً لم تكن ظاهرة.
أما «الجبهة الثقافية» التي تستنهضونها، فما أكرم أن تكون جبهةً في وجه الابتذال، مفتوحةَ الأبواب للإنسان؛ تجمع المختلفين على نزاهة السؤال، وتصون حقّهم في ألّا تتشابه أجوبتهم. فتلك الحرية التي تليق بالحرف: أن يأمن صاحبُه وهو يفكّر، وأن يجد مَن يراجعه بإنصاف، وأن يستطيع أن يقول «تبيّن لي غير ما كنت أرى» دون أن يشعر أنه خسر مقامه.
وفي دعوتكم إلى تحرير الحرف من قيوده رجاءٌ يستحق أن نصحبه إلى ممارستنا؛ فنستخدم المنصات دون أن نختصر رسالتنا فيما يستجلب التفاعل، ونأخذ بأدوات الوصول دون أن نتخلّى عن حقّنا في التأنّي. ولتكن الشاشة نافذةً نطلّ منها على الناس، يدخل إلينا منها سؤالهم أيضًا؛ فالحوار الذي نرجوه طريقٌ متبادل، لا منبرٌ يرتفع فيه صوتٌ ويغيب ما عداه.
وما أجمل أن نعيد الحرف إلى «عرشه الأصيل» بأن نقرّبه من تفاصيل الحياة: من قارئٍ يبحث عمّا يعينه على الفهم، وموهبةٍ تنتظر فرصةً عادلة، وإنسانٍ يريد أن يجد لوجعه عبارةً أمينة. هناك يكتسب الحرف هيبته؛ حين يشعر مَن يقرؤه أنه معنيٌّ به، وأن وراء جماله معرفةً ومسؤوليةً وصدقًا.
فلنمضِ بهذه الحماسة إلى ما يبقى بعد انقضاء وهجها: نصٍّ نتقنه، وحوارٍ نستكمله، ومبادرةٍ نرعاها، واختلافٍ نحسن إدارته. وليكن اعتزازنا بالعربية جهدًا نبذله في صقل عبارتها وإغناء معانيها، وفرحًا بكل صوتٍ يفتح فيها أفقًا جديدًا.
سلم قلمكم، شاعرنا الكريم، وبقي في ندائه هذا الشغف بأن يكون للأدب حضورٌ حيٌّ بين الناس. ولعل أجمل ما يليق باسم «شعاع» أن نحمل منه ضوءًا نهتدي به ونحن نعمل، لا بريقًا نكتفي بالوقوف تحته؛ وأن نترك في حياة من نلتقيهم ما يجعلهم أقدر على التفكير، وأوسع صدرًا للاختلاف، وأشدّ إيمانًا بجدوى الكلمة.
Fawzy Ibrahim
طه عبد الرحمن
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسول الهُدى والبيان.
إلى منارة الفكر، وسادن الحرف العربي الرصين، الدكتور طه دخل الله عبد الرحمن، ابن جليل الإباء والشموخ.
تحية إجلال تكبر بكلكلها أمام جلال وعيك، وتحية حب تعجز العبارة عن رسم مداها.
لقد جئتَ في قراءتكم الثالثة لتضع للنور خطة عمل، ولـ "شعاع" دستوراً أخلاقياً ومعرفياً يتجاوز حدود اللحظة ليصنع المستقبل. كم هزتني فلسفتكم العميقة لـ "الجبهة الثقافية" التي استنهضتُها؛ حين أعدتم صياغتها بعبقريتكم لتكون حِصناً في وجه الابتذال، ومساحةً آمنة يطمئن فيها المفكر وهو يراجع يقينه، ويجهر بتبدل رؤيته دون وجل، لأن نزاهة السؤال تعلو فوق جمود الأجوبة المكررة.
أيها المفكر الأريب، لقد لخصتَ جوهر أزمتنا المعاصرة مع وسائل العصر حين دعوتنا ألا نكتفي بـ "البريق" الذي نقف تحته، بل أن نحمل "الضوء" لنهتدي به ونحن نعمل ونمارس. نعم، إن العودة إلى "العرش الأصيل للحرف" لن تتحقق بالخطب الرنانة، بل بأن نقترب من تفاصيل الإنسان؛ من وجع القارئ الباحث عن الفهم، ومن الموهبة التي تنتظر عدالة الفرصة، ومن الكلمة التي تُكتب بالتأني والمسؤولية بعيداً عن لهاث التفاعل وحسابات الانتشار.
أعاهدكم من هذا المنبر، وبمعية قاماتنا الأجلاء الدكتور محمد أبو خروب العبادي والدكتور مصطفى كور شيخ والدكتور محمد ميموني، أن نمضي بهذه الحماسة لتتحول إلى عهدِ اتقانٍ وعمل. سنصون حق الاختلاف، ونرعى التجارب بصدق، ولن نترك الشاشات تختزل رسالتنا، بل سنجعلها نوافذ يمر منها الضوء ويستقر في القلوب.
دام فيض نقدهم وبصيرتكم هادياً لنا، وسلم قلمكم الذي يمد غصون الغد من جذور الذاكرة الأصيلة.
تلميذكم المحب والممتن أبداً:
الشاعر فوزي إبراهيم العدوي
Mohammed Mimouni
Fawzy Ibrahim الشاعر القدير فوزي إبراهيم العدوى،
ما أروع هذا الحضور حين تتعانق حرارة الكلمة مع صدق الانتماء، وحين يصبح الحرف رايةً للفكر، وتغدو الثقافة مساحةً تجمع أصحاب الأقلام الحرة على محبة الإبداع ونصرة الوعي.
لقد أضفتم إلى فضاء «شعاع» نفحةً من الحماسة النبيلة، وصغتم بكلماتكم صورةً لمثقف يؤمن بأن للكلمة رسالةً، وللأدب مسؤوليةً، وللثقافة دورًا يتجاوز حدود الكتابة إلى الإسهام في بناء الإنسان وصيانة قيمه.
كل التقدير لسعادة العميد الدكتور محمد أبو خروب العبادي، وللدكتور الفنان مصطفى كور شيخ، ولكم أخي فوزي، على هذا الوفاء للصرح الثقافي الذي يجمعنا، وعلى ما تحملونه من روحٍ تؤمن بقوة الحرف العربي وأصالته وقدرته على مواكبة العصر دون أن يفقد هويته.
إن وجود أقلام مثلكم في «شعاع» يمنح الحوار دفئه، ويمنح الكلمة أفقها، ويؤكد أن الثقافة تزدهر حين تتكامل المواهب وتتآلف الإرادات الصادقة.
دام عطاؤكم متوهجًا، ودام قلمكم منبرًا للجمال والوعي، ودام «شعاع» ملتقىً للمبدعين الذين يجمعهم شرف الكلمة ونبل الرسالة.
خالص مودتي وتقديري واعتزازي بكم.
Fawzy Ibrahim
Mohammed Mimouni
بسم الله الرحمن الرحيم
أخي الحبيب المبدع، ومحاورنا الفذ الدكتور محمد ميموني (مشاكس المعاني)،
تحية مفعمة بالمحبة الصادقة والاعتزاز العارم بحضوركم الآسر،
إن كلماتكم الأنيقة وثناؤكم الغالي هو الغيث الذي يروي بذور العطاء في قلوبنا؛ فما بهاء فضاء «شعاع» وما دفق حماستنا إلا انعكاسٌ لصدق هذه المنابر التي تديرونها بوعي واقتدار، وتحت الرعاية الكريمة لعميدنا الدكتور محمد أبو خروب العبادي ونائبه الفنان القدير الدكتور مصطفى كور شيخ.
لقد وصفتم فأحسنتم الوصف حين جعلتم الثقافة "تكامل مواهب وتألف إرادات صادقة"؛ ونحن يا أخي لم نكن لنحمل الحرف رايةً للوعي إلا لأننا وجدنا فيكم المحاور المُنصِف والناقد الذي يُتقن استنطاق مكامن الجمال والمسؤولية في الكلمة.
إن معركتنا من أجل بناء الإنسان وصيانة قيمه مستمرة، وقدرة الحرف العربي على مواكبة العصر ثابتة ما دامت هناك عقولٌ نيرة ومشاكسة كعقولكم، تحمي الكلمة من برودة الشاشات وتعيدها حيةً نابضةً بين الناس.
دمتَ ركناً فكرياً شامخاً في هذا الصرح، ودام نبض قلمكم منبراً للجمال والوعي الأصيل.
خالص مودتي، وتقديري الإخائي الخالص،
الشاعر فوزي إبراهيم العدوي
Fawzy Ibrahim
"انهضوا يا حراس الكلمة ويا شباب الفكر، فقد دقت ساعة الحقيقة الثقافية! لا ترتضوا بفتات التفاعل الرقمي اللحظي، ولا تبيعوا عمق أطروحاتكم الأدبية في أسواق الوجبات السريعة الافتراضية. إن الميدان يناديكم، والأرض الظمأى للوعي تنتظر فيض حبركم. من منبر شعاع نطلقها دعوة للثورة على السطحية؛ حركوا السواكن، وشاكسوا المعاني، واجعلوا من أدبكم فعلاً ملموساً يغير وجه الواقع ويهز أركان الجمود السائد!"
الشاعر فوزي إبراهيم العدوى
طه عبد الرحمن
Fawzy Ibrahim من وهج النداء إلى أمانة الأثر
الشاعر فوزي إبراهيم العدوى،
في ندائكم قرعٌ على أبواب الهمّة، واستنهاضٌ للحرف كي يغادر راحة الاكتفاء بنفسه إلى مشقّة اللقاء بالحياة. كأنكم تسألون القلم: إلى مَن وصلت؟ وأيَّ عطشٍ عرفت؟ وماذا منحتَ الإنسان الذي أودعك شيئًا من وقته ورجائه؟
وما أجمل هذه الغيرة على عمق الأدب، حين تأبى أن يُختصر جهدُ المبدع في ومضة إعجاب، أو يُستبدل بطول التأمل استعجالُ التصفيق. فليكن للكتابة طموح الوصول، وليكن لها قبله ضميرٌ يسأل عمّا تحمله إلى الناس؛ إذ لا يكفي أن نجذب الأنظار، ما لم نقدّم لها ما يستحق أن تقف عنده.
غير أن أجمل استجابةٍ لصيحتكم هي أن نمنح الحماسة صورةَ الفعل؛ أن تصير الدعوة إلى القراءة مجلسًا يجمع قارئًا بكتاب، والانتصار للموهبة فرصةً تُتاح لصوتٍ ناشئ، والاحتفاء بالحوار إصغاءً صادقًا لمن يخالفنا. هناك يجد النداء طريقه إلى الأرض، ويصبح للحبر عنوانٌ يعرف الناس كيف يقصدونه.
وقولكم إن «الأرض الظمأى للوعي تنتظر فيض حبركم» صورةٌ تفتح في النفس رجاءً ومسؤولية. ولعل الوفاء لها يبدأ بأن نصغي إلى هذه الأرض قبل أن نسقيها؛ أن نعرف أسئلة الناس كما يعيشونها، لا كما نتخيّلها لهم، وأن نقترب من تجاربهم مستعدّين للتعلّم، لا محمّلين بالأجوبة وحدها. فما أكرم أن يحمل المثقف معرفته إلى الناس، ثم يعود منهم بما يراجع به معرفته.
ولنُشاكس المعاني، كما دعوتم، مشاكسةً تُحسن الكشف وتحتمل المراجعة؛ نوقظ السؤال دون أن نهين السائل، ونختبر الفكرة دون أن نصادر كرامة صاحبها. فالثورة على السطحية تحتاج إلى صبرٍ على التفاصيل، وإلى عدلٍ في القراءة، وإلى شجاعة الاعتراف بأن بعض ما نرفضه قد يكون مما لم نفهمه بعد.
وللشباب في هذا النداء مكانٌ يستحق أن نصونه بالثقة؛ فلا نكتفي بأن نطالبهم بالنهوض، بل نفسح لهم موضعًا للمبادرة، ونشاركهم أدوات العمل، ونحتمل تعثّر البدايات. وما أجمل المنبر حين يجد فيه الجيل الجديد فرصةً ليضيف، لا امتحانًا دائمًا لإثبات استحقاقه للكلام.
ومن شعاع، يليق أن تمتدّ هذه الروح إلى ما بعد اللقاء: في قراءةٍ نتابعها، ومبادرةٍ نتعهّدها، ووعدٍ ثقافيٍّ نفي به. فلا نقيس صدق الحماسة بارتفاع نبرتها، بل بما نستطيع أن نحفظه منها حين تنقضي حرارة اللحظة ويبدأ العمل الذي يحتاج إلى المثابرة.
سلم قلمكم، شاعرنا الكريم، على نداءٍ يريد للأدب أن يكون حاضرًا في حياة الناس، قريبًا من آمالهم، شجاعًا في مواجهة ما يعطّل إنسانيتهم.
فلنحمل من هذا الوهج ما يضيء خطوةً ممكنة، ولنبدأ؛ فما أعمق الكلمة حين يجد فيها إنسانٌ بابًا كان يظنّه مغلقًا، ثم يجد إلى جوار الباب يدًا تعينه على العبور.
• ٢ س
•
• رد
• مشاركة
Mohammed Mimouni
Fawzy Ibrahim الشاعر فوزي إبراهيم العدوى، العزيز،
ما أجمل أن يتحوّل الحماس للكلمة إلى سؤالٍ عن مصيرها، وأن نجد في اندفاعكم ما يذكّرنا بأن الثقافة ليست زينةً نعلّقها على جدار الزمن، بل موقفٌ نختبر به قدرتنا على مقاومة ما يجعل الإنسان أقلّ اكتراثًا بالمعنى.
لكن اسمحوا لي، من موقع مشاكسة المعنى، أن أقول: لعلّ الخوارزميات ليست خصم الحرف العربي بقدر ما يكون الخطر في أن نستسلم نحن لمنطقها، فنكتب ما يُرضي الانتشار، لا ما يستحق البقاء. فالشاشة لا تُجمّد الكلمة بالضرورة، كما أن الميدان لا يمنحها القداسة تلقائيًا؛ إنما يمنحها صدقها، وعمقها، وقدرتها على مغادرة حدود القول إلى رحابة الفعل.
وفي «شعاع»، نلتقي لا لنعلن الحرب على زمننا، بل لنمنعه من مصادرة حقنا في التفكير، ولا لنستعيد عرش الحرف بالكلام عنه، بل لنبرهن على استحقاقه لهذا العرش بما نكتب ونحاور ونمارس.
تحية تقدير لسعادة العميد الدكتور محمد أبو خروب العبادي، وللدكتور الفنان مصطفى كور شيخ، ولكم أخي فوزي، ولكل من يرى في الثقافة مسؤوليةً تتجاوز التصفيق إلى صناعة الوعي.
فلعلّ أجمل انتصار للحرف ليس أن يعلو صوته فوق ضجيج الشاشات، بل أن يقول، وسط ذلك الضجيج، ما يجعل الإنسان يتوقف قليلًا، ويعيد النظر في نفسه والعالم.
دام «شعاع» فضاءً نختلف فيه كي نفهم، ونتحاور كي نتجاوز، ونكتب لا لنملأ الفضاء بالكلمات، بل لنترك فيه ما يستحق أن يبقى.
مودتي وتقديري، ودام للحرف نبضه وللمعنى مشاكسوه.
Fawzy Ibrahim
Mohammed Mimouni
بسم الله الرحمن الرحيم
أخي الحبيب، ومبدعنا الفذ، الدكتور محمد ميموني "مشاكس المعاني"، وباعث الحركة في سواكن الحوار،
تحية تليق بوعيك النافذ وقلمك المشرط الذي يعرف كيف يستدرج المعنى من مخبئه العتيق.
لقد أصبتَ كبد الحقيقة، وهززتَ بجوابك الرصين أركان المعادلة؛ فنحن بالفعل لا نعلن الحرب على زمننا ولا على منجزاته التقنية، بل نقاوم "الاستسلام لمنطقها وسيلتها الجارفة". وكما تفضلتَ بعبقريتك المشاكسة: «الشاشة لا تُجمّد الكلمة، والميدان لا يمنحها القداسة تلقائياً؛ إنما يمنحها صدقها وعمقها».
إن "مشاكستك" الهادفة تضع الإصبع على الجرح؛ فالخطر الحقيقي ليس في الخوارزمية كأداة عبور، بل في تحول الأديب إلى أسيرٍ لمرآتها، يستجدي رضاها بالأرقام على حساب أصالة المضمون. وفي رحاب «شعاع»، تحت رعاية العميد الدكتور محمد أبو خروب العبادي ونائبه الفنان القدير الدكتور مصطفى كور شيخ، نؤمن معكم بأن أجمل انتصار للحرف ليس في إحداث جلبة فوق ضجيج الشاشات، بل في قدرته على جعل الإنسان يتوقف ليعيد النظر في نفسه وفي العالم.
أشكرك لأنك ضبطتَ بوصلة الحماسة، وحوّلتَ الاحتجاج إلى برهان عملي، لتظل الثقافة مسؤولية تتجاوز حدود التصفيق إلى صناعة الوعي الملموس.
دمتَ مشاِكساً تلهم العقول، ودام للحرف نبضه بوجودك.
مودتي وتقديري الإخائي الخالص،
الشاعر فوزي إبراهيم العدوي
Saloua Filaly
الدكتور محمد ميموني… الفيلسوف الذي يُشاكس المعنى، والصحفي الذي يستنطق الأسئلة.
ليس تقديمُ الحوارات مجرّد انتقالٍ من سؤالٍ إلى جواب، بل هو فنّ اقتناص الفكرة من بين ظلال الكلام، واستدراج المعنى من مكامنه، وفتح النوافذ التي قد لا تخطر للضيف نفسه. وهنا تتجلّى خصوصية الدكتور محمد ميموني، الذي لا يقف عند ظاهر القول، بل ينفذ إلى ما وراءه، محاورًا بعقل الفيلسوف، ومتأملًا بعين المفكر، ومشاكسًا للمعنى مشاكسةً تُوقظ الفكرة من سكونها، وتدفعها إلى مساءلة ذاتها.
إنه من أولئك الذين يدركون أن السؤال الجيد قد يكون أعمق أثرًا من إجابة طويلة، وأن المحاور الحقيقي لا يكتفي بإدارة الحديث، بل يصنع من الحوار مختبرًا للأفكار، ومن الاختلاف فرصةً لاكتشاف زوايا جديدة للحقيقة. في حضرته لا تكون الأسئلة جسورًا للعبور فحسب، بل مرايا تكشف ما وراء المواقف، وتختبر تماسك الرؤى، وتمنح الكلام أبعادًا تتجاوز حدود المألوف.
وفي برنامج «ضيف الأسبوع»، يضطلع الدكتور محمد ميموني بمهمة ثقافية تتجاوز التقديم التقليدي؛ فهو يهيّئ للمبدع مساحةً ليكشف عن تجربته، ويمنح المتلقي فرصةً ليرى الإنسان خلف المنجز، والفكرة خلف العبارة، والأسئلة المؤجلة خلف الإجابات المعلنة.
كل التقدير للدكتور محمد ميموني، هذا الفيلسوف والصحفي المشاكس للمعنى، الذي يعرف كيف يُقلق الفكرة كي يوقظها، ويُحاور المسلّمات كي يختبرها، ويمنح السؤال شرف أن يكون بدايةً للمعرفة لا مجرّد وسيلةٍ إليها.
فبوركت جهودكم، وبورك هذا الحضور الفكري الذي يُغني منابر منتدى شعاع، ويؤكد أن الثقافة لا تحتاج إلى أصواتٍ تملأ الفضاء فحسب، بل إلى عقولٍ تُحسن الإصغاء، وقلوبٍ تتّسع للاختلاف، ومحاورين يعرفون أن أجمل ما في المعنى هو ما يظلّ مفتوحًا على الدهش
سلوى الفيلالي
طه عبد الرحمن
Saloua Filaly حين يجدُ السؤالُ مَن يصونُ دهشتَه
الأستاذة الأديبة سلوى الفيلالي،
لقد أنصفتم في الدكتور محمد ميموني فنًّا قد يختفي جهدُ صاحبه كلما ازداد إتقانًا؛ فنَّ أن يُحسن المحاور إضاءةَ ضيفه، من غير أن يحجب عنه الضوء، وأن يقود الحديث من غير أن يسلبه حرية الطريق. فجاءت كلماتكم احتفاءً بمن يسأل، وتنبيهًا إلى قيمة السؤال نفسه: كيف يولد، ومن أيّ إصغاءٍ يأتي، وأيَّ أفقٍ يتركه مفتوحًا بعد الجواب.
وأجمل ما في وصفكم «المشاكس للمعنى» أنكم منحتم المشاكسة نُبلَ مقصدها؛ فهي هنا ليست رغبةً في إحراج المتحدث، ولا استعراضًا لقدرة المحاور، بل وفاءٌ للفكرة يمنعها من الاستسلام لأول صياغةٍ مطمئنة. فما أرقى أن نُقلق الفكرة ونصون صاحبها، وأن نختبر الرأي من غير أن نجرح كرامة المختلف معنا؛ فتلك دقّةٌ تحتاج إلى يقظة العقل ورهافة القلب معًا.
وفي الصورة التي رسمتموها للدكتور محمد ميموني، يلتقي السؤال الفلسفي بالإنصات الصحفي: أحدهما يستفهم عمّا وراء العبارة، والآخر يتعقّب تفاصيلها حتى لا يضيع الإنسان في تجريد الفكرة. ومن هذا اللقاء تنشأ محاورةٌ لا تكتفي بأن تسأل المبدع: ماذا أنجزت؟ بل تقترب برفقٍ وعمق من أسئلة الطريق: ما الذي غيّرك وأنت تنجز؟ وأيُّ شكٍّ صحب يقينك؟ وما الذي لم يستطع المنجز أن يقوله بعد؟
هنا تصبح المحاورة ضربًا من الأمانة؛ أمانةً للضيف، كي لا يُختزل في جوابٍ عابر، وللمتلقي، كي لا يُقدَّم إليه الكلام مكتملَ الزينة ناقصَ الدلالة، وللحقيقة، كي تظلّ أوسع من ادّعاء امتلاكها. وليس قليلًا أن يخرج المتحاور من سؤالٍ وقد رأى في تجربته ما لم يكن يراه، وأن يخرج المستمع من جوابٍ وفي داخله سؤالٌ أصدق.
ولقد استوقفني في نصّكم ذلك الالتفات إلى «الإنسان خلف المنجز»؛ فما أحوج الاحتفاء الثقافي إلى هذه البصيرة. وراء الكتاب وقتٌ من العمر، ووراء الموقف حيرةٌ جرى اجتيازها، ووراء العبارة المصقولة محاولاتٌ لم يرها القارئ. والمحاور الذي يُتيح لهذه الطبقات أن تظهر، يمنح التجربة حقّها في أن تُفهَم، لا أن تُمدَح فحسب.
وتقديركم لرحابة الاختلاف يمنح هذا الاحتفاء معناه الأعمق؛ إذ لا يليق بمنبرٍ ثقافي أن يطلب من ضيوفه تشابهًا يطفئ خصوصيتهم، بل أن يهيّئ لهم من الثقة ما يسمح للفروق بأن تتكلّم. عندئذٍ لا يكون حسن إدارة اللقاء في إخماد كل توتّرٍ فكري، وإنما في تحويله إلى فرصةٍ للفهم، تحفظ حرارة السؤال وحرمة الإنسان.
فلكم، أستاذة سلوى الفيلالي، التقدير على قراءةٍ عرفت كيف تجعل الثناء بصيرةً، وكيف تُظهر في جهد المحاور ما قد يمرّ أمامنا دون أن نتنبّه إليه. وللدكتور محمد ميموني تحيةٌ تليق بهذا المعنى الجميل الذي احتفيتم به: أن يُفسح للضيف مجالَ الكشف، وللمتلقي متعةَ الاكتشاف، وللفكرة حقَّ أن تُراجَع.
ما أجمل المحاور حين لا يضع نقطةً أخيرةً في وعي سامعه، بل يترك فيه نافذة؛ ينتهي اللقاء، ويبقى منها السؤالُ يدخل الضوء.
Mohammed Mimouni
طه عبد الرحمن الدكتور طه الفاضل،
ثمّة كلماتٌ لا تكتفي بأن تقرأ ما نكتب، بل تذهب إلى ما وراءه، فتلامس شيئًا من التجربة التي لم تتّسع لها العبارة. ولعلّ أجمل ما في هذا التفاعل أن نكتشف، من خلال قراءة الآخرين لنا، جوانبَ في فعلنا لم نكن ننتبه إليها ونحن منشغلون بممارسته.
أؤمن أن المحاورة ليست مهارةً في ترتيب الأسئلة بقدر ما هي مسؤوليةٌ تجاه الإنسان الذي يجلس أمامنا؛ أن نمنحه فرصة أن يكون أكثر من سيرته، وأوسع من منجزه، وأصدق من الصورة التي اعتاد الآخرون أن يروه من خلالها. فليس كل سؤالٍ يفتح بابًا، وليس كل جوابٍ يكشف حقيقة؛ أحيانًا يكون الإصغاء الجيد أعمق من السؤال، ويكون الصمت في موضعه أبلغ من فائض الكلام.
ولعلّ ما أبحث عنه في كل لقاء هو تلك اللحظة التي يتوقف فيها الحوار عن كونه تبادلًا للعبارات، ويصبح اكتشافًا متبادلًا؛ فلا يعود الضيف وحده من يكشف شيئًا من تجربته، ولا يبقى المحاور خارج دائرة السؤال، بل يجد كلٌّ منهما نفسه أمام معنى جديد لم يكن حاضرًا قبل اللقاء.
أما مشاكسة المعنى، فليست عندي خصومةً مع الأجوبة، وإنما حذرٌ من أن نألفها إلى الحدّ الذي نكفّ فيه عن مساءلتها. فالفكرة التي لا تحتمل السؤال تظلّ أسيرة يقينها، والإنسان الذي لا يُنصت إلى المختلف قد يسمع صدى صوته طويلًا، ثم يظنّ أنه أصغى إلى العالم.
شكرًا لكم، دكتور طه، على هذا التفاعل الكريم، وعلى ما يضيفه الحوار بيننا إلى المعنى. فما قيمة أن نطرح الأسئلة إن لم نسمح لها بأن تغيّر شيئًا فينا؟ وربما كانت أجمل ثمرةٍ للقاءٍ ثقافيّ أن نغادره وقد ازددنا فهمًا للآخر، وأقلَّ اطمئنانًا إلى أحكامنا الجاهزة، وأكثر استعدادًا لمواصلة التفكير.
فبعض اللقاءات تنتهي عند آخر تعليق، وبعضها يبدأ فعلًا بعده؛ حين يهدأ الكلام قليلًا، ويواصل السؤال عمله فينا.
طه عبد الرحمن
Mohammed Mimouni حين يُصغي السؤالُ إلى صاحبه
الدكتور محمد ميموني الفاضل،
قرأتُ كلماتكم، فوجدتني أمام جوابٍ لا يُغلق حديثًا، بل يُحسن افتتاحه من جديد؛ كأنكم رددتم التحية بإفساح مكانٍ أرحب للتفكير، ومنحتم الثناء ما يجعله جديرًا بأن يُقال: معنى نتأمله، ومسؤوليةً نتقاسمها، وسؤالًا يعود إلى صاحبه قبل أن يتوجّه إلى غيره.
وأكثر ما استوقفني قولكم إن المحاورة مسؤوليةٌ تجاه الإنسان الذي يجلس أمامنا؛ ففي هذه العبارة يتجلّى الفارق بين من يسأل ليظفر بإجابة، ومن يسأل ليمنح إنسانًا فرصة الظهور على حقيقته. فما أكرم أن يلقى الضيف محاورًا لا يستعجل اختصاره، ولا يستدرجه إلى صورةٍ أعدّها له سلفًا، بل يتيح له أن يقول ما لم تُتح له سيرته أن تقوله، وأن يكشف عن حيرته كما يكشف عن يقينه.
ذلك هو الإصغاء الذي يليق بكرامة الإنسان: أن نترك له حقّ المفاجأة، وألّا نجعل معرفتنا السابقة به سقفًا لما يمكن أن نعرفه عنه. فكم يضيق المرء في الصورة التي أحسن الآخرون رسمها له، وكم يحتاج إلى من يفتح إطارها، ليظهر منها وجهٌ لم يألفوه، أو سؤالٌ لم يعرفوا أنه يشغله.
ولقد لامسني اعترافكم بأن المحاور نفسه يدخل دائرة السؤال؛ ففيه تواضع المعرفة، وشجاعة المراجعة. إذ ما أيسر أن نقف على ضفةٍ آمنة ونطلب من الآخرين عبور النهر، وما أنبل أن نقبل احتمال أن يتغيّر موضعنا نحن أيضًا. عندئذٍ يصبح اللقاء اكتشافًا متبادلًا بحق؛ لا نعرف سلفًا كل ما سينتهي إليه، لكننا نمنحه من الصدق ما يستحق أن يبدأ.
أما تمييزكم بين مشاكسة المعنى والخصومة مع الأجوبة، فقد منح السؤال أدبَه؛ فليست المراجعة ولعًا بالنقض، ولا الشك غايةً يُستراح إليها، وإنما هي عنايةٌ بالفكرة حتى لا تتحوّل ألفتُنا بها إلى غفلةٍ عنها. ولعل من أعمق صور الوفاء لقناعاتنا أن نسمح لها بملاقاة ما يختبرها، وأن نمنحها فرصة أن تنضج، بدل أن نطالبها بالبقاء كما عرفناها أول مرة.
وما أدقّ صورتكم لذلك الذي يسمع صدى صوته، ثم يظن أنه أصغى إلى العالم؛ إنها عبارةٌ تستحق أن نتوقف عندها، لا لنبحث عمّن تنطبق عليه، بل لنسأل عمّا قد تنبّهنا إليه في أنفسنا. فبذلك وحده تؤتي الكلمة ثمرتها: حين نكفّ عن اتخاذها مرآةً لأخطاء الآخرين، ونقبل أن نرى فيها شيئًا مما يحتاج إلى المراجعة فينا.
أشكركم، دكتور محمد، على ردٍّ جعلني أعود إلى كلماتي الأولى بوعيٍ أوسع؛ فما ظننته وصفًا لفنّ المحاورة، كشفتم فيه عن أخلاق العلاقة بالإنسان. وهذا في تقديري أجمل ما أضافه تعقيبكم: أن مهارة السؤال لا تبلغ تمام قيمتها إلا حين تصحبها أمانةٌ في استقبال الجواب، ورحمةٌ بما قد يعجز صاحبه عن قوله.
ولعلّي لا أجد ختامًا أوفى لروح كلماتكم من أن أقول: لقد انتهيتُ من قراءة ردّكم، لكنني لم أنتهِ من الإصغاء إليه؛ فما يزال يسألني، بهدوءٍ عميق: حين نمنح الآخر حقّ الكلام، هل نمنحه حقّ أن يُغيّر شيئًا فينا؟
Mohammed Mimouni
طه عبد الرحمن أخي الدكتور طه عبد الرحمن، لعلّ أجمل ما في الحوار أن نخرج منه وقد تغيّر فينا شيء، ولو لم نستطع تحديده بدقة؛ فكرةٌ أعدنا النظر فيها، أو يقينٌ اكتشفنا أنه يحتاج إلى بعض التواضع، أو إنسانٌ فهمناه على نحوٍ لم نعهده من قبل.
لقد لفتني في تعقيبكم أنكم لم تقفوا عند حدود ما كتبته، بل أعدتموه إليّ في صورة سؤال أعمق. وهذه إحدى اللحظات التي أحبّها في الحوار: حين يقول لك الآخر شيئًا، فتكتشف أنك لم تكن قد انتهيت من فهم ما قلته أنت نفسك.
أما سؤالكم الأخير: هل نمنح الآخر حقّ أن يغيّر شيئًا فينا؟ فأظن أن المسألة لا تتعلق بحقّ الآخر وحده، بل بقدرتنا نحن على احتمال هذا التغيير. فمن السهل أن نصغي إلى رأي يخالفنا، لكن الأصعب أن نراجع أنفسنا بعد الإصغاء، من غير أن نشعر بأن التراجع عن فكرةٍ ثبت قصورها انتقاصٌ من مكانتنا. والحقيقة أن بعض الأفكار لا تخسر قيمتها حين نراجعها، بل تبدأ عندئذٍ في استحقاقها.
ولعلّ هذا ما أعنيه بمشاكسة المعنى؛ ألّا نتخذ من السؤال وسيلةً لإحراج الآخر، ولا من الإجابة حصنًا نحتمي خلفه، بل أن نترك للفكرة فرصة اختبار نفسها، ولأنفسنا شجاعة الاعتراف بأننا قد نرى اليوم ما لم نكن نراه بالأمس. فالإنسان لا يُقاس فقط بما يعرف، وإنما أيضًا بما يستطيع أن يعيد النظر فيه دون أن يفقد احترامه لنفسه أو للآخر.
وقد تعلّمت من التجربة أن الحوار لا يُقاس دائمًا بما ينتهي إليه من اتفاق، بل بما يتركه فينا من قدرة على الفهم. فقد نختلف ونظلّ على اختلافنا، لكننا نغادر اللقاء ونحن أقلّ استعجالًا في الحكم، وأكثر انتباهًا إلى أن وراء كل موقفٍ حكايةً لا نعرفها كاملة.
شكرًا لكم، دكتور، لأنكم لم تجعلوا من تعقيبكم نهايةً لكلامي، بل بدايةً لسؤال جديد. وأحسب أن هذا أجمل ما يمكن أن يقدّمه قارئٌ لكاتب: ألّا يكتفي بأن يفهم ما أراد قوله، بل أن يساعده على اكتشاف ما لم يكن قد انتبه إليه وهو يقوله.
ولعلّنا لا نحتاج، في نهاية المطاف، إلى أن ينتصر أحدنا على الآخر؛ يكفينا أن نمنح الفكرة فرصةً لتتجاوز حدودها الأولى، وأن نخرج من الحوار أكثر استعدادًا لفهم أنفسنا والآخرين. فحين يحدث ذلك، لا يكون أحدنا قد خسر شيئًا من مكانته، بل يكون المعنى قد ربح مساحةً جديدة للحياة.
مودّتي وتقديري لكم، ودام بيننا حوارٌ لا يخشى السؤال، ولا يستعجل امتلاك الحقيقة
Mohammed Mimouni
Saloua Filaly الأستاذة الفاضلة سلوى الفيلالي،
لعلّ أجمل ما في كلماتكم أنها لم تكتفِ بوصف المحاور، بل ذهبت إلى ما وراء مهمته، إلى تلك المسافة الدقيقة بين أن نطرح سؤالًا وأن نوقظ به فكرةً كانت مطمئنة إلى صمتها.
أشكركم على هذا التقدير النبيل، وعلى قراءتكم التي منحت السؤال أكثر مما يستحقه صاحبه؛ فالحوار، في تصوّري، ليس استعراضًا للمعرفة، ولا مناسبةً نُثبت فيها أننا نعرف، بل مغامرةٌ نكتشف خلالها كم بقي فينا من جهلٍ جميل يستحق أن نطارده بالأسئلة.
أما مشاكسة المعنى، فليست رغبةً في مخالفة المألوف لمجرّد المخالفة، وإنما محاولةٌ ألّا نترك الأفكار تنام طويلًا في أسر يقينها، وألّا نخلط بين ما اعتدنا قوله وما يستحق أن يُقال. فكثيرًا ما يكون السؤال الذي يُربكنا قليلًا أصدقَ من جوابٍ يمنحنا راحةً سريعة.
وأؤمن أن المحاور لا يصنع وحده جمال الحوار؛ فالضيف الذي يأتي بتجربته وصدقه وجرأته على البوح شريكٌ في فتح نوافذه، والمتلقي الذي يُنصت بعقله يضيف إلى المعنى ما لم يكن حاضرًا في نية المتحاورين أصلًا. هنا تصبح الثقافة فعلًا جماعيًا، لا منصةً يتكلم منها أحدٌ ويصفّق له الآخرون.
شكرًا لكم، أستاذة سلوى، على هذا الاحتفاء الذي أعتزّ به، وعلى روحكم التي تُحسن رؤية الإنسان خلف الفكرة، والجهد خلف الحضور. والشكر موصول إلى منتدى شعاع، وإلى كل من يؤمن بأن الكلمة لا تُقاس بعلوّ صوتها، بل بما تتركه فينا من أثرٍ بعد أن ينتهي الكلام.
ولعلّ أجمل الحوارات تلك التي نغادرها ونحن لا نملك أجوبةً أكثر فحسب، بل أسئلةً أجمل أيضًا.
مودّتي وتقديري لكم.
طه عبد الرحمن
مصطفى محمد كور شيخ… للعطاء مقامٌ لا تبلغه عباراتُ الشكر
الأستاذ الفاضل مصطفى محمد كور شيخ،
حين يكتمل اللقاء، وتتآلف الأصوات، ويأخذ الحوار طريقه إلى العقول والقلوب، يكون من الوفاء أن نلتفت إلى الجهد الذي مهّد لهذا النجاح، وإلى من بذل من وقته وعنايته ليمنح الآخرين فرصة الحضور والإبداع. ومن هنا تأتي كلمتنا إليكم؛ تقديرًا لما تبذلونه لإنجاح البرنامج والرقي بمنتدى شعاع، واعترافًا بأن وراء جمال اللقاء عطاءً يستحق أن يُرى ويُشكر.
لكم من اسم مصطفى معنى الاختيار، ولكم في هذا المقام محبةٌ يعبّر عنها الامتنان؛ فما أجمل أن يختار المرء أن يكون عونًا لفكرةٍ يؤمن بها، وأن يجعل من جهده مساحةً يلتقي فيها الأدباء والمثقفون، فتجد الكلمة من يحتفي بها، والتجربة من يصغي إليها، والسؤال من يمنحه حقّه في التأمل.
إنّ العطاء في خدمة الثقافة لا يُقاس بما يظهر منه وحده؛ فثمّة عنايةٌ تسبق الموعد، ومتابعةٌ تصحبه، وحرصٌ يمتدّ إلى ما بعد انتهائه. وفي تقدير جهودكم نحتفي بهذا المعنى النبيل: أن يمنح الإنسان من وقته ما يجعل وقت الآخرين أكثر ثراءً، وأن يعمل لنجاحٍ يتّسع للجميع، فيكون له من بهجته نصيب، وللجميع من ثمرته نصيب.
والرقي بالمنتدى غايةٌ جميلة، لأنها تتجاوز نجاح لقاءٍ واحد إلى بناء الألفة والثقة واستمرار الحوار. وما أكرم الجهد حين يتجه إلى أن يجد كل مشاركٍ مكانه، وأن يشعر الضيف بحسن الاستقبال، وأن يغادر المتلقي وفي ذهنه فكرةٌ تستحق المراجعة، أو سؤالٌ يستحق المتابعة. تلك معانٍ نرجو أن تظلّ ثمرةً لكل ما تبذلونه مع رفاقكم في هذا الصرح الثقافي.
شكرًا لكم، أستاذ مصطفى، شكرًا لا يريد أن يحيط بعطائكم بقدر ما يريد أن يقول: إنّ جهدكم محلّ تقدير، وإنّ الحرص الذي تمنحونه لهذا العمل جديرٌ بالوفاء. ولجميع من يشاركونكم خدمة منتدى شعاع تحيةٌ تحفظ لكل يدٍ نصيبها من الفضل؛ فالنجاح المشترك يزداد جمالًا حين يتّسع الشكر لصانعيه.
بارك الله في وقتكم وجهدكم، وأدام عليكم محبة الأدب وأهله، وجعل لكم في كل لقاءٍ تسهمون في نجاحه فرحةً صادقة، وفي كل معرفةٍ يتيحها أثرًا طيبًا.
ولعل أجمل ما نقوله لكم: بعض الناس يحضرون اللقاء فيسعدون به، وبعضهم يبذلون من أنفسهم كي يسعد به الآخرون؛ ولهؤلاء في القلوب مقامٌ تصونه المودّة، ولا يفيه الثناء مهما أجاد.
Mustafa Muhammad Kor Sheikh
طه عبد الرحمن
•
Sophy Elmasry
تتجاذب.السحب.وتسقط.الماء
سحابه.سمراء.
سحابه.شقراء
سحابه.جافه
سحابه.مشبعه.بالماء
لم.يكن.ارتطام.
ولكن.فرق.درجات.الاشتياق
جف.العود.وسقم.فيبس.
دون.الارتواء.
قد.تحجب.ضوء.القمر.فتهدا.الامواج
وقد.يفيض.القمر.في.ضياه.
وترتفع.الامواج
فيلفظ.البحر.اموات.واحياء
هل..حروف.الاشعار.اصابها.الجفاء
واختبات.بين.اليابس. والماء
فاصبحت.الساحه.صحاري..جرداء
دون.نصوص.الشعر.ماتعامدت.الارض.مع.السماء
الشاعر/صبحي المصري
طه عبد الرحمن
Sophy Elmasry حين يكونُ الاشتياقُ غيمةً، وتكونُ القصيدةُ مطرًا
الشاعر صبحي المصري،
في نصّكم غيمٌ يتفاوت في امتلائه، وقلبٌ يتفاوت في قدرته على احتمال العطش؛ وبينهما تمضي القصيدة، تبحث للعود اليابس عن قطرة، وللحرف المتواري عن صوت، وللساحة المقفرة عن أسباب الربيع.
وأجمل مفاتيح هذا المشهد قولكم: «لم يكن ارتطام، ولكن فرق درجات الاشتياق»؛ هنا تمنحون الصورة سرّها، وتنقلونها من حركة السحاب إلى خفايا الشعور. كأن ما نراه تصادمًا قد يكون توقًا لم يُحسن الإفصاح عن نفسه، وكأن بين غيمةٍ مثقلة وأخرى جافة حكايةَ اقترابٍ لا تتساوى فيه الحاجة إلى البوح ولا القدرة عليه.
وفي هذا التفاوت يتّسع التأويل: مَن يحمل ماءه ولا يهطل، ومَن يمدّ أغصانه ولا يرتوي؛ وبينهما مسافةٌ قد لا يقيسها البعد، بل تأخّر الاستجابة. ولذلك يأتي العود اليابس في نصّكم موجعًا؛ إذ يمكن أن نقرأ فيه صورةَ روحٍ أنهكها الانتظار، أو موهبةٍ لم تجد من يتعهّدها، أو كلمةٍ طال مقامها على عتبة الإصغاء.
ثم يتّسع المشهد إلى القمر والبحر، فيغدو الضوء في فضاء القصيدة كاشفًا لما تضطرب به الأعماق. وصورتكم للبحر وهو يلفظ «أمواتًا وأحياء» تترك في القراءة رجفةً وأسئلة: ماذا يعيد إلينا المدّ من الذاكرة؟ وأيُّ أحلامٍ حسبناها انقضت، فإذا بها تعود إلى شاطئ القلب، تطلب اسمًا وحياة؟
أما سؤالكم: «هل حروف الأشعار أصابها الجفاء؟» فهو موضع الشجن الأعمق؛ لأن القصيدة تنظر عنده إلى نفسها، وتخشى على الحرف من المصير الذي تصفه. وهنا تبدو القصيدة غيمةً تسائل قدرتها على المطر: هل ما زالت تبلغ عطش الناس؟ وهل تجد تربةً تنفتح لها، أم تمرّ فوق القلوب ولا يسمع هطولَها أحد؟
ولعل ختامكم، بما يقيمه من صلةٍ بين الأرض والسماء، يمنح الشعر مهمّته الأجمل في هذا النص: أن يصل المحسوس بما نتطلّع إليه، وأن يجد للجفاف لغةً لا تستسلم له. فالشعر لا يلغي وجع العطش، لكنه يمنعه من أن يبقى وجعًا أخرس؛ يُسمّيه، ويمنحه صورة، ويجعل في وسع قلبٍ آخر أن يشعر به.
سلم قلمكم؛ لقد تركتم في هذه الصور سؤالًا ينبت كلما عدنا إليه: أحقًّا غاب المطر، أم أن بين الغيمة والأرض نداءً لم يكتمل؟
ولعل قصيدتكم، وهي ترثي يباس الساحة، تحمل أول قطرةٍ تعترض على ذلك اليباس؛ فالحرف الذي ما زال يتألّم للجفاف، لم يفقد بعدُ ذاكرة الماء.
Mohammed Mimouni
Sophy Elmasry الأستاذ صبحي المصري، لعلّ القصيدة لا ترثي جفاف الأرض بقدر ما تسأل عن جفاف المسافة بين القلوب؛ فليس كلُّ غيمٍ ممطرًا، ولا كلُّ قمرٍ قادرًا على تهدئة البحر. وأحسب أن الشعر، مهما اشتدّ عليه الجفاء، يحتفظ في مكانٍ ما ببذرةٍ تنتظر مطرًا صادقًا. فالأرض التي تتعاقب عليها الفصول لا تنسى المطر، والروح التي خبرت الشعر لا تكفّ عن انتظار قصيدة تعيد للماء دهشته، وللكلمة قدرتها على الإحياء. دام نبضكم الشعري مطرًا لا تستنفده الصحارى.
Naceur Nouira
Sophy Elmasry أهلاً بكَ وبحضوركَ الراقي الذي أثرى هذا اللقاء.
لقد أضفتَ بمداخلتكَ بَهاً وعُمقاً يلامس جوهر القضية الثقافية؛ فكلماتك ليست مجرد رأي عابر، بل هي غرسٌ فكريٌّ أصيل يجسد مسؤولية الكلمة ويرسخ القيمة الحقيقية للحوار. دمْتَ نبعاً للفكر والأدب.
>>بِفِكْرِكَ يَسْتَنِيرُ الحَرْفُ نُوراً>سَكَبْتَ النَّقْدَ فِي الأَرْوَاحِ أُنْساًوَيَسْكُبُ فِي المَدَى طِيباً وَوَرْدَافَصَارَ الفِكْرُ لِلْآفَاقِ زَنْدَا>>
مع خالص التقدير والمحبة،
د. ناصر بن محمد نويرة
سفير السلام
طه عبد الرحمن
حين تُصبح الكلمةُ موقفًا، ويصيرُ الشعاعُ أفقًا
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
للكلمات التي تُقال منازلُ في الأسماع، وللكلمات التي تُعاش منازلُ في الضمائر؛ وما أرفعَ الكلمة حين لا تكتفي بأن تُطرب، بل تُوقظ، ولا ترضى بأن تُعجب، بل تُلهم، ولا تقف عند حسن العبارة، بل تمضي إلى شرف المسؤولية. ومن هذا المعنى، تأتي كلمتكم، الدكتور الفاضل محمد ميموني، لا مقدمةً للقاء فحسب، بل مفتاحًا لأسئلته، وميثاقًا للحوار فيه؛ إذ جعلتم من الترحيب مدخلًا للتفكير، ومن الاحتفاء بالتجربة دعوةً إلى مساءلتها بإنصاف ومحبة.
الدكتور محمد ميموني المحترم
لقد وضعتم اليد على موضع السؤال الأعمق: ليس كم يبلغ صوتُ المثقف، بل ماذا يبلغ به؟ وليس كم مرةً يظهر، بل كم نافذةً للفهم يفتح؟ ففي قولكم ما يردّ إلى الثقافة ميزانها: أن تُقاس بما تُحدثه في الوعي، لا بما تستدرّه من تصفيق؛ وأن يُنظر إلى المثقف بما يضيفه إلى حياة الناس، لا بما يضيفه إلى أرشيف ظهوره.
وما أجمل أن تستهلّوا هذا اللقاء باستدعاء المسافة بين المكتوب والمعيش؛ فتلك مسافةٌ لا يقطعها جمال الأسلوب وحده، ولا فصاحة الخطاب، وإنما يقطعها صدقُ الموقف وصبرُ الممارسة. وما أيسر أن نُحسن وصفَ الضوء، وما أشقَّ أن نحمل مصباحًا في طريقٍ يحتاج إلينا.
ولعل أجمل ما في طرحكم أنكم لم تجعلوا الفضاء الرقمي خصمًا للميدان، ولا الميدان ذريعةً للاستخفاف بما تتيحه المنصات؛ بل فتحتم السؤال على العلاقة بينهما: كيف تعبر الفكرة من الشاشة إلى الحياة، ثم تعود من الحياة أكثر نضجًا وصدقًا؟ فالشاشة نافذةٌ، وليست أفقًا نهائيًا؛ والميدان محكٌّ، وليس نقيضًا للكلمة. وما نرجوه من المثقف أن يصل بينهما، حتى لا تبقى الفكرة حبيسة التداول، ولا تبقى الممارسة محرومةً من التأمل.
وفي هذا الأفق، تكتسب استضافة الشاعر والناقد المغربي الأستاذ عبد الرحمن بوطيب معناها الأجمل؛ إذ تتيح الإصغاء إلى تجربةٍ من خلال أسئلتها واختياراتها، وما يمكن أن تكشفه من صلاتٍ بين الإبداع والنقد والفعل الثقافي. فالاحتفاء الذي يليق بصاحب التجربة لا يعفيه من السؤال، وإنما يمنحه سؤالًا جديرًا به؛ والحوار المنصف لا يحاصر ضيفه، ولا يكتفي بمديحه، بل يفسح له أن يضيء ما وراء المنجز: كيف تشكّل؟ وبماذا اصطدم؟ وما الذي ما يزال يطمح إليه؟
ولقد أحسنتم حين قلتم إن المقصود ليس محاكمة التجربة، بل الإنصات إليها؛ ففي هذه العبارة أدبٌ رفيع من آداب الاختلاف. إننا لا نُنصت لنُعدّ الردّ، بل لنوسّع الفهم؛ ولا نسأل لنُثبت تفوّقنا على المجيب، بل لنبلغ معه ما لم يكن لأيٍّ منا أن يبلغه منفردًا. وحين يأمن المتحاورون على حقهم في الاختلاف، يصبح السؤال سبيلًا إلى المعرفة، لا أداةً للإحراج.
كما أن دعوتكم الحاضرين إلى الإسهام بأسئلتهم ورؤاهم تمنح اللقاء روحه؛ فليس الجمهور هامشًا يحيط بالمنصة، بل شريكٌ في بناء دلالتها. وقد تأتي مداخلةٌ صادقة من أحد الحاضرين فتفتح في الموضوع بابًا لم تفتحه الأسئلة المعدّة، وتمنح التجربة زاويةً لم يرها صاحبها من قبل.
ومن الوفاء أن يمتدّ التقدير إلى العميد الدكتور محمد أبو خروب العبادي، رئيس مجلس إدارة المنتدى، وإلى أعضاء منتدى شعاع للأدباء والشعراء العرب، وكل من يسهم في إعداد هذا اللقاء ورعايته وإغنائه. وما أبلغ إشارتكم إلى أن المؤسسات لا تنهض باسمٍ واحد؛ فالفعل الثقافي المشترك لا يكتمل بمن يتصدّر المشهد وحده، وإنما بمن يهيّئ له أسباب الاستمرار، ويمنحه من وقته وجهده وإيمانه ما قد لا تراه الأضواء.
الدكتور محمد ميموني،
شكرًا لكلمةٍ احترمت ضيفها فلم تختزله في مديح، واحترمت جمهورها فلم تكتفِ بدعوته إلى الاستماع، واحترمت موضوعها فلم تستعجل له أجوبةً جاهزة. وشكرًا لهذا التقديم الذي جعل من اللقاء وعدًا بحوارٍ يُنصت قبل أن يحكم، ويسأل قبل أن يطمئن، ويبحث عن أثر الكلمة بعد انقضاء صداها.
مرحبًا بالأستاذ عبد الرحمن بوطيب، ومرحبًا بكل صوتٍ يأتي إلى الحوار حاملًا رغبة الفهم، لا ادّعاء امتلاكه.
ولعل أصدق وفاءٍ لروح كلمتكم أن نخرج من هذا اللقاء بسؤالٍ يرافقنا إلى أعمالنا: ماذا سنفعل بما اتّضح لنا؟ فهناك، حيث تتحوّل البصيرة إلى ممارسة، تبدأ للكلمة حياتُها الأخرى.
طه دخل الله عبد الرحمن
Saloua Filaly
طه عبد الرحمن
الدكتور طه دخل الله عبد الرحمن، حين يتأمّل الميزانُ الحرفَ، ويصغي الفكرُ إلى الفكر، نكون إزاء قراءةٍ لا تكتفي بجمال العبارة، بل تنفذ إلى فلسفة المعنى ومقاصد الخطاب.
ما كتبتموه ليس تعليقًا على كلمةٍ عابرة، بل قراءةٌ تستنطق ما وراءها، وتعيد ترتيب العلاقة بين الكلمة والموقف، وبين الثقافة وأثرها في الحياة. لقد منحتم النص أفقًا أبعد من حدود المناسبة، فجعلتم من الحوار مسؤوليةً معرفية، ومن الإصغاء فضيلةً، ومن السؤال طريقًا إلى فهمٍ لا يدّعي الاكتمال.
وما يلفت في مقاربتكم ذلك الحسّ النقدي الذي لا يُسرف في المديح، ولا يتعسّف في الحكم، بل ينحاز إلى جوهر الفكرة، ويبحث عن صدقها في الممارسة؛ فأن نكتب عن الضوء أمر، وأن نوقظ في النفوس سؤالًا عمّا ينبغي أن يضيئه ذلك الضوء، أمرٌ أعمق وأبقى.
أنتم لا تمرّون على المعاني مرور العابر، بل تستخرجون من تضاعيفها أسئلتها الخفيّة، وتمنحونها حياةً جديدة تحت مجهر الفكر. وتلك إحدى علامات الناقد الذي يعرف أن قيمة القراءة ليست في إعادة قول النص، وإنما في الكشف عمّا لم يقله صراحةً، وما يختزنه من احتمالاتٍ ودلالات.
بورك هذا القلم الذي يجعل من النقد حوارًا مع الوعي، ومن البلاغة مسؤوليةً تجاه الحقيقة، ومن الكلمة جسرًا يصل الفكر بالحياة. تقديري العالي لفكركم الذي لا يكتفي بإنارة الطريق، بل يدعونا إلى مساءلة الوجهة أيضًا.
فثمّة أقلامٌ تُحسن صياغة المعنى، وأقلامٌ تُحسن مساءلته؛ وحين تجتمع الصياغة والمساءلة، يغدو الحرف بصيرةً، ويغدو النقدُ وفاءً للحقيقة لا مجرّد احتفاءٍ بالنص
سلوى الفيلالي
طه عبد الرحمن
Saloua Filaly الأديبة الراقية سلوى الفيلالي،
ما أكرمَ أن يعود إلى الكاتب صدى كلمته، لا كما أرسلها، بل وقد اتّسعت بما أضافته إليها بصيرةُ قارئٍ كريم. لقد قرأتُ كلماتكِ، فوجدتُني أمام قراءةٍ لا تكتفي باستقبال المعنى، بل تُحسن ضيافته؛ تفسح له في الفكر، وتمنحه من صفاء الروح ما يجعله أقدر على الإفصاح عن نفسه.
ولئن رأيتِ في حرفي مساءلةً للمعنى، فقد رأيتُ في حرفكِ إنصافًا؛ وتلك فضيلةٌ لا يبلغها جمال البيان وحده، بل تحتاج إلى نفسٍ تمنح الفكرة حقَّها من التأمّل قبل أن تمنح صاحبها نصيبَه من الثناء. وإنّ أجمل ما في كلماتكِ أنّها لا ترفع الكاتب فوق نصّه، بل تردّه إلى مسؤوليته فيه؛ كأنّ تقديركِ عهدٌ بأن يكون ما نكتب جديرًا بما أيقظه في الآخرين من رجاء.
قلتِ إنّ من الأقلام ما يُحسن صياغة المعنى، ومنها ما يُحسن مساءلته؛ وأحسب أنّ قلمكِ قد جمع إلى هاتين فضيلةً ثالثة: أن يُحسن لقاء المعنى. فليس كلُّ قارئٍ يقترب ليكتشف؛ بعضهم يقترب ليرى صورته، أمّا القراءة المنصفة فتمنح النصّ فرصة أن يكون نفسه، ثمّ تحاوره فيما قال، وفيما تردّد على عتبة القول.
ولقد توقّفتُ طويلًا عند إشارتكِ إلى مساءلة الوجهة، لا الاكتفاء بإنارة الطريق؛ ففيها من عمق النظر ما يُعيد إلى الكلمة امتحانها الأصعب: ليس كم أدهشتْ، بل ماذا أيقظتْ؟ وليس إلى أيّ حدٍّ بلغتْ من الفصاحة، بل إلى أيّ إنسانٍ قادتْ؟ وما جدوى بيانٍ يملأ السمع ولا يوسّع في النفس موضعًا للعدل، أو يفتح في العقل نافذةً للمراجعة؟
لهذا أتلقّى ثناءكِ بامتنانٍ يشوبه ذلك الحياء الجميل الذي يوقظه حسنُ ظنّ الآخرين بنا؛ فما نحن إلّا مجتهدون، نصيب من المعنى طرفًا، وتفوتنا أطراف، ثمّ يأتي قارئٌ مثلكِ فينبّهنا إلى ما غاب، ويُرينا في كلماتنا ما لم نكن نراه بهذا الوضوح.
شكرًا لكِ على قراءةٍ جعلت من التقدير حوارًا، ومن الرهافة قوّةً لا تحتاج إلى ضجيج. وإن كان لحرفي من ضوءٍ استوقفكِ، فإنّ لقراءتكِ فضلَ أن دلّتني على موضعه، وذكّرتني بأن أصونه من زهو العبارة وغفلة الاعتياد.
لكِ خالص التقدير، سلوى الفيلالي؛ فقد منحتِ الكلمة أكرمَ ما ترجوه: أن تجد مَن يفهمها بعمق، ويختلف معها بوعي، ويُحسن الظنّ بها من غير أن يُعفيها من السؤال.
Naceur Nouira
طه عبد الرحمن أهلاً بكَ وبحضوركَ الراقي الذي أثرى هذا اللقاء.
لقد أضفتَ بمداخلتكَ بَهاً وعُمقاً يلامس جوهر القضية الثقافية؛ فكلماتك ليست مجرد رأي عابر، بل هي غرسٌ فكريٌّ أصيل يجسد مسؤولية الكلمة ويرسخ القيمة الحقيقية للحوار. دمْتَ نبعاً للفكر والأدب.
>>بِفِكْرِكَ يَسْتَنِيرُ الحَرْفُ نُوراً>سَكَبْتَ النَّقْدَ فِي الأَرْوَاحِ أُنْساًوَيَسْكُبُ فِي المَدَى طِيباً وَوَرْدَافَصَارَ الفِكْرُ لِلْآفَاقِ زَنْدَا>>
مع خالص التقدير والمحبة،
د. ناصر بن محمد نويرة
سفير السلام
Fawzy Ibrahim
"باسم الحبر الذي لا يجف، وباسم الحرف الذي لا يباع في مزادات الوهم الرقمي!
نقف اليوم شاماتٍ على جبين هذا العصر. جئنا نجرجر بحور الشعر الأصيلة إلى واقعٍ كاد ينسى موسيقى البسيط والكامل. فليصمت ضجيج الآلات، ولينصت العالم لصوت الفكر الميداني النابض؛ فما دمنا نحمل القلم، وما دام في شعاع قلوبنا نبض، فلن تسقط قلاع الأدب، ولن تموت الهوية!"
الشاعر فوزي إبراهيم العدوى
Mohammed Mimouni
Fawzy Ibrahim ما أجمل أن يتحوّل الحبر في زمن الضجيج إلى موقف، وأن يصبح القلم شاهدًا على أن الأدب ليس زينةً نعلّقها على جدار الذاكرة، بل روحٌ تقاوم ابتذال المعنى وتدافع عن حق الإنسان في الجمال. غير أنّ الآلة لا تُخيف الحرف بقدر ما يُخيفه أن يفقد الإنسان روحه وهو يكتب؛ فالمعركة الحقيقية ليست بين القصيدة والتقنية، بل بين من يجعل المعرفة وسيلةً لإحياء الوعي، ومن يكتفي بإنتاج الضجيج.
أما شعاع، فليس مجرد اسمٍ نرفعه في وجه العتمة، بل مسؤولية أن نحرس ما تبقّى في الكلمة من إنسان، وفي الإبداع من صدق، وفي الاختلاف من جمال. ستظل القلاع قائمةً ما دام وراء الحرف قلبٌ يؤمن به، وعقلٌ يختبره، وضميرٌ يرفض أن يساوم عليه.
دام قلمكم وفيًّا لجوهره، ودام في شعاعنا نبضٌ يجعل الأدب فعلَ حياة، لا صدى عابرًا في فضاءٍ مزدحم بالأصوات.
Fawzy Ibrahim
Mohammed Mimouni
بسم الله الرحمن الرحيم
أخي الحبيب ومبدعنا الفذ، الدكتور محمد ميموني (مشاكس المعاني)، حارس الوعي وباعث النور في فضاء الحوار،
تحية إجلال تكبر برقي قلمكم وتفوق نبض العبارة.
لقد وضعتم يدكم بعبقرية المشاكس وبصيرة العالم على جوهر قضيتنا؛ فنحن حقاً لا نخشى الآلة ولا تُرعبنا التقنية، بل إن فزعنا الأكبر -كما تفضلتَ في هذا التجلي البديع- هو «أن يفقد الإنسان روحه وهو يكتب»، وأن يتحول الإبداع إلى مجرد ضجيجٍ مكرر يملأ الفضاء المزدحم دون أن يترك أثراً في بناء الوعي.
إن كلماتكم ليست مجرد ثناء، بل هي صياغة متجددة لعهدنا المشترك في «شعاع»؛ هذا الصرح الذي يقوده عميدنا الدكتور محمد أبو خروب العبادي ونائبه الفنان القدير الدكتور مصطفى كور شيخ بروح المسؤولية والأصالة. نعم يا أخي، إن مسؤوليتنا الكبرى اليوم هي «أن نحرس ما تبقّى في الكلمة من إنسان»، وأن نجعل من قلاع الأدب منابر حية تختبر العقول وتصون حق الاختلاف بجمال ونزاهة.
أشكرك لأنك حوّلت الحبر إلى موقف، وجعلت من حماستي وقوافيّ جزءاً من معركة إحياء الوعي الكبرى.
دمتَ مشاِكساً نبيلاً يُضيء عتمة السطور، ودام للحرف عرشه الأصيل بوجودك الفاعل والمحرك.
مع خالص مودتي، واعتزازي الإخائي الخالص،
الشاعر فوزي إبراهيم العدوي
طه عبد الرحمن
Fawzy Ibrahim للقلم جذورٌ في الذاكرة، وأغصانٌ في الغد
الشاعر فوزي إبراهيم العدوى،
لكلماتكم صهيلُ اعتزازٍ بالحرف، وفي ندائها غيرةٌ على أن يبقى للأدب مقامه، وللقصيدة موسيقاها، وللهوية صوتٌ يعرف أبناءُ اللغة فيه شيئًا من أنفسهم. وقد استحضرتم البسيط والكامل كما يُستحضر عزيزان في مجلس وفاء؛ لا بوصفهما اسمين لوزنين فحسب، بل بما توحيان به في نصّكم من ذاكرةٍ تريد أن تواصل الغناء.
وما أجمل أن نلبّي هذا النداء بأن نمنح الهوية حياةً متجدّدة؛ فنصونها بالمعرفة والإبداع، ونحملها إلى أسئلة الحاضر وقلق الإنسان فيه. لا نريدها رايةً بعيدةً نكتفي بالإشارة إليها، بل لغةً نفكّر بها، وذائقةً نصقلها، وقيمًا نختبر صدقها في معاملتنا للناس. بذلك يكون اعتزازنا بها عملًا تؤيّده الحياة، لا حماسةً تنتهي عند آخر العبارة.
وفي استدعائكم بحور الشعر دعوةٌ جميلة إلى الوفاء للصنعة؛ فما أبهى الموسيقى حين تحمل تجربةً تستحق أن تُسمع، وحين يجد القارئ في انتظام الوزن اضطرابَ قلبٍ يعرفه، أو حيرةَ عقلٍ تشبه حيرته. فلنحمل إلى البسيط والكامل وجعَ هذا الزمن ورجاءه، كي يظلّ للقصيدة ماضيها الذي يمدّها، وحاضرها الذي يمتحن قدرتها على القول.
أما ضجيج الآلات، فلعل أبلغ جوابٍ عنه أن نُحسن اختيار ما نضعه بين أيدي الناس؛ أن نجعل من الوسيلة خادمةً للرؤية، وألّا نترك سرعة النشر تقرّر عنّا متى يكتمل النص. ولتتّسع المنصات ما اتّسعت، على أن يبقى للقلم حقّه في التأنّي، وللقارئ حقّه في كلامٍ لم يُكتب لمجرّد شغل المساحة.
وتستوقفني صورة «قلاع الأدب» في كلماتكم؛ فما أجمل أن تكون قلاعًا تصون الكرامة وتفتح أبوابها للموهبة. يدخلها صاحب المحاولة الأولى فيجد مَن يأخذ بيده، ويقصدها المختلف فيجد مَن يحاوره بإنصاف، ويلجأ إليها المتعب فيجد عبارةً تُشعره أن وجعه مفهوم. عندئذٍ يكون الدفاع عن الأدب توسيعًا لدائرته، وإغناءً لأصواته، ووفاءً لمن نكتب من أجلهم.
وفي رحاب شعاع، يليق بهذه الحماسة أن تصير عهدًا مشتركًا: أن نقرأ بعناية، وننقد بأمانة، ونرعى التجارب بصدق، ونمنح العربية من جهدنا ما يوازي ما نمنحها من مديح. فالحرف الذي نُجلّه يستحق منّا صبر التعلّم، وشجاعة المراجعة، وفرح الاكتشاف.
سلم قلمكم، شاعرنا الكريم، وبقيت فيه جذوة هذا الحب. ولعل أجمل الوفاء لندائكم أن نقول:
لنحمل القلم كما نحمل أمانةً، لا كما نرفع شعارًا؛ ولنكتب للهوية نصوصًا يستطيع أبناؤها أن يجدوا أنفسهم فيها، ويستطيع الآخرون أن يعرفونا من خلالها. فما أكرم الحرف حين يصون جذوره، ثم يمدّ غصنًا جديدًا نحو الضوء.
Fawzy Ibrahim
طه عبد الرحمن
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أوتي جوامع الكلم.
إلى القامة الفكرية السامقة، والناقد البصير الدكتور طه دخل الله عبد الرحمن، ابن الجليل الأشمّ ومرآة وعينا الأدبي.
تحية تليق بفيض فكركم العميم، وبقراءتكم الثانية التي جاءت كالغيث يحيي موات المعاني ويمدّ الحرف بمداد الحق والجمال. لقد وقفتُ طويلاً أمام فيض حروفكم المترعة بالمسؤولية، وتأملتُ كيف عبرتم بأبياتي وبحور شعري (البسيط والكامل) من خانة "الصنعة والوزن" إلى أفق "الأمانة ورسالة الغد".
أيها الأديب الحكيم، لقد لامستَ شغاف الحقيقة حين أشرتَ إلى أن اعتزازنا بالهوية وبحور الخليل لا يجب أن يكون مجرد راية نلوّح بها في المحافل، بل لغة نفكر بها، وقيمًا نختبر صدقها في ممارستنا ومواقفنا. نعم، إن استدعائي للبسيط والكامل لم يكن التفافاً حول الماضي وهرباً من الحاضر، بل هو -كما تفضلتَ بعبقريتك- محاولة لنسكب في وعائهما الأصيل "وجع هذا الزمن ورجاءه"، كي لا تفقد القصيدة هويتها ونبضها الإنساني أمام صخب الآلات وجفاف العصر التقني.
لقد أسرتني رؤيتكم لـ "قلاع الأدب"؛ هذه الصورة التي قلبتَ مفهومها من العزلة والانغلاق إلى الانفتاح الإنساني؛ لتصبح قلاعاً تفتح أبوابها لـ "صاحب المحاولة الأولى"، وتنصف "المختلف"، وتحتضن "المتعب"، ليكون الدفاع عن الأدب توسيعاً لدائرته لا تضييقاً على عوالمه.
أعدكم وأعاهد نفسي عبر منبرنا "شعاع" أن نجعل من هذه الحماسة عهداً مشتركاً للأمانة والاتقان، وألا نترك سرعة النشر وسرعة استدراج الانتباه تجهض مخاض النص قبل اكتماله. سنحمل القلم كـ "أمانة" ثقيلة، ونبقى نحفر بجذورنا في الذاكرة، لنمدّ غصناً جديداً نحو الضوء يصافح المستقبل ويليق بوعيكم ونصحكم الغالي.
دام قلمكم نبعاً فكرياً لا ينضب، وسلمتَ فكراً ونقداً وأدباً يبني الإنسان قبل البنيان.
تلميذكم ومحبكم: الشاعر فوزي إبراهيم العدوي
Naceur Nouira
Fawzy Ibrahim أهلاً بكَ وبحضوركَ الراقي الذي أثرى هذا اللقاء.
لقد أضفتَ بمداخلتكَ بَهاً وعُمقاً يلامس جوهر القضية الثقافية؛ فكلماتك ليست مجرد رأي عابر، بل هي غرسٌ فكريٌّ أصيل يجسد مسؤولية الكلمة ويرسخ القيمة الحقيقية للحوار. دمْتَ نبعاً للفكر والأدب.
>>بِفِكْرِكَ يَسْتَنِيرُ الحَرْفُ نُوراً>سَكَبْتَ النَّقْدَ فِي الأَرْوَاحِ أُنْساًوَيَسْكُبُ فِي المَدَى طِيباً وَوَرْدَافَصَارَ الفِكْرُ لِلْآفَاقِ زَنْدَا>>
مع خالص التقدير والمحبة،
د. ناصر بن محمد نويرة
سفير السلام
Fawzy Ibrahim
Naceur Nouira
بسم الله الرحمن الرحيم
سعادة السفير الأديب الدكتور ناصر بن محمد نويرة (سفير السلام)،
تحية طيبة ملؤها المحبة والود العارم،
إن كلماتكم الراقية وثناؤكم العاطر، هما وسام فخرٍ أعتز به على صدري وصدر قصيدتي. لقد طوّقتم عنق حرفي بجميل بيوتكم الشعرية، وما بهاء هذا اللقاء وعمقه إلا انعكاسٌ لحضوركم السامي، الذي ينثر السلام والطيب في أرجاء الفكر والأدب.
إن غرسنا الفكري لا يكتمل إلا بوجود قاماتٍ أصيلة مثلكم، ترعى الحوار وتثمن الكلمة المسؤولة.
دمتم نبعاً للرقي والجميل، ودام فيض فضلكم منيراً للمداى.
خالص مودتي وتقديري،
الشاعر فوزي إبراهيم العدوي
زهرة البيلسان حسن
Fawzy Ibrahim
Fawzy Ibrahim
"إن زمن الضغط على الأزرار قد يصنع رواجاً، لكنه أبداً لا يصنع مجداً! المثقف الحقيقي ليس شبحاً رقمياً يختبئ وراء المتابعات، بل هو فارس يختبر زئير كلماته في معمعة الحياة. لن نترك الأدب الرصين يستسلم لسرعة الاستهلاك الأعمى. نحن قادمون بأسئلتنا الصادمة وقوافينا الثائرة لنعيد صياغة التاريخ، ولنثبت لهذا العالم الافتراضي أن نبض الأديب العربي أقوى من أسلاك التقنية وأبقى من فناء المنصات!"
الشاعر فوزي إبراهيم العدوى
طه عبد الرحمن
Fawzy Ibrahim لا يخلُدُ الصدى… بل ما يوقظه في الإنسان
الشاعر فوزي إبراهيم العدوى،
في كلماتكم جذوةٌ ترفض أن يُختزل الأدب في حركة إصبع، وأن يُستبدل بقلق الإبداع بريقُ الرواج؛ وكأنكم تستردّون للكلمة وزنها، فتسألونها أن تنهض بما تعد به، وأن تحمل من صدق التجربة ما يجعلها جديرةً بالبقاء بعد انقضاء لحظة الإعجاب.
لقد رفعتم صوت الاحتجاج على اختزال المبدع في أرقام متابعيه، وفتحتم بهذا الاحتجاج بابًا لسؤالٍ أشدّ عمقًا: ماذا يبقى من حضورنا حين يهدأ التصفيق؟ أيُّ معنى يستطيع أن يواصل طريقه دون أن نسنده كل يومٍ بإعلانٍ جديد؟ هناك تُختبر الكلمة؛ حين تقف بما فيها، لا بما يحيط بها.
وما أجمل صورة الفارس إذا جعلنا شجاعته أوسع من اقتحام المعركة؛ شجاعةَ أن ينصف خصمه، وأن يراجع يقينه، وأن يدافع عن إنسانٍ لا يملك ردّ الجميل. فليست بطولة الأديب في ارتفاع صوته وحده، بل في قدرته على الوفاء لما يقول حين يصبح للوفاء ثمن. وقد تحمل عبارةٌ هادئة من الجرأة ما لا تحمله قصيدةٌ تضجّ بالوعيد؛ لأن الصدق لا يحتاج دائمًا إلى زئيرٍ كي نعرف قوّته.
ونعم لأسئلةٍ توقظ الفكر، وقوافٍ ترفض الابتذال؛ على أن تكون صدمتها كشفًا لا إبهارًا عابرًا، وثورتها فتحًا للمعنى لا إغلاقًا لباب الحوار. فما أكرم أن يخرج القارئ من النصّ مختلفًا عمّا دخله، لا مأخوذًا ببلاغته فحسب، بل أكثر استعدادًا لأن يرى ما كان يتجنّب رؤيته، ويسأل عمّا كان يمرّ به مطمئنًّا.
ولعل أجمل ما يمكن أن نمنحه لحماستكم أن نوجّه المعركة إلى موضعها: ليس بين الأديب وأدوات عصره، بل بين الاستخدام الذي يوسّع المعرفة والاستخدام الذي يكتفي باستدراج الانتباه. فلنأخذ من التقنية قدرةَ الوصول، ولنحفظ للأدب حريةَ المقصد؛ ولتكن المنصة طريقًا نعبره إلى الناس، لا مرآةً نقف أمامها مأخوذين بصورتنا.
أما المجد الذي تستدعون معناه، فما أجدرنا أن نترك للزمن حقّ الشهادة عليه، وأن ننصرف نحن إلى ما نستطيع الوفاء به: نصٍّ نتقنه، وموهبةٍ نساندها، وموقفٍ نتحمّل مسؤوليته، وقارئٍ لا نستخفّ بعقله. هكذا يأخذ الطموح ملامحه في العمل، ويصبح الحلم الكبير خطواتٍ يمكن أن تُرى ويُبنى عليها.
سلم قلمكم، شاعرنا الكريم، وبقيت فيه هذه الغيرة على الأدب؛ غيرةً تمدّه بالعناية والصبر بقدر ما تمدّه بالحماسة.
فلنكتب ما يستحق أن يبقى، دون أن نستعجل إعلان بقائه؛ ولنجعل لقوافينا من الرحابة ما يتّسع للإنسان، ومن الصدق ما يصمد أمام الحياة. فما نرجوه للكلمة ليس أن تكون أعلى من ضجيج العالم، بل أن يجد فيها إنسانٌ، وسط ذلك الضجيج، صوتًا جديرًا بأن يُصغي إليه.
Fawzy Ibrahim
طه عبد الرحمن
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسوله الكريم.
إلى المفكر الفذ، والناقد الأديب الأريب،
الدكتور طه دخل الله عبد الرحمن، ابن "البعنة" الجليليّة الأبيّة الشامخة شموخ الحرف العربي وصاحب البصيرة المعرفية النافذة.
تحية إجلال وإكبار لشخصكم الفاضل ولقلمكم الساحر الذي لا يكتب ليملأ الفراغ،
بل لينحت في صخر الوعي علامات فارقة.
لقد قرأتُ قراءتكم النقدية والوجدانية لكلماتي وقوافيّ، فوجدتني أمام مرآةٍ فكرية صقيلة، تفكك الحرف، وتستنطق النوايا، وتصحح المسارات بأدب الجمّ وعمق العالم المتمكن.
أيها الأديب الجليل،
لقد أخذتَ بيدي إلى موضع المعركة الحقيقي حين قلتَ بعبقريتكم: «ليس بين الأديب وأدوات عصره، بل بين الاستخدام الذي يوسّع المعرفة والاستخدام الذي يكتفي باستدراج الانتباه». ما أعمق هذا الكشف الفكري! نعم، لستُ في خصومةٍ مع "الزرّ" أو "الشاشة" كمُنْجَزٍ حضاري، بل إن صرختي الاحتجاجية وقوافيّ كانت زفيراً في وجه "استلاب الإنسانية" وذوبان "قلق الإبداع" في بريق المتابعات الزائفة.
إنني أوافقكم الرأي وبشدة؛ فالبطولة ليست بزئير الوعيد، بل بـ "الصدق الهادئ" الذي يترك القارئ مختلفاً عما دخله، يقلب يقينه، ويستثير عقله. لقد ألجمتَ بعباراتك الرصينة اندفاع الحماسة لتوجهها نحو "الصبر والعناية والاتقان"، وذكرتني -ونحن في معمعة النشر السريع- بأن الصدى يزول ولا يخلد إلا ما أيقظ الإنسان.
شرفٌ كبير لي هذا الوسام الفكري الذي طوّقتم به عنق قصيدتي، وبوركتْ غيْرتكم وعينكم الفاحصة التي ترى ما وراء السطور. سنظل نكتب ما يستحق أن يبقى، مقتدين بنصحكم، مستلهمين من جليل فكركم أن تكون المنصة جسراً نمرّ به نحو الإنسان، لا مرآةً نقع في غواية صورتنا أمامها.
سلمتَ يا ابن "البعنة" البارة، وسلم فكرك المنير، ودام قلمك هادياً، منيراً، ومحركاً لسواكن المعاني.
تلميذكم ومحبكم: الشاعر فوزي إبراهيم العدوي
Fawzy Ibrahim
"أيها السائرون خلف بريق الشاشات ومتاهات الحروف العابرة! لسنا هنا لنضيف حبراً على ورق، ولا لنملأ فضاءً افتراضياً بزبد الكلمات الإعجابية اللحظية. نحن هنا لنعيد للحرف الميداني نبضه، ونبني من القصيدة جسراً يطأ الأرض ويزلزل الصمت. إن الكلمة التي لا تصنع أثراً في الواقع، ولا تلامس نبض الإنسان في الميدان، هي كلمة ولدت ميتة خلف الزجاج! فليشرق شعاع الفكر، ولتستعد المنابر هيبتها، فنحن أمة لا تموت قوافيها بل تطوع الصعاب لتعيش الأبد!"
الشاعر فوزي إبراهيم العدوى
طه عبد الرحمن
Fawzy Ibrahim لا يموتُ الحرفُ ما دام يجدُ قلبًا يُوقظه
الشاعر فوزي إبراهيم العدوى،
لكلماتكم حرارةُ مَن يغار على الأدب من أن يصبح زينةً في واجهة العبور، ويأبى للقصيدة أن تنتهي حيث تنتهي لحظة التصفيق. وفي ندائكم شوقٌ إلى كلمةٍ تمشي بين الناس، تُصغي إلى تعبهم، وتقترب من أسئلتهم، وتمنح من ضاق به الطريق نافذةً يرى منها إمكانًا آخر للحياة.
وما أجمل دعوتكم إلى أن نبني من القصيدة جسرًا؛ فالجسر لا يختار للعابرين وجوههم، ولا يسألهم أن يتشابهوا كي يحملهم. كذلك نرجو للأدب أن يتّسع للإنسان في قوّته وهشاشته، في يقينه وحيرته؛ وأن يجد فيه المختلفون سبيلًا إلى التعارف، لا سببًا جديدًا للتباعد.
غير أنني أستأذن وهجَ عبارتكم في وقفة محبٍّ عند قولكم إن الكلمة التي لا تصنع أثرًا في الواقع «وُلدت ميتة خلف الزجاج». لعلّ بعض الكلمات لا تموت، وإنما تتأخّر عن موعد ثمرتها؛ تبقى في ذاكرة قارئٍ لا نعرفه، حتى تأتيه لحظةٌ يحتاج فيها إلى معناها. وقد يكون أثرها أهدأ من أن نراه: عزاءً يردّ إلى متعبٍ تماسكه، أو سؤالًا يراجع به إنسانٌ حكمًا قاسيًا، أو شجاعةً صغيرةً تعينه على البدء.
فلنطلب من الكلمة صدقها، ولنمنح ثمرتها حقّها في الوقت. وليس من الإنصاف أن نطالب كل قصيدةٍ بأن تُحدث رجّةً ظاهرة؛ فقد يكون أعمق ما تفعله أن تُنقذ في داخل قارئها قدرةً على الإحساس، أو أن تمنعه من الاعتياد على الظلم، أو أن تعيد إليه الدهشة بعدما كاد يفقدها.
أما الشاشة، فلتكن طريقًا تعبره الكلمة إلى وجهتها؛ نحذر أن ننشغل ببريق الطريق عن الإنسان الذي نقصده، ونحرص على ألّا تصبح سهولة النشر بديلًا من مشقّة الإتقان. فالمعنى الذي نريده قريبًا من الناس يستحق منّا لغةً مصقولة، ومعرفةً أمينة، وخيالًا يفتح الرؤية بدل أن يستر خواءها.
ونعم لاستعادة هيبة المنابر؛ هيبةً يمنحها صدق المتكلم، وعدل المحاور، وحسن الإصغاء. ما أرفع المنبر حين يستطيع صاحب الرأي المختلف أن يتكلم من فوقه مطمئنًّا، وحين يجد المبدع الناشئ من يأخذ بيده، وحين يخرج الحاضر وفي نفسه رغبةٌ في أن يقرأ أكثر، ويفهم أعمق، ويحكم بتأنٍّ أكبر.
سلم قلمكم، شاعرنا الكريم، وبقيت فيه هذه الغيرة التي تسأل الأدب عمّا يقدّمه للحياة. ولعلّ الوفاء الأجمل لندائكم أن نجعل من حماستنا عملًا نصبر عليه، ومن اعتزازنا بالحرف عنايةً بمن يقرؤه.
فلنكتب ما يستحق أن يُحمَل إلى الناس، ثم لنتواضع أمام طرائق وصوله إليهم؛ فقد تعبر القصيدةُ شاشةً باردة، وتجد في آخر الطريق قلبًا وحيدًا، فتمنحه من الدفء ما لا يعرفه صاحبها أبدًا. هناك تكون قد وطئت الأرض حقًّا، وإن لم يسمع أحدٌ وقع خطاها.
Fawzy Ibrahim
طه عبد الرحمن
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على من أوتي جوامع الكلم والرحمة للعالمين.
إلى بصير الحرف ونبض الفكر العربي، الدكتور طه دخل الله عبد الرحمن،
تحية من قلبٍ شعر ببرودة "الزجاج" الافتراضي، فأدفأته كلماتك التي تشبه طمأنينة الأرض بعد المطر.
أيها العالم الجليل، لقد استأذنْتَ وهج عبارتي، فاستأذَنَتْ عباراتك كبرياء قلمي لتنحني أمام حكمة نقدك الإنساني الباذخ. لقد أخذتَ بيدي في هذه القراءة إلى ما وراء الأثر المادي الملموس، وعلمتني كيف أتأمل "صمت الكلمة" قبل صخبها.
كم كان قسرياً وصادماً وصفي بأن الكلمة التي لا تُحدث رجّة في الواقع "ولدت ميتة خلف الزجاج"، وكم كان عظيماً ومربياً تقويمك حين قلت بلسان العارف الحكيم: «لعلّ بعض الكلمات لا تموت، وإنما تتأخّر عن موعد ثمرتها».
لقد جعلتني أعيد النظر في مفهوم "الميدان"؛ فالميدان الحقيقي للقصيدة ليس دائماً الساحات والمنابر المزدحمة، بل قد يكون ذلك "القلب الوحيد" الذي يعبر به نصٌّ من شاشة باردة، فيمنحه عزاءً صامتاً يمنعه من السقوط، أو دهشة صغيرة ترد إليه إنسانيته وسط ضجيج عالم آلي أعمى. نعم، إن أعظم آثار القصيدة قد يقع خلف خطىً لا يسمع وقعها أحد، وتلك لعمري أرفع درجات الفداء الثقافي والتواضع أمام صنعة الكتابة.
أقبل نقدك الفذ بقلب الشاعر الذي يعترف أن غواية الرغبة في "التأثير الفوري" كادت تحجب عنه جمال "النمو الهادئ" للبذور الفكرية. أعدك، ومن خلال صرحنا "شعاع" وجبهتنا الثقافية النابضة بالوفاء، أن نجعل من هذه الحماسة صبراً طويلاً على الإتقان، وأن نكتب للإنسان في كل أحواله، معتصمين بلغة مصقولة وأمانة معرفية لا تستعجل الثمر.
سلمتَ معلماً وموجهاً، وحفظ الله قلمك الذي يثبت لنا في كل مرة، أن الثقافة ليست زينة العبور، بل هي هذا النور الذي نهتدي به في عتمة الطريق ليمسح تعب المتعبين بإنصاف ومحبة.
تلميذك الذي اتسعت رؤيته بنقدك:
الشاعر فوزي إبراهيم العدوي
Naceur Nouira
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
مُقَدِّمَةُ إِكْبَارٍ وَتَقْدِيرٍ وَإِعْجَاب
بِبَالِغِ الِابْتِهَاجِ وَعَمِيقِ الِامْتِنَانِ، وَبِاسْمِ الدُّكْتُورِ وَسَفِيرِ السَّلَامِ نَاصِر بن مُحَمَّد نُوَيْرَة، أَتَقَدَّمُ بِأَسْمَى آيَاتِ التَّقْدِيرِ وَالْإِجْلَالِ لِصَرْحِنَا الثَّقَافِيِّ المَنَارَةِ «مُنْتَدَى شُعَاع لِلْأُدَبَاءِ وَالشُّعَرَاءِ العَرَب»، هَذَا المِنْبَرِ الَّذِي مَازَالَ يُشِعُّ فِكْرًا نَيِّرًا وَأَدَبًا رَفِيعًا يُثْرِي المَشْهَدَ الثَّقَافِيَّ العَرَبِيَّ.
وَإِنَّنَا لَنُثَمِّنُ كُلَّ الثَّنَاءِ وَالِإكْبَارِ الجُهُودَ المَبْذُولَةَ وَالرُّؤْيَةَ الحَكِيمَةَ لِلْقَامَةِ الكَبِيرَةِ سَعَادَةِ العَمِيدِ الدُّكْتُورِ مُحَمَّد أَبُو خَرُّوب العَبَّادِيّ، رَئِيسِ مَجْلِسِ إِدَارَةِ المُنْتَدَى، الَّذِي يَرْعَى هَذَا الصَّرْحَ العَظِيمَ بِشَغَفٍ وَإِخْلَاصٍ، جَاعِلًا مِنْهُ مَلَاذًا لِلْفِكْرِ الحُرِّ وَمُنْطَلَقًا لِلْإِبْدَاعِ الَّذِي يَجْمَعُ وَلَا يُفَرِّقُ.
كَمَا أُوَجِّهُ أَرْقَى حَيَّاتِ الإِعْجَابِ وَالتَّقْدِيرِ لِمُدِيرِ هَذَا اللِّقَاءِ المُمَيَّزِ الدُّكْتُورِ مُحَمَّد مَيْمُونِي، الَّذِي يُدِيرُ دَفَّةَ الحِوَارِ بِاقْتِدَارٍ وَعُمْقٍ يُثِرَانِ النَّقَاشَ وَيَسْبُرَانِ غَوْرَ المَعَانِي.
وَتَحِيَّةُ إِجْلَالٍ وَتَرْحِيبٍ خَاصَّةٌ لِضَيْفِنَا الكَرِيمِ، الشَّاعِرِ وَالنَّاقِدِ المَغْرِبِيِّ القَدِيرِ أُسْتَاذِنَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ بُوطِيب، الَّذِي نَضَعُ تَجْرِبَتَهُ المَائِيَّةَ وَالفِكْرِيَّةَ تَحْتَ المِجْهَرِ، لِنَسْتَكْشِفَ مَعًا عُمْقَ الطَّرْحِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ سُؤَالِ "المُثَقَّفِ وَالفَاعِلِ الثَّقَافِيِّ بَيْنِ الِافْتِرَاضِيِّ وَالمَيْدَانِيِّ". وَالشُّكْرُ مَوْصُولٌ لِكُلِّ إِخْوَتِي وَأَخَوَاتِي الشُّعَرَاءِ وَالأُدَبَاءِ وَالأَعْضَاءِ الكِرَامِ فِي المُنْتَدَى الَّذِينَ يُعْطُونَ لِهَذَا الحَرَاكِ نَبْضَهُ وَأَثَرَهُ المَمْتَدَّ.
قَصِيدَةُ: صَدَى الكَلِمَةِ وَسُؤَالُ المَسَار
صَوْتُ الحَقِيقَةِ فِي الشِّفَاهِ سَنَاءُ ... وَالفِكْرُ شَمْسٌ وَالعُقُولُ ضِيَاءُ
لَيْسَ المَلاَكُ مَنِ اسْتَبَدَّتْ بِاسْمِهِ ... شَاشَاتُ عَصْرٍ بَرِيقُهَا الإِغْرَاءُ
بَلْ مَنْ يَخُوضُ المَيِّدَانَ بِفِكْرِهِ ... فَتَرَى المَعَانِيَ يَحْتَوِيهَا الرَّاءِ
يَمْشِي عَلَى أَرْضِ الوَاقِعِيَّةِ صَادِقًا ... إِذْ لَيْسَ تُبْنَى بِالْفَضَاءِ عِمَاءُ
«بُوطِيبُ» يَا نَبْضَ المَفَاهِمِ إِذْ سَرَى ... فِي المَغْرِبِ المِعْطَاءِ مِنْكَ نِدَاءُ
رَسَمْتَ لِلْحَرْفِ الأَنِيقِ مَسَارَهُ ... حَتَّى اسْتَقَامَتْ لِلرُّؤَى الأَصْدَاءُ
يَا «مَيْمُونِيُّ» أَدَرْتَ نَهْرَ حِوَارِنَا ... فَتَفَتَّقَتْ عَنْ عُمْقِكَ الآرَاءُ
وَلَكَمْ يُشِعُّ «شُعَاعُنَا» بِمَنَارَةٍ ... جُدُرَاتُهَا التَّبْجِيلُ وَالعَلْيَاءُ
يَرْعَاهَا «عَمِيدُ الدِّيَارِ مُحَمَّدٌ» ... نَعَمْ «العَبَّادِيُّ» الكَرِيمُ المَاءُ
نَصُونُ لِلْفِكْرِ الرَّفِيعِ عَهْدَهُ ... وَيُشِلُّ زَيْفَ الزَّائِفِينَ وَفَاءُ
إِنَّ الثَّقَافَةَ مَسْؤُولِيَّةُ مَوْقِفٍ ... تَبْقَى إِذَا مَا زَالَتِ الأَسْمَاءُ
المُدَاخَلَةُ الفِكْرِيَّةُ وَالنَّقْدِيَّة
إنَّ الطَّرْحَ الَّذِي يَفْتَحُهُ مُنْتَدَانَا المَبْرُورُ اليَوْمَ يَمَسُّ العَصَبَ الحَيَّ لِلْإِبْدَاعِ العَرَبِيِّ؛ إِذْ لَمْ يَعُدْ السُّؤَالُ اليَوْمَ: كَيْفَ نَكْتُبُ؟ بَلْ أَيْنَ يَقَعُ أُثَرُ مَا نَكْتُبُهُ فِي الوَاقِعِ المَلْمُوسِ؟
غَوَايَةُ الِافْتِرَاضِيِّ وَثِقَلُ المَيْدَان: لَقَدْ مَنَحَتْنَا المَنَصَّاتُ الرقمِيَّةُ سُرْعَةَ الوُصُولِ، لَكِنَّهَا فَرَضَتْ عَلَيْنَا نَمَطًا سَرِيعًا قَدْ يُفْرِغُ الكَلِمَةَ مِنْ عُمْقِهَا الإِنْسَانِيِّ وَأَثَرِهَا المَيْدَانِيِّ. إِنَّ التَّحَدِّيَ الحَقِيقِيَّ أَمَامَ الِأُسْتَاذِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بُوطِيب وَأَمَامَنَا جَمِيعًا هُوَ كَيْفِيَّةُ تَحْوِيلِ هَذَا الحُضُورِ الرقمِيِّ مِنْ مُجَرَّدِ "ظُهُورٍ" إِلَى "فِعْلٍ ثَقَافِيٍّ مُمَارَسٍ" يُؤَثِّرُ فِي الوَاعِي وَيَبْنِي المَعْنَى.
اسْتِقْلَالِيَّةُ الصَّوْتِ الثَّقَافِيِّ: كَيْفَ يَسْتَطِيعُ المَبْدِعُ أَنْ يَحْمِيَ حَرْفَهُ مِنْ خَوَارِزْمِيَّاتِ السُّرْعَةِ وَرَغَبَاتِ الِانْتِشَارِ السَّطْحِيِّ، لِيَظَلَّ صَوْتًا مُسْتَقِلًّا، يَبْنِي الإِنْسَانَ وَيُنَادِي بِالسَّلَامِ وَالْقِيَمِ النَّبِيلَةِ؟
كُلُّ التَّوْفِيقِ لِهَذَا اللِّقَاءِ المَيْمُونِ، وَدَامَ مُنْتَدَى «شُعَاع» صَرْحًا لِلْفِكْرِ وَالأَدَبِ وَالسَّلَامِ.
د. نَاصِر بن مُحَمَّد نُوَيْرَة
سَفِيرُ السَّلَامِ
طه عبد الرحمن
Naceur Nouira حين يلتقي الحرفُ بضميره، ويصيرُ السلامُ معنى يُعاش
الدكتور ناصر بن محمد نويرة المحترم،
لكم تحيةٌ تليق بكلمةٍ جمعت دفءَ الوفاء، وشفافية الوجدان، ويقظة السؤال؛ فجاءت مداخلتكم كأنها مجلسٌ تتجاور فيه القصيدة والفكرة، ويأخذ فيه التقدير بيد التأمل، فلا ينتهي الاحتفاء عند جمال الأسماء، بل يمضي إلى ما تحمله من مسؤولياتٍ وآمال.
لقد أحسنتم حين جعلتم سؤال الأثر في صميم الحديث عن الإبداع؛ فما أعمق أن يسأل الكاتب نفسه، بعد أن يطمئن إلى حسن عبارته: أيَّ نافذةٍ فتحت؟ وأيَّ إنسانٍ اقتربتُ من فهمه؟ وهل منحتُ قارئي ما يعينه على النظر، أم اكتفيتُ بأن أمنحه ما يدعوه إلى الإعجاب؟ تلك أسئلةٌ تحفظ للحرف جديته، وتردّ صاحبه إلى أمانة ما يقول.
وفي قصيدتكم «صدى الكلمة وسؤال المسار» يتجاور الاحتفاء بأهل اللقاء مع التذكير بعهد الثقافة. وقد استوقفني هذا المعنى في قولكم: «إنّ الثقافة مسؤولية موقف»؛ ففيه ما يجعل المعرفة التزامًا، ويمنح البلاغة امتحانها الإنساني: أن يجد ما نكتبه شاهدًا في إنصافنا، وما نمدحه من قيمٍ موضعًا في سلوكنا.
ولعلّ السلام، الذي جعلتموه حاضرًا في ختام مداخلتكم وروحها، يمنح هذا الامتحان مداه الأجمل؛ أن نختلف دون أن نجرّد المختلف من كرامته، وأن ننقد دون أن نتشفّى، وأن ندافع عن قناعاتنا مع إبقاء باب المراجعة مفتوحًا. فما أكرم الكلمة حين تكون شجاعةً في مواجهة الظلم، رفيقةً بالإنسان، دقيقةً في التمييز بين رفض الفكرة والإساءة إلى صاحبها.
أما سؤالكم عن استقلالية الصوت الثقافي، فهو جديرٌ بأن نصحبه إلى كل ما ننشر؛ إذ نرجو للمبدع أن يملك قراره في ما يقول، وأن يمنح نصّه وقته من النضج، وألّا يجعل استحسان الجمهور شرطًا لصدق موقفه. وفي الوقت نفسه، يبقى قريبًا من قرّائه، متفهّمًا لأسئلتهم، مستعدًّا لأن يتعلّم منهم؛ فاستقلال الصوت تزداد قيمته حين يصحبه تواضع الإصغاء.
وفي حديثكم عن الانتقال من «الظهور» إلى «الفعل» دعوةٌ جميلة إلى أن نعطي اللقاء امتدادًا في الحياة: بقراءةٍ نواصلها، وموهبةٍ نساندها، وحوارٍ نرعاه، ومبادرةٍ نمنحها من الصبر ما يساعدها على الاستمرار. وللكلمة، إلى جانب ذلك، ثمراتٌ قد تخفى علينا؛ فلنُحسن غرسها، ولنترك للقارئ حقّه في أن تنضج في داخله على مهل.
ويطيب أن نشارككم التحية للعميد الدكتور محمد أبو خروب العبادي، وللدكتور محمد ميموني، ولضيف اللقاء الأستاذ عبد الرحمن بوطيب، ولجميع القائمين على منتدى شعاع والمشاركين فيه. وما أجمل أن يتّسع الوفاء لكل جهدٍ يسهم في جمع هذه الأصوات، وأن يكون اجتماعنا فرصةً ليأخذ كلٌّ منا من رؤية الآخر ما يوسّع به رؤيته.
شكرًا لكم، دكتور ناصر، على كلمةٍ جعلت التقدير مدخلًا إلى المسؤولية، والقصيدة رفيقةً للسؤال، والسلام أفقًا يرجو الحرف أن يبلغه.
ولعل أجمل ما نهديه إلى روح مداخلتكم عهدٌ بسيطٌ عميق: أن نمنح الكلمات التي نكتبها حياةً في أفعالنا؛ فإذا دعونا إلى الإنصاف أنصفنا، وإذا احتفينا بالحوار أصغينا، وإذا رفعنا اسم السلام، وجد القريب منّا في صحبتنا شيئًا من طمأنينته.
Mohammed Mimouni
Naceur Nouira الدكتور ناصر بن محمد نويرة، سفير السلام، الفاضل،
شكرًا لكم على هذه المداخلة التي لم تكتفِ بالاحتفاء باللقاء، بل حاولت أن تنفذ إلى جوهر السؤال الذي يجمعنا: ماذا يبقى من الكلمة حين ينفضّ الجمهور، وتنطفئ الشاشات، ويعود الإنسان إلى واقعه؟
لقد أصبتم موضع الرهان حين نقلتم السؤال من الكتابة إلى أثرها؛ فليس كلُّ حضورٍ تأثيرًا، ولا كلُّ انتشارٍ دليلًا على القيمة. قد تعبر الكلمة آلاف الشاشات ولا تبلغ إنسانًا واحدًا، وقد تُقال في زاوية بعيدة، فتوقظ في الوعي ما تعجز عنه ضوضاء المنصات.
وأجمل ما في طرحكم أنكم لم تضعوا الفضاء الرقمي في مواجهة الميدان، بل جعلتمونا نتأمل المسافة بين الإمكان والممارسة، وبين أن نكون مرئيين وأن نكون فاعلين. فالتقنية تمنح الكلمة أجنحة، لكنها لا تمنحها بالضرورة بوصلة؛ وهذه مسؤولية المثقف الذي لا ينبغي أن يستمد قيمته من عدد العابرين على صفحته، بل مما تتركه كلمته في عقولهم ومواقفهم.
أما «شعاع»، فتكمن قيمته في أن يكون أكثر من فضاءٍ لتبادل النصوص والتحايا؛ أن يظل مساحةً يلتقي فيها اختلاف الرؤى دون أن يتحول إلى خصومة، وتُختبر فيها الأفكار بالحوار، لا بمكانة أصحابها. وهنا يطيب لي أن أحيّي سعادة العميد الدكتور محمد أبو خروب العبادي، وكل الإخوة والأخوات الذين يمنحون هذا الصرح من وقتهم وجهدهم، كما أعتز بحضوركم الكريم وبما أضفتموه إلى لقائنا من أفق فكري وإنساني.
أخي الدكتور ناصر، لعلّ المعيار الأصدق للثقافة ليس أن نُحسن الكلام عن القيم، بل أن نحتمل كلفتها حين تصبح موقفًا، وأن نمنحها من سلوكنا ما يجعلها جديرةً بأن تُصدَّق.
دام قلمكم مناصرًا للسلام، ودام «شعاع» فضاءً لا يكتفي بإضاءة المعنى، بل يساعدنا على اكتشاف ما ينبغي أن نفعله في ضوئه.
مع خالص التقدير والاعتزاز.
قاسم المجالي
حين يتحدث الصمت
حين يتحدث الصمت يفصح عن أسرار كثيرة
وحين تملأ الدموع عيون الرجال فالأمور حزينة
الصمت يخبىء بالنفس بعض الأسرار
حتى لو كانت موجعة أليمة
لاتختبر صبر وقهر الرجال
إن باحوا بالقول أقوالهم مريرة
حاول ألا تأخذ من صاحب السر سره
ودعه في صمته فنفسه مكتئبة عليلة
قاسم محمد المجالي
طه عبد الرحمن
قاسم المجالي حين يضيقُ الكلامُ بما يحملُ القلب
الأستاذ الشاعر قاسم محمد المجالي،
كأنكم في «حين يتحدث الصمت» لم تكتبوا عن السكوت، بل أصغيتم إلى ما يتكسّر خلفه؛ إلى تلك الكلمات التي تبلغ الحلق ثم تعود، لأن في خروجها وجعًا آخر، ولأن بعض الأسرار لا يبحث عمّن يعرفه، بل عمّن يرفق بصاحبه وهو يجهله.
ما أرهف المعنى حين يجعل للصمت صوتًا، وللدمعة بيانًا، وللسرّ حرمةً لا يحقّ للفضول أن ينتهكها. لقد لامستم ذلك الموضع الخفيّ من الروح، حيث يتعب المرء من حمل ألمه، ويتعب أكثر من محاولة شرحه؛ فيلوذ بسكوته، لا لأن الكلام ينقصه، بل لأن ما فيه أكبر من العبارة.
وما أشدّ وقعَ الدمعة حين تقف في عين رجلٍ اعتاد أن يكون كتفًا لغيره؛ كأنها تقول ما لم يستطع قوله: لقد حملتُ كثيرًا، وأحتاج الآن إلى من لا يطالبني بمزيدٍ من التماسك. وليس في دمعه ما ينتقص منه؛ فللإنسان حقٌّ في هشاشته، كما له حقٌّ في أن يُحَبّ حين يعجز عن الظهور قويًّا.
وفي قولكم: «حاول ألا تأخذ من صاحب السر سره»، ترتفع القصيدة من وصف الوجع إلى الرفق بصاحبه. فما كل اقترابٍ مؤانسة، ولا كل سؤالٍ عناية؛ قد نطرق باب جرحٍ نحسبه باب حديث، وقد نلحّ في طلب البوح، وصاحب القلب لا يملك بعدُ طاقة احتمال صداه.
فلنترك له حقّ الصمت، ولكن لا نتركه لوحشته؛ نجلس قريبًا بما يكفي ليشعر بالأمان، وبعيدًا بما يكفي ليظلّ سرّه له. لا نساومه على الحضور باعتراف، ولا نجعل مواساتنا مشروطةً بأن يروي الحكاية من أول نزفها إلى آخر دمعةٍ فيها.
سلامٌ لقلمكم الذي انتبه إلى أن خلف الوجوه المتماسكة أرواحًا تحتاج إلى اللين، وأن بعض النجدة يدٌ تُمدّ دون سؤال.
وإذا كان للصمت أن يتحدّث، فلعل أوجع ما يقوله:
«لا تنتزع منّي الحكاية… كن إلى جواري حتى أستطيع أن أحكيها».
Mohammed Mimouni
قاسم المجالي الأستاذ قاسم محمد المجالي،
ثمة أوجاعٌ لا تجد في الكلام متّسعًا لها، فتختار الصمت، لا عجزًا عن البوح، بل لأن بعض ما يسكن الروح أكبر من أن تحمله الكلمات. ولعلّ أصعب ما في صمت الرجال أنّنا نرى سكونهم، ولا نعرف كم من المعارك يخوضون في داخلهم دون أن يسمع أحدٌ صوتها.
لكنني أظنّ أنّ الوفاء للإنسان ليس في انتزاع أسراره منه، بل في أن نمنحه الأمان الذي يجعله يتكلّم إن أراد، ويصمت دون أن يُساء فهمه إن اختار الصمت. فليس كلّ صامتٍ بخير، وليس كلّ باكٍ ضعيفًا؛ أحيانًا تكون الدموع أصدق من خطابٍ طويل، ويكون الصمت آخر ما تبقّى للروح كي تحفظ شيئًا من تماسكها.
دام قلمك قريبًا من تلك المناطق الخفيّة في الإنسان، حيث لا نحتاج دائمًا إلى مَن يسألنا: ما بك؟ بقدر ما نحتاج إلى مَن يشعر بنا دون أن يُثقل علينا بالسؤال. تحياتي وتقديري.
Naceur Nouira
قاسم المجالي أهلاً بكَ وبحضوركَ الراقي الذي أثرى هذا اللقاء.
لقد أضفتَ بمداخلتكَ بَهاً وعُمقاً يلامس جوهر القضية الثقافية؛ فكلماتك ليست مجرد رأي عابر، بل هي غرسٌ فكريٌّ أصيل يجسد مسؤولية الكلمة ويرسخ القيمة الحقيقية للحوار. دمْتَ نبعاً للفكر والأدب.
>>بِفِكْرِكَ يَسْتَنِيرُ الحَرْفُ نُوراً>سَكَبْتَ النَّقْدَ فِي الأَرْوَاحِ أُنْساًوَيَسْكُبُ فِي المَدَى طِيباً وَوَرْدَافَصَارَ الفِكْرُ لِلْآفَاقِ زَنْدَا>>
مع خالص التقدير والمحبة،
د. ناصر بن محمد نويرة
سفير السلام
Mohammed Mimouni
الدكتور مصطفى كور شيخ… حين يكون الإخلاص عينًا ترى ما لا يراه الآخرون
ثمة أشخاص لا تحتاج إلى أن تسأل عن أثرهم؛ يكفي أن تتأمل ما يمضي من عملٍ بسلاسة، وما يخرج إلى الناس في صورةٍ تليق به، لتدرك أن وراء المشهد عينًا لم تغفل، ويدًا لم تتوقف، واهتمامًا لم ينتظر تصفيقًا كي يستمر.
والدكتور مصطفى كور شيخ من أولئك الذين لا يمرّون على التفاصيل مرور العابرين؛ فهو يدرك أن ما يبدو صغيرًا في نظر البعض قد يكون هو الفارق بين عملٍ يُنجَز وعملٍ يُتقَن، وبين فكرةٍ تبقى حبيسة النوايا وأخرى تجد طريقها إلى النور. في منتدى شعاع للأدباء والشعراء العرب، لا تقف جهوده عند حدود موقعه نائبًا للعميد، بل تتجاوز الموقع إلى ما هو أعمق: الإحساس بأن نجاح الجماعة مسؤولية لا تُؤجَّل، وأن الإبداع، مهما امتلك من جمال، يحتاج إلى من يرعى مساره ويحسن تدبير تفاصيله.
ولعلّ ما يستحق التقدير في تجربته ليس كثرة ما يفعله فحسب، بل ذلك النوع من العطاء الذي لا يطلب من الآخرين أن يلتفتوا إليه في كل مرة. فهناك فرق بين من يعمل ليُرى، ومن يعمل لأنّ ثمة أمرًا ينبغي أن يتمّ على الوجه الذي يستحقه. والأول قد يتعب حين يغيب التصفيق، أما الثاني فيجد في اكتمال العمل ما يكفيه.
ومن هنا، فإن الحديث عن الدكتور مصطفى ليس مجرّد إشادة بشخص، ولا توزيعًا لعبارات الثناء التي اعتدنا أن نغلق بها كلمات التكريم؛ إنما هو اعتراف بقيمة العمل الذي يحرس استمرارية المؤسسات الثقافية، ويمنح المبدعين شعورًا بأنهم ليسوا وحدهم في مواجهة التفاصيل. فالثقافة لا تنهض بالشعراء والكتّاب وحدهم، بل تحتاج أيضًا إلى عقولٍ تنظّم، وأيدٍ تتابع، ونفوسٍ تعرف أن وراء كل نجاح ظاهر جهدًا قد لا يظهر في الصورة.
أما الرسمة الذهبية، التي ارتبطت باسم الدكتور مصطفى، فلعلّ أجمل ما فيها أنها تذكّرنا بأن الذهب ليس دائمًا ما يلمع أمام العيون؛ فقد يكون في فكرةٍ أُحسن تنفيذها، أو مبادرةٍ وجدت من يرعاها، أو تعثّرٍ جرى تداركه قبل أن يراه أحد. وهذه، في تقديري، إحدى صور القيمة التي لا تقيسها الأوسمة وحدها، وإن كانت الأوسمة أحيانًا إشارةً مستحقة إليها.
إلى الدكتور مصطفى كور شيخ، خالص التقدير لجهدٍ لا تختصره الألقاب، ولامرئٍ جعل من متابعة العمل الثقافي جزءًا من الوفاء له. لستَ مطالبًا بأن تكون في واجهة كل مشهد كي يُرى أثرك؛ فبعض البصمات تظهر في انتظام الخطوات، وبعضها يُقرأ في نجاح الآخرين، وبعضها لا ينتبه إليه أحد إلا حين يغيب.
ودامت شعاع فضاءً تتجاور فيه المواهب دون أن تتنازع الضوء، ويجد فيه كل مبدع مكانًا لصوته؛ فليست عظمة المؤسسة في أن يتصدر شخصٌ واحدٌ مشهدها، بل في أن تتكامل جهود رجالها حتى يصبح النجاح أكبر من أسماء صانعيه.
مع خالص الودّ والتقدير، دكتور مصطفى؛ ولعلّ أجمل تكريمٍ لمن يخدم المعنى أن يجد المعنى طريقه إلى الناس، وأن يترك العمل أثره، حتى حين يصمت أصحابه.
الدكتور محمد ميموني مشاكس النعنى
Mustafa Muhammad Kor Sheikh
Mohammed Mimouni
Mohammed Mimouni
Mustafa Muhammad Kor Sheikh
Abdou Bout
التساؤل الثاني، جاء بصيغة:
هل يكفي أن تصل الكلمة إلى آلاف المتلقين كي تصبح فعلا ثقافيا؟
لا أعتقد ذلك، لأن الوصول إلى المتلقي شيء، وإحداث أثر في وعيه شيء آخر. قد تبلغ الكلمة آلاف الأشخاص، وتحصد أعدادا كبيرة من المشاهدات والتعليقات، ثم لا تترك وراءها سوى انطباع عابر سرعان ما تمحوه تدفقات المحتوى المتلاحقة. وقد تصل كلمة أخرى إلى عدد محدود من القراء، لكنها تفتح أمامهم أفقا جديدا للتفكير، أو تدفعهم إلى إعادة النظر في موقف، أو تحفزهم على الكتابة والقراءة والمشاركة في الشأن الثقافي.
المسألة، إذن، ليست في التقليل من أهمية الانتشار، وإنما في وضعه داخل سياقه الصحيح. فالانتشار قيمة إيجابية حين يساعد على إيصال المعرفة، وتوسيع دائرة الحوار، وإبراز التجارب الإبداعية، وتقريب الثقافة من جمهور جديد. لكنه يفقد كثيرا من قيمته عندما يصبح غاية مستقلة، ويغدو عدد المتابعين أو الإعجابات معيارا وحيدا للحكم على نجاح المبادرة الثقافية.
لقد ساهمت المنصات الرقمية في تحرير النشر من بعض القيود التي كانت تحد من وصول الكتابة والإبداع إلى الجمهور. غير أن هذا الاتساع أوجد، في الوقت نفسه، نوعا من المنافسة الشديدة على انتباه المتلقي؛ إذ تتجاور النصوص الأدبية مع الأخبار العابرة، والمعرفة مع المعلومة المبتسرة، والخطاب النقدي مع الآراء السريعة التي لا تتيح للموضوع ما يحتاج إليه من تأمل. وفي مثل هذا المناخ، يصبح من السهل أن يختلط رواج المحتوى بقيمته، وأن تتحول الرغبة في جذب الانتباه إلى ضغط يدفع المثقف أحيانا إلى تبسيط خطابه أو تكرار ما يضمن التفاعل السريع.
وهنا تبرز مسؤولية المثقف في الدفاع عن قيمة الكلمة، لا من خلال الانغلاق في نخبوية لا تخاطب أحدا، بل من خلال البحث عن لغة قادرة على الجمع بين العمق ووضوح التعبير، وبين الوفاء لتعقيد القضايا واحترام قدرة المتلقي على التفكير والمشاركة.
ومن واقع تجربتي الثقافية، أرى أن الفعل الثقافي لا يتحقق بالنشر وحده، بل بما يحيط به من شروط: وجود رؤية واضحة، واختيار موضوعات تستحق النقاش، وإتاحة المجال لتعدد الأصوات، وتوفير فرص التفاعل، ثم توثيق ما ينتج عن ذلك من أفكار وتجارب. فالمنصة الثقافية لا ينبغي أن تكون مجرد واجهة لعرض الأسماء والنصوص، وإنما فضاء لتكوين العلاقات، وتراكم المعرفة، وتبادل الخبرات، ومواكبة التجارب في تطورها.
ومن هذا المنطلق، لا أقيس نجاح العمل الثقافي بعدد المواد المنشورة فقط، بل أيضا بما يتيحه من فرص أمام المبدعين، وبما يقدمه للقراء من إمكانات للاكتشاف والتعلم، وبما يسهم به في ترسيخ ثقافة الاعتراف بالاختلاف، واحترام الرأي الآخر، وتحفيز الحوار المسؤول.
ومع ذلك، ينبغي أن نكون منصفين في تقدير الأثر؛ فليس كل أثر قابلا للقياس الفوري، ولا يمكننا دائما أن نعرف ما الذي بقي في ذاكرة قارئ، أو أي فكرة أعادت تشكيل موقفه بعد مدة. بعض آثار الثقافة بطيء، وقد يتراكم في صمت قبل أن يظهر في صورة مبادرة أو اختيار أو تحول في طريقة النظر إلى الأشياء.
لهذا أعتقد أن المطلوب ليس المفاضلة بين الانتشار والأثر، بل حسن الجمع بينهما. نحتاج إلى كلمة تصل إلى الناس، ولكننا نحتاج، بالقدر نفسه، إلى كلمة تستحق الوصول إليهم. نحتاج إلى أدوات حديثة للنشر والتواصل، ولكننا نحتاج أيضا إلى مضمون يحترم ذكاء المتلقي، ويحرّك أسئلته، ولا يكتفي باستثارة انتباهه.
إن الانتشار يمنح الكلمة فرصة الوصول، أما قيمتها الثقافية فتتحدد بما تحمله من معنى، وبما تفتحه من أفق، وبما تتركه من أثر، حتى إن تعذر علينا قياس هذا الأثر بالأرقام.
Mohammed Mimouni
الدكتور عبد الرحمن بوطيب،
أحسب أنكم وضعتم أيدينا على مدخلٍ منهجي مهم، حين بدأتم بتحديد مفهوم المثقف والفاعل الثقافي قبل الانتقال إلى أدواره في الفضاءين الحضوري والرقمي؛ لأن ضبط المفاهيم ليس ترفًا نظريًا، بل هو ما يمنعنا من الخلط بين امتلاك المعرفة والقدرة على تحويلها إلى فعلٍ ثقافي مؤثر.
غير أن ما يستوقفني في طرحكم هو ذلك الخيط الذي ينبغي أن يصل الفضاءين، لا أن يفصل بينهما؛ فالمثقف لا يُقاس بما يملكه من منصات، ولا بعدد من يتابعونه، ولا حتى بحجم حضوره في الندوات والملتقيات، وإنما بما يتركه من أثر في الوعي، وبقدرته على نقل الفكرة من دائرة التداول إلى دائرة الممارسة.
ولعلّ ما نحتاج إليه اليوم ليس المفاضلة بين الحضور الميداني والحضور الرقمي، بل التفكير في كيفية استثمار الثاني لإنعاش الأول؛ بحيث لا تبقى المنصات فضاءاتٍ لاستهلاك الكلام وتبادل الإعجابات، ولا تتحول اللقاءات الحضورية إلى مناسبات تنتهي بانتهاء صورها، بل يصبح كل فضاء امتدادًا للآخر، وتتحول المعرفة إلى مبادرة، والحوار إلى مشاركة، والثقافة إلى ممارسة تمسّ حياة الناس.
وأتوقف عند إشارتكم إلى إحياء الفضاءات العامة، لأنها تمثل في تقديري جوهر الرهان الثقافي؛ فحين نستعيد المقهى الأدبي، وننشّط المركز الثقافي، ونفتح أمام الشباب مجالًا للحوار والإبداع، فإننا لا ننظم نشاطًا فحسب، بل نستعيد للثقافة وظيفتها الاجتماعية، ونمنحها فرصة الخروج من عزلتها لتصبح جزءًا من نبض المجتمع.
وفي هذا السياق، أرى أن السؤال الذي يستحق أن نضعه أمام أنفسنا هو: كيف ننتقل من مثقفٍ يحضر في الفضاءين، إلى فاعلٍ ثقافي يستطيع أن يصل بينهما، ويحوّل حضوره الافتراضي إلى أثرٍ ملموس في الواقع؟
أشكركم دكتور عبد الرحمن على هذا الطرح الذي يفتح أمامنا أفقًا للنقاش، وأتمنى أن تتجاوز طموحاتنا حدود الحديث عن الثقافة إلى بناء مبادرات صغيرة، صادقة، وقابلة للاستمرار؛ فقد لا نغيّر المشهد الثقافي كله، لكن ربما نستطيع أن نغيّر شيئًا في محيطنا، ومن ذلك الشيء الصغير قد تبدأ التحولات التي لا تصنعها الخطب الكبيرة.
مع خالص مودتي وتقديري لكم.
اخوك الدكتور محمد ميموني مشاكس المعنى
طه عبد الرحمن
Abdou Bout للكلمة حقُّ الوصول، وللقارئ حقُّ المعنى
الأستاذ الأديب والشاعر والناقد عبد الرحمن بوطيب،
لقد أعدتم بهذا الجواب السؤالَ إلى موضعه الأعمق؛ فبدل أن نقف عند عدد الذين بلغتهم الكلمة، دعوتمونا إلى التأمل فيما بلغته الكلمة فيهم. وبين الوصول إلى العين والوصول إلى البصيرة مساحةٌ لا تختصرها الأرقام، ولا يكشفها التصفيق؛ هناك يبدأ امتحان المعنى، وتبدأ مسؤولية صاحبه.
وما أبلغ قولكم: «نحتاج إلى كلمة تصل إلى الناس، ولكننا نحتاج، بالقدر نفسه، إلى كلمة تستحق الوصول إليهم». ففي هذه العبارة إنصافٌ للكاتب والقارئ معًا؛ للكاتب حقّه في أن يبحث عن منبرٍ يُسمع منه، وللقارئ حقّه في ألّا يُستدعى انتباهه إلى ما لا يحترم وقته وعقله. وكأنكم تجعلون للنشر سؤالًا يسبقه: ماذا نحمل إلى الناس، قبل أن نسأل كيف نحملهم على الالتفات إلينا؟
ولقد أحسنتم إذ لم تجعلوا الأثر خصمًا للانتشار، ولم تتخذوا من محدودية الجمهور شهادةً تلقائية على العمق؛ فالقليل لا يكتسب قيمته من قلّته، كما لا يفقد الكثير قيمته من كثرته. إنما الميزان في صدق ما يُقدَّم، وجودة بنائه، وما يتيحه للمتلقي من فهمٍ ومراجعةٍ واكتشاف. بذلك يستقيم الطموح إلى جمهورٍ أوسع، ويظلّ موصولًا بمسؤوليته، لا مأخوذًا ببريقه وحده.
واستوقفتني دعوتكم إلى لغةٍ تجمع العمق ووضوح التعبير؛ ففيها تقديرٌ رفيع لعقل القارئ. ما أجمل أن نجتهد في تقريب الفكرة دون أن نُفقِرها، وأن نصون تعقيد القضية دون أن نتخذ الغموض دليلًا على أهميتها. فالوضوح الذي نرجوه ثمرةُ عنايةٍ بالمعنى، وجهدٌ يبذله الكاتب كي لا يُحمّل قارئه مشقةً كان يستطيع أن يعفيه منها.
وفي تصوركم للمنصة الثقافية بوصفها مجالًا للعلاقات وتراكم المعرفة ومواكبة التجارب، يتّسع معنى الرعاية؛ فلا تنتهي الصلة بالمبدع عند نشر نصّه، ولا يُختزل القارئ في رقمٍ يمرّ أسفل المنشور. ثمة تجربةٌ تستحق المتابعة، وملاحظةٌ تستحق الحوار، ومحاولةٌ أولى قد تحتاج إلى تشجيعٍ صادق أو نقدٍ أمين. هنا تغدو المنصة مكانًا يُبنى فيه شيء، لا واجهةً تتبدّل معروضاتها ثم تُنسى.
أما إشارتكم إلى بطء بعض الآثار، فهي من أرقّ مواضع جوابكم وأشدّها إنصافًا. لقد تركتم للقارئ حقّه في أن يتأمل بعيدًا عن أعيننا، وللفكرة وقتها كي تُختبر في حياته. ليس مطلوبًا منه أن يعلن فورًا عمّا تعلّمه، ولا من صاحب الكلمة أن يرى كل ثمرةٍ ليطمئن إلى قيمة سعيه. ولعل عبارةً يمرّ عليها صاحبها مسرعًا تظلّ عند قارئٍ طويلًا، يعود إليها حين يواجه سؤالًا لم يكن قد عرف كيف يصوغه.
ومع هذا، لم تجعلوا خفاء الثمرة عذرًا للاكتفاء بحسن النيّة؛ بل ذكرتم الرؤية، وتعدد الأصوات، وفرص التفاعل، والتوثيق، بوصفها وجوهًا للعمل والعناية. وفي هذا توازنٌ جميل: نتواضع أمام ما لا نستطيع قياسه، ونجتهد في تحسين ما نستطيع القيام به.
شكرًا لكم، أستاذ عبد الرحمن بوطيب، على جوابٍ يحفظ للكلمة كرامتها، وللمتلقي شراكته، وللعمل الثقافي صبره. لقد منحتمونا معيارًا يستحق أن نعود إليه قبل كل نشرٍ ومبادرة: ألّا نطلب من الناس انتباههم إلا ونحن نحاول أن نقدّم ما يستحقّه.
فما أبهى أن تبلغ الكلمة آلافًا؛ وما أعمق أن يجد فيها إنسانٌ واحد ما يعينه على أن يرى بإنصافٍ أكبر، أو يسأل بشجاعةٍ أكبر، أو يبدأ خطوةً كان يؤجّلها. عندئذٍ لا يكون قد قرأ كلامنا فحسب؛ يكون قد أخذ منه ما سيواصل حياته خارج حدودنا.
Hossam Elborombaly ·
نحن هنا بصدد واقع هام جدا للتحدث به و هو الفضاء الرقمى و بهذه النقطة نتعرض إلى الذكاء الاصطناعى AI و مزاياه و أضراره و ننتقل إلى AS التفوق الاصطناعى و مزاياه فإذا نحن لابد من ضبط هذا الإيقاع من اجل توثيق الكلمة دون التعرض إلى الاختراقات و الأبعاد الهامة فى الواقع الافتراضى
طه عبد الرحمن
Hossam Elborombaly الأستاذ الفاضل حسام البرمبالي،
لقد وضعتم إصبع السؤال على موضعٍ يستحق التأمل؛ فالقضية ليست أن نمنح الكلمة جناحين في الفضاء الرقمي فحسب، بل أن نحفظ لها وجهتها، وأمانة معناها، وحقّ صاحبها فيها. فما قيمة اتساع المنابر إن ضاقت فيها مساحة الثقة؟ وما جدوى سرعة الوصول إن وصل الكلام مبتور السياق، غريبًا عن قصد قائله؟
وفي دعوتكم إلى «ضبط هذا الإيقاع» معنى بليغ؛ إذ لا نريد للعقل أن يخاصم أدواته، ولا أن يتنازل لها عن حقّه في التمييز. نريد انفتاحًا لا يُسقط الحذر، وحذرًا لا يُغلق أبواب المعرفة؛ وبينهما يقف الوعي، يسأل عمّا نأخذ، ويتبصّر فيما ننشر، ويتحمّل مسؤولية ما ينسبه إلى الآخرين.
وحين يمتد النقاش من الذكاء الاصطناعي إلى آفاق التفوق الاصطناعي، يظلّ السؤال الإنساني حاضرًا: أيُّ غايةٍ نريد لهذه القدرة، وأيُّ حدودٍ نصون بها كرامة الإنسان وخصوصيته وحرية صوته؟ فليس طموحنا أن تستغني الآلة عن الإنسان، بل أن يستعين بها دون أن يستقيل من مسؤوليته؛ وأن تتسع قدرته على الإنجاز دون أن تضيق قدرته على الحكم والاختيار.
أما توثيق الكلمة، فما أجمله حين نفهمه وفاءً قبل أن نفهمه إجراءً: أن نردّ القول إلى صاحبه، ونحفظ سياقه، ونتثبت قبل تداوله، وألّا نجعل من سهولة النشر عذرًا للتسرّع في النسبة أو الحكم. فالكلمة ليست عابرةً لمجرد أنها تمرّ على شاشة؛ وراءها صاحبٌ له حق، وأمامها قارئٌ له علينا أمانة.
شكرًا لكم على مداخلةٍ تدعونا إلى ألّا ننشغل ببريق الوسيلة عن شرف الغاية؛ فالمستقبل الذي يستحق أن نسعى إليه ليس ما تزداد فيه الآلات اقتدارًا وحسب، بل ما يزداد فيه الإنسان بصيرةً وعدلًا وأمانة.
ولعل أجمل ما نضبط به هذا الإيقاع: أن نُسرع في التعلّم، ونتأنّى في الحكم، وألّا نضغط زرّ النشر قبل أن نمنح الضمير حقّه في المراجعة.
Mohammed Mimouni
Hossam Elborombaly أتفق معكم في أن الفضاء الرقمي لم يعد مجرد وسيلة لتبادل المعلومات، بل أصبح واقعًا يعيد تشكيل وعينا بالكلمة، وبالمعرفة، وبحدود ما هو إنساني وما هو اصطناعي. والذكاء الاصطناعي، بما يتيحه من إمكانات، يضعنا أمام سؤال يتجاوز المزايا والأضرار: كيف نستفيد من ذكاء الآلة دون أن نتنازل عن ذكائنا النقدي، أو نُسلّم لها حق التفكير نيابةً عنا؟
أما التفوق الاصطناعي، فليس التحدي في بلوغ الآلة قدراتٍ تتجاوز قدرات الإنسان في بعض المجالات فحسب، بل في تحديد الحدود التي ينبغي أن تظل فيها المسؤولية والحكم الأخلاقي بيد الإنسان. فالتوثيق الرقمي وحماية الكلمة من الاختراق والتلاعب ليسا مسألة تقنية فقط، وإنما هما أيضًا مسألة وعي وثقافة ومسؤولية.
وأحسب أن الرهان الحقيقي ليس في أن نمنع الآلة من التقدم، بل في ألّا نسمح لتقدمها بأن يسبق نضجنا في التعامل معها؛ فليست كل كلمة قابلةً للتوثيق حقيقةً، ولا كل معلومة متاحة معرفةً، ولا كل ما تستطيع الآلة فعله ينبغي أن نترك لها فعله. هنا بالذات تبدأ مسؤولية المثقف في الفضاء الرقمي: أن يكون حاضرًا بالتفكير، لا بمجرد الحضور.
Naceur Nouira
Hossam Elborombaly أهلاً بكَ وبحضوركَ الراقي الذي أثرى هذا اللقاء.
لقد أضفتَ بمداخلتكَ بَهاً وعُمقاً يلامس جوهر القضية الثقافية؛ فكلماتك ليست مجرد رأي عابر، بل هي غرسٌ فكريٌّ أصيل يجسد مسؤولية الكلمة ويرسخ القيمة الحقيقية للحوار. دمْتَ نبعاً للفكر والأدب.
>>بِفِكْرِكَ يَسْتَنِيرُ الحَرْفُ نُوراً>سَكَبْتَ النَّقْدَ فِي الأَرْوَاحِ أُنْساًوَيَسْكُبُ فِي المَدَى طِيباً وَوَرْدَافَصَارَ الفِكْرُ لِلْآفَاقِ زَنْدَا>>
مع خالص التقدير والمحبة،
د. ناصر بن محمد نويرة
سفير السلام
منى السيد حمود
حين تصبح الكلمة مسؤولية… من سلطة الظهور إلى أخلاق الأثر
ليس الامتحان الحقيقي للمثقف أن يُحسن مخاطبة العقول من خلف الشاشات، بل أن يدرك أن الكلمة ليست امتيازًا يمنحه الحضور، وإنما أمانة يختبرها الأثر. فالفضاء الرقمي وسّع أبواب الوصول، لكنه لم يضمن بالضرورة عمق التأثير؛ إذ قد تتسع دائرة المتابعين، بينما تظل الفكرة أسيرة لحظة عابرة من التفاعل.
إن المثقف الحقيقي لا يُقاس بما يملكه من منابر، بل بما يضيفه إلى الوعي الإنساني، ولا بقدرته على استقطاب الأنظار، بل بشجاعته في مساءلة المسلّمات، واحترام الاختلاف، وتحويل المعرفة من خطابٍ يُستهلك إلى وعيٍ يُمارَس. فليست كل كلمة منشورة فعلًا ثقافيًا، كما أن ليس كل أثرٍ عظيم يحتاج إلى ضجيج كي يُرى.
ولعل التحدي الأعمق الذي يواجه الفاعل الثقافي اليوم هو ألّا يسمح للوسيلة بأن تعيد تشكيل رسالته؛ فيكتب ما يرضي سرعة المنصات بدل ما يحتاج إليه العقل، ويطلب التصفيق بدل أن يتحمل مسؤولية السؤال. ومع ذلك، لا ينبغي أن نضع العالم الرقمي في مواجهة الميدان، فالكلمة قد تبدأ على شاشة، ثم تجد طريقها إلى الإنسان والمجتمع، متى امتلكت صدق الفكرة ووعي الغاية.
ومن هنا، فإن تجربة المثقف لا تُقرأ بما تقوله عن نفسها فحسب، بل بما تكشفه ممارسته، وبالمسافة التي يستطيع أن يردمها بين خطابه وموقفه، وبين ما يدعو إليه وما يجسّده في علاقته بالآخرين.
فالثقافة ليست أن نكون مرئيين في حياة الناس، بل أن نكون نافعين في وعيهم؛ وليست قيمة المثقف في أن يترك اسمه حاضرًا، بل أن يترك في العقول ما يستحق البقاء بعد غيابه.
كل التقدير لمنتدى شعاع للأدباء والشعراء العرب، ولضيف اللقاء الشاعر والناقد المغربي عبد الرحمن بوطيب، وللدكتور محمد ميموني على إدارة هذا الحوار الذي يفتح سؤالًا جوهريًا أمام الثقافة المعاصرة: كيف نستعيد للمعنى مكانته في زمنٍ أصبح فيه الظهور أسهل من التأثير، وصناعة الصورة أسرع من صناعة الوعي؟
بقلم منى السيد حمود .سورية
منى السيد حمود
لعلّ المعضلة الأعمق في علاقة المثقف بالفضاء الرقمي ليست في اتساع دائرة وصوله، بل في المسافة الخفيّة بين أن يصل صوته إلى الناس، وأن يصل فكره إلى أعماقهم؛ فليس كلُّ حضورٍ تأثيرًا، ولا كلُّ تفاعلٍ تحوّلًا في الوعي.
إنّ الاختبار الحقيقي للفاعل الثقافي يبدأ حين تنطفئ الشاشات، وتغيب أرقام المشاهدة، ويعود الإنسان إلى واقعه محمّلًا بما قرأ وسمع: هل تغيّر شيء في نظرته إلى الآخر؟ هل أصبح أكثر قدرةً على مساءلة أفكاره، وأقلَّ استعدادًا لاستعارة اليقين من الجماعة؟ هنا تحديدًا تنتقل الثقافة من استهلاك الخطاب إلى صناعة الوعي.
ولعلّ أخطر ما قد يواجه المثقف ليس أن يُقصى من المشهد، بل أن يُحتفى به داخله حتى يخلط بين التصفيق لقوله والاقتناع بمعناه، وبين كثرة المتابعين وعمق الأثر. فالمنصّة قد تمنح الكلمة جناحين، لكنها لا تمنحها بالضرورة وجهة؛ وهذه مسؤولية لا تتحمّلها التقنية، بل يتحمّلها وعي المثقف ونزاهة مشروعه.
فالمثقف الحقيقي ليس مَن يملأ الفضاء بصوته، بل مَن يترك في الوعي مساحةً لا يستطيع الإنسان بعدها أن يفكّر بالطريقة نفسها. ومن هنا، ربما لا يكون السؤال الأهم: كيف نعبر من الفضاء الرقمي إلى الميدان؟ بل: كيف نجعل الفكر الذي يولد في الفضاء الرقمي قادرًا على تغيير الإنسان الذي يلتقيه في الميدان؟
فالثقافة التي لا تعبر إلى الوعي تظلّ خطابًا، والثقافة التي تعبر إلى الوعي دون أن تمسّ الحياة تظلّ وعدًا مؤجّلًا؛ أمّا الثقافة الحيّة، فهي التي تجعل من الكلمة بدايةً لتحوّلٍ لا ينتهي بانتهاء اللقاء.
كلّ التقدير لمنتدى شعاع على فتح هذه النافذة الحوارية، وللشاعر والناقد عبد الرحمن بوطيب، وللدكتور محمد ميموني على إدارة هذا النقاش؛ فبعض الحوارات لا تُقاس بما تقدّمه من إجابات، بل بما تجعلنا عاجزين عن العودة بعدها إلى أسئلتنا القديمة بالوعي نفسه.
بقلم منى السيد حمود
منى السيد حمود
لعلّ المعضلة الأعمق في علاقة المثقف بالفضاء الرقمي ليست في اتساع دائرة وصوله، بل في المسافة الخفيّة بين أن يصل صوته إلى الناس، وأن يصل فكره إلى أعماقهم؛ فليس كلُّ حضورٍ تأثيرًا، ولا كلُّ تفاعلٍ تحوّلًا في الوعي.
إنّ الثقافة، في جوهرها، ليست ما نُراكمه من نصوصٍ وقراءاتٍ وأسماء، بل ما نُحدثه من تغييرٍ في طريقة الإنسان في رؤية ذاته والآخر والعالم. وقد يبلغ المثقف آلاف العقول من خلف شاشة، ثم يعجز عن ملامسة فكرةٍ واحدة في واقعها؛ وقد تترك كلمةٌ صادقة، في مجلسٍ محدود، أثرًا يمتدّ أبعد من ضجيج المنصات.
والسؤال الذي يستحقّ أن يُطرح ليس: أين يقف المثقف، في العالم الرقمي أم في الميدان؟ بل: هل استطاع أن يجعل من كلمته جسرًا بين الوعي والممارسة؟ فالفضاء الرقمي يمنح الفكرة سرعة العبور، لكنه لا يمنحها بالضرورة عمق الجذور، والميدان يمنحها اختبار الواقع، لكنه لا يعفيها من مراجعة ذاتها ونقد أدواتها.
هنا تتجلّى مسؤولية الفاعل الثقافي: ألّا يتحوّل إلى أسيرٍ لمرآة الجمهور، ولا إلى صاحب خطابٍ يكتفي بفضيلة القول؛ بل أن يمتلك شجاعة مساءلة أفكاره، وأن يقبل أن يكون أثره في تغيير ما يراه الناس، لا في عدد من يرونه.
فالثقافة لا تُقاس بما تشغله من مساحةٍ في الفضاء العام، بل بما تفتحه من مساحةٍ في العقل الإنساني؛ والمثقف الحقيقي ليس من يملأ المشهد بصوته، بل من يترك في الوعي سؤالًا لا يعود الإنسان بعده كما كان.
الشاعر شكرى حسن جوخى
التراجم
من حسنات الحضارة الإسلامية علم الحديث الذي قد يبلغ نحو 66٧علم أو أكثر قليلاً ومن موضوعات ذلك العلم علم الرجال وهو يهتم بعلم السند المسند لصاحب القول حيث قال أحد المستشرقين الكبار فايهنئ المسلمين بعلم الحديث . حيث يضمن صحة السند وهو علم يبحث في الرجال اين نشئوا واين تعلموا ومع من ومن استذاتهم وبمن التقوا وكيف تنقلوا في البلاد كل ما ينبغي أن يعرف عنهم وهو علم أصيل مستمد من القرآن الكريم والسنة وأقوال الصحابة رضي الله عنهم ونتقل ذلك العلم إلى الأدب والشعر وباقي العلوم وان كان ليس بنفس الصرامة فكان في الأدب على سبيل المثال الشعر والشعراء لابن قتيبة والاغانى الأصفهاني غير الموسوعات في أكثر من مجال والمعاجم وانتقل ذلك العلم إلى أوروبا وكان من اثرة الكتاب الرائع للغاية المعجم المفهرس القرآن الكريم وتم ترجمتة والمعجم المفهرس للسنة النبوية في غاية الأهمية
وتنتقل إلى الأدب العربي ونشير لماذا كان هذا العلم في الشعر والشعراء لابن قتيبة ومعجم الأدباء ليقوت الحموى لأن بالبحث عن تلك الرجال يتبن صحة السند لصاحب النص والتعرف إلى الشاعر وبيئتة التى تربي وتعلم فيها وما الذي أثر فية وهذا ما نتمنى أن تقوم بة المجلات و المنتديات عبر التواصل الاجتماعي أن يكون هناك مسابقات أن يكتب الشاعر والأدباء والمفكرين جزء من تراجمهم اين نشئوا واين تعلموا وما الذى اثر فيهم
حتى يكون الموضوع سهل عند تحليل أشعارهم لأن الإطلاع على الشخصية يسهل ذلك الأمر لحد كبير جداً
Naceur Nouira
الشاعر شكرى حسن جوخى أهلاً بكَ وبحضوركَ الراقي الذي أثرى هذا اللقاء.
لقد أضفتَ بمداخلتكَ بَهاً وعُمقاً يلامس جوهر القضية الثقافية؛ فكلماتك ليست مجرد رأي عابر، بل هي غرسٌ فكريٌّ أصيل يجسد مسؤولية الكلمة ويرسخ القيمة الحقيقية للحوار. دمْتَ نبعاً للفكر والأدب.
>>بِفِكْرِكَ يَسْتَنِيرُ الحَرْفُ نُوراً>سَكَبْتَ النَّقْدَ فِي الأَرْوَاحِ أُنْساًوَيَسْكُبُ فِي المَدَى طِيباً وَوَرْدَافَصَارَ الفِكْرُ لِلْآفَاقِ زَنْدَا>>
مع خالص التقدير والمحبة،
د. ناصر بن محمد نويرة
سفير السلام
Jiries Eid ·
يشدني جبران خليل جبران للكتير من كتاباته وتأملاته في الحياة فاجد فبها ملاذا اطمئن اليه خصوصا فيما يتعلق باقواله عن الصمت والتي عكست رؤيته الخاصة لهذه الصفة الانسانية في معظم كتاباته الادبية والنثرية باسلوب فريد ميزه عن اقرانه من الادباء والكتاب ومن اقواله المأثورة هناك بعض الحكم والاقوال اضعها في هذا البرنامج امام نخبة من المثقفين الذين نجلهم في صفاتهم الادبية والثقافية كي نثري انفسنا بهذا الفيض الزاخر من الادبيات لهذا الفيلسوف ومن اجمل ما كتبه ونطق به قائلا
ما اخترت الصمت جوابا الا لمن سالني من انت
كلنا وحيد منفرد كلنا سر خفي كلنا محجوب بالف
نقاب ونقاب وما الفرق بين مستوحد ومستوحد
سوى ان الاول يتكلم عن وحدته والثاني يظل صامتا وقد يكون في الكلام بعض الراحة وقد يكون في الصمت بعض الفضيلة
فمشاركتي في هذا البرنامج نابعة من كوني محبا للادب والادباء خصوصا عندما يكون في لقاء الاسبوع لقاء يضم في افيائه العديد من القامات الادبية السامقة في منتدى شعاع للادباء والشعراء فان هذا يزيدنا عزما على المتابعة والمشاركة بما هو متاح لدينا من افاق ربما نتفق بها او نختلف فهذه بحد ذاتها الديمقراطية الحقيقية المتاحة لدينا في هذا البرنامج ومن يمثله من اراء وتطلعات وربما مواقف فمشاركتي اضعها على المحك معربا عن دعمي ومساندتي لهذا المنتدى السامق الذي يتيح للكل منا ان يدلو بدلوه فكل الشكر الجزيل للاخوة القائمين على هذا البرنامج واخص بالذكر منهم الدكتور محمد ميموني الذي اتمنى له كل التوفيق والتميز والابداع
Mohammed Mimouni
Jiries Eid أخي العزيز، لقد لامستَ بكلماتك شيئًا في النفس يصعب أحيانًا التعبير عنه؛ فكم من مرةٍ نلجأ إلى الصمت لا لأننا لا نملك الكلام، بل لأن في القلب أحاسيس أكبر من أن تختصرها الكلمات، وتجارب علّمتنا أن بعض ما نشعر به لا يفهمه إلا من ينصت إلينا بقلبه قبل أذنيه.
وجبران خليل جبران، رحمه الله، من أولئك الذين عرفوا كيف ينفذون إلى أعماق النفس البشرية، فيلامسون بكلماتهم أشياء نعيشها ولا نحسن البوح بها. ولعلّ جمال الصمت أنه يترك لكل إنسان مساحته الخاصة، لكن الأجمل أن نجد من يفهم صمتنا دون أن يسيء تأويله، ومن يسمع كلماتنا دون أن يحاكمنا عليها.
أخي الكريم، ما أسعدني بمثل هذه المشاركات التي لا تكتفي بنقل الأقوال والحِكم، بل تفتح أبواب التأمل والحوار، وتقرّب بين القلوب قبل العقول. وهذا، في نظري، هو سرّ جمال لقاء الأسبوع في منتدى شعاع للأدباء والشعراء؛ أن نجتمع على محبة الأدب، وأن نتبادل أفكارنا وتجاربنا بكل محبة واحترام، فنختلف أحيانًا، ونتفق أحيانًا أخرى، لكن تبقى المودة بيننا أجمل من كل اختلاف.
فليس من الضروري أن نتشابه في آرائنا حتى نلتقي، ولا أن نتفق في كل شيء حتى نحترم بعضنا بعضًا. يكفينا أن تكون قلوبنا مفتوحة للحوار، وأن نمنح الكلمة الطيبة مكانها، وأن نتذكر دائمًا أن وراء كل رأي إنسانًا له تجربته ومشاعره وطريقته الخاصة في رؤية الحياة.
كل الشكر لك على هذه اللفتة الراقية، وعلى محبتك الصادقة للأدب وأهله، والتحية من القلب إلى الإخوة القائمين على هذا المنتدى الجميل، مع تقدير خاص للدكتور محمد ميموني، متمنين له دوام التوفيق والتألق، وللمنتدى مزيدًا من النجاح والإبداع.
وأختم بقول أؤمن بمعناه: قد يجمعنا الكلام، وقد يعبّر الصمت عما نعجز عن قوله، لكن الذي يبقى في النهاية هو الأثر الطيب الذي نتركه في قلوب بعضنا.
لك مني كل الود والتقدير، ولجميع الأحبة في منتدى شعاع خالص المحبة، وطيب اللقاء، ودوام التواصل.
زهرة البيلسان حسن
مقدمة تليق بمقام الثقافة واسئلتها ،إذ نضع الكلمة في ميزان الفعل .وتذكرنا أن المثقف الحق لايقاس بكثرة ظهوره .بل بعمق أثره .أرى أن الفضاء الرقمي منبر واسع ،غير أن المعنى الصادق لايكتمل الا حين تسنده يد تعمل في الميدان .
فتحية للاستاذ عبد الرحمن بو طيب وللدكتور محمد ميموني على إدارته والمنتدى شعاع على هذا الأفق الذي يفتح للحوار نوافذه .
Mohammed Mimouni
زهرة البيلسان حسن
Amal Ashour
التراجم
من حسنات الحضارة الإسلامية علم الحديث الذي قد يبلغ نحو 66٧علم أو أكثر قليلاً ومن موضوعات ذلك العلم علم الرجال وهو يهتم بعلم السند المسند لصاحب القول حيث قال أحد المستشرقين الكبار فايهنئ المسلمين بعلم الحديث . حيث يضمن صحة السند وهو علم يبحث في الرجال اين نشئوا واين تعلموا ومع من ومن استذاتهم وبمن التقوا وكيف تنقلوا في البلاد كل ما ينبغي أن يعرف عنهم وهو علم أصيل مستمد من القرآن الكريم والسنة وأقوال الصحابة رضي الله عنهم ونتقل ذلك العلم إلى الأدب والشعر وباقي العلوم وان كان ليس بنفس الصرامة فكان في الأدب على سبيل المثال الشعر والشعراء لابن قتيبة والاغانى الأصفهاني غير الموسوعات في أكثر من مجال والمعاجم وانتقل ذلك العلم إلى أوروبا وكان من اثرة الكتاب الرائع للغاية المعجم المفهرس القرآن الكريم وتم ترجمتة والمعجم المفهرس للسنة النبوية في غاية الأهمية
وتنتقل إلى الأدب العربي ونشير لماذا كان هذا العلم في الشعر والشعراء لابن قتيبة ومعجم الأدباء ليقوت الحموى لأن بالبحث عن تلك الرجال يتبن صحة السند لصاحب النص والتعرف إلى الشاعر وبيئتة التى تربي وتعلم فيها وما الذي أثر فية وهذا ما نتمنى أن تقوم بة المجلات و المنتديات عبر التواصل الاجتماعي أن يكون هناك مسابقات أن يكتب الشاعر والأدباء والمفكرين جزء من تراجمهم اين نشئوا واين تعلموا وما الذى اثر فيهم
حتى يكون الموضوع سهل عند تحليل أشعارهم لأن الإطلاع على الشخصية يسهل ذلك الأمر لحد كبير جداً
Mohammed Mimouni
Amal Ashour الأخت الكريمة امال عاشور
طرحٌ قيّم يسلّط الضوء على أهمية التراجم في فهم الأدب واستكشاف العوالم التي تقف خلف النصوص. فالشاعر ابن بيئته وتجربته وقراءاته، والتعرّف إلى مسيرته الثقافية يساعدنا على فهم أعمق لإبداعه، دون أن نحصر النص في سيرة صاحبه.
ومن هنا تأتي أهمية اقتراحك بأن تتبنى المنتديات والمجلات الثقافية، ومنها منتدى شعاع، مبادراتٍ للتعريف بالأدباء والمفكرين، ومسارات تكوينهم، وأبرز المؤثرات في تجاربهم؛ حفاظًا على الذاكرة الثقافية وتقريبًا للمسافة بين المبدع والمتلقي.
فخلف كل نصٍّ تجربة، وخلف كل تجربة إنسان يستحق أن تُروى حكايته.
كل الشكر لك على هذا الطرح الثري، مع خالص التقدير لجهودكم في إثراء المشهد الثقافي والأدبي.
Saloua Filaly
افتتاحيةٌ تلامس جوهرَ السؤال الثقافي في زمنٍ بات فيه الحضورُ متاحًا للجميع، بينما ظلّ الأثرُ امتيازًا لمن يمتلك وعيَ الرسالة ونُبلَ المقصد.
لقد أحسن منتدى شعاع أن يفتح هذا الملفّ من نافذةٍ تتجاوز استعراض التجارب إلى مساءلة المعنى، وتستنهض المثقف ليعيد النظر في المسافة بين وهج الكلمة وصدق الممارسة، وبين اتساع المنبر وعمق البصمة؛ فليست العبرة بكمّ ما نكتب، بل بما توقظه كلماتنا من وعي، وما تتركه في الواقع من أثر.
وإنّ أجمل ما في هذه المبادرة أنها لا تنصّب منصةً للأصوات بقدر ما تهيّئ فضاءً للعقول، ولا تبحث عن إجاباتٍ جاهزة بقدر ما تستولد أسئلةً قادرة على إخصاب الفكر وتوسيع آفاق الرؤية. فالثقافة الحقيقية لا تسكن الشاشات وحدها، ولا تُقاس بعدد المتابعين، وإنما تُختبر بقدرتها على عبور حدود الافتراض إلى رحابة الفعل الإنساني، حيث يصبح المثقف شاهدًا على عصره، وشريكًا في تشكيل وعيه، ومسؤولًا عن الكلمة التي يودعها ضمير المجتمع.
أهلًا وسهلًا بالأديب والشاعر والناقد المغربي الأستاذ عبد الرحمن بوطيب، في رحاب منتدى شعاع، هذا الفضاء الذي يراهن على قيمة الحرف، ويؤمن بأن الحوار حين تتعانق فيه الرؤى وتختلف فيه زوايا النظر، يصبح سبيلًا إلى معرفةٍ أعمق وثقافةٍ أكثر نضجًا.
نرحّب بكم ضيفًا كريمًا وقامةً أدبيةً نرجو أن تثري هذا اللقاء بتجربتها ورؤيتها، وأن تمنح أسئلتنا المشتركة مزيدًا من الضوء والعمق.
والتحية موصولة إلى الدكتور محمد ميموني الصحفي القدير والمشاكس للمعنى على إدارة هذا الحوار الراقي ،
وإلى العميد الدكتور محمد أبو خروب العبادي على رعايته لهذا الحراك الثقافي، ونائبه الدكتور مصطفى كورشيخ
ولكل القائمين على منتدى شعاع الذين يجعلون من الثقافة جسرًا للتواصل، ومن الاختلاف فرصةً للفهم، ومن الكلمة مسؤوليةً لا تنفصل عن أثرها.
بوركت هذه المنصات حين لا تكتفي بإضاءة الحروف، بل تسأل عن الضوء الذي تمنحه للعالم؛ وبورك كل مثقفٍ يجعل من قلمه موقفًا، ومن فكره رسالةً، ومن حضوره أثرًا يبقى بعد انطفاء وهج الشاشات
سلوى الفيلالي
طه عبد الرحمن
Saloua Filaly للكلمة عمرٌ آخر في ضمير من يقرؤها
الأستاذة الفاضلة سلوى الفيلالي،
ما أبهى أن يأتي التعقيب امتدادًا لروح الافتتاحية، لا تكرارًا لعبارتها؛ وأن يصبح الترحيب نفسه فعلَ تفكير، يفتح في المعنى بابًا، ويضع أمام الكلمة مرآةً تسألها: ماذا صنعتِ في قارئكِ بعد أن فرغ من قراءتكِ؟
لقد منحتم هذا اللقاء، بكلماتكم، ما هو أبعد من حسن الاحتفاء؛ منحتموه معيارًا يُحتكم إليه: أن يكون الحضورُ وعدًا بالفعل، وأن يكون القولُ مسؤوليةً لا زينة. وفي تمييزكم بين اتساع المنبر وعمق البصمة، أعدتم إلى الأثر مكانته؛ فليس كل ما يشغل الأنظار يوقظ البصائر، وقد تكون جملةٌ هادئة، لا يلتفت إليها العابرون، بدءًا لتحوّلٍ عميق في إنسانٍ واحد.
ولعل أرقى ما في قراءتكم أنها لم تضع المثقف فوق مجتمعه، بل أعادته إليه؛ شريكًا في السؤال، قابلًا للمراجعة، مطالبًا بأن يُنصت بقدر ما يتكلم. فما أشدّ حاجة الكلمة إلى صاحبٍ لا يتخذها ستارًا يجمّل به صورته، بل عهدًا يراجع على ضوئه اختياراته. وليس صدق المثقف أن يدّعي انعدام المسافة بين قوله وفعله، وإنما أن يراها، وألّا يكفّ عن السعي إلى تضييقها.
واستوقفتني إشارتكم إلى فضاءٍ للعقول لا مجرد منصةٍ للأصوات؛ ففيها جوهر الحوار الذي نرجوه: أن يجد المختلف مكانًا لفكرته، وأن يُحسن المتكلم استقبال ما لم يتوقعه، وأن نغادر اللقاء وقد تغيّر في أسئلتنا شيء، لا أن نخرج منه أكثر تمسّكًا بما دخلنا به فحسب. فالسؤال الكريم لا ينتقص من صاحبه حين يكشف نقص معرفته؛ بل يمنحه فرصة أن يتعلّم.
ومن هذا المعنى، يزداد الترحيب بالأستاذ عبد الرحمن بوطيب ثراءً؛ إذ يصبح الاحتفاء بتجربته استعدادًا للإصغاء إلى تفاصيلها، لا اكتفاءً بعناوينها، ورغبةً في فهم الطريق، لا الوقوف عند ما يلوح منه للناظر. وأجمل الوفاء للضيف أن نمنحه أسئلةً تُعينه على الكشف، كما يمنحنا من تجربته ما يُعيننا على الفهم.
وفي تحيتكم للدكتور محمد ميموني، وللعميد الدكتور محمد أبو خروب العبادي، ونائبه الدكتور مصطفى كورشيخ، وللقائمين على منتدى شعاع، التفاتةٌ وفية إلى أن للحوار مَن يرعاه قبل أن يبدأ، ومَن يصبر على تفاصيله حتى يستقيم. وليس قليلًا أن يجد الفكر من يهيّئ له مجلسًا، ويصون فيه حق الاختلاف، ويمنح الكلمة وقتها كي تنضج.
شكرًا لكم، أستاذة سلوى، على نصٍّ يحتفي بالمبادرة دون أن يكتفي بالثناء عليها؛ بل يحمّل هذا الاحتفاء رجاءً ومسؤولية. لقد تركتم لنا في خاتمتكم سؤالًا يستحق أن يصحبنا بعد انتهاء اللقاء: أيُّ ضوءٍ سنحمله من هنا إلى حياة الآخرين؟
فللكلمة عمرٌ في لحظة نطقها، وعمرٌ آخر فيما يتغيّر بسببها؛ وما أنبل أن يهدأ صوتُ صاحبها، وتظلّ هي تعمل في ضمير من سمعها.
Mohammed Mimouni
Saloua Filaly الأستاذة الفاضلة سلوى الفيلالي،
شكرًا لهذا الترحيب النبيل الذي لا يكتفي بالاحتفاء بالضيف، بل يمنح للكلمة معنى يتجاوز حدود المجاملة إلى رحابة التقدير الصادق. لقد أحسنتِ حين جعلتِ من الثقافة مساحةً للإنصات وتلاقح الرؤى، لا مجرد منصةٍ تتجاور فوقها الأسماء.
فما أحوجنا اليوم إلى أن نُصغي إلى الفكرة قبل صاحبها، وأن نسأل عمّا تتركه الكلمة في الحياة، لا عمّا تحصده من تصفيق في الفضاء الرقمي. فليست كل كلمةٍ واسعة الانتشار قادرةً على إحداث أثر، كما أنّ بعض الكلمات الهادئة تفعل في الوعي ما لا تفعله ضوضاء المنابر.
كل التقدير لكِ على هذه الروح الثقافية الراقية، وللأستاذ عبد الرحمن بوطيب على حضوره وتجربته، ولمنتدى شعاع للأدباء والشعراء العرب، الذي نأمل أن يظل فضاءً تتلاقى فيه العقول دون أن تتشابه بالضرورة، وتختلف فيه الرؤى دون أن تفقد إنسانيتها.
فالثقافة، في تقديري، لا تُقاس بعدد الذين يتحدثون باسمها، بل بقدرتها على أن تجعلنا نراجع أنفسنا بعد انتهاء الحديث.
مودتي وتقديري لكِ، ولكل أهل شعاع، مع خالص الأمنيات بلقاءٍ يليق بقيمة السؤال وجمال الحوار.
محمد ميموني
Saloua Filaly
الدكتور مصطفى كور شيخ… عينُ شعاع الساهرة، ويده التي لا تكلّ عن صناعة النجاح
ليس كلُّ من يتولى منصبًا يؤدي أمانته، وليس كلُّ من يشارك في العمل يرى ما وراء المشهد من تفاصيل؛ لكنّ هناك رجالًا يسكنهم الإخلاص، فيحضرون حيث يحتاج العمل إلى عينٍ يقظة، ويدٍ أمينة، وروحٍ تؤمن بأنّ النجاح ثمرةُ جهدٍ لا يعرف الكلل.
والدكتور مصطفى كور شيخ، نائب عميد منتدى شعاع للأدباء والشعراء العرب، هو تلك العين الساهرة التي تتابع البرامج بعناية، وترصد التفاصيل بصبر، وتبذل من وقتها وجهدها ما يجعل لكلّ فعالية فرصةً لتظهر في أبهى صورة. يقف خلف الكواليس كما يقف في واجهة العمل، لا يطلب ضوءًا لنفسه، بقدر ما يحرص على أن يشرق الضوء على الجميع.
إنّ نجاح البرامج لا تصنعه الكلمات الجميلة وحدها، بل تصنعه أيادٍ تعمل بصمت، وعقولٌ تخطط، وقلوبٌ تحمل همَّ الجماعة، وتؤمن بأنّ ازدهار المنتدى مسؤولية مشتركة. وفي هذا الميدان، يظلّ الدكتور مصطفى نموذجًا للرجل الذي يمنح العمل من إخلاصه قبل جهده، ومن حرصه قبل وقته، ويجعل من المتابعة الدقيقة جسرًا يعبر عليه الإبداع نحو التميّز.
ولعلّ أجمل ما في عطائه أنّه لا يكتفي بأن يكون نائبًا للعميد في الموقع، بل يترجم معنى النيابة إلى حضورٍ ومساندةٍ ومتابعة، وإلى حرصٍ دائم على أن تستمرّ برامج شعاع متألقةً، وأن يجد المبدعون فضاءً يليق بأحلامهم وحروفهم.
إلى الدكتور مصطفى كور شيخ، صاحب الرسمة الذهبية، والحارس الأمين على تفاصيل شعاع، تحية تقديرٍ تليق بما تبذله من جهد، وامتنانٍ يليق بما تمنحه من وقتٍ وعناية. فبعض الأدوار لا تُقاس بما يظهر منها، بل بما تمنع من تعثّر، وما تهيّئ من نجاح، وما تتركه في نفوس الآخرين من ثقةٍ وطمأنينة.
دام عطاؤك سندًا لمسيرة شعاع، ودامت عينك يقظةً على برامجه، ودامت أناملك مبدعةً، وجهودك مباركةً، ودام هذا الصرح الثقافي متألّقًا برجاله الأوفياء؛ فحين يجتمع الإخلاص مع الكفاءة، يصبح النجاح أثرًا يتحدث عن أصحابه، وإن آثروا أن يعملوا في صمت
سلوى الفيلالي
Mustafa Muhammad Kor Sheikh
Saloua Filaly
Naceur Nouira
Saloua Filaly أهلاً بكَ وبحضوركَ الراقي الذي أثرى هذا اللقاء.
لقد أضفتَ بمداخلتكَ بَهاً وعُمقاً يلامس جوهر القضية الثقافية؛ فكلماتك ليست مجرد رأي عابر، بل هي غرسٌ فكريٌّ أصيل يجسد مسؤولية الكلمة ويرسخ القيمة الحقيقية للحوار. دمْتَ نبعاً للفكر والأدب.
>>بِفِكْرِكَ يَسْتَنِيرُ الحَرْفُ نُوراً>سَكَبْتَ النَّقْدَ فِي الأَرْوَاحِ أُنْساًوَيَسْكُبُ فِي المَدَى طِيباً وَوَرْدَافَصَارَ الفِكْرُ لِلْآفَاقِ زَنْدَا>>
مع خالص التقدير والمحبة،
د. ناصر بن محمد نويرة
سفير السلام
قاسم المجالي
بالتوفيق والنجاح للجميع
أهلا وسهلا بشاعرنا القدير
Mohammed Mimouni
قاسم المجالي بوركت اخي بكم نرتقي
Abdou Bout
أشكر الدكتور طه عبد الرحمن الفاضل على هذا سؤاله سؤال الذي يضع تجربتي في الإبداع والنقد والفعل الثقافي أمام مسألة جوهرية:
كيف يمكن أن ننتقل من التفاعل الرقمي إلى الفعل الثقافي الملموس؟ وماذا تكشف هذه المسافة عن طبيعة حضور المثقف ومسؤوليته؟
من خلال تجربتي المتواضعة، أستحضر مبادرة تأسيس وإدارة "مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية"، بما تتضمنه من برامج وفضاءات تفاعلية تحتضن الإبداع الشعري والسردي، وتفتح المجال أمام الدراسات النقدية والفكرية، وتتيح للمبدعات والمبدعين والنقاد فرص التعريف بأعمالهم، وتبادل القراءات والخبرات، وبناء جسور للتواصل الثقافي العربي. وقد سعينا إلى أن تتجاوز هذه المبادرة مجرد نشر النصوص والتعريف بأصحابها، لتصبح ورشا ثقافيا متجددا، قوامه الحوار والتفاعل والتعاون، وإتاحة فرص أوسع للحضور الإبداعي والنقدي.
أما عن نجاحنا في تحويل التفاعل الرقمي إلى فعل ثقافي ملموس في الميدان، فأرى أن نجاح المبادرة لا ينبغي أن يقاس فقط بما تحققه المنشورات من انتشار، أو بما تستقطبه من تعليقات وإعجابات، بل بما تتيحه من فرص فعلية للتعريف بالتجارب، وتبادل الرؤى، وتحفيز الكتابة النقدية، وخلق علاقات ثقافية تتجاوز حدود التفاعل العابر. وقد شكل انتظام البرامج وتنوعها، واستمرار استضافة المبدعين والنقاد، وتخصيص فضاءات لقراءة الأعمال ومناقشتها، وجوها من هذا الانتقال من الحضور الافتراضي إلى الممارسة الثقافية المنظمة. فالمبادرة، في جوهرها، ليست مجرد منصة تعرض ما ينتجه المثقف، وإنما مساحة تتيح له أن يدخل في علاقة حية مع الآخرين، وأن يجعل من تجربته الفردية جزءا من حوار ثقافي جماعي.
لقد حققت "الرؤى" سقفا محترما من الفعاليات الحضورية الميدانية، بمؤسسة مسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء، وبفضاءات ثقافية كبيرة محترمة،ذ... فعاليات محلية، وعربية، وقارية إفريقية، ودولية، وقد كان لنا شرف تنويع أنشطة هذه الفعاليات، بين الندوات، واللقاءات الثقافية الإبداعية النوعية، وتوقيعات الإصدارات الأدبية والنقدية، فضلا عن اهتمامننا بالبراعم الواعدة.
وأما ما تعلمته من المسافة بين حماسة التفاعل على الشاشة والالتزام بالمشاركة على أرض الواقع، فهو أن التفاعل الرقمي، مهما بدا قويا، لا يتحول بالضرورة إلى مشاركة مستمرة. فقد يبدي المرء إعجابه بمبادرة ثقافية، ويثمن أهدافها، ويتفاعل مع موادها، لكنه لا يجد في نفسه أو ظروفه ما يسمح له بالانخراط في أعمالها ومستلزماتها. فالتفاعل فعل يسير نسبيا، بينما تقتضي المشاركة التزاما بالوقت، واستعدادا لتحمل المسؤولية، وقدرة على الاستمرار. وهنا تظهر المسافة بين الرغبة في الانتماء إلى المشهد الثقافي والاستعداد للمساهمة في بنائه.
لكنني لا أنظر إلى هذه المسافة بوصفها دليلا على زيف التفاعل الرقمي في ذاته، إذ قد يكون التفاعل بداية اهتمام حقيقي لم تتوافر له بعد شروط التحول إلى مشاركة. لذلك، فإن التحدي بالنسبة إلى الفاعل الثقافي هو أن يحسن استثمار هذه البدايات، وأن يوفر للمتحمسين فرصا واضحة وممكنة للمساهمة، وأن يبني علاقات قائمة على التعاون وتوزيع المسؤوليات، بدل الاكتفاء بتجميع المتابعين أو الاحتفاء بأرقام الانتشار.
ومن هنا، أرى أن الدرس الأهم الذي أستخلصه من التجربة هو ضرورة التكامل بين الفضاء الرقمي والفضاء الميداني. فالفضاء الرقمي يمنحنا إمكانات واسعة للتواصل وتجاوز المسافات الجغرافية، ويتيح للمبادرات الثقافية أن تصل إلى جمهور متنوع؛ أما الفعل الميداني فيمنح هذا التواصل امتداده العملي والإنساني، ويختبر قدرة الأفكار على التحول إلى عمل مشترك. ولا يشترط أن يكون الميدان مكانا ماديا فقط، بل قد يتجسد أيضا في إنتاج قراءة نقدية، أو إعداد ملف ثقافي، أو تنظيم لقاء، أو المساهمة في مشروع جماعي، أو بناء علاقة معرفية تستمر وتتطور.
إن تجربة "الرؤى الثقافية العربية" تؤكد لي أن المثقف لا يُختبر فقط في قدرته على إنتاج الخطاب أو نشره، وإنما كذلك في قدرته على بناء الشروط التي تسمح لهذا الخطاب بأن يجد طريقه إلى الآخرين، وأن يتحول إلى حافز على القراءة والتفكير والمبادرة. وهنا تتحدد مسؤولية الفاعل الثقافي: ألا يجعل من المنصة غاية في ذاتها، بل وسيلة لتوسيع إمكانات الفعل، وألا يخلط بين كثافة الحضور وعمق الأثر، أو بين سرعة الانتشار واستدامة التأثير.
وخلاصة جوابي عن سؤال الدكتور طه عبد الرحمن أن تحويل التفاعل الرقمي إلى فعل ثقافي ملموس يظل ممكنا، لكنه يحتاج إلى رؤية تتجاوز منطق النشر إلى منطق البناء، ومن حماسة اللحظة إلى انتظام العمل، ومن الإعجاب بالمبادرات إلى المشاركة في إنجازها. فالكلمة قد تبدأ رحلتها على الشاشة، لكن قيمتها الثقافية تتسع حين تفتح بابا للحوار، وتحفز إرادة المشاركة، وتؤسس لعمل يستمر بعد انقضاء لحظة التفاعل. وليس المطلوب أن نختار بين العالم الرقمي والميدان، بل أن نجعل الأول معبرا إلى الثاني، حتى لا يظل حضور المثقف صدى لصوته، بل يصبح إسهاما في تشكيل الوعي وبناء الحياة الثقافية.
شكرا دكتور طه عبد الرحمن الغالي.
طه عبد الرحمن
Abdou Bout حين تُصبح «الرؤى» ورشةً للحياة، ويجدُ السؤالُ شاهدَه في العمل
الأستاذ الجليل عبد الرحمن بوطيب،
بل الشكر لكم، وأنتم تمنحون السؤال جوابًا من صميم التجربة؛ جوابًا لا يكتفي ببيان ما ينبغي أن يكون، بل يكشف شيئًا من الطريق إليه: كيف تبدأ الفكرة، وكيف تجد رفاقها، وبأيّ صبرٍ تنتقل من حماسة البدايات إلى انتظام العمل. لقد سألناكم عن المسافة بين التفاعل والمشاركة، ففتحتم لنا أبواب الورشة، وأتحتم أن نرى ما يحتاج إليه الحلم الثقافي كي يصير عملًا يتقاسمه الناس.
وأجمل ما في حديثكم عن «مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية» أن التجربة تظهر فيه متّسعةً لأصحابها؛ للمبدع الذي يريد أن يُقرأ، وللناقد الذي يجد ما يستحق التأمل، وللموهبة الناشئة التي تحتاج إلى فرصةٍ عادلة. فما أكرم أن يحمل صاحبُ المشروع همَّ إيجاد موضعٍ لغيره، وأن يرى في نموّ التجارب المحيطة به بعضَ ثمرة جهده.
وقد منحتم هذا المعنى شواهده فيما ذكرتموه من ندواتٍ ولقاءاتٍ وتوقيعات إصدارات، ومن فعاليات احتضنتها مؤسسة مسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء وفضاءات ثقافية أخرى. لكنّ ما يستحق التوقّف، إلى جانب تنوّع الأنشطة، هو ما وصفتموه من عنايةٍ باستمرارها وتعدّد المشاركين فيها؛ إذ هناك يتبيّن معنى البناء: أن تجد الفكرة مَن يتعهّدها بعد إعلانها، وأن يجد اللقاء ما يصله بما بعده، وأن تتحوّل المعرفة المتبادلة إلى علاقةٍ قابلةٍ للنمو.
ولقد لامسني، بوجهٍ خاص، إنصافكم لمن يتفاعل ولا يستطيع المشاركة. ففي هذا أدبٌ رفيع مع ظروف الناس، وحذرٌ محمود من محاكمة النيّات؛ فأنتم لم تجعلوا الغياب حكمًا على صدق المحبة، ولم تنكروا، في الوقت نفسه، أن العمل يحتاج إلى وقتٍ ومسؤوليةٍ ومثابرة. وبين هذين المعنيين اتّضحت في جوابكم ملامح الرعاية: أن نصون بذرة الاهتمام، ونبحث لها عن فرصةٍ تناسب قدرة صاحبها، بدل أن نطالب كل راغبٍ في العطاء بأن يعطي بالطريقة نفسها.
وهنا، في تقديري، إحدى أثمن إضافاتكم إلى الحوار: الانتقال من سؤال «لماذا لا يشاركون؟» إلى سؤال «كيف نُيسّر لهم مشاركةً واضحةً وممكنة؟». فالسؤال الثاني يعيد إلى صاحب المبادرة نصيبه من المسؤولية، ويفتح أمام التعاون أبوابًا متعدّدة؛ قد يدخل أحدها من يكتب قراءة، وآخر من يُعدّ لقاءً، وثالث من يساند تجربةً ناشئة. وبذلك يجد الحماس طريقًا إلى مهمةٍ محدّدة، ويجد الانتماء ما يعبّر عنه بالفعل.
كذلك أقدّر توسيعكم معنى الميدان، حتى لا يُحصر في المكان المادي وحده؛ ففي إعداد ملفٍّ ثقافي، وإنجاز قراءةٍ نقدية، والمساهمة الجادّة في مشروعٍ جماعي، عملٌ له جهدُه وثمرتُه. وقد أعنتمونا بهذا التوضيح على تجاوز مقابلةٍ ضيّقة بين الشاشة والحياة، إلى تمييزٍ أدقّ بين حضورٍ يمرّ، ومشاركةٍ تضيف وتستمر.
أما اهتمامكم بالبراعم الواعدة، فهو موضعٌ يستحق تحيةً خاصة؛ لأن رعاية البداية تقتضي صبرًا على ما لم يكتمل، وإيمانًا بما يمكن أن ينمو. وما أجمل أن يجد الناشئ في مجلس الأدب مَن يقرأ محاولته بجدية، ويصحّحها برفق، ويمنحه من الثقة ما يعينه على مواصلة التعلّم.
أشكركم، أستاذ عبد الرحمن، على جوابٍ احترم السؤال وزاد عليه؛ فقد أتاح لي أن أرى مسؤولية الفاعل الثقافي في صورتها العملية: أن يُحسن جمع الطاقات، وتوضيح سبل المساهمة، وصون العلاقات، ومواصلة العمل حين تهدأ حماسة اللحظة.
وشكرًا لودّكم الكريم الذي أعتزّ به؛ فمثل هذا الحوار يجعل للسائل نصيبًا من التعلّم، ويذكّره بأن أجمل الأسئلة ما عاد إليه بفهمٍ أوسع.
ولعل أصدق تحيةٍ لتجربتكم أن نقول: ما أبهى أن تحمل المبادرة اسم «الرؤى»، ثم تفتح للناس موضعًا يرون فيه ما يستطيعون إنجازه معًا؛ هناك يأخذ الحلم شكلَه الإنساني، ويصبح النجاح بابًا يُفتح للآخرين.
Abdou Bout
Jiries Eid
تحية طيبة،
كل الشكر والتقدير لكم على هذه المشاركة الثرية، وعلى ما حملته من محبة صادقة لأدب جبران خليل جبران، واستحضار جميل لتأملاته العميقة في الصمت والوحدة وأسرار النفس الإنسانية.
لقد أحسنتم اختيار هذه الحكم التي تفتح أمامنا أبوابا واسعة للتأمل في دلالات الصمت؛ فهو ليس دائما عجزا عن القول، ولا انصرافا عن الآخرين، بل قد يكون لغة أخرى للروح، ومساحة يصغي فيها الإنسان إلى ذاته، ويحتمي فيها من ضجيج لا يمنح الحقيقة دائما فرصة الظهور. ولعل جمال تأملات جبران يكمن في قدرته على تحويل التجربة الإنسانية البسيطة إلى سؤال فلسفي وأدبي تتعدد إجاباته بتعدد التجارب والرؤى.
وإنني أعتز كثيرا بما أبديتموه من تقدير لبرنامج "لقاء الأسبوع" ولمنتدى شعاع للأدباء والشعراء العرب، وما عبرتم عنه من دعم لرسالته الثقافية القائمة على إتاحة المجال لتبادل الأفكار، وتعدد الآراء، واحترام الاختلاف. فهذه الروح التشاركية هي ما يمنح الحوار قيمته، ويجعل من البرنامج فضاء تتجاور فيه التجارب، وتتلاقح فيه الرؤى، دون أن يفقد كل صوت خصوصيته واستقلاليته.
كما أتوجه بتحية تقدير إلى الدكتور محمد ميموني، وإلى كل القائمين على هذا المنبر الثقافي، لما يبذلونه من جهد في جمع أهل الأدب والفكر حول الكلمة الهادفة والحوار المثمر.
شكرا لكم على حضوركم الجميل، وعلى وفائكم للأدب وأهله، وعلى إيمانكم بأن الاختلاف لا يفسد للود قضية، بل قد يكون سبيلنا إلى فهم أعمق لأنفسنا وللآخرين.
دام لكم شغف القراءة، ونبل المشاركة، وجمال الإصغاء، ودام لمنتدى شعاع هذا الألق الذي يتسع بكل صوت صادق يضيف إلى الحوار معنى، وإلى الثقافة حياة.
مع خالص المودة والتقدير والاعتزاز.
Jiries Eid ·
Abdou Bout
Saloua Filaly
بكل مشاعر التقدير والاعتزاز، وبفيضٍ من الودّ الذي يليق بأهل الفكر وأصحاب الحرف الأصيل، نرحّب في رحاب منتدى شعاع للأدباء والشعراء العرب بضيفنا الكريم، الأديب والشاعر المميز الأستاذ عبد الرحمن بوطيب، مدير مجلة الرؤى.
أهلًا بقامةٍ أدبيةٍ تحمل في حروفها نبض الإبداع، وفي رؤيتها اتساع الفكر، وفي حضورها ما يمنح الحوار قيمته ويضفي على اللقاء ألقًا خاصًّا. إنّ استقبال المبدعين ليس مجرّد احتفاءٍ بأسمائهم، بل هو احتفاءٌ بما يحملونه من رؤى، وما يفتحونه أمامنا من نوافذ للتأمل، وما يتركونه في الذاكرة الثقافية من أثرٍ لا تحدّه حدود المنابر.
يسعدنا أن نلتقي بكم اليوم في هذا الموعد الثقافي الذي يجمعنا حول سؤالٍ جوهريٍّ عن مكانة المثقف وأدواره بين الفضاء الرقمي والميدان الواقعي، في زمنٍ لم تعد فيه قيمة الكلمة تُقاس بمدى انتشارها فحسب، بل بقدرتها على صناعة الوعي، وتحريك الأسئلة، والإسهام في بناء إنسانٍ أكثر إدراكًا لمسؤوليته الثقافية والحضارية.
وإذ نرحّب بكم، أستاذ عبد الرحمن، فإننا نرحّب كذلك بالتجربة التي تمثلونها، وبما يمكن أن تضيفه رؤاكم إلى هذا الحوار من عمقٍ وإثراء؛ فالثقافة الحقيقية لا تكتمل بصوتٍ منفرد، وإنما تزدهر حين تتلاقح الأفكار، وتتسع مساحات الإنصات، ويصبح الاختلاف سبيلًا إلى معرفةٍ أرحب.
مرحبًا بكم بين أهلكم وإخوتكم في منتدى شعاع؛ حيث للكلمة قدرها، وللفكر مكانته، وللمبدع حقّه في التقدير والإنصات.
نسأل الله أن يكون لقاءً مثمرًا، يليق بمقام ضيفنا الكريم، وبطموح هذا الصرح الثقافي، وأن نخرج منه بما يضيء دروب الفكر، ويمنح الثقافة مزيدًا من الحضور والأثر.
أهلًا وسهلًا بكم، أستاذ عبد الرحمن بوطيب، مدير مجلة الرؤى، وحللتُم أهلًا ونزلتم سهلًا، وبيننا مقامُ التقدير، وموعدُ الفكر، وألفةُ الحرف الجميل.
مرحبًا بكم، وبكم يزداد شعاع الثقافة اتساعًا، وتزداد للرؤى آفاقٌ أرحب
سلوى الفيلالي
طه عبد الرحمن
Saloua Filaly ترحيبٌ يفتحُ للضيف بيتًا، وللفكرة أفقًا
الأستاذة الأديبة سلوى الفيلالي،
ما أندى هذا الترحيب؛ كأنكم لم تفتحوا للضيف بابَ منتدى فحسب، بل هيّأتم له في القلوب مجلسًا، وفي الإصغاء متّسعًا، وفي السؤال صحبةً تليق برحلة الحرف. ولعل أكرم ما يُهدى إلى المبدع أن يشعر بأن ثمة من ينتظر تجربته ليفهمها، لا اسمَه ليصفّق له؛ ومن يُقبل على رؤيته مستعدًّا لأن يراجع في ضوئها شيئًا من رؤيته هو.
لقد جعلتم من الترحيب معنى يتجاوز جمال العبارة إلى حسن الاستقبال الفكري؛ فليس الوفاء للضيف أن نُحيطه بالثناء حتى لا يجد منفذًا إلى الكلام، بل أن نُحسن الإنصات حتى يجد ما يستحق أن يقوله. وفي كلماتكم هذا الوعد الجميل: أن يكون الأستاذ عبد الرحمن بوطيب بين أهلٍ يأنس بهم، وعقولٍ يحاورها، وأسئلةٍ تمنح تجربته فرصةً للكشف والتأمل.
وما أبلغ إشارتكم إلى أن استقبال المبدعين احتفاءٌ بما يفتحونه من نوافذ؛ فالنافذة لا تُلزم الناظر بمشهدٍ واحد، وإنما توسّع مجال رؤيته. كذلك نرجو لهذا اللقاء أن يتيح لنا الاقتراب من تجربة الضيف، وأن يترك لكل مشاركٍ حقّه في النظر والسؤال؛ إذ لا يُنقص اختلافُ القراءة من قيمة المنجز، بل قد يكشف فيه ما لم تستطع قراءةٌ منفردة أن تراه.
وفي حديثكم عن المسافة بين الفضاء الرقمي والميدان الواقعي، تضعون هذا الاحتفاء أمام امتحانه الأجمل: ماذا سيبقى من اللقاء حين تنطفئ الشاشة؟ أيُّ فكرةٍ سترافق أحدنا إلى عمله، وأيُّ سؤالٍ سيغيّر طريقته في الكتابة أو المبادرة أو التعامل مع الآخرين؟ هناك يأخذ الحرف نصيبه من الحياة، ويصبح ما تبادلناه مسؤوليةً نحملها، لا ذكرى جميلةً نكتفي باستعادتها.
ومما يبعث على الألفة في نصّكم أنكم قرنتم مقام التقدير بمساحة الإنصات؛ ففي هذا الاقتران أدبٌ رفيع. نُكرم صاحب التجربة، لكننا لا نضعه بعيدًا عن أسئلتنا؛ ونحاوره بعمق، لكننا لا نجرّده من حقّه في أن يتأمل ويتردّد ويعيد النظر. وما أطيب مجلسًا يستطيع فيه المبدع أن يكون إنسانًا وهو يتحدث عن إبداعه، وأن يروي مشقة الطريق كما يروي بهجة الوصول.
فشكرًا لكم، أستاذة سلوى الفيلالي، على كلمةٍ جعلت الحفاوة استعدادًا للمعرفة، ومنحت اللقاء دفءَ البيت ورحابةَ المنبر. ومرحبًا بالأستاذ عبد الرحمن بوطيب في رحاب منتدى شعاع؛ ترحيبًا يليق به أن نُتبعه بسؤالٍ متبصّر، وإصغاءٍ أمين، واختلافٍ لا يفسد للمودّة مكانها.
ولعل أجمل ما نقوله للضيف: تفضّل، فلك هنا مَن يُنصت؛ ولنا في تجربتك ما نتأمله، وبيننا من محبة الكلمة ما يجعل اللقاء بدايةَ معرفةٍ، لا تمامَ مجاملة.
Abdou Bout
كل الشكر والتقدير لكم على هذا التدخل الطيب، أستاذة زهرة البيلسان حسن، الذي يضع جوهر المسألة في عبارة موجزة وعميقة: أن نضع الكلمة في ميزان الفعل، وأن نقيس الحضور بما يتركه من أثر، لا بما يحققه من ظهور.
وأتفق معكم في أن الفضاء الرقمي، مهما اتسعت إمكاناته، تظل قيمته رهينة بما يتيحه من فرص لبناء المعنى، وتحريك الوعي، وفتح مسارات للتواصل والمبادرة. كما أن الميدان لا يستغني عن الكلمة التي تمنحه الرؤية، مثلما لا تكتمل قيمة الكلمة إلا حين تجد طريقها إلى الإنسان وحياته.
إنها علاقة تكامل لا مفاضلة، ورهاننا جميعا أن نجعل من الثقافة ممارسة حية، ومن الحوار بداية لعمل ممكن، مهما بدا بسيطا في خطواته الأولى.
شكرا لكم على هذه الروح الداعمة، وعلى مشاركتكم التي تثري النقاش وتؤكد أن الثقافة مسؤولية نتقاسمها، وأفق نبنيه معا بالكلمة الصادقة والعمل المخلص.
مع خالص المودة والتقدير.
زهرة البيلسان حسن
Abdou Bout
Abdou Bout
بداية، أرى من الضروري، منهجيا، الوقوف عند تعريف المثقف / الفاعل الثقافي.
أقوا: إنه الشخص المؤثر في وعي المجتمع وصانع المعرفة والقيم، حيث يتجلى دور الكيانات الثقافية في الفضاء الحضوري عبر المؤسسات واللقاءات المادية المباشرة، بينما يمتد نشاطها في الفضاء الرقمي من خلال المنصات التفاعلية والشبكات الافتراضية لكسر الحدود الجغرافية.
الفاعل الثقافي في الفضاء الحضوري (التقليدي)
يرتبط هذا المفهوم بالبيئة المادية والأساليب النخبوية التقليدية، ويتميز بالآتي:
الميدانية المباشرة: ينشط في الندوات، والمقاهي الثقافية، والمعارض، والمسارح.
النخبوية المؤسسية: يرتبط بالجامعات، ودور النشر، والاتحادات الرسمية.
التواصل الرأسي: يوجه خطابه عادةً من المنتج (المثقف) إلى المتلقي (الجمهور).
النتاج المادي: يعتمد على الكتب الورقية، والمحاضرات المنبرية، والمقالات الصحفية.
الفاعل الثقافي في الفضاء الرقمي (الحديث)
يولد هذا المفهوم من رحم التكنولوجيا وشبكات التواصل الاجتماعي، ويتميز بالآتي:
الأفقية والتفاعلية: يتواصل مع الجمهور بشكل فوري، ومباشر، ومتبادل دون وسيط.
تعدد الوسائط: ينشر أفكاره عبر البودكاست، ومقاطع الفيديو، والمدونات الرقمية.
الاستقلالية التامة: يتحرر من قيود الرقابة التقليدية وشروط المؤسسات الرسمية.
العالمية والعابرة للحدود: يصل محتواه إلى جمهور عالمي يتجاوز الحدود الجغرافية.
الفاعل الثقافي في النشاط الحضوري (الميداني)
يتجلى دور الفاعل الثقافي في الأنشطة الحضورية كعنصر محوري يربط الفكر بالواقع المادي، حيث يساهم مباشرة في تشكيل الهوية المجتمعية وتعزيز التماسك الاجتماعي من خلال اللقاءات الحية التي توفر عمقاً إنسانياً وتفاعلاً حقيقياً لا يمكن للرقمنة تعويض بالكامل.
وتتخذ أدوار الفاعل الثقافي في هذا الفضاء أبعاداً تنظيمية ومعرفية متعددة:
أدوار الفاعل الثقافي في الأنشطة الحضورية
إدارة الحوار الفكري: يقود الجلسات النقاشية والندوات لتوجيه الوعي الجمعي نحو قضايا مجتمعية محددة.
الوساطة الثقافية: يعمل كجسر يربط بين النخب الفكرية والجمهور العام لتبسيط المفاهيم المعقدة.
التنظيم الفني واللوجستي: يشرف على تنسيق المعارض، والمهرجانات، والعروض المسرحية لضمان جودة الطرح الثقافي.
التدريب والتأطير: يقدم ورش عمل تهدف إلى تطوير المهارات الإبداعية للشباب وصقل مواهبهم ميدانيا.
القيمة المضافة للأنشطة الحضورية
التفاعل الإنساني الحي: يتيح تبادل لغة الجسد والانفعالات الصادقة، مما يعزز عمق النقاش وبناء علاقات إنسانية مستدامة.
إحياء الفضاءات العامة يساهم في تنشيط المراكز الثقافية، والساحات، والمقاهي الأدبية، وتحويلها إلى نقاط جذب مجتمعي... وهذا ما نطمح إلى تحقيق ولو القليل منه.
طه عبد الرحمن
Abdou Bout من تحرير المفهوم إلى تعمير الحياة بالثقافة
الأستاذ الأديب والشاعر والناقد عبد الرحمن بوطيب،
لقد أحسنتم البدء من حيث ينبغي للفكرة أن تتبيّن طريقها: من تحديد المفهوم قبل الاختلاف في أدواره، ومن سؤال «مَن هو الفاعل الثقافي؟» قبل سؤال «أين يحضر، وكيف يؤثّر؟». وفي هذا الاستهلال احترامٌ للحوار؛ إذ تمنحون المتحاورين أرضًا مشتركة يقفون عليها، ثم تتركون للرؤى أن تتعدّد، وللتجارب أن تضيف إلى التعريف ما تختبره في الحياة.
وأجمل ما في طرحكم أنكم وصلتم صفة المثقف بالفعل؛ فجعلتم المعرفة متجهةً نحو المجتمع، وجعلتم الحضور مسؤوليةً عن الوعي والقيم. وكأن السؤال الذي ينهض من بين سطوركم هو: ماذا يفعل الإنسان بما يعرف؟ وأيُّ بابٍ يفتحه لغيره بما أتيح له من أدوات الفهم والتعبير؟
وفي انتقالكم بين الفضاء الحضوري والفضاء الرقمي، أرى دعوةً خصبة إلى التفكير في التكامل؛ أن تحمل المنصة خبرَ اللقاء إلى من لم يستطع حضوره، وأن يمنح اللقاءُ الحيُّ ما يُتداول على المنصة عمقَ التجربة وحرارةَ العلاقة. فما أجمل أن يعود المتابع مشاركًا، وأن يجد المشارك بعد انتهاء الموعد سبيلًا إلى مواصلة الحوار؛ عندئذٍ تصبح الوسائل حلقاتٍ في عملٍ واحد، تتساند بدل أن تتنافس على ادّعاء الاكتفاء.
ولعلّ من الوفاء لما فتحتموه من أسئلة أن نبقي هذه الفروق قابلةً للمراجعة؛ فليست كل قاعةٍ أسيرةَ خطابٍ أحادي، ولا كل منصةٍ فضاءً متكافئًا للحوار، والاستقلالية التي ننشدها تحتاج إلى يقظةٍ مستمرة، أيًّا كان المنبر. وهذا لا ينتقص من قيمة التقسيم الذي قدّمتموه، بل يدعونا إلى استخدامه مفتاحًا للفهم، لا حدودًا نغلق بها التجربة
واستوقفتني عنايتكم بالوساطة الثقافية والتدريب والتأطير؛ ففيها يخرج الفاعل الثقافي من الاكتفاء بعرض منجزه إلى الإسهام في إمكانات الآخرين. وما أنبل أن يجد الشاب صاحبَ تجربةٍ يقرّب إليه أداةً، أو يصبر على محاولته الأولى، أو يساعده على اكتشاف صوته دون أن يفرض عليه صوته هو. هنا يأخذ العطاء صورةً دقيقةً وعميقة: أن نعين غيرنا على أن يبدأ، وأن نفرح بما قد يبلغه بعدنا.
وفي دعوتكم إلى إحياء الفضاءات العامة معنى يستحق الوقوف عنده؛ فما أجمل أن يُفتح في الحيّ مكانٌ للقراءة، وأن تجد موهبةٌ ناشئة مجلسًا يعترف بها، وأن يصير المقهى أو المركز الثقافي موعدًا ينتظره الناس لأنهم يجدون فيه ما يوسّع فهمهم ويقرّب بعضهم من بعض. تلك صورٌ تجعل الحديث عن الثقافة قريبًا من تفاصيل العيش، وتمنح الفكرة عنوانًا يستطيع الناس الوصول إليه.
ثم تأتي خاتمتكم: «وهذا ما نطمح إلى تحقيق ولو القليل منه»، فتمنح المداخلة نبرتها الإنسانية الأجمل. ففيها تواضعُ مَن يدرك أن المسافة بين التصوّر والإنجاز تحتاج إلى عمل، وأن البداية المحدودة تستحق العناية ما دامت صادقةً وقابلةً للنمو. ولعل القليل الذي يفتح بابًا، أو يساند موهبةً، أو يعيد إلى فضاءٍ عامٍّ نبضه، أحقُّ بالاحتفاء من كثيرٍ يبقى وعدًا في الكلام.
شكرًا لكم، أستاذ عبد الرحمن بوطيب، على مداخلةٍ أعطت الحوار وضوحَ المنهج، وقرّبت غايته من حياة الناس. لقد بدأتم بتعريف الفاعل الثقافي، ثم تركتم لنا في النهاية ما هو أبعد من التعريف: صورةَ عملٍ نرجو أن نجد لأنفسنا فيه نصيبًا.
ولعل أجمل الوفاء لروح كلمتكم أن نغادر هذا اللقاء وفي يد كلٍّ منا بدايةٌ ممكنة؛ فالثقافة التي نريد لها أن تبلغ الناس، تستحق منّا أن نخطو نحن أيضًا في اتجاههم.
Abdou Bout
إذا كان الفضاء الرقمي قد منحنا إمكانات غير مسبوقة للوصول والتواصل، فإن الرهان الحقيقي يظل في قدرتنا على تحويل هذه الإمكانات إلى ثقافة حية، لا تكتفي بأن تكون مرئية، بل تسعى إلى أن تكون مؤثرة... لا تكتفي بجمع المتلقين، بل تفتح بينهم سبل الحوار، ولا تجعل من المثقف نجما في فضاء عابر، بل فاعلا يساهم، بقدر ما يستطيع، في بناء ذاكرة ثقافية مشتركة، وفي جعل الإبداع والمعرفة جزءا من الحياة اليومية للناس... ولو في ظل واقع خائب، منه نعاني جميعا.
Mohammed Mimouni
Abdou Bout أتفق معكم، أستاذنا الفاضل، فالمشكلة لم تعد في قدرة الكلمة على الوصول، بل في قدرتها على أن تترك أثرًا بعد الوصول. لقد أصبحنا نملك فضاءً يتسع للجميع، لكنّ اتساع المكان لا يعني بالضرورة اتساع الوعي، وكثرة المتفاعلين لا تعني أننا نجحنا في بناء حوار حقيقي.
لعلّ التحدي الأكبر الذي يواجه الفاعل الثقافي اليوم هو ألّا يسمح للثقافة بأن تتحول إلى حضورٍ للاستهلاك، أو إلى صورة جميلة تُنسى بمجرد تجاوزها؛ بل أن يمنحها من تجربته وصدقه ما يجعلها قادرة على مغادرة الشاشة إلى الحياة. فالواقع الخائب الذي تحدثتم عنه لا يحتاج إلى مزيد من الشكوى بقدر ما يحتاج إلى عقول تجرؤ على مساءلته، وكلمات لا تكتفي بوصف عيوبه، بل تفتح إمكانات تغييره.
فالثقافة ليست أن نملأ الفضاء بالكلمات، بل أن نمنع الفراغ من التسلل إلى عقولنا؛ وليس دور المثقف أن يكون مرئيًّا فحسب، بل أن يجعل ما يراه الناس مختلفًا عمّا كانوا يرونه قبل أن يلتقوا بفكرته.
شكراً لكم على هذا الطرح الذي يعيدنا من بريق الوسيلة إلى جوهر الرسالة، ومن سؤال الحضور إلى سؤال الأثر.
Abdou Bout
أما ثالث هذه التساؤلات/ المنطلقات، فداء بصيغة:
أين تنتهي مسؤولية المثقف حين يصطدم الواقع بإمكانات الفضاء الرقمي، أو تتحول كثافة الحضور إلى بديل عن عمق التأثير؟
أرى أن مسؤولية المثقف لا تنتهي عند حدود الوسيلة التي يستخدمها، لكنها أيضا ليست مسؤولية مطلقة تجعله مطالبا بتحقيق ما يتجاوز إمكاناته الفردية والمؤسسية. وهذه نقطة أساسية، لأننا كثيرا ما نحمّل المثقف مسؤوليات واسعة، من دون أن نلتفت إلى الشروط التي تسمح له بالاضطلاع بها، أو إلى العراقيل التي قد تحد من قدرته على تحويل أفكاره ومبادراته إلى نتائج ملموسة.
المثقف مسؤول، أولا، عن طبيعة خطابه، وعن نزاهة موقفه، وعن احترامه للحقيقة ولعقول المتلقين. وهو مسؤول عن ألا يحوّل المنبر الذي يشتغل فيه إلى وسيلة للتضليل أو الإقصاء أو تصفية الحسابات، وعن أن يظل منفتحا على النقد والمراجعة، حتى عندما يتعلق الأمر بتجربته الخاصة. كما أن عليه أن يدرك أن حرية النشر لا تعفيه من المسؤولية الأخلاقية والمعرفية، وأن سرعة تداول المعلومات تفرض عليه مزيدا من التثبت والتدقيق، لا مزيدا من التسرع.
أما حين يصطدم الواقع بإمكانات الفضاء الرقمي، فإن الأمر يحتاج إلى التمييز بين ما يقع ضمن مسؤولية الفاعل الثقافي وما يتجاوز قدرته المباشرة. يستطيع المثقف أن يفتح فضاء للحوار، لكنه لا يستطيع وحده ضمان وصول الثقافة إلى كل الفئات. ويمكنه أن يتيح فرص النشر والتعريف بالتجارب، لكنه لا يملك بمفرده معالجة الفوارق في الوصول إلى التكنولوجيا، أو توفير الموارد المالية والمؤسساتية اللازمة لاستمرار المبادرات، أو تعويض غياب السياسات الثقافية التي تجعل الثقافة حقا متاحا للجميع.
إن هناك تحديات عملية لا يمكن تجاهلها: تفاوت الإمكانات التقنية، وضعف التمويل، وضيق الوقت، وصعوبة الاستمرار في العمل التطوعي، ومحدودية التفاعل أحيانا، فضلا عن تراجع المحتوى الثقافي الجاد أمام أنماط من المحتوى الأسرع انتشارا والأشد استقطابا للانتباه. ومواجهة هذه التحديات لا تكون بإلقاء اللوم على المثقف وحده، بل ببناء شراكات بين الفاعلين الثقافيين والمؤسسات التعليمية والجامعات ودور النشر والهيئات المدنية والجهات المعنية بالسياسات الثقافية.
ومن هنا، فإنني أرى أن مسؤولية المثقف تتجلى أيضا في قدرته على تنظيم المبادرة، وبناء الفريق، وتوزيع الأدوار، وخلق شروط الاستمرارية، بدل أن يظل العمل الثقافي مرتبطا بجهد فردي معرض للتوقف متى غاب صاحبه أو استنزفته متطلبات الحياة. فالثقافة التي نريدها لا ينبغي أن تقوم على حماسة لحظية، بل على رؤية قابلة للتطوير، ومؤسسات قادرة على التراكم، وعلاقات تحفظ للجهد المبذول قيمته واستمراره.
أما حين تتحول كثافة الحضور الرقمي إلى بديل عن عمق التأثير، فإن المثقف مطالب بمراجعة أدواته وأولوياته. ليس مطلوبا منه أن ينشر باستمرار لمجرد الحفاظ على حضوره، ولا أن يدخل في كل نقاش كي يثبت وجوده، ولا أن يساير إيقاع المنصات على حساب جودة ما يقدم. من حقه أن يتوقف للتأمل، وأن يمنح النص وقته، وأن يختار معاركه الفكرية، وأن يعترف بأن بعض الموضوعات تحتاج إلى قراءة متأنية وحوار ممتد، لا إلى تعليق سريع.
وفي تجربتي، أعتبر أن من واجب الفاعل الثقافي أن يراجع عمله باستمرار: هل أتاح فرصا حقيقية للمبدعين؟ هل منح الأعمال مساحة تليق بها؟ هل ساهم في بناء حوار يتجاوز المجاملات؟ هل وثق التجارب حتى لا تضيع في تدفق المنشورات؟ وهل استطاع أن يحوّل بعض إمكانات التواصل إلى علاقات ثقافية مستمرة؟ هذه الأسئلة، في تقديري، أكثر جدوى من الاكتفاء بإحصاء عدد المنشورات أو المتابعين.
ولا يعني ذلك أنني أضع نفسي أو أي تجربة ثقافية خارج دائرة النقد؛ على العكس، فإن الاعتراف بحدود التجربة هو بداية تطويرها. فكل مبادرة، مهما كانت جادة، تظل قابلة للمراجعة، وقد تنجح في جوانب وتتعثر في أخرى. والمثقف الذي يدرك ذلك يكون أقرب إلى مسؤولية الفعل من المثقف الذي يكتفي بتقديم تجربته بوصفها نموذجا مكتملا.
وأضيف أن مسؤولية المثقف لا تتمثل في تقديم الحلول النهائية لكل أزمات المجتمع، وإنما في الإسهام في جعل الأسئلة أكثر وضوحا، وفتح مساحات تسمح بمناقشتها، ومقاومة التطبيع مع الرداءة والتضليل والإقصاء، والدفاع عن حق الإنسان في المعرفة والإبداع والاختلاف. إنه لا يستطيع أن يغير الواقع بإرادته وحدها، لكنه يستطيع أن يساهم في تغيير بعض شروط النظر إليه وفهمه، وأن يهيئ إمكانات للتغيير عبر الكلمة والمبادرة والعمل المشترك.
لذلك، لا أرى أن مسؤولية المثقف تنتهي عند عجز الوسيلة، بل تتحدد من جديد بحسب ما تكشفه التجربة من إمكانات وحدود. عليه أن يعمل بما يستطيع، وأن يطور أدواته، وأن يطالب بالشروط التي تجعل الثقافة أكثر فاعلية، وألا يخلط بين ما يقع على عاتقه وما يتطلب إرادة جماعية ومؤسسات داعمة.
وفي النهاية، أعتقد أن قيمة المثقف لا تكمن في أن يكون حاضرا على الدوام، ولا في أن يمتلك أكبر مساحة من الظهور، وإنما في أن يكون حضوره مسؤولا، وكلمته ذات معنى، ومبادرته قابلة للتراكم والتطوير، فالثقافة ليست سباقا نحو احتلال الشاشات، بل مسار طويل لبناء الإنسان، وتوسيع أفقه، وصيانة حقه في السؤال والتفكير والاختلاف.
Abdou Bout
أستاذنا الفاضل الدكتور محمد ميموني Mohammed Mimouni،
طرحتم في مقام تقديم البرنامج الكبير تساؤلات في عاية الأهمية.
أول هذه التساؤلات، كان بصيغته:
كيف يمارس المثقف حضوره بين شاشة تمنحه الانتشار وميدان يختبر صدق أثره؟
أعتقد أن السؤال لا يتعلق بمجرد الاختيار بين الفضاء الرقمي والفضاء الميداني، بقدر ما يتعلق بكيفية بناء علاقة متكاملة بينهما، تجعل من الانتشار وسيلة للتواصل، ومن التواصل مدخلا إلى الفعل الثقافي، ومن الفعل الثقافي مساهمة في تنمية الوعي وترسيخ قيم الحوار والإبداع.
لقد تغيرت شروط حضور المثقف في زمننا؛ فلم تعد الكلمة محكومة بالمجال الجغرافي الذي تنطلق منه، ولا بالمنابر الورقية والمؤسسات التقليدية التي كانت تحتضنها. أصبح بإمكان الكاتب أو الشاعر أو الناقد أن يتواصل مع قراء من بلدان متعددة، وأن ينشر أفكاره وإبداعاته، وأن يشارك في حوارات ثقافية عابرة للحدود، دون أن يكون مضطرا إلى مغادرة مكانه. وهذه، في تقديري، فرصة تاريخية ينبغي للفاعل الثقافي أن يحسن استثمارها.
لكنني لا أتعامل مع الفضاء الرقمي باعتباره بديلا عن الميدان، ولا مع الميدان باعتباره المجال الوحيد الذي يمكن أن تتحقق فيه الثقافة. فلكل منهما طبيعته وإمكاناته وحدوده. يمنحنا الفضاء الرقمي سرعة الوصول، واتساع دائرة التواصل، وإمكانية التوثيق والتراكم؛ بينما يمنحنا العمل الميداني فرصة الاحتكاك المباشر بالناس، والإنصات إلى أسئلتهم، وفهم حاجاتهم الثقافية، وملاحظة ما يمكن أن تحدثه المبادرات من أثر في سلوكهم وتصوراتهم وعلاقاتهم.
ومن خلال تجربتي في الكتابة والإبداع والنقد والعمل الثقافي، ولا سيما في إدارة مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية والإسهام في برامجها ومبادراتها، وجدت أن الفضاء الرقمي يمكن أن يتحول إلى مجال حقيقي لبناء الفعل الثقافي، متى تجاوزنا استخدامه بوصفه مجرد نافذة للنشر، وجعلناه وسيلة للتعريف بالمبدعين، واحتضان التجارب، وفتح مساحات للحوار، وربط الكتاب والباحثين والنقاد بجمهور يتجاوز حدود المكان الواحد.
إن العمل الثقافي الرقمي، في هذا المعنى، ليس عملا افتراضيا بالضرورة؛ فقد تكون له نتائج ملموسة في الواقع، من خلال اكتشاف أصوات جديدة، وإتاحة الفرصة أمام تجارب لم تجد طريقها إلى المنابر التقليدية، وبناء علاقات ثقافية بين أفراد ومؤسسات، وإنتاج مواد معرفية وإبداعية تظل متاحة للقراءة والتداول.
ومع ذلك، فإن صدق هذا الحضور يظل مرتبطا بطبيعة ما نقدمه، وبمدى قدرتنا على الاستمرار، وبما نؤسسه من علاقات ثقافية تتجاوز التعارف العابر والتفاعل اللحظي. فليس المهم أن يكون المثقف حاضرا في كل مكان، بل أن يكون لحضوره معنى، وأن تحمل كلمته ما يستحق الإصغاء إليه، وأن تكون وراء نشاطه رؤية تتجاوز الرغبة في الظهور.
لذلك أرى أن التحدي الحقيقي ليس في الانتقال من الشاشة إلى الميدان، وإنما في بناء الجسر بينهما؛ بحيث يصبح ما ننجزه رقميا قابلا لأن يثمر ثقافيا واجتماعيا، ويغدو ما نختبره في الواقع مصدرا لتجديد خطابنا ومراجعة تصوراتنا وتطوير مبادراتنا. فالمثقف الذي يكتب من داخل الحياة، ويصغي إلى نبض المجتمع، يستطيع أن يجعل من الشاشة امتدادا لفاعليته، لا ستارا يحجبه عن الواقع.
طه عبد الرحمن
Abdou Bout أن تكون الشاشةُ نافذةً للحياة، لا ستارًا عنها
الأستاذ الأديب والشاعر والناقد عبد الرحمن بوطيب،
لقد منحتم السؤال أفقًا أرحب حين نقلتموه من المفاضلة بين فضاءين إلى التفكير في الصلة التي ينبغي أن تجمعهما؛ فلم يعد الأمر: أين يقف المثقف؟ بل كيف يصل بما ينجزه إلى الناس، وكيف يسمح لحياتهم وأسئلتهم بأن تصل إلى ما ينجزه؟ وفي هذا التحوّل من اختيار الموقع إلى بناء العلاقة تكمن دقّة جوابكم وجماله.
واستوقفتني في كلماتكم تلك السلسلة المضيئة: أن يصير الانتشار تواصلًا، والتواصل فعلًا ثقافيًّا، والفعل إسهامًا في تنمية الوعي. كأنكم تردّون الوسيلة، في كل مرحلة، إلى غايتها؛ فلا نطمئن إلى بلوغ الكلمة ما لم نتأمل ما تفتحه، ولا نحتفي بتعارفٍ عابر كما نحتفي بعلاقةٍ تنمو فيها المعرفة والثقة والعمل المشترك.
ولعلّ الجسر الذي دعوتم إلى بنائه أجمل صور هذه الرؤية؛ لأنه لا يطلب من ضفةٍ أن تلغي الأخرى، بل يتيح العبور في الاتجاهين. نحمل إلى الميدان ما تبلور في النقاش، ثم نعود من الميدان بما يراجع أفكارنا ويهذّب توقعاتنا. وهكذا لا يصبح الواقع مجرّد شاهدٍ نستدعيه لتأييد خطابنا، بل شريكًا نسمح له بأن يصحّحه.
ومن أعمق ما في مداخلتكم أنكم لم تجعلوا الأثر رهينًا بمكان حدوثه. ففي إتاحة الفرصة لصوتٍ جديد، أو فتح باب حوارٍ جاد، أو وصل مبدعٍ بقارئٍ يفهم تجربته، ما يستحق أن ننظر إليه بوصفه فعلًا له قيمته، ثم نسأل عن استمراره وثمرته. إن هذا الفهم يحفظ للعمل الرقمي جديته، دون أن يعفيه من مسؤولية الجودة والإنصاف وحسن المتابعة.
وفي استحضاركم تجربتكم مع مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية، بدا الحديث عن احتضان التجارب موضعًا تتصل فيه الرؤية بالممارسة. وأجمل ما يستحق التقدير في هذا المعنى أن يتّسع جهد المبدع لغير منجزه؛ أن يجد في التعريف بموهبةٍ أخرى بعض رسالته، وفي تهيئة فرصةٍ لغيره وجهًا من وجوه نجاحه. فما أكرم الثقافة حين لا تطلب من الجميع أن يلتفّوا حول صوتٍ واحد، بل تساعد كل صوتٍ صادق على العثور على مساحته.
أما قولكم إن المهم ليس أن يكون المثقف حاضرًا في كل مكان، بل أن يكون لحضوره معنى، فهو ميزانٌ جديرٌ بأن نصحبَه إلى ما نكتب وننظّم وننشر. ففيه دعوةٌ إلى أن نمنح العمل حقّه من العناية، وأن نسأل عن ضرورة إضافتنا قبل أن ننشغل باتساع ظهورنا؛ فقد يحتاج الحوار إلى فكرةٍ متأنّية أكثر مما يحتاج إلى تعليقٍ جديد، وقد تنتظر المبادرة وفاءً بما بدأناه أكثر مما تنتظر إعلانًا عمّا سنبدأه.
ثم جاءت خاتمتكم لتجمع أطراف الجواب في عبارةٍ بليغة: أن تكون الشاشة امتدادًا للفاعلية، لا ستارًا يحجب صاحبها عن الواقع. وهنا يكتسب الإصغاء منزلته؛ إذ كيف نرجو أن تصل كلماتنا إلى الناس إن لم نترك لأسئلتهم طريقًا إلينا؟ وكيف ندعو إلى تنمية الوعي ثم نضيق بما قد يكشفه اللقاء من قصور تصوراتنا؟
شكرًا لكم، أستاذ عبد الرحمن بوطيب، على جوابٍ جعل التكامل مسؤوليةً عملية، لا تسويةً لفظية بين فضاءين. لقد أبقيتم باب المراجعة مفتوحًا، ومنحتم الحضور معناه الأجمل: أن نكون قريبين بما يكفي لنفهم، وجادّين بما يكفي لنعمل، ومتواضعين بما يكفي لنتعلّم.
ولعل أصدق ما نحتفظ به من كلمتكم أن الجسر لا تكتمل قيمته بحسن بنائه وحده؛ إنما تكتمل بمن يعبره، وبما يحمله إلى الآخرين، وبما يعود به منهم وقد اتّسع فهمه للحياة.
Fawzy Ibrahim
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على خير الأنام سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الأطهار.
أصحاب السعادة والسيادة، القامات الفكرية والأدبية السامقة في هذا الصرح المبارك، يطيب لي في هذا المساء المشرق بـ "شعاع" الفكر، أن أقف موقف إجلال وإكبار، لأرفع أسمى آيات الشكر والتقدير والثناء لـ منتدى شعاع للأدباء والشعراء العرب؛ هذا الصرح الثقافي الذي بات واحة تلتقي فيها العقول، ومنبراً يستعيد للكلمة هيبتها وسلطانها.
وأخص بالذكر والامتنان العارم، ربّان سفينتنا الثقافية العميد الشامخ، الرئيس العام لمجلس الإدارة الدكتور محمد أبو خروب العبادي، الذي ما فتيء يمهد الدروب لرعاية الأدب والاحتفاء بالمبدعين. كما يمتد ثنائي الخالص وتقديري البالغ لساعده الأيمن، نائب رئيس مجلس الإدارة الدكتور مصطفى محمد كور شيخ، الفنان القدير وصاحب البصمة الجمالية الرفيعة التي تضفي على هذا الكيان بهاءً وإبداعاً.
ولا يفوتني أن أحيي بكل إعجاب وتثمين، محاورنا الفذ، مقدم البرنامج الدكتور محمد ميموني، "مشاكس المعاني"، الذي عودنا دائماً أن يستنطق الحروف ويثير الأسئلة التي تضيء دروب الفكر. وأرحب بضيف اللقاء الكبير، الشاعر والناقد المغربي الفذ، الأستاذ عبد الرحمن بوطيب.
ويشرفني أن أصافح قلوبكم وعقولكم بهذه المداخلة، التي أستهلها ببيانٍ شعريٍ على بحر البسيط، يصف واقع قصيدتنا في فضاء التقنية الافتراضي:
فِي عَالَمِ السُّرْعَةِ الهَوْجَاءِ وَاقِعُنَا ... لَمْ تَعُدِ الشِّعْرُ أَبْيَاتاً نُحَيِّيهَا
بِضَغْطَةٍ مِنْ زِرَارٍ فِي مَوَاقِعِنَا ... نَصِيْرُ مِنْ دُونِ تَبْحِيرٍ نُعَانِيهَا
صَارَتْ تَقَاطُعَ أَسْلَاكٍ قَصَائِدُنَا ... وَغَابَ عُمْقُ المَعَانِي مِنْ مَرَافِيهَا
نَجْرِي وَرَاءَ لُهَاثِ "الْلَايْكِ" نَحْسَبُهُ ... مَجْداً، وَنَنْسَى هُنَا الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا
أَيْنَ الحُضُورُ وَأَيْنَ النَّبْضُ فِي زَمَنٍ ... بَاتَتْ شَاشَاتُهُ تُعْمِي أَمَانِيهَا؟
متابعة الكلمة الفكرية والأسئلة:
من وحي هذه الأبيات، ومن أفق موضوعنا المعنون بـ «المثقف والفاعل الثقافي بين الفضاء الرقمي والميداني»، أرى أننا نعيش مفترق طرق خطير. لقد منحتنا الشاشات الرقمية العبور والانتشار، لكنها انتزعت من الكلمة أثرها الميداني ونبضها الحي بين الناس.
وهنا أتوجه بأسئلتي الفكرية لضيفنا القدير الأستاذ عبد الرحمن بوطيب:
كيف يوازن المبدع بين طغيان "الاستهلاك السريع" في العالم الافتراضي الذي حوّل القصيدة لسلعة لحظية، وبين البناء الرصين لمشروع أدبي ميداني معمر؟
كيف تستطيع إدارة هذا المنتدى الشامخ والفاعلون الثقافيون، تحويل هذا الدفق الرقمي إلى حراك ميداني ملموس يجمع شتات الأجيال الجديدة ويسحبها من فتنة العزلة الافتراضية إلى هيبة الواقع؟
أجدد شكري وامتناني للدكتور محمد العبادي، ونائبه الفنان الدكتور مصطفى كور شيخ، والمشاكس الرائع الدكتور محمد ميموني، ودام "شعاع" منبراً لا ينطفئ. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الشاعر فوزي إبراهيم العدوى
طه عبد الرحمن
إلى عميد شعاع… للمقام تقديرُه، وللعطاء وفاؤُه
العميد الدكتور محمد أبو خروب العبادي، رئيس مجلس إدارة منتدى شعاع للأدباء والشعراء العرب،
لكم من التقدير ما يليق بمقامكم، ومن المودّة ما يجعل الشكر حديثَ قلبٍ قبل أن يكون حُسنَ عبارة؛ ففي رحاب الكلمة، يطيب الوفاء لمن يرعى مجلسها، ويحتفي بأهلها، ويؤمن بأن اجتماع العقول على الحوار أمرٌ يستحق الوقت والعناية.
إنّ عمادة الصرح الثقافي، في أنبل معانيها، ليست مقعدًا يتقدّم الصفوف، بل رعاية تجعل للآخرين مكانًا؛ بها يجد المبدع من يُنصت إليه، ويجد صاحب الرأي المختلف متّسعًا لقوله، ويشعر القادم إلى المنتدى أنه شريكٌ في المعنى، لا عابرٌ على هامشه. وذلك مقامٌ تزيده الرحابة رفعةً، ويمنحه القرب من الناس جماله الإنساني.
وفي مناسبة هذا اللقاء، يحسن أن يتّسع نظرنا إلى ما وراء الكلمات التي نسمعها؛ إلى الجهد الذي يهيّئ لها مجلسًا، والعناية التي تجمع أصحابها، والإرادة التي تحرص على أن يبقى للحوار موعد. فكما نقدّر من يمنحنا ثمرة فكره، نقدّر من يرعى أسباب اللقاء به، ويتيح لهذه الثمرة أن تبلغ قارئًا، وتوقظ سؤالًا، وتفتح باب معرفة.
ولاسم «شعاع» في هذا المقام إيحاءٌ جميل؛ فالشعاع لا يحتفظ بالضوء لنفسه، وإنما يدلّ عليه ويمنحه امتدادًا. وما أجمل أن تكون رعاية المنبر على هذا المعنى: إفساحًا للمواهب، وتقريبًا بين الرؤى، وفرحًا بما يضيفه كل صوتٍ إلى الحضور المشترك.
لكم، عميد المنتدى الكريم، تحيةٌ لا تفصل تقدير الراعي عن الوفاء لجميع العاملين معه؛ فلكل جهدٍ صادقٍ نصيبه من الامتنان، ولكل يدٍ تسهم في استمرار هذا اللقاء حقّها في الذكر الجميل. وفي الاعتراف بهذا التكامل يزداد المقام قدرًا، وتزداد المؤسسة رسوخًا في قلوب أهلها.
بارك الله فيكم، وأعانكم على أمانة الرعاية، وجعل ما تبذلونه في خدمة الأدب والفكر موصولًا بالنفع وحسن الأثر.
ولعل أصدق ما يُهدى إلى مقامكم دعاءٌ بأن يظلّ منتدى شعاع بيتًا يألفه المبدع، ويطمئن فيه المختلف، ويغادره الحاضر وفي نفسه رغبةٌ أصدق في القراءة والحوار والعطاء؛ فذلك ثناءٌ تكتبه الحياة، وتبقى للكلمات متعةُ التعبير عنه.
طه عبد الرحمن
الأستاذ الشاعر والناقد عبد الرحمن بوطيب، تحية تقدير واعتزاز.
تستوقفنا في تقديم الدكتور محمد ميموني تلك المسافة بين ما يكتبه المثقف وما يعيشه، وبين حضوره أمام الشاشة وأثره في الواقع؛ فهي تضعنا أمام سؤال يتجاوز قدرة الكلمة على الانتشار إلى قدرتها على إحداث تغيير. ومن هنا، نودّ أن نقترب من تجربتكم، حيث تصبح الممارسة شاهدًا على الفكرة، ويغدو الأثر معيارًا لفاعلية الحضور:
من خلال تجربتكم في الإبداع والنقد والفعل الثقافي، هل تستحضرون مبادرةً نجحتم فيها في تحويل التفاعل الرقمي إلى فعلٍ ثقافي ملموس في الميدان؟ وما الذي تعلّمتموه منها عن المسافة بين حماسة التفاعل على الشاشة والالتزام بالمشاركة على أرض الواقع؟
طه عبد الرحمن
الأستاذ عبد الرحمن بوطيب، تطرح استضافتكم سؤالًا يتجاوز حضور المثقف في الفضاء الرقمي إلى قدرته على تحويل هذا الحضور إلى أثر في حياة الناس؛ فالكلمة قد تبلغ جمهورًا واسعًا، لكنّ بلوغ العقول لا يعني دائمًا تحريك الإرادات.
من واقع تجربتكم، ما أصعب عائق واجهتموه في تحويل التفاعل مع مبادرة ثقافية على المنصات الرقمية إلى مشاركة فعلية في الميدان، وكيف تعاملتم معه؟
Saloua Filaly
الدكتور محمد أبو خروب العبادي… عميدٌ لا يحمل لقب القيادة فحسب، بل يحمل أمانة الحرف ورسالة الثقافة.
هناك رجالٌ لا تُقاس مكانتهم بما يتصدرون من مناصب، بل بما يتركونه من أثر، ولا تُعرف قيمة قيادتهم بكثرة ما يصدرون من توجيهات، بل بما يجمعون حولهم من قلوبٍ وعقول، وما يغرسونه في النفوس من روح الانتماء والعطاء. ومن هذا المقام، يحقّ لنا أن نقف بكل تقدير أمام قامة العميد الدكتور محمد أبو خروب العبادي، رئيس مجلس إدارة منتدى شعاع للأدباء والشعراء العرب، الذي جعل من هذا الصرح الثقافي مساحةً تتلاقى فيها الأقلام، وتتآلف فيها الرؤى، وتجد فيها المواهب سبيلًا إلى الظهور والنمو.
إن إدارة منتدى ثقافي بهذا الامتداد ليست مهمةً عابرة، بل مسؤولية تتطلب سعة الصدر، وحكمة التدبير، والإيمان بأن الثقافة رسالةٌ لا ينهض بها فردٌ وحده، وإنما تتكامل فيها الجهود وتتعاضد الإرادات. ومن هنا تتجلّى قيمة العميد في رعاية هذا الحراك، وفتح أبواب الحوار، وإتاحة المساحة للمبدعين كي يجعلوا من حروفهم جسورًا للتواصل، ومن اختلافهم ثراءً للفكر، ومن اجتماعهم قوةً للثقافة العربية.
أبا خروب، يا عميد الحرف وراعي شعاع الكلمة، إن المنتديات لا تصبح صروحًا بمجرد أسمائها، وإنما بما تنبض به من حياة، وما تحتضنه من مواهب، وما تحمله من رسالة. وما أجمل أن يجد الأديب فضاءً يُنصت إليه، وأن يجد الشاعر من يحتفي ببوحه، وأن يجد الناقد مجالًا يطرح فيه رؤيته؛ فتلك هي القيمة الحقيقية لأي مشروع ثقافي يسعى إلى البقاء والأثر.
ولعلّ أبهى ما في القيادة الثقافية أن تتحول من سلطة إدارة إلى أمانة رعاية، ومن موقع مسؤولية إلى مساحة احتواء، ومن اسمٍ في صدارة المشهد إلى روحٍ تسعى لأن يتقدّم الجميع. فالقائد الذي يمنح الآخرين فرصة التألق لا ينتقص ضوؤه، بل يزداد إشعاعًا بما يوقظه من أنوار.
كل التقدير والاحترام للعميد الدكتور محمد أبو خروب العبادي، عرفانًا بجهوده في خدمة الكلمة العربية، ورعاية هذا البيت الثقافي الذي يجمعنا على المحبة والإبداع.
دام شعاعُنا منارةً للفكر، ودام عميدُه راعيًا لمسيرته، وليبقَ منتدى شعاع شاهدًا على أن الحرف حين يجد من يصونه، يتحول من صوتٍ عابر إلى أثرٍ خالد.
سلوى الفيلالي
سماح ياقوت درويش
زمن المظهر غلب الجوهر.. حين تصبح الأصالة غريبة الأطوار
بقلم: الكاتبة د. سماح ياقوت فهمي درويش
مقدمة: في مواجهة الزيف
في زمنٍ تسيدت فيه السطحية وتصدرت المشهد، لم يعد يتساءل المرء عن عمق الفكرة ولا عن صدق الشعور، بل صار القياس بما يُعرض على الشاشات وبما تزوقه المجاملات المائعة. لقد غلب "المظهر" على "الجوهر"، وأصبحت الصورة البراقة مقدمةً على الحقائق الناصعة، حتى غدونا في واقعٍ مقلوب، يُستغرب فيه الصدق، وتُستنكر فيه الأمانة، ويُدهَش المرء إذا وجد احترامًا نقيًا خالصًا لوجه الإنسانية دون مصلحة أو قناع!
طيبة القلب.. بين الالتزام والتعدي على الخصوصية
وحين نأتي إلى المرأة في هذا الواقع المتناقض، نجد الإجحاف مزدوجًا؛ فعندما تخرج المرأة وتتحدث بطيب قلب، ويحركها صدقها ومحبتها للخير، يظن البعض أن هذا الصدق بساطٌ مُستباح، وأن طيبتها تفرضه عليها أن تكون رهن الإشارة في كل وقت وأي وقت! ينسون أو يتغافلون أنها إنسانة لها حياتها، ومسؤولياتها، وثقل أيامها، وبيتها، وتوازنه النفسي.
وإذا ما قررت في لحظةٍ ما أن تطوي قلبها قليلًا، أو أن تبتعد لتلتقط أنفاسها وتقول: «لن أتحدث الآن»، تتغير نبرة المجتمع فجأة؛ لتُرمى بتبلد الشعور، وتُوصف بـ «غريبة الأطوار»!
فماذا يجب أن نفعل في مجتمعٍ أضحى أحيانًا ينصفك، وأحيانًا كثيرة يصدمك بجفائه وقسوته؟
بين إنصاف الواقع وصدماته.. أين نقف؟
إنها المعضلة التي تجعل الفكر يحتار، والنفس تتألم. كيف نتعامل مع واقعٍ يصفق لك اليوم إذا جاريته في مجاملاته، ويسدد لك طعنة النقد والاتهام غدًا إذا أردت أن تكون نفسك فقط؟
والإجابة المضيئة رغم كل هذا الظلام هي: نحن لا نتغير.
فالإنسان الحقيقي، الذي يعرف قدر نفسه، وينهل من نبع قيمه الدينية والأخلاقية الراسخة، لا تهزه رياح النفاق ولا تغيره تقلبات الأسطح؛ إنه لا يهتم بقيل وقال، ولا يرتهن تقييمه ذاته برضا الناس أو سخطهم.
ختامٌ وحسرة:
ولكن، لنسكب قطرة من الصدق في نهاية المطاف: عدم الاهتمام لا يعني عدم الحزن.
نحن لا نتغير، نعم.. لكننا نحزن. نحزن في أعماقنا على مجتمعٍ غرق حتى أذنيه في عشق الظاهر، ونفض يديه من الجوهر، مجتمعٍ أضاع البوصلة وبات يستغرب النبل، ويعاقب التلقائية، ويثيب التصنع.
ورغم كل شيء، سنظل هنا، نغرس الصدق وإن كان غريبًا، ونمارس الاحترام وإن صار نادرًا، ونحتفظ بطيبة قلوبنا دون أن نجعلها مشاعًا؛ فالنور يظل نورًا وإن اعتاد الناس على العتمة.
د. سماح ياقوت فهمي درويش
كاتبة وباحثة
Abdou Bout
الأديبة الفاضلة منى السيد حمود، سورية،
شكرا لكم على هذا النص الذي يذهب إلى صميم الإشكال الثقافي الراهن، ويضع الكلمة أمام مسؤوليتها الأخلاقية والإنسانية، بعيدا عن إغراء الظهور ومقاييس الانتشار العابر.
لقد لامستم جوهر الرهان حين نقلتم السؤال من سلطة الحضور إلى أخلاق الأثر؛ فليس المهم أن تبلغ الكلمة أكبر عدد من المتلقين فحسب، بل أن تجد فيهم ما يستحق الإصغاء والتفكير، وأن تترك في وعيهم ما يفتح أفقا جديدا للفهم والمراجعة. ومع ذلك، فإنني أرى أن الظهور ليس نقيضا للتأثير، كما أن الانتشار ليس بالضرورة علامة على السطحية؛ فالمسألة تتعلق بما نحمله إلى الناس، وبمدى قدرتنا على جعل الوسيلة في خدمة الرسالة، لا العكس.
ومن واقع تجربتي الثقافية في الفضاءين الرقمي والميداني، أجد أن التحدي يكمن في بناء صلة حقيقية بين الكلمة وممارستها، وبين ما ندعو إليه وما نحرص على تجسيده في علاقاتنا بالآخرين. فالفضاء الرقمي يمكن أن يكون بداية لقاء معرفي وإنساني، كما أن العمل الحضوري يمنح هذا اللقاء فرصا أوسع للتفاعل المباشر والتعاون. وما نطمح إليه هو أن يظل الفضاءان متكاملين، وأن تتحول الكتابة والنشر والحوار إلى روافد لفعل ثقافي متجدد، لا إلى مظاهر حضور تنتهي بانتهاء لحظتها.
وقد توقفت عند إشارتكم إلى المسافة بين الخطاب والممارسة، لأنها تمثل أحد أصعب اختبارات المثقف. فليس من اليسير دائما أن تتطابق القناعات مع المواقف في جميع الظروف، لكن المسؤولية تبدأ من السعي الصادق إلى تقليص هذه المسافة، ومن الاستعداد لمراجعة الذات قبل مطالبة الآخرين بالمراجعة.
شكرا لكم، أديبتنا الكريمة، على هذه المساهمة الوازنة التي تثري نقاش "لقاء الأسبوع"، وعلى هذا التذكير الجميل بأن قيمة الثقافة لا تكمن في أن تجعلنا أكثر حضورا فحسب، بل في أن تجعل حضورنا أكثر معنى، وكلمتنا أكثر مسؤولية، وعلاقتنا بالإنسان أكثر وعيا وصدقا.
مع خالص المودة والتقدير، ودام قلمكم منفتحا على أسئلة الثقافة والإنسان.
Abdou Bout
الأديبة والشاعرة خيرة رحماني، المحترمة،
كل الشكر والتقدير لكم على هذه المداخلة الغنية، التي تقدم تصورا متكاملا للمثقف، لا بوصفه حاملا للمعرفة فحسب، بل باعتباره ضميرا يقظا، يجعل من المعرفة وسيلة لفهم الواقع، ومن التفكير النقدي سبيلا إلى مساءلة الأفكار، ومن الكلمة مسؤولية تجاه الإنسان والمجتمع.
وقد استوقفني في طرحكم تأكيدكم أن الثقافة لا تختزل في الشهادات أو في تراكم المعارف، وإنما تتجلى في عمق الفهم، واستقلال التفكير، والقدرة على وصل المعرفة بالحياة والأخلاق. وهي إشارة مهمة، لأن ما يمنح المثقف قيمته ليس ما يعرفه وحده، بل ما يفعله بهذه المعرفة، وكيف يترجمها إلى وعي وموقف وممارسة.
وأثمن كذلك تنبيهكم إلى أن المثقف ليس مطالبا بأن يكون معارضا للسلطة في كل الأحوال، ولا قائدا للجماهير بالضرورة؛ فجوهر دوره، في تقديري، أن يحتفظ باستقلال ضميره، وأن يجعل موقفه ثمرة اقتناع وبحث، لا استجابة لضغط أو مسايرة لمصلحة. فالاستقلالية ليست في معارضة دائمة، بل في امتلاك القدرة على النقد حين تقتضيه الحقيقة، وعلى التوافق حين يسنده الاقتناع، مع الوفاء للقيم الإنسانية والعدل والحرية.
وفي سياق حديثنا عن المثقف في الفضاءين الرقمي والميداني، تكتسب إشارتكم إلى مسؤولية الكلمة أهمية خاصة؛ إذ لم يعد كافيا أن نمتلك منابر للتعبير أو نحقق حضورا واسعا، بل أصبح السؤال متعلقا بما نزرعه من وعي، وما نفتح من آفاق للتفكير والحوار، وما نستطيع تحويله من أفكار إلى مبادرات ذات أثر. وهنا تتجلى مسؤولية المثقف في الواقع والمواقع معا.
شكرا لكم أديبتنا الفاضلة على هذا الإسهام الذي يغني النقاش ويمنحه بعدا إنسانيا وأخلاقيا واضحا. مع خالص المودة والتقدير، ودام عطاؤكم الأدبي والفكري جسرا نحو مزيد من الوعي والجمال.
Abdou Bout
تساؤل ثان مطروح، وجواب ذاتي مشروع، انطلاقا من روح رسالة البرنامج الكبير:
ما محدودية دور عبد الرحمن بوطيب الثقافي بوصفه فاعلا في الساحة؟
في حالتي، يمكن النظر إلى محدودية التجربة من مستويات عدة:
أولها محدودية الإمكانات، فالعمل الثقافي الذي يعتمد بدرجة كبيرة على المبادرة الشخصية والجهد التطوعي يصطدم، عاجلا أو آجلا، بضيق الوقت والموارد، وبالحاجة إلى فريق متفرغ، وإلى إمكانات تقنية وتنظيمية ومالية تضمن استمرارية العمل وتطويره. وقد يستطيع الاجتهاد الفردي إطلاق مشاريع متعددة، لكنه لا يستطيع وحده أن يمنحها جميعا شروط النمو المؤسسي الذي تحتاج إليه.
وثانيها محدودية الانتقال من الانتشار إلى التأثير، فقد تنجح المبادرة في نشر عدد كبير من النصوص والدراسات، وفي التعريف بأسماء وتجارب متنوعة، لكن السؤال الأصعب يظل قائما: إلى أي حد يتحول هذا النشاط إلى قراءة فعلية، وإلى حوار نقدي مستمر، وإلى حضور في المؤسسات التعليمية والبحثية، وإلى فرص نشر وتعاون تتجاوز المنصة التي احتضنت المبادرة؟ إن هذا الانتقال يحتاج إلى آليات متابعة وتقييم، وإلى شراكات تتيح للمحتوى الثقافي أن يغادر حدود النشر الرقمي نحو مجالات أوسع من التداول والتأثير.
وثالثها محدودية التراكم المؤسسي، فحين ترتبط مشاريع متعددة بشخص واحد، يصبح هذا الشخص، بحكم حرصه على الاستمرار، مركزا لجزء كبير من العمل، وهو ما قد يمنح التجربة وحدة في الرؤية، لكنه قد يجعلها أيضا شديدة الارتباط بجهده الفردي. ومن هنا تبرز الحاجة إلى توزيع المسؤوليات، وتأهيل فرق العمل، وتطوير آليات واضحة للتسيير والتوثيق والتقييم، حتى تصبح المشاريع قادرة على الاستمرار والتجدد، ولا تتوقف عند حدود طاقة صاحبها أو حضوره.
ورابعها محدودية الحضور الميداني مقارنة بإمكانات الفضاء الرقمي، فالتواصل عبر الشاشات، مهما كان واسعا، لا يعوض جميع أشكال اللقاء المباشر، ولا يتيح دائما التعرف إلى الحاجات الثقافية المحلية، أو الاشتغال المنتظم مع المؤسسات التعليمية والجمعيات والفضاءات الثقافية. ومن ثم، فإن تطوير التجربة يقتضي العمل على بناء علاقات أكثر انتظاما مع المحيط الميداني، وفق الإمكانات المتاحة، لا الاكتفاء بما توفره المنصات من فرص للتواصل عن بعد.
وهناك أيضا محدودية يفرضها تعدد مجالات الاشتغال. فالانخراط في الكتابة الإبداعية والنقد، إلى جانب إدارة البرامج والمنابر الثقافية ومواكبة تجارب الآخرين، يتيح تنوعا في الرؤية والخبرة، لكنه يطرح في المقابل سؤال توزيع الجهد والأولويات. إذ قد يؤدي تعدد المشاريع إلى تشتت جزء من الطاقة التي كان يمكن توجيهها نحو تعميق بعض المبادرات، أو متابعة نتائجها، أو تطوير مشروع بعينه حتى يبلغ درجة أكبر من النضج والاستقرار.
ولا أرى في الإقرار بهذه الحدود انتقاصا من قيمة العمل، بل أعتبره شرطا من شروط تطويره. فالمثقف الذي يشتغل في أكثر من مجال مطالب بأن يسأل نفسه باستمرار: ما الذي ينبغي أن أستمر فيه؟ وما الذي يحتاج إلى تفويض أو شراكة؟ وأي المشاريع يستحق مزيدا من الاستثمار؟ وكيف يمكن الانتقال من كثرة المبادرات إلى تعميق أثرها؟
ومع ذلك، ينبغي ألا نحمّل الفاعل الثقافي الفردي وحده مسؤولية كل ما لم يتحقق. فبعض الحدود يرتبط بضعف التنسيق بين المؤسسات الثقافية، ومحدودية التمويل، وصعوبة بناء شراكات طويلة الأمد، وغياب آليات كافية لتثمين العمل الثقافي التطوعي. وهذه مشكلات تتطلب مقاربة جماعية، لأن الثقافة ليست مسؤولية الكاتب أو الناقد أو مدير المنصة وحده، وإنما مسؤولية مشتركة تتقاطع فيها أدوار الأفراد والمؤسسات والمجتمع.
ومن هنا، فإنني أرى أن تطوير تجربتي يمر عبر الانتقال من منطق المبادرة التي تعتمد على الجهد الشخصي إلى منطق العمل الثقافي التشاركي، ومن النشر المتواصل إلى متابعة الأثر، ومن تعدد الأنشطة إلى بناء مشاريع أكثر استقرارا ووضوحا في أهدافها، ومن التواصل الرقمي الواسع إلى علاقات أكثر تكاملا بين الفضاء الرقمي والميدان.
ولعل أهم ما ينبغي أن أضعه أمام نفسي هو أنني، مثل أي فاعل ثقافي آخر، لست مطالبا بأن أكون حاضرا في كل مجال، أو أن أستجيب لكل انتظارات الساحة، وإنما بأن أكون أكثر وعيا بما أستطيع إنجازه، وأكثر دقة في تحديد أولوياتي، وأكثر استعدادا لإشراك الآخرين في المسؤولية.
وخلاصة موقفي أن تجربتي الثقافية المتواضعة يمكن النظر إليها بوصفها تجربة مبادرة وانخراط متعدد الواجهات، لكن تقدير نجاحها الفعلي يظل رهينا بما يمكن إثباته من نتائج وآثار، لا بحجم الحضور وحده. أما محدوديتها، فلا تكمن بالضرورة في غياب الجهد أو تعدد مجالاته، بل في التحدي الدائم المتمثل في تحويل هذا الجهد إلى أثر أعمق، وتراكم أكثر استدامة، وشراكات أوسع.
وأعتقد أن الاختبار الأهم لأي فاعل ثقافي ليس أن يثبت أنه فعل الكثير، بل أن يستطيع أن يميز بين ما أنجزه وما بقي عليه إنجازه، وأن يجعل من هذه المسافة بين المنجز والمأمول منطلقا لتجديد العمل، لا سببا للدفاع عن التجربة أو التقليل من قيمتها.
زهرة البيلسان حسن
هل أتاح الفضاء الرقمي للمثقف أثرا أوسع؟ احسب أنه أتاح له صوتأ أبعد .أما الأثر فيظل رهين صدق الكلمة وثباتها .فالمقاييس تحصي المتابعين ،ولاتحصي ما يتركه الحرف في الأرواح .وان المثقف الذي يصون استقلال صوته وسط ضجيج المنصات ثم ينزل بكلمته إلى الناس ،هو من يحول الظهور إلى رسالة .
بوركت الاسئله .بوركت هذه التجربة التي تصغي إليها اليوم باحترام .
Abdou Bout
كلمة شكر وامتنان
الفاعل الثقافي المسؤول رافعة أساس لتجذير الثقافة الجادة
بعض اللقاءات تترك في النفس أكثر من أثر، لأنها لا تنتهي بانتهاء الحوار، بل تظل بما حملته من دفء إنساني، وما أتاحته من تقاسم للأفكار والمشاعر، وما نسجته من خيوط المودة بين القلوب والكلمات.
من هذا الشعور، أتوجه بخالص المحبة والتقدير إلى منبر مجلة "منتدى شعاع للأدباء والشعراء العرب"، الذي احتضنني ضيفا على برنامجه الثقافي "لقاء الأسبوع"، وأتاح لي فرصة تقاسم بعض هواجسي وأسئلتي حول تجربة المثقف بين الفضاء الرقمي والفضاء الميداني، بما يحمله هذا الموضوع من انشغالات تمس جوهر العمل الثقافي ورهاناته الإنسانية.
وإلى مدير اللقاء، الدكتور محمد ميموني، أبعث بتحية تقدير وامتنان، لما أحاط به الحوار من اهتمام، وما أضفاه على اللقاء من حسن إدارة وطيب إنصات، وما فتحه من نوافذ للتأمل في أسئلة الثقافة وأدوار المثقف وحدود ما يستطيع أن يقدمه في عالم تتسارع تحولاته وتتجدد انتظاراته.
كما أحيي بكل مودة الطاقم الإداري للمنبر، وكل الأيادي التي اشتغلت في هدوء خلف هذا اللقاء، لتمنحه شروط انعقاده وأسباب نجاحه. فخلف كل مبادرة ثقافية صادقة جهود قد لا تظهر كلها للعيان، لكنها تظل حاضرة في جمال ما يتحقق، وفي تلك المساحة التي يجد فيها الأدباء والمبدعون أنفسهم بين أهلهم، ويتقاسمون معهم متعة الكلمة وقلق السؤال.
أما رواد البرنامج، من تفاعلوا مع اللقاء بكلماتهم وملاحظاتهم وإضاءاتهم، فلهم مني أصدق عبارات الشكر وأطيب مشاعر الامتنان. لقد منحتم الحوار شيئا من أرواحكم، وجعلتم من المتابعة مشاركة، ومن الاختلاف الممكن فرصة للتقارب، وأكدتم أن الكلمة حين تجد من يصغي إليها ويتفاعل معها، تصبح أكثر حياة، وتتجاوز حدود صاحبها إلى فضاء أرحب من التبادل الإنساني والثقافي.
لقد سعدت بهذا اللقاء، لا لأنه أتاح لي الحديث عن تجربتي فحسب، بل لأنه منحني أيضا فرصة الإصغاء إلى أسئلة الآخرين، واستعادة بعض ما راكمته من اجتهادات وتأملات، والنظر إلى ما تبقى من الطريق بعين أكثر انفتاحا على المراجعة والتطوير. فالتجارب الثقافية، مهما امتد مسارها، تظل في حاجة إلى من يحاورها بمحبة، ويسائلها بوعي، ويشارك صاحبها عبء الأسئلة وأمل الاستمرار.
إلى أسرة "منتدى شعاع للأدباء والشعراء العرب"، وإلى الدكتور محمد ميموني، وإلى الطاقم الإداري، وإلى كل من رافق هذا اللقاء بحضوره وتفاعله، أقول: شكرا لكم على هذا الاحتضان الطيب، وعلى ما أحطتم به التجربة من اهتمام إنساني وثقافي، وعلى هذه المساحة التي جمعتنا حول الكلمة، لا بوصفها مادة للحوار فحسب، بل جسرا للمودة والتواصل.
دام لمنبركم وهج المبادرة، ولبرنامجكم دفء اللقاء، وللكلمة العربية فضاؤها الرحب الذي يجمعنا، مهما تباعدت الأمكنة، على محبة الإبداع والإيمان بأن الثقافة، في أعمق معانيها، هي ما يقرب الإنسان من الإنسان.
بكل المحبة والتقدير والوفاء
ضيف البرنامج: عبد الرحمن بوطيب - المغرب
Abdou Bout
من القلب، شكرا لكم دكتور معن محافظة على هذا الترحيب الجميل، وعلى ما غمرتموني به من مشاعر صادقة وكلمات دافئة تركت في نفسي أثرا طيبا واعتزازا كبيرا.
يسعدني أن أكون بين إخوتي وأخواتي في رحاب منتدى شعاع للأدباء والشعراء العرب، حيث تجمعنا محبة الكلمة، وشغف الإبداع، والإيمان بأن الثقافة أجمل حين تصبح مساحة للقاء الإنساني، وتبادل المحبة، وتقاسم الأسئلة والأحلام.
وما أجمل أن يلتقي أهل الأدب لا ليتحدث كل واحد منهم عن تجربته فحسب، بل ليصغي إلى الآخرين، ويتقاسم معهم ما يضيء الطريق، ويمنح الكلمة روحا جديدة. فالأدب، في نظري، ليس ما نكتبه وحده، بل ما نبنيه به من جسور بين القلوب والعقول، وما نتركه في نفوس الآخرين من أثر طيب.
أشكركم على كرم الاستقبال ونبل المشاعر، وأحيي كل القائمين على هذا المنتدى الجميل، وفي مقدمتهم أخي الدكتور محمد ميموني، الذي نعتز بجهوده في جمع المبدعين وفتح نوافذ الحوار بينهم.
أرجو أن يكون لقاؤنا هذا مناسبة لمزيد من الألفة والتفاعل، وأن نخرج منه بقلوب أكثر قربا، وأفكار أكثر غنى، ومحبة أكبر للكلمة وأهلها.
لكم مني جميعا محبة صادقة وتقدير كبير، ودام منتدى شعاع بيتا دافئا يجمعنا على المحبة والإبداع، ويمنح للكلمة الجميلة فرصة أن تصل، وللإنسان فرصة أن يلتقي بالإنسان.
Abdou Bout
تساؤل أول مطروح، وجواب ذاتي مشروع، انطلاقا من روح رسالة البرنامج الكبير:
إلى أي حد يمكن اعتبار تجربة عبد الرحمن بوطيب الثقافية، الرقمية والحضورية، نموذجا موفقا؟
أعتقد أن الإنصاف يقتضي أن ننظر إلى التجربة من زاويتين متكاملتين: زاوية المبادرة وما أتاحته من إمكانات، وزاوية النتائج ومدى قدرتها على إحداث أثر ثقافي يتجاوز حدود المبادرة ذاتها.
من حيث المبادرة، أعتبر أن تجربتي في الكتابة والإبداع والنقد والعمل الثقافي، وما ارتبط بها من انخراط في إدارة مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية وتطوير برامجها، تمثل محاولة لبناء فضاء ثقافي متعدد الاهتمامات، يتيح للكلمة الإبداعية والنقدية أن تجد طريقها إلى المتلقي، ويمنح المبدعين والباحثين فرصا للتعريف بأعمالهم، ويفتح أمام التجارب المختلفة إمكانات للتواصل والتفاعل.
لقد أتاح الفضاء الرقمي توسيع مجال هذا الاشتغال، وتجاوز بعض الحواجز الجغرافية والمؤسساتية التي ظلت تحد من انتشار كثير من الأصوات الإبداعية. كما سمح بتعدد أشكال المبادرة، من نشر النصوص والدراسات إلى تنظيم اللقاءات والحوارات، وتوثيق التجارب، وبناء جسور للتواصل بين مبدعين من بيئات ثقافية مختلفة.
وتكمن أهمية هذه التجربة، في تقديري، في محاولة الانتقال من مجرد النشر الفردي إلى بناء فضاء ثقافي يتيح للآخرين المشاركة والحضور. فهناك فرق بين أن يستخدم المثقف المنصات للتعريف بإنتاجه الخاص، وأن يسعى إلى توظيفها لاحتضان تجارب متعددة، وإتاحة الفرص أمام أصوات قد لا تجد بسهولة طريقها إلى المنابر التقليدية. وهذا البعد التشاركي هو أحد المعايير التي أرى ضرورة الاحتكام إليها في تقويم تجربتي.
أما في ما يتعلق بالحضور الميداني، فلا ينبغي أن نحصره في عدد اللقاءات أو الأنشطة التي يشارك فيها المثقف، وإنما في طبيعة علاقاته بالمحيط الثقافي، ومدى انخراطه في المبادرات المشتركة، وقدرته على تحويل التواصل إلى تعاون، والتعارف إلى مشاريع قابلة للاستمرار. فالعمل الثقافي لا ينمو بالجهد الفردي وحده، بل يحتاج إلى شبكة من العلاقات الإنسانية والمؤسساتية التي تتقاسم الرؤية والمسؤولية.
ومع ذلك، لا أجد من الموضوعية أن أصف التجربة بأنها نموذج مكتمل أو أن أعتبرها ناجحة في جميع مستوياتها. فوجود المبادرة واستمرارها لا يكفيان وحدهما لإثبات حجم أثرها، كما أن اتساع دائرة النشر لا يعني بالضرورة أن هذا الاتساع قد تحول إلى حضور مماثل في الحياة الثقافية الميدانية. إن الحكم المنصف يحتاج إلى النظر في نوعية الأعمال المنشورة، ومدى استجابة الجمهور لها، والفرص التي أتاحتها للمبدعين، واستمرارية المشاريع، وما نتج عنها من تعاون أو تراكم معرفي وإبداعي.
ثم إن نجاح أي تجربة ثقافية يظل نسبيا، لأنه يتأثر بالإمكانات المتاحة، وبالظروف الاجتماعية والمؤسساتية، وبطبيعة الجمهور المستهدف، وبمدى قدرة المبادرة على تجديد نفسها والاستجابة للتحولات.
لذلك، إذا أردت أن أقدم تقييما لتجربتي، فسأقول إنها تجربة اجتهاد ومبادرة، حققت إمكانات في مجال النشر والتواصل وفتح فضاءات للتعبير، لكنها تظل مفتوحة على التقويم والتطوير. وأفضل ما يمكن أن تقدمه لنفسها وللآخرين ليس الادعاء بأنها نموذج يحتذى في كل شيء، بل أن تجعل من تجربتها مجالا للتعلم، وأن تسمح بطرح الأسئلة حول مكاسبها ونقائصها معا.
فالنموذج الثقافي الحقيقي لا يقوم على خلو التجربة من الحدود، وإنما على وضوح رؤيتها، وقدرتها على الاعتراف بنقائصها، واستعدادها لتحويل النقد إلى فرصة للتطوير.
Abdou Bout
وفي تقديري، لا تعني الاستقلالية أن يكون المثقف معارضا لكل شيء، أو أن يتخذ موقفا مضادا لمجرد إثبات استقلاله؛ فقد يلتقي موقفه مع موقف مؤسسة أو جهة ما، من دون أن يفقد استقلاله، ما دام هذا الالتقاء ناتجا عن اقتناع حر، لا عن تبعية أو انتظار لمقابل. فالاستقلالية ليست في طبيعة الموقف وحدها، بل في الطريق الذي أوصل إليه، وفي قدرة صاحبه على مراجعته متى ظهرت معطيات جديدة، وعلى الدفاع عنه بالحجة، لا بالمكابرة.
وخلاصة ما انتهيت إليه من تجربتي الرقمية والميدانية أن استقلالية المثقف ليست امتيازا يتحقق مرة واحدة، بل توازن شاق ومتجدد بين المبدأ والواقع، وبين الحرية والمسؤولية، وبين الحاجة إلى التعاون وضرورة الاحتفاظ بمسافة نقدية. وقد لا يستطيع المثقف التحرر من جميع الضغوط، لكنه يستطيع أن يحد من تأثيرها حين يعرف ما الذي لا يريد التفريط فيه، وحين يبني مشروعه على وضوح الرؤية، ويحرص على تنويع فضاءات اشتغاله وعلاقاته، ولا يربط قيمته برضا جهة واحدة أو اعتراف منبر واحد.
إنني أؤمن بأن الثقافة التي لا تسمح بالاختلاف تفقد جزءا من معناها، وأن المؤسسة التي تخشى السؤال تضعف قدرتها على التجدد، وأن المثقف الذي يتخلى عن استقلال حكمه يفقد، تدريجيا، أهم ما يمنح كلمته قيمتها. لذلك فإن الرهان ليس أن نطالب المثقف بالشجاعة وحدها، بل أن نعمل أيضا على بناء بيئة ثقافية تجعل ممارسة هذه الشجاعة ممكنة، وتمنح الاختلاف حقه في الوجود، وتتيح للكلمة أن تظل وفية لقناعتها ومسؤوليتها الإنسانية.
شكرا لك أخي محمد على هذا السؤال الذي ينقل النقاش من الحديث عن استقلالية المثقف بوصفها قيمة مجردة إلى مساءلة شروطها الفعلية، وهو في نظري من الأسئلة التي ينبغي أن تظل مفتوحة داخل كل تجربة ثقافية تسعى إلى أن تكون حرة، ومسؤولة، وقادرة على التأثير.
مع خالص مودتي وتقديري، أخي محمد ميموني.
Mohammed Mimouni
Abdou Bout
أخي العزيز الدكتور محمد ميموني، مشاكس المعنى،
Mohammed Mimouni
تساءلتم:
فيما يتعلق بفكرةٍ استقلالية المثقف واكراهات الواقع
إلى أي حد يستطيع المثقف الحفاظ على استقلالية موقفه في ظل الضغوط الاجتماعية والسياسية والثقافية، وأحيانًا في ظل علاقات المصالح داخل المؤسسات والفضاءات الثقافية؟ وهل الاستقلالية موقف مبدئي فقط، أم أنها تحتاج أيضًا إلى شروط مادية ومؤسساتية تحميها؟
جوابا، متواضعا، على تساؤلكم الشاخص، أقول:
أعتقد أن سؤال استقلالية المثقف من الأسئلة الجوهرية التي لا يمكن مقاربتها بمعزل عن شروط اشتغاله، وطبيعة علاقته بالمجتمع والمؤسسات والفضاءات التي يتحرك داخلها. فالاستقلالية، في تصوري، ليست شعارا يرفعه المثقف، ولا موقفا مبدئيا يعلنه ثم يطمئن إلى امتلاكه، وإنما هي ممارسة يومية تتعرض للاختبار كلما وجد نفسه أمام إغراء أو ضغط أو مصلحة قد تدفعه إلى التنازل عن جزء من قناعته أو مجاملة ما لا ينسجم مع رؤيته.
ومن خلال تجربتي الثقافية، الرقمية منها والحضورية الميدانية، أرى أن استقلالية المثقف لا تعني أن يعيش خارج المجتمع، أو أن يقطع صلته بالمؤسسات والفاعلين الثقافيين، أو أن يتخذ من الاختلاف غاية في ذاته؛ بل تعني أن يحتفظ بحقه في التفكير والتقدير والاختيار، وأن يظل قادرا على التعبير عن موقفه دون أن يتحول انتماؤه إلى مؤسسة، أو علاقته بفاعل ثقافي، أو حاجته إلى الاعتراف والدعم، إلى قيد يحدد له ما ينبغي أن يقول وما يجب أن يصمت عنه.
في تجربتي الميدانية، تعلمت أن العمل الثقافي لا يقوم على الأفكار وحدها، بل يحتاج إلى علاقات إنسانية، وتعاون، وتدبير للاختلاف، وقدرة على بناء مساحات مشتركة بين أشخاص لا يتطابقون بالضرورة في الرؤى والمواقف.
هذه العلاقات، على أهميتها، قد تتحول أحيانا إلى مصدر ضغط حين تختلط الشراكة الثقافية بحسابات المصالح، أو حين يصبح الحفاظ على العلاقة أهم من قول الحقيقة، أو حين يُطلب من المثقف أن يساير موقفا لا يقتنع به مقابل الاستمرار في فضاء معين، وهنا تتجلى قيمة الاستقلالية، ليس في رفض كل علاقة، بل في القدرة على التمييز بين التعاون الذي يغني التجربة، والتبعية التي تنتقص من حرية القرار.
أما في الفضاء الرقمي، فقد أتاح لي الاشتغال على تجربة "مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية" فرصة أوسع للتواصل مع مبدعين ونقاد من بيئات متعددة، وللتعريف بالتجارب الأدبية والفكرية، وفتح المجال أمام تعدد الأصوات وتبادل الرؤى، لكنه أتاح لي، في الوقت نفسه، معاينة بعض الإكراهات المرتبطة بثقافة الانتشار وسرعة التفاعل، وبما قد ينشأ من حساسيات أو مجاملات أو رغبة في استرضاء المتابعين.، فالمنصات الرقمية، مثلما توسع إمكانات التعبير، قد تدفع صاحبها إلى قياس قيمة ما يقدمه بمقدار التفاعل الذي يحظى به، أو إلى تجنب بعض الموضوعات خشية خسارة جمهور أو إغضاب جهة. ولذلك أرى أن استقلالية المثقف في هذا الفضاء تبدأ من رفض تحويل الإعجابات والمشاهدات إلى مرجعية تحدد له قناعاته أو توجه خطابه.
ومع ذلك، لا أعتقد أن الفضاء الرقمي أكثر حرية بالضرورة من الفضاء الحضوري، ولا أن الميدان أكثر خضوعا بالضرورة للضغوط. لكل فضاء إكراهاته الخاصة؛ ففي الميدان قد تظهر الضغوط في العلاقات المباشرة، وفي حسابات المؤسسات والاعتبارات الاجتماعية، بينما قد تتخذ في العالم الرقمي صورة الاستقطاب، والتشهير، وسرعة الأحكام، وضغط الخوارزميات. وما يحمي المثقف في الحالتين هو وضوح مشروعه الثقافي، واستقلال حكمه، وحرصه على أن تكون علاقاته ووسائله في خدمة رسالته، لا أن تصبح رسالته رهينة لها.
لكن هل تكفي الإرادة الفردية وحدها لحماية الاستقلالية؟ أرى أن الجواب هو لا. فالموقف المبدئي ضروري، لكنه لا يعيش في فراغ. إن المثقف يحتاج أيضا إلى شروط مادية ومؤسساتية تساعده على ممارسة حريته دون أن يظل تحت رحمة الحاجة أو الارتهان. ومن هذه الشروط وجود مؤسسات ثقافية تحترم التعدد، ومعايير واضحة وعادلة للدعم والنشر والمشاركة، وفضاءات تضمن حق الاختلاف، وتفصل بين التقييم الثقافي والمواقف الشخصية، إلى جانب توفير إمكانات مادية تتيح للمثقف أن يواصل عمله بقدر معقول من الاستقلال. فحين يصبح المورد أو المنبر أو فرصة النشر أداة للمكافأة والعقاب، تتعرض حرية الموقف للاهتزاز، حتى لدى من يمتلكون شجاعة التعبير.
ومن هنا، فإن مسؤولية الاستقلالية لا تقع على المثقف وحده؛ إنها مسؤولية مشتركة بينه وبين المؤسسات والفاعلين الثقافيين والمجتمع. فالمثقف مطالب بمراجعة ذاته، ومقاومة إغراء المنفعة السريعة، والتمييز بين المرونة في إدارة العلاقات والتنازل عن المبادئ. والمؤسسة مطالبة، في المقابل، بأن توفر مناخا يسمح بالنقد والاختلاف، وألا تجعل القرب الشخصي أو الولاء معيارا للاعتراف بالكفاءة. أما المجتمع الثقافي، فهو مدعو إلى ترسيخ ثقافة تقبل تعدد المواقف، فلا تحوّل الاختلاف إلى خصومة، ولا تجعل النقد سببا للإقصاء.
Abdou Bout
Mohammed Mimouni
أخي العزيز الدكتور محمد ميموني، مشاكس المعنى،
شكرا لك على هذه القراءة المتأنية التي لم تكتف بالتفاعل مع مضامين الطرح، بل ذهبت إلى مساءلة رهاناته، ووسعت النقاش نحو السؤال الأهم: كيف ننتقل من مجرد الحضور في الفضاءين الرقمي والحضوري إلى بناء صلة حية بينهما، تجعل الثقافة فعلا متجددا في حياة الناس؟
أتفق معك في أن الرهان ليس في تعدد المنصات ولا في كثافة الأنشطة، بل في قدرتنا على بناء جسور تصل المعرفة بالممارسة، والحوار بالمبادرة، والكلمة بحاجات الإنسان وأسئلته اليومية. كما أشاركك تقديرك لأهمية استعادة الفضاءات الثقافية العامة، من المقهى الأدبي إلى المركز الثقافي، ومن لقاءات المبدعين إلى المبادرات التي تتيح للشباب أن يجدوا في الثقافة مجالا للتعبير والمشاركة واكتشاف الذات والآخر.
ولعل ما يستحق التأكيد هنا هو أن الانتقال من التفاعل الرقمي إلى الفعل الميداني لا يحتاج دائما إلى مشاريع كبرى أو إمكانات استثنائية؛ فقد يبدأ بموعد ثقافي منتظم، أو حلقة قراءة، أو حوار مفتوح، أو مبادرة تجمع المبدعين بقرائهم في فضاء إنساني مباشر. المهم أن نمتلك وضوح الرؤية، واستمرارية العمل، والإيمان بأن الأثر الحقيقي لا تصنعه كثرة المبادرات بقدر ما تصنعه قدرتها على الاستمرار والتجذر في محيطها.
ومن هذا المنطلق، أرى أن تجربة "مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية" تتيح لنا التفكير في كيفية جعل الفضاء الرقمي نقطة انطلاق لمزيد من التواصل والتعاون، لا محطة أخيرة ينتهي عندها الفعل الثقافي. فكلما نجحنا في تحويل التفاعل إلى معرفة متبادلة، والمعرفة إلى مبادرات ممكنة، اقتربنا من ثقافة لا تكتفي بوصف الواقع، بل تسهم، بقدر استطاعتها، في إغنائه وتغييره.
أخي محمد، لعل أجمل ما في مداخلتك أنها أعادت السؤال إلينا جميعا، بوصفه مسؤولية مشتركة لا مهمة فردية: ماذا نستطيع أن نفعل، كل من موقعه، كي لا تظل الثقافة موضوعا نتحدث عنه، بل قيمة نعيشها وممارسة نتقاسمها؟ وأحسب أن المبادرات الصغيرة التي دعوت إليها ليست صغيرة في أثرها بالضرورة؛ فقد تكون، حين تصدر عن صدق وتستند إلى الاستمرار، بداية مسار أوسع مما نتوقع.
شكرا لك على هذا الحوار الذي يضيف إلى المعنى أسئلة جديدة، وعلى مشاكستك الفكرية الجميلة التي لا تكتفي بملامسة الفكرة، بل تدفعها إلى اختبار إمكاناتها في الواقع. دمت أخا وصديقا للحوار، ودام بيننا اختلاف يثري الفهم، واتفاق يفتح أبواب العمل.
مع خالص مودتي وتقديري واعتزازي.
Abdou Bout
Naceur Nouira
تحية تقدير واحتر استاذتنا الفاضل،
لكم خالص الشكر والتقدير على هذا الطرح العميق، وعلى ما تضمنه من أسئلة تمس جوهر الممارسة الإبداعية والثقافية في زمن تتسع فيه مساحات الظهور، بينما يظل أثر الكلمة في الواقع هو المعيار الأصدق لقيمتها.
ومبدئيا، أجدني متفقا معكم في أن السؤال لم يعد مقتصرا على كيفية الكتابة، بل امتد إلى ما تستطيع الكتابة أن تحدثه في الوعي والوجدان والسلوك. غير أنني أرى أن الأثر الثقافي لا ينبغي أن يقاس دائما بثماره المباشرة أو بما يحققه من حضور ميداني ظاهر؛ فقد تبدأ الكلمة فعلها في أعماق قارئ، أو تفتح نافذة جديدة في تفكيره، ثم تتراكم آثارها بهدوء حتى تتحول إلى موقف أو مبادرة أو ممارسة. فبعض الكلمات لا تغيّر الواقع دفعة واحدة، لكنها تسهم في تهيئة الإنسان القادر على تغييره.
أما الفضاء الرقمي، فلا أراه نقيضا للميدان، ولا أعده في ذاته سببا في تسطيح الإبداع؛ إنما تتحدد قيمته بحسب المشروع الذي يحمله، وطبيعة الوعي الذي يوجه استخدامه. وقد يكون المنبر الرقمي، حين تحسن إدارته، بداية فعل ثقافي حقيقي، لا مجرد مساحة للعرض والتفاعل العابر. وهذا ما نحاول الاشتغال عليه من خلال تجربة "مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية"، بجعل النشر مدخلا إلى الحوار والتبادل والتعريف بالتجارب، وفتح مساحات تتيح للكلمة أن تتجاوز حدود حضورها الافتراضي نحو إمكانات أرحب للتأثير والتواصل.
وفيما يخص استقلالية الصوت الثقافي، فإنني أؤمن بأن المبدع يحمي صوته حين يجعل الكتابة وفية لأسئلتها الإنسانية والجمالية، لا لإيقاع المنصات وتقلبات الانتشار. فالانتشار قد يمنح النص مدى أوسع، لكنه لا يمنحه بالضرورة عمقا أكبر؛ كما أن قلة التفاعل لا تنتقص بالضرورة من قيمة تجربة إبداعية صادقة. وتظل مسؤوليتنا أن نستخدم الوسائط المتاحة دون أن نسمح لها بأن تملي علينا ما نكتب، أو كيف نفكر، أو أي القيم نختار الدفاع عنها.
شكرا لكم، دكتور ناصر، على هذه الإضافة الوازنة، وعلى ربطكم بين الإبداع والمسؤولية الإنسانية، وبين استقلالية الكلمة وقيم السلام. وأتمنى أن يظل "لقاء الأسبوع" ومنتدى "شعاع" فضاءين للحوار الحر، تتجاور فيهما الرؤى باحترام، ويتحول الاختلاف إلى فرصة للفهم، وتظل الثقافة جسرا يصل الإنسان بالإنسان.
مع خالص التقدير والاعتزاز.
Abdou Bout
Saloua Filaly
الدكتورة الفاضلة سلوى الفيلالي، خالص التقدير وعميق الامتنان.
لقد غمرني ترحيبكم الكريم بما حمله من دفء المشاعر، ونبل العبارة، وعمق الرؤية الثقافية والإنسانية. ولمست في كلماتكم أكثر من حفاوة استقبال؛ لمست روحا تحتفي بالفكر وأهله، وتمنح للكلمة مكانتها، وللمبدع حقه في التقدير والإنصات، وللحوار معناه النبيل بوصفه فضاء لتلاقح الرؤى واتساع آفاق المعرفة.
إن هذا الترحيب العميق، بما اتسم به من جمال الصياغة وصدق الود ورفعة المقصد، يعكس حسكم الثقافي الرفيع، ويجسد ما ينبغي أن تكون عليه المنتديات الأدبية منابر للإنصات المتبادل، والاحتفاء بالتجارب، وترسيخ جسور التواصل بين المبدعين والمثقفين. وقد كان لحديثكم عن مسؤولية الكلمة، وقدرتها على صناعة الوعي وتجاوز حدود الانتشار إلى رحاب الأثر، وقع خاص في نفسي، لأنه يلتقي مع ما نطمح إليه جميعا من ثقافة لا تكتفي بالحضور، بل تسعى إلى أن تكون فاعلة في حياة الإنسان ووعيه.
فلكم، دكتورة سلوى، جزيل الشكر على هذه الالتفاتة النبيلة، وعلى ما أضفيتموه على اللقاء من ألق إنساني وثقافي. وإنني لأعتز بهذا التقدير، وأعده حافزا لمواصلة الانخراط في الفعل الثقافي، إيمانا بأن الكلمة الجميلة حين تصدر عن روح كريمة، تصبح بدورها فعلا من أفعال المحبة، وجسرا من جسور التواصل، وأثرا يظل حاضرا بعد انقضاء اللقاء.
دام لكم هذا الألق في الفكر والقول، ودام لمنتدى شعاع للأدباء والشعراء العرب إشعاعه الثقافي، بفضل جهودكم وجهود كل المخلصين للكلمة والإبداع.
مع خالص المودة والتقدير والاعتزاز.
عبد الرحمن بوطيب
Abdou Bout
الدكتور محمد ميموني الفاضل، Mohammed Mimouni
طرحتم هذا التساؤل / الإشكال المهم:
(الحضور الرقمي والغياب الميداني
نلاحظ أحيانًا حضورًا ثقافيًا كثيفًا على الشاشات، تقابله محدودية في الأنشطة الثقافية الميدانية. هل يمكن أن نعتبر الحضور الرقمي بديلًا عن الفعل الثقافي المباشر، أم أن العلاقة بينهما تقتضي نوعًا من التكامل؟)
هذا التساؤل الراهن يدفعنا جميعا للتفكير في أطروحته.
شخصيا، أقول:
أعتقد أن الحضور الرقمي، مهما اتسعت دوائره وتعددت أشكاله، لا يمكن أن يكون بديلا مطلقا عن الفعل الثقافي المباشر، مثلما لا يمكن التقليل من قيمته أو التعامل معه باعتباره مجرد حضور افتراضي لا يترك أثرا. نحن أمام مجالين مختلفين في إمكاناتهما، لكنهما يلتقيان في الغاية، وهي توسيع دائرة الثقافة، وإغناء الحوار، وفتح آفاق جديدة أمام الإبداع والمعرفة.
لقد أتاح الفضاء الرقمي للمثقف فرصا لم تكن متاحة بالقدر نفسه من قبل؛ إذ أصبح بإمكانه أن يتواصل مع قراء ومبدعين ونقاد من بلدان مختلفة، وأن يعرّف بأعمال قد لا تجد طريقها بسهولة إلى الفضاءات الثقافية التقليدية، وأن يشارك في لقاءات ونقاشات تتجاوز الحدود الجغرافية. ومن هذه الزاوية، فإن الحضور الرقمي ليس حضورا وهميا بالضرورة، فقد تنتج عنه قراءات جادة، وتتشكل من خلاله علاقات ثقافية مثمرة، وتُفتح بفضله نوافذ للتعاون وتبادل الخبرات.
لكن الإشكال يبدأ حين يصبح هذا الحضور غاية في ذاته، وحين نخلط بين كثافة النشر وحيوية الفعل الثقافي، أو بين اتساع دائرة المتابعين وعمق التأثير. فقد تمتلئ الشاشات بالإعلانات عن المبادرات والأنشطة، بينما تظل فرص اللقاء المباشر والحوار الجماعي محدودة. وهنا ينبغي أن نسأل: هل نكتفي بأن تكون الثقافة حاضرة في تدفق المنشورات، أم نطمح إلى أن تصبح جزءا من الحياة اليومية للناس، بما تتيحه من تفاعل إنساني وتبادل حي للأفكار والتجارب؟
ومن خلال تجربتنا في الإبداع والنقد والعمل الثقافي، ولا سيما في إدارة "مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية" وبرامجها المتنوعة، نرى أن التكامل بين المجالين هو الخيار الأجدى، فالفضاء الرقمي يستطيع أن يمهد للقاء، ويعرّف بالمبدعين وأعمالهم، ويهيئ للنقاش، ويوسع دائرة المشاركة، بينما يمنح الفعل المباشر هذه المبادرات فرصة للتعمق، ويتيح للمشاركين أن يتقاسموا التجربة الإنسانية والمعرفية في أجواء من التفاعل الحي. وقد يكون النشاط الرقمي، في بعض الحالات، هو المجال الأنسب لتحقيق غايته، خصوصا حين يتعلق الأمر بتجاوز المسافات أو إشراك أشخاص تحول ظروفهم دون الحضور المباشر، لذلك لا ينبغي أن نقيس قيمة الفعل الثقافي بماديّة المكان وحدها، بل بما يحققه من تواصل ومعرفة وأثر.
غير أن التكامل لا يتحقق بمجرد الجمع بين نشاط افتراضي وآخر ميداني، بل يحتاج إلى تصور يجعل كل مجال مكملا للآخر. فليس المطلوب أن ننظم لقاء رقميا ثم نكرر مضمونه في قاعة، وإنما أن نخلق مسارا ثقافيا متصلا: يبدأ بالتعريف والمشاركة، ويتطور بالحوار والقراءة والنقاش، وقد ينتهي إلى إصدار أو مشروع أو مبادرة مشتركة، عندئذ لا يعود الرقمي واجهة للإعلان عن الثقافة، ولا الميداني مناسبة عابرة، بل يصبحان معا جزءا من عمل ثقافي مستمر.
وأضيف أن محدودية الأنشطة الميدانية لا ينبغي تفسيرها دائما بضعف إرادة المثقفين؛ فقد ترتبط أحيانا بنقص الإمكانات، أو صعوبة التنظيم، أو اتساع المسافات، أو محدودية الفضاءات الداعمة للعمل الثقافي. لكن هذه الإكراهات تجعل التفكير في صيغ جديدة للتعاون أكثر ضرورة، وتدعونا إلى توظيف الوسائل الرقمية لتيسير اللقاءات المباشرة ودعمها، لا إلى اتخاذها ذريعة للاستغناء عنها متى كانت ممكنة وضرورية.
لذلك، فإنني لا أضع الحضور الرقمي في مواجهة الحضور الميداني، بل أرى أن لكل منهما خصوصيته ووظيفته، وأن قيمة التجربة الثقافية تتحدد بقدرتها على اختيار الوسيلة المناسبة، وبناء جسور بين أشكال الحضور المختلفة. فالثقافة لا تعيش بالشاشات وحدها، ولا باللقاءات المباشرة وحدها، وإنما بما تنشئه من علاقات، وما تتيحه من فرص للتفكير والإبداع، وما تتركه من أثر في الإنسان.
وخلاصة موقفي أن الحضور الرقمي يستطيع أن يوسع مجال الفعل الثقافي، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى ستار يحجب محدودية الممارسة، كما أن الفعل الميداني لا يكتسب قيمته لمجرد أنه يحدث في مكان مادي. الرهان هو أن ننتقل من مجرد الحضور إلى المشاركة، ومن التفاعل العابر إلى العمل المستمر، ومن الإعلان عن الثقافة إلى الإسهام الفعلي في بنائها. عندها فقط يصبح الرقمي امتدادا للميداني، ويصبح الميداني مجالا لتجسيد ما يفتحه الرقمي من إمكانات، ويغدو التكامل بينهما اختيارا ثقافيا واعيا، لا مجرد ضرورة تفرضها تحولات العصر.
دكتور معن محافظة
بكل مشاعر التقدير والاعتزاز، وبفيضٍ من الودّ الذي يليق بأهل الفكر وأصحاب الحرف الأصيل، نرحّب في رحاب منتدى شعاع للأدباء والشعراء العرب بضيفنا الكريم، الأديب والشاعر المميز الأستاذ عبد الرحمن بوطيب، مدير مجلة الرؤى.
أهلًا بقامةٍ أدبيةٍ تحمل في حروفها نبض الإبداع، وفي رؤيتها اتساع الفكر، وفي حضورها ما يمنح الحوار قيمته ويضفي على اللقاء ألقًا خاصًّا. إنّ استقبال المبدعين ليس مجرّد احتفاءٍ بأسمائهم، بل هو احتفاءٌ بما يحملونه من رؤى، وما يفتحونه أمامنا من نوافذ للتأمل، وما يتركونه في الذاكرة الثقافية من أثرٍ لا تحدّه حدود المنابر لهءة الكلمة الطيبة
نسأل الله أن يكون لقاءً مثمرًا، يليق بمقام ضيفنا الكريم، وبطموح هذا الصرح الثقافي، وأن نخرج منه من أجل الهدف المطلوب
الشاعر محمد عبدالله توفيق
يا طير يا سارح
خليك مسامح
بلاش تكون
أسى وجارح
خليك حنيين
للشوق مبين
وتعالى عشش فى قلبنا
حاول تكون
طائر حنون
للعشره صون
بلاش تغيب تانى عننا
دانت إللى لينا
وديما ناسينا
ومش شارينا
يخونك عشنا وملحنا
خليك معانا
هواك هوانا
دنتا فى غنانا
وفى مواولنا ولحننا
Haney Ali Hatm
على عتبات الروح
سريتُ وليلُ الحزنِ يمدي ظلامَهُ
يُعاتبُ في صدرِ الدجى من استنامَهُ
أرى الأفقَ المحمومَ يَطوي جراحَهُ
على أملٍ يَخبو ويُبدي غرامَهُ
سألتُ رياحَ الغربِ عمن تنكبت
خطاها، وضاعَ الدربُ واستأذنت دَمَهُ
أفقنا على ريحِ الخريفِ ونوحِهِ
يُرددُ لحنَ الأمسِ صباً هيامَهُ
وكم في طريقِ العُمْرِ من زفرةِ الأسى
تُناجي جدارَ الصمتِ تَبغي كَلامَهُ
تأملتُ وجهَ الدهرِ وهو مُكشرٌ
عنِ الكيدِ، لا يرجو لذي العُسرِ نامَهُ
فيا أيها الساقي كؤوسَ مرارةٍ
أما آن للأقدارِ أن تُستقامَهُ
فإن تعتلِ الآلامُ فوق مناكبٍ
فإنَّ عُرى صبري أبت أن تضامَهُ
سلامٌ على أرضِ السكينةِ إن غدت
دياراً لغربةِ الروحِ تلقى حمامَهُ
سيشرقُ فجرٌ كنتُ أرقبُ وميضَهُ
ولو كرهَ الباغي واستبطأ قيامَهُ
#الشاعر_أبو_أحمد_هاني_ علي _ حاتم
Mohammed Mimouni
اخي الشاعر شكري حسن
ما أجمل أن نقرأ النصوص ونحن نعرف شيئًا عن الإنسان الذي كتبها؛ عن طفولته، وأحلامه الأولى، والبيئة التي احتضنته، والوجوه التي تركت أثرها في روحه، والتجارب التي صنعت منه الشاعر أو الأديب الذي نعرفه اليوم.
إن التراجم ليست مجرد أسماء وتواريخ وأحداث، بل هي حكايات إنسانية تختبئ خلف الكلمات، ومفاتيح تفتح لنا أبوابًا لفهم أعمق للنصوص وأصحابها. ولعلّ عظمة التراث العربي الإسلامي تكمن في أنه أدرك مبكرًا أهمية معرفة الرجال وأحوالهم، فحفظ لنا سير العلماء والأدباء والشعراء، ولم يترك إبداعهم منفصلًا تمامًا عن حياتهم وتجاربهم.
ومن هنا تأتي أهمية مقترحك الجميل بأن تمنح المجلات والمنتديات الثقافية مساحة للمبدعين كي يكتبوا عن أنفسهم، لا بلغة الألقاب والإنجازات وحدها، وإنما بلغة الإنسان الذي عاش وتأثر وتألم وحلم، وتعلّم من الحياة بقدر ما تعلّم من الكتب. نريد أن نعرف من أين بدأوا، وما الذي أشعل في نفوسهم شرارة الإبداع، ومن آمن بموهبتهم في البدايات، وما المواقف التي غيّرت نظرتهم إلى الحياة.
فكم من بيت شعر قد يلامس أرواحنا، فإذا عرفنا الحكاية التي تقف خلفه ازددنا به قربًا، وكم من نصٍّ ظنناه غامضًا، فإذا اقتربنا من تجربة صاحبه انكشفت لنا بعض أسراره. ومع ذلك، يبقى للنص عالمه الخاص الذي قد يتجاوز حياة كاتبه وتجربته.
إننا لا ندعو إلى كتابة التراجم لمجرد تخليد الأسماء، بل لكيلا تضيع الحكايات الإنسانية التي صنعت الإبداع، ولكي يجد الجيل الجديد في تجارب من سبقوه ما يلهمه ويعينه على اكتشاف طريقه.
فخلف كل قصيدة إنسان، وخلف كل كلمة حكاية، وربما كانت معرفة الحكاية هي الخطوة الأولى نحو فهم الكلمة.
شكرًا لك على هذه الفكرة التي تجمع بين أصالة تراثنا وحاجتنا الإنسانية إلى أن نعرف بعضنا بعضًا من خلال ما عشناه، لا من خلال ما كتبناه فقط.
Mohammed Mimouni
اخي الاستاذ عبدالرحمان بوطيب
فيما يخص المثقف وصناعة الرأي العام
في زمن تتداخل فيه المعرفة مع الأخبار المضللة والخطابات الانفعالية، ما الدور الذي ينبغي أن يؤديه المثقف في توجيه الرأي العام؟ وهل تتمثل مسؤوليته في تقديم الإجابات، أم في تدريب المجتمع على طرح الأسئلة الصحيحة والتمييز بين الحقيقة والادعاء؟
Mohammed Mimouni
الاستاذ عبدالرحمان بوطيب فيما يتعلق بفكرةٍ استقلالية المثقف واكراهات الواقع
إلى أي حد يستطيع المثقف الحفاظ على استقلالية موقفه في ظل الضغوط الاجتماعية والسياسية والثقافية، وأحيانًا في ظل علاقات المصالح داخل المؤسسات والفضاءات الثقافية؟ وهل الاستقلالية موقف مبدئي فقط، أم أنها تحتاج أيضًا إلى شروط مادية ومؤسساتية تحميها؟
Mohammed Mimouni
الحضور الرقمي والغياب الميداني
نلاحظ أحيانًا حضورًا ثقافيًا كثيفًا على الشاشات، تقابله محدودية في الأنشطة الثقافية الميدانية. هل يمكن أن نعتبر الحضور الرقمي بديلًا عن الفعل الثقافي المباشر، أم أن العلاقة بينهما تقتضي نوعًا من التكامل؟
Mohammed Mimouni
الاستاذ عبدالرحمان بوطيب
لقد منحت المنصات الرقمية المثقف قدرة غير مسبوقة على الوصول إلى الجمهور، لكنها جعلت الظهور أحيانًا مرتبطًا بسرعة التفاعل وعدد المتابعين. هل أصبح المثقف اليوم مضطرًا إلى منافسة منطق المنصات على حساب عمق خطابه، أم يستطيع أن يصنع لنفسه مساحة مستقلة داخل هذا الفضاء؟
Mohammed Mimouni
استاذ عبدالرحمان بوطيب
في رأيكم، ما الذي يجعل الإنسان مثقفًا فاعلًا، لا مجرد شخص يمتلك المعرفة وينتج الخطاب؟ وأين تبدأ المسؤولية الحقيقية للمثقف: عند حدود الكلمة أم عند قدرتها على إحداث أثر في الواقع؟
Mohammed Mimouni
الدكتور طه عبد الرحمن… حين تصبح اللغة طيّعةً بين يدي قارئها.
هناك من يقرأ النصوص فيرى ما تقوله، وهناك من يتجاوز ظاهرها إلى ما تحاول إخفاءه، كأنّه لا يكتفي بقراءة الكلمات، بل يصغي إلى ما يتردّد خلفها من أسئلة، وما يتوارى بين سطورها من مقاصد. وهنا تحديدًا تتجلّى قدرة الدكتور طه عبد الرحمن؛ قدرةٌ جبّارة في تفكيك النصوص، واستنطاق مسكوتها، ومساءلة بنيتها، حتى تبدو العبارة التي حسبناها عابرةً وكأنها تخبّئ عالمًا كاملًا من الدلالات.
يمتلك الدكتور طه تلك المهارة النادرة التي لا تُكتسب بحفظ المصطلحات وحدها؛ مهارة ترويض اللغة دون أن يسلبها دهشتها، ومساءلة النص دون أن يفرض عليه أجوبته المسبقة. يدخل إلى العبارة من باب، ثم يكتشف أن وراءها أبوابًا لم ينتبه إليها أصحابها أحيانًا. يُفكّك البناء ليعيد إلينا عناصره أكثر وضوحًا، ويلاحق المعنى في مراوغاته، فلا يطمئن إلى أول تفسير، ولا يمنح النص صكّ البراءة من الأسئلة لمجرد أنه بدا واضحًا من النظرة الأولى.
ولعلّ أجمل ما في هذه القدرة أنها لا تجعل النص أصغر من قارئه، بل تجعل القارئ أكثر تواضعًا أمام النص. فالمحلّل الحقيقي ليس من ينتصر على الكلمات، بل من ينتزع منها اعترافاتها دون أن ينتزع منها روحها؛ وليس من يستعرض أدواته أمامنا، بل من يجعلنا نرى ما كان حاضرًا في النص وغائبًا عن وعينا.
أما ترويض اللغة، فليس أن نجعلها تقول ما نشاء، وإنما أن نعرف كيف نصغي إلى احتمالاتها، وكيف نفتح مغاليقها دون أن نكسر أبوابها. وتلك لعبة لا يجيدها إلا من جمع بين صبر الباحث، وحدس القارئ، وجرأة العقل الذي لا يخشى أن يعيد النظر فيما ظنّه الآخرون محسومًا.
تحيةً للدكتور طه، الذي لا يمرّ على النص مرور العابرين، بل يستوقفه، ويحاوره، ويختبر صمته قبل كلامه. فبعض القرّاء يتركون انطباعًا بعد القراءة، أما القارئ الذي يمتلك هذه الأدوات، فيترك في النص نفسه حياةً أخرى؛ حياةً تجعلنا نعود إليه، لا لأننا لم نفهمه من قبل فحسب، بل لأننا اكتشفنا أن النصوص العظيمة لا تنفد أسرارها، وأن اللغة، مهما أذعنت لقارئها، تحتفظ دائمًا بمفاجأةٍ صغيرة لمن يحسن الإصغاء.
دمتَ، دكتور طه، مشاكسًا للمعنى، صديقًا للأسئلة، وصاحب قراءةٍ لا تكتفي بأن تفهم النص، بل تدفعنا إلى التساؤل: كم من المعاني يسكن كلماتنا، ونحن نظنّ أننا قلنا كل شيء؟
الدكتور محمد ميموني مشاكس المعنى .
Mohammed Mimouni
Mohammed Mimouni
للعميد الدكتور محمد أبو خروب العبادي مكانةٌ لا تصنعها الألقاب وحدها، بل تصنعها قدرته على أن يمنح العمل الثقافي روحًا، وأن يجمع حول الفكرة قلوبًا تؤمن بها قبل أن تجتمع على تنفيذها. فيه من حكمة القيادة ما يجعل المسؤولية أمانةً لا امتيازًا، ومن سعة الصدر ما يجعل الاختلاف مساحةً للتلاقي لا سببًا للتباعد.
ولعلّ أجمل ما في العميد أن حضوره لا يُقاس بما يتصدره من مشاهد، بل بما يتركه في نفوس من يعملون معه؛ فثمة رجالٌ يكتفون بإدارة المكان، ورجالٌ يمنحون المكان معنى، ويجعلون من المؤسسة بيتًا تتسع أبوابه للمواهب، وتجد فيه الكلمة الصادقة من يصغي إليها ويصون حقها في الظهور.
كل التقدير للعميد الدكتور محمد أبو خروب العبادي، الذي نعتزّ بقيادته، ونثمّن جهوده في خدمة الثقافة والأدب، ونرى في عطائه ما يتجاوز حدود المسؤولية إلى رحابة الرسالة. فالقيمة الحقيقية للقيادة ليست أن يكون المرء في المقدمة فحسب، بل أن يجعل للطريق من بعده أثرًا يستحق أن يُستكمل.
الدكتور محمد ميموني
Mohammed Mimouni
بسم الله الرحمان الرحيم
والصلاة والسلام على خير الانام سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم
أما بعد:
ليس المثقف من يكتفي بأن يقول كلمته، بل من يختبر معناها في الحياة، ويبحث عن المسافة الفاصلة بين ما يكتبه وما يعيشه، وبين حضوره أمام الشاشة وأثره في الواقع. ففي زمن اتسعت فيه المنابر الرقمية، لم يعد السؤال متعلقًا بقدرة المثقف على الوصول إلى الجمهور فحسب، بل بقدرته على أن يجعل من هذا الوصول مسؤولية، ومن حضوره فعلًا ثقافيًا يتجاوز حدود الظهور إلى صناعة المعنى.
من هذا الأفق، يسرّ منتدى شعاع للأدباء والشعراء العرب أن يفتح اليوم نافذة جديدة للحوار والنقاش، من خلال موعد متجدد من مواعيد «لقاء الأسبوع»، الذي يستضيف الشاعر والناقد المغربي عبد الرحمن بوطيب، لمقاربة موضوع يمسّ جوهر الفعل الثقافي وأسئلته الراهنة:
«المثقف / الفاعل الثقافي في الفضاء الرقمي والفضاء الميداني: أدوار وإكراهات»
تجربة عبد الرحمن بوطيب تحت المجهر.
وإذ نضع هذه التجربة أمام أسئلة الحوار، فإننا لا نقصد محاكمة تجربة بقدر ما نروم الإنصات إليها، واستكشاف ما تتيحه من إمكانات وما تواجهه من تحديات، في زمن أصبح فيه المثقف مطالبًا بأن يوازن بين سرعة الانتشار وعمق التأثير، وبين غواية الحضور الرقمي وضرورة الفعل الثقافي في الميدان.
ومن هنا، نتوجه بدعوة مفتوحة إلى جميع المثقفين والأدباء والشعراء والنقاد والفاعلين الثقافيين، وإلى كل المهتمين بالشأن الثقافي، للمشاركة في هذا اللقاء، وإغنائه بأسئلتهم ومداخلاتهم وقراءاتِهم المختلفة؛ لأن الحوار لا يكتمل بصوت الضيف وحده، ولا بقوة الأسئلة التي أُعدّت مسبقًا، بل بما تضيفه العقول الحاضرة من رؤى، وما يخلقه الاختلاف من إمكانات للفهم والتفكير.
هل أتاح الفضاء الرقمي للمثقف فرصًا أوسع للتأثير، أم جعل حضوره أحيانًا رهين سرعة التفاعل ومقاييس الانتشار؟ وكيف يستطيع الفاعل الثقافي أن يحافظ على استقلالية صوته وسط إكراهات الواقع وضغوط المنصات؟ وهل يمكن للكلمة في العالم الافتراضي أن تتحول إلى ممارسة ثقافية ملموسة في الميدان؟
أسئلة نضعها بين أيديكم، لا بحثًا عن إجابات نهائية، بل رغبةً في أن نوسّع مساحة التفكير، ونستعيد للثقافة دورها بوصفها فعلًا إنسانيًا وحوارًا مفتوحًا ومسؤولية مشتركة.
يدير اللقاء: الدكتور محمد ميموني.
وفي هذه المناسبة، نتوجه بشكر خاص إلى العميد الدكتور محمد أبو خروب العبادي، رئيس مجلس إدارة المنتدى، تقديرًا لجهوده في رعاية هذا الصرح الثقافي ودعم مساراته، كما نتقدم بخالص التقدير إلى جميع أعضاء منتدى شعاع والأدباء والفاعلين الثقافيين، وكل من يسهم بفكره وقلمه وحضوره في استمرار هذا الحراك الثقافي وإغنائه.
فالمؤسسات الثقافية لا يصنع أثرها اسم واحد، ولا تنهض بجهد فردي، وإنما تتشكل قيمتها بما يجتمع فيها من إرادات صادقة، وعقول متحاورة، وأيدٍ تؤمن بأن الثقافة مساحة للالتقاء لا للإقصاء.
موعدنا اليوم في منتدى شعاع، حيث نلتقي لا لنضيف كلامًا إلى الكلام، بل لنمنح أسئلتنا فرصة أن تضيء ما لم ننتبه إليه بعد.
أهلًا بضيفنا الكريم الشاعر والناقد المغربي عبد الرحمن بوطيب، وأهلًا بجميع المشاركين؛ فبكم يكتمل اللقاء، وباختلاف رؤاكم تتسع مساحة الحوار، وبالفكر المشترك يظل للثقافة نبضها وأثرها.
منتدى شعاع للأدباء والشعراء العرب لقاء الأسبوع | حوارٌ يفتح للثقافة أفقًا جديدًا.
المستشار كمال وھيب
النھر النقي، الفكر النقي
يروى محبة طمئنة سلام رقي تحضر الھام
فكر سامي
من وحي القيم،والھام طبيعتنا الانسانية
اعلمو؟ طبيعتنا الانسانية نبيلة
درًسو ھذا؟الانسان كائن مفكر محب وديع متواضع القلب
تَدُيَنو؟ باالمحبة الكاملة،والتراحم والمسالمة؟ لجميع الناس
فانت ارقى المخلوقات...وھات من الخصال الراقية... فيك الاصل فينا الحب النقاء انظر الى طفل حديث الولادة كنا مثلھ ،لا نعرف الشر
ادرس اصل الانسان؟ على شبھ الله ومثالھ..
لا تنسو الوصية الجديدة؟احبو ،كما احبنا ... ارحمو سالمو جميع الناس ان استطعتم، تاملو....تعلموا مني فاني وديع ومتواضع القلب،ليرفع شأن الانسان،بالحب والحكمة والرقي مفكر الحياة د كمال وھيب زكي محام
Abdou Bout
أستاذنا الكريم الدكتور محمد ميموني Mohammed Mimouni
طرحتم تساؤلا عميقا، ناطق نصه جاء بصيغة:
لقد منحت المنصات الرقمية المثقف قدرة غير مسبوقة على الوصول إلى الجمهور، لكنها جعلت الظهور أحيانًا مرتبطًا بسرعة التفاعل وعدد المتابعين. هل أصبح المثقف اليوم مضطرًا إلى منافسة منطق المنصات على حساب عمق خطابه، أم يستطيع أن يصنع لنفسه مساحة مستقلة داخل هذا الفضاء؟
محاولة مني الإجابة على تساؤلكم الوازن، أقول:
أعتقد أن المثقف اليوم ليس مضطرا بالضرورة إلى التضحية بعمق خطابه كي يضمن حضوره في المنصات الرقمية، لكنه يجد نفسه أمام إغراءات وضغوط قد تدفعه، من حيث يدري أو لا يدري، إلى مجاراة إيقاعها السريع ومنطقها القائم على الاستجابة الفورية ومؤشرات الانتشار، فحين يصبح عدد المتابعين معيارا للحضور، وسرعة التفاعل مقياسا للتأثير، قد ينصرف بعض المثقفين إلى استرضاء الجمهور بدل محاورته، وإلى إنتاج ما يضمن الانتباه - وبتفاهة في كثير من أحيان - بدل الاشتغال على ما يستحق التأمل والتعامل المسؤول مع الخطابات الثقافية الرصينة.
غير أن المسألة، في تقديري، لا تتعلق بالمنصات الرقمية في ذاتها، بقدر ما تتعلق بطريقة تعامل المثقف معها، وبطبيعة العلاقة التي يقيمها بين رسالته الثقافية وشروط حضوره الافتراضي. فالمنصة أداة تتيح إمكانات واسعة للتواصل والوصول إلى جمهور متنوع، لكنها لا تفرض بالضرورة على مستخدمها أن يتخلى عن استقلالية تفكيره أو خصوصية مشروعه. الخطر يبدأ حين تتحول الوسيلة إلى غاية، وحين يصبح المثقف أسيرا لمؤشرات الانتشار، فيقيس قيمة ما يكتب بما يحظى به من تفاعل، لا بما يفتحه من أسئلة أو يضيفه من معرفة أو يوقظه من حس نقدي.
ومن خلال تجربتي المتواضعة في الإبداع والنقد والعمل الثقافي، ولا سيما في إدارة "مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية" وبرامجها المتنوعة، أجد أن بناء مساحة مستقلة داخل هذا الفضاء يظل ممكنا، شريطة أن يستند إلى رؤية ثقافية واضحة، وإلى انتظام في العمل، وإلى احترام ذكاء المتلقي وقدرته على التفاعل مع الخطاب العميق متى أتيحت له شروط القراءة والحوار. فالاشتغال على الشعر والسرد والنقد والفكر لا يستقيم دائما مع منطق السرعة والاختزال، إذ تحتاج بعض النصوص إلى زمنها، وبعض الأفكار إلى ما يكفي من الشرح والنقاش، وبعض التجارب إلى قراءة متأنية لا تختزلها لحظة إعجاب أو تعليق عابر.
ولا يعني ذلك أن ينغلق المثقف داخل برج من العزلة، أو أن يتعامل مع الجمهور بنبرة متعالية - أؤكد على هذا بكل صرامة - أو أن يرفض الاستفادة من إمكانات التواصل الرقمي... على العكس، أرى أن المطلوب هو أن يتعلم الفاعل الثقافي كيف يصل إلى الجمهور دون أن يفقد صوته، وكيف يطور أشكال تقديم خطابه دون أن يفرط في مضمونه، وكيف يجعل من التفاعل مدخلا إلى الحوار، لا غاية تنتهي عند حدود الأرقام. فتبسيط الفكرة ليس تفريطا في عمقها، كما أن الوصول إلى جمهور واسع لا ينتقص من قيمتها، ما دام المثقف محافظا على أمانته المعرفية واستقلالية موقفه.
ولعل الرهان الحقيقي هو أن يصنع المثقف / الفاعل لنفسه مساحة لا تحددها خوارزميات المنصات وحدها، بل تبنيها الثقة التي يراكمها مع قرائه، وجودة ما يقدمه، واستمرارية مشروعه، وقدرته على إثارة أسئلة تتجاوز عمر المنشور وسرعة تداوله. فثمة فرق بين حضور يلمع لحظة ثم ينطفئ، وحضور يتشكل ببطء، لكنه يترك أثرا في الوعي والذائقة وطريقة النظر إلى الإنسان والعالم.
لذلك، لا أرى أن المثقف مطالب بمنافسة منطق المنصات على شروطها، ولا بأن ينسحب منها حفاظا على عمق خطابه، وإنما بأن يمتلك وعيا نقديا بطبيعة هذه الوسائل، فيستثمر إمكاناتها دون أن يسمح لها بإعادة تشكيل رسالته وفق مقاييسها وحدها. فاستقلالية المثقف لا تعني الانفصال عن الجمهور، بل تعني ألا يجعل رضاه شرطا لقول ما يؤمن به، وألا يحول الاختلاف إلى خصومة، أو الكتابة إلى مجرد استجابة لما يطلبه الانتشار.
وفي النهاية، أعتقد أن المثقف يستطيع أن يصنع مساحته المستقلة حين يدرك أن قيمة الكلمة لا تختزل في عدد من وصلتهم، بل تتجلى أيضا في عمق ما تثيره، وفي نوع الأسئلة التي تتركها مفتوحة، وفي قدرتها على مرافقة القارئ حتى بعد أن يغادر الشاشة. فالمنصات تمنحنا فرصة الوصول، أما ما يمنح حضورنا معناه، فهو ما نحمله من فكر، وما نلتزم به من قيم، وما نتركه من أثر.
***************
Abdou Bout
منتدى شعاع للأدباء والشعراء العرب
كلمة شكر وامتنان
من ضيف البرنامج: عبد الرحمن بوطيب
إلى مدير البرنامج، والطاقم الإداري للمنبر المحترم
بمناسبة النجاح الكبير لبرنامج "لقاء الأسبوع" - إدارة الدكتور محمد ميموني / الجزائر
Mohammed Mimouni
(الفاعل الثقافي المسؤول رافعة أساس لتجذير الثقافة الجادة)
رابط البرنامج الثقافي الحواري:
https://www.facebook.com/share/p/1Jogp911Ng/
بعض اللقاءات تترك في النفس أكثر من أثر، لأنها لا تنتهي بانتهاء الحوار، بل تظل بما حملته من دفء إنساني، وما أتاحته من تقاسم للأفكار والمشاعر، وما نسجته من خيوط المودة بين القلوب والكلمات.
من هذا الشعور، أتوجه بخالص المحبة والتقدير إلى منبر مجلة "منتدى شعاع للأدباء والشعراء العرب"، الذي احتضنني ضيفا على برنامجه الثقافي "لقاء الأسبوع"، وأتاح لي فرصة تقاسم بعض هواجسي وأسئلتي حول تجربة المثقف بين الفضاء الرقمي والفضاء الميداني، بما يحمله هذا الموضوع من انشغالات تمس جوهر العمل الثقافي ورهاناته الإنسانية.
وإلى مدير اللقاء، الدكتور محمد ميموني، أبعث بتحية تقدير وامتنان، لما أحاط به الحوار من اهتمام، وما أضفاه على اللقاء من حسن إدارة وطيب إنصات، وما فتحه من نوافذ للتأمل في أسئلة الثقافة وأدوار المثقف وحدود ما يستطيع أن يقدمه في عالم تتسارع تحولاته وتتجدد انتظاراته.
كما أحيي بكل مودة الطاقم الإداري للمنبر، وكل الأيادي التي اشتغلت في هدوء خلف هذا اللقاء، لتمنحه شروط انعقاده وأسباب نجاحه. فخلف كل مبادرة ثقافية صادقة جهود قد لا تظهر كلها للعيان، لكنها تظل حاضرة في جمال ما يتحقق، وفي تلك المساحة التي يجد فيها الأدباء والمبدعون أنفسهم بين أهلهم، ويتقاسمون معهم متعة الكلمة وقلق السؤال.
أما رواد البرنامج، من تفاعلوا مع اللقاء بكلماتهم وملاحظاتهم وإضاءاتهم، فلهم مني أصدق عبارات الشكر وأطيب مشاعر الامتنان. لقد منحتم الحوار شيئا من أرواحكم، وجعلتم من المتابعة مشاركة، ومن الاختلاف الممكن فرصة للتقارب، وأكدتم أن الكلمة حين تجد من يصغي إليها ويتفاعل معها، تصبح أكثر حياة، وتتجاوز حدود صاحبها إلى فضاء أرحب من التبادل الإنساني والثقافي.
لقد سعدت بهذا اللقاء، لا لأنه أتاح لي الحديث عن تجربتي فحسب، بل لأنه منحني أيضا فرصة الإصغاء إلى أسئلة الآخرين، واستعادة بعض ما راكمته من اجتهادات وتأملات، والنظر إلى ما تبقى من الطريق بعين أكثر انفتاحا على المراجعة والتطوير. فالتجارب الثقافية، مهما امتد مسارها، تظل في حاجة إلى من يحاورها بمحبة، ويسائلها بوعي، ويشارك صاحبها عبء الأسئلة وأمل الاستمرار.
إلى أسرة "منتدى شعاع للأدباء والشعراء العرب"، وإلى الدكتور محمد ميموني، وإلى الطاقم الإداري، وإلى كل من رافق هذا اللقاء بحضوره وتفاعله، أقول: شكرا لكم على هذا الاحتضان الطيب، وعلى ما أحطتم به التجربة من اهتمام إنساني وثقافي، وعلى هذه المساحة التي جمعتنا حول الكلمة، لا بوصفها مادة للحوار فحسب، بل جسرا للمودة والتواصل.
دام لمنبركم وهج المبادرة، ولبرنامجكم دفء اللقاء، وللكلمة العربية فضاؤها الرحب الذي يجمعنا، مهما تباعدت الأمكنة، على محبة الإبداع والإيمان بأن الثقافة، في أعمق معانيها، هي ما يقرب الإنسان من الإنسان.
بكل المحبة والتقدير والوفاء
ضيف البرنامج: عبد الرحمن بوطيب - المغرب



#طه_دخل_الله_عبد_الرحمن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة نقدية تأويلية في جماليات الانكسار وشعرية الانبعاث لومض ...
- قراءة أدبية وجدانية في مرثيّة الدكتورة سلوى الفيلالي لوالدته ...
- استضافتي لبرنامج – أسابيع الرؤى الثقافية – من 5-10- الى 11-1 ...
- استعلاء الكتّاب والنقّاد حين تصبح كتابة الآخرين تهديدًا.
- النقد الأدبي: بين النظرية والتطبيق
- مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية [ أسابيع الرؤى الثقافية ...
- مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية Abdou Bout [ أسابيع الرؤ ...
- مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية Abdou Bout · مسؤول 9/10/ ...
- مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية [ أسابيع الرؤى الثقافية ...
- أسابيع الرؤى الثقافية منصة أسبوعية خاصة، للاحتفاء بالتجارب ا ...
- أسابيع الرؤى الثقافية ==الضيف: الدكتور طه عبد الرحمن / فلسطي ...
- استضافتي في برنامج - لقاء الأسبوع – منتدى شعاع للأدباء والشع ...
- قراءة نقدية في العطفة الشعرية -أحلام... لا تشيخ- بين الشاعرة ...
- رسائل الناقد طه دخل الله عبد الرحمن والدكتور فضيل حاج بن عدة ...
- قراءةٌ أسلوبيةٌ تأويليةٌ في قصيدة «عندما يتغنّى القصيد» للأد ...
- ردي على قراءة الأستاذة الناقدة جليلة المازني لمقالتي بعنوان ...
- إلى الأديب عبد المجيد بطالي: شكرًا لمن أهدى الشمسَ ومضةً وأه ...
- رسالتي للأستاذة الكاتبة الناقدة جليلة المازني على تحفتها الإ ...
- دراسة نقدية أكاديمية موسعة في المجموعة القصصية «كنتُ هناك... ...
- شكر وامتنان لمرفأ الابداع والأستاذ سعيد محتال – جليس الشهر ف ...


المزيد.....




- -حلم جديد-.. فضل شاكر يعلن موعد إصدار ألبومه الجديد
- قصر الثقافة والفنون الواسطي يشهد توقيع كتاب يحكي عن تاريخ وح ...
- تونس.. مساكن من العهد الأغلبي والفاطمي تظهر داخل مسرح روماني ...
- -عيون غزة- .. حين تتحول يوميات الحرب إلى ذاكرة مكتوبة
- نهج الدباغين في تونس.. حين يبدل الشارع جلده وتتراجع ذاكرة ال ...
- عرض فيلم -أضعف خلقه- من بطولة أحمد حلمي وهند صبري بمهرجان مر ...
- توقعوا موتها ونصحوها بالعمل في مخبز بدلا من التمثيل.. كيف أص ...
- حلم الحج والمنفى الفلسطيني في أول اختيارات مهرجان روتردام ال ...
- -أرض اللبان- ينقل حكاية التراث العُماني إلى جمهور سانت بطرسب ...
- باولو فونسيكا يقترب من تولي القيادة الفنية لنادي سبورتينغ لش ...


المزيد.....

- الدومري لا يطفئ عينيه / د. خالد زغريت
- رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي / محمد الفقي
- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - منتدى شعاع يستضيف الاديب الشاعر الناقد عبد الرحمن بوطيب ومحاوره الدكتور محمد ميموني في برنامج لقاء الأسبوع 16-10-2026