أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية Abdou Bout · مسؤول 9/10/2026 [ أسابيع الرؤى الثقافية ] اليوم الخامس منصة أسبوعية خاصة، للاحتفاء بالتجارب الثقافية الإبداعية والنقدية، لنخبة المثقفات والمثقفين العرب. إعداد وإدارة الناقد عبد الرحمن بوطيب الضيف: الدكتور طه عبد الرحمن / فلسطين العدد الخامس الحلقة الخامسة: الجمعة 9 أكتوبر 2026















المزيد.....



مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية Abdou Bout · مسؤول 9/10/2026 [ أسابيع الرؤى الثقافية ] اليوم الخامس منصة أسبوعية خاصة، للاحتفاء بالتجارب الثقافية الإبداعية والنقدية، لنخبة المثقفات والمثقفين العرب. إعداد وإدارة الناقد عبد الرحمن بوطيب الضيف: الدكتور طه عبد الرحمن / فلسطين العدد الخامس الحلقة الخامسة: الجمعة 9 أكتوبر 2026


طه دخل الله عبد الرحمن

الحوار المتمدن-العدد: 8854 - 2026 / 10 / 10 - 02:17
المحور: الادب والفن
    


مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية
Abdou Bout ·
مسؤول 9/10/2026
[ أسابيع الرؤى الثقافية ] اليوم الخامس
منصة أسبوعية خاصة، للاحتفاء بالتجارب الثقافية الإبداعية والنقدية، لنخبة المثقفات والمثقفين العرب.
إعداد وإدارة الناقد عبد الرحمن بوطيب
الضيف: الدكتور طه عبد الرحمن / فلسطين
العدد الخامس
الحلقة الخامسة: الجمعة 9 أكتوبر 2026
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قراءة نقدية في قصة "الجهة الأخرى من الصمت" للدكتور طه عبد الرحمن
الناقد:الدكتور محمد ميموني/ الجزائر
Mohammed Mimouni
ليست «الجهة الأخرى من الصمت» قصة تقوم على الحدث بالمعنى المألوف. لا توجد فيها وقائع كثيرة تتطور أمامنا، ولا شخصيات تدخل في صراع خارجي واضح. إن الحدث الحقيقي يقع في الداخل: رجل يحاول أن يفهم علاقته بالحياة بعدما أصبح الألم جزءًا ثابتًا من وعيه.
منذ البداية، يضعنا الكاتب أمام هذه المفارقة: «أنا الحي الذي يجرّ موته خلفه كظل لا يغيب». ومن هنا يتحدد المسار العام للنص: الحياة موجودة من الناحية البيولوجية، لكنها فقدت معناها بالنسبة إلى الشخصية.
هذه الفكرة واضحة ومتماسكة، والكاتب ينجح في جعلها محورًا تتفرع منه معظم مقاطع القصة. غير أن قوة الفكرة نفسها تكشف المأخذ الأبرز على النص: الكاتب لا يكتفي أحيانًا بأن يجعلنا نكتشف الألم، بل يواصل تفسيره وتصويره حتى بعد أن يكون قد وصل إلينا.
في البداية تكون الصور مؤثرة، مثل «أنا المقبرة التي تمشي» و«أنا النعش الذي يتنفس». لكن كثرة الصور المتقاربة في وظيفتها تجعل أثر بعضها يتراجع. فحين يتكرر المعنى نفسه من خلال المقبرة والنعش والدموع والجغرافيا والوحشة، يبدأ القارئ في استقبال الألم باعتباره فكرة ثابتة أكثر من كونه تجربة تتطور.
وهنا أختلف قليلًا مع الطريقة التي اختار بها الكاتب بناء نصه.
ليس لأن اللغة ضعيفة؛ بالعكس، اللغة هي إحدى نقاط قوة القصة. لكن اللغة القوية تحتاج أحيانًا إلى اقتصاد. الصورة الجيدة لا تحتاج بالضرورة إلى صورة أخرى تشرحها.
وربما كان النص سيصبح أكثر تأثيرًا لو ترك بعض الفراغات للقارئ.
فالإنسان المنهك لا يحتاج دائمًا إلى أن يقول: أنا منهك. قد تكشف حالته حركة بسيطة، أو تصرفًا عابرًا، أو علاقة مع شخص آخر. وهذا ما افتقدته القصة إلى حد ما: التفاصيل اليومية التي تمنح الشخصية حياة خارج خطابها عن الألم.
الشخصية هنا تتحدث عن نفسها من داخل أزمتها، ولذلك نعرف كثيرًا عن شعورها، لكننا نعرف قليلًا عن حياتها.
وهذا فرق مهم.
نعرف أنها وحيدة، لكننا لا نرى الوحدة في موقف يومي.
نعرف أنها فقدت علاقتها بالمستقبل، لكننا لا نراها تتعامل مع موعد أو شخص أو مكان.
نعرف أنها تشعر بأنها ميتة من الداخل، لكننا لا نرى أثر ذلك في علاقتها بالعالم المحيط.
وهنا كان يمكن للقصة أن تمنحنا شيئًا من المشهد بدل أن تعتمد بصورة شبه كاملة على التأمل.
مع ذلك، فإن اختيار المونولوج الداخلي يخدم النص بوضوح.
السارد لا يريد أن يحكي لنا حياته بقدر ما يريد أن يكشف وعيه بنفسه. ولذلك تأتي الأسئلة المتكررة حول الموت والزمن والوحدة لتكشف حالة ذهنية أكثر مما تكشف أحداثًا.
وأحسب أن عبارة:
«كم مرة يموت المرء قبل أن يموت؟»
تلخص جزءًا كبيرًا من المشروع.
فالزمن في القصة ليس زمن الساعة، وإنما زمن الإحساس. الدقيقة لا تعني دقيقة، والغد لا يعني يومًا جديدًا، وإنما احتمالًا لم يعد السارد قادرًا على تصديقه.
وهذا من أنجح جوانب القصة؛ لأن الكاتب استطاع أن يحوّل الزمن من عنصر خارجي إلى تجربة داخلية.
لكن هنا أيضًا كان يمكن للاقتصاد أن يخدم النص.
حين تكون الفكرة قوية، لا تحتاج إلى تكرارها كثيرًا.
والكاتب يمتلك بالفعل جملة مركزية تستطيع حمل هذا المعنى دون الحاجة إلى أن تظل القصة تؤكده في صور متعددة.
أما المقطع المتعلق بالله، فهو بالنسبة إليّ أهم أجزاء القصة من الناحية الفكرية.
«يا رب، أنت تعلم أنني لا أكفر، أنا فقط أتعجب».
هذه الجملة تنقل النص من وصف الألم إلى مساءلة معناه.
فالشخصية لا تقدم نفسها باعتبارها رافضة للإيمان، بل باعتبارها إنسانًا لا يفهم لماذا يُطلب منه أن يحتمل ما لا يستطيع تفسيره. وهنا يصبح السؤال الديني امتدادًا للسؤال الوجودي.
واللافت أن الكاتب لا يقدم إجابة جاهزة.
وهذا جيد.
لأن النص الأدبي يفقد جزءًا من قوته عندما يحول السؤال الكبير إلى درس جاهز.
لكن حتى هنا، تعود المشكلة نفسها: الصورة تسبق أحيانًا التجربة.
كان يكفي أن تبقى الحيرة واضحة، وربما كان ذلك سيجعل المقطع أكثر قوة. فالسؤال الموجه إلى الله لا يحتاج دائمًا إلى كثير من المجازات حتى يصل إلى القارئ.
أما عنوان القصة، فهو من أجمل مفاتيحها.
«الجهة الأخرى من الصمت» لا تشير بالضرورة إلى مكان آخر، وإنما إلى ما لا يظهر في الكلام.
الصمت هنا ليس مجرد عدم الحديث. إنه أشياء لم تستطع الشخصية أن تقولها، وربما لم تجد من يستطيع سماعها.
لكن العنوان يطرح سؤالًا آخر:
هل الصمت هو المشكلة، أم أن المشكلة هي غياب من يصغي إليه؟
وهذا السؤال يجعل القصة تتجاوز تجربة الشخصية نفسها.
فهي لا تعود قصة شخص متألم فقط، وإنما تصبح تذكيرًا بمشكلة إنسانية أوسع: أننا كثيرًا ما نرى الإنسان من خلال سلوكه الخارجي، ولا نعرف ما يحدث في داخله.
ومع ذلك، تبقى لدي ملاحظة أساسية على بناء الشخصية.
السارد يكاد يعرف نفسه من خلال ألمه وحده.
هو الميت، والمنعزل، والمتعب، والذي فقد الغد.
وهذا مفهوم داخل الحالة التي يكتب منها النص، لكنه يظل محدودًا من الناحية الفنية.
فالإنسان، حتى في أشد أزماته، لا يتوقف عن امتلاك تفاصيل أخرى.
كان يمكن لتفصيل صغير جدًا أن يغير كثيرًا في القصة: علاقة عابرة، ذكرى، موقف يومي، شخص لا يفهم ما يحدث له، أو حتى لحظة عادية تناقض هذا السواد المستمر.
ليس المطلوب أن تدخل القصة في التفاؤل.
المطلوب فقط أن نرى الإنسان إلى جانب معاناته.
فحين يصبح الألم هو الشخصية كلها، يفقد القارئ شيئًا من القدرة على اكتشافها.
وهنا أصل إلى ملاحظة ربما تكون الأكثر أهمية عندي.
القصة تقول إن السارد «نعش يتنفس».
لكن استمرار التنفس، واستمرار الكلام، واستمرار السؤال، يعني أن هناك شيئًا لم ينتهِ بعد.
وهذه المفارقة هي ما يجعل النص أكثر تعقيدًا مما يبدو.
فالسارد يعلن موته، لكنه يكتب.
يعلن عجزه عن الانتظار، لكنه ينتظر.
يقول إن الصمت أحاط به، لكنه يتكلم طوال القصة.
وهذا التناقض ليس عيبًا بالضرورة؛ بل يمكن أن يكون أكثر عناصر النص إثارة.
فالكتابة نفسها تصبح هنا دليلًا على أن الشخصية لم تستسلم تمامًا.
وربما كان يمكن للكاتب أن يستثمر هذه المفارقة أكثر.
لأن أجمل سؤال في ال
لأن أجمل سؤال في القصة ليس: هل مات هذا الإنسان؟
بل:
إذا كان قد مات من الداخل، فمن الذي ما زال يكتب؟
وهنا، قبل أن أختم، لا بد أن أقول إن نقد النص لا يعني محاكمة صاحبه.
الدكتور طه عبد الرحمن يغامر في هذه القصة بالدخول إلى منطقة حساسة: الألم الداخلي، والوحدة، والموت الرمزي، والحيرة أمام معنى الاحتمال. وقد لا أتفق مع كل اختياراته الفنية، خصوصًا في كثافة الصور وتكرار بعض المعاني، لكن هذا الاختلاف نفسه دليل على أن النص يفتح مجالًا حقيقيًا للحوار.
وأنا، في النهاية، لم أقرأ القصة بعين الناقد وحده.
قرأتها أيضًا بعين الإنسان.
لأننا جميعًا نعرف، أو قد نعرف يومًا، شخصًا يقول لنا: «أنا بخير»، ثم نكتشف بعد وقت طويل أن تلك العبارة لم تكن وصفًا لحاله، وإنما محاولة لإغلاق الحديث.
ومن هنا تبدو لي القيمة الإنسانية الأهم في «الجهة الأخرى من الصمت»: أنها تذكّرنا بأن ما لا يقوله الإنسان قد يكون أهم مما يقوله.
وهذا هو الموضع الذي أتوقف فيه عن محاكمة اللغة قليلًا.
وأترك النص للدكتور طه عبد الرحمن، مع كامل التقدير والاحترام، وللقارئ الذي ربما يجد فيه شيئًا لم أجده أنا.
فالنص الجيد لا ينتهي عندما يضع الكاتب نقطة في آخر السطر.
أحيانًا يبدأ هناك.
وربما كانت «الجهة الأخرى من الصمت» هي ببساطة:
الإنسان الذي نراه أمامنا، ولا نعرف ماذا يحدث فيه.
د. محمد ميموني - مشاكس المعنى
الجزائر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
القصة
الجهة الأخرى من الصمت
د. طه عبد الرحمن
أنا الحيّ الذي يجرّ موته خلفه كظلٍ لا يغيب، كل صباحٍ أتفقّد قبري بأصابع مرتجفة، أمسح الغبار عن اسمي المنحوت على رخامٍ لم يُرفع بعد. الموت ليس هديةً مؤجلة، بل هو الشيء الوحيد الذي أشعر أنه لي، حقي الوحيد الذي لا ينتزعه مني أحد، ومع ذلك أتأخر عنه كل يوم، لا حبًا في الحياة، بل لأن البؤس صار دينًا، وأنا مدينٌ حتى آخر قطرة عذاب.
لستُ حزينًا، الحزن عاطفة، أما أنا فقد تحوّلت إلى جغرافية الألم ذاتها. جبالٌ من الصمت ترتجف في حلقي، أنهارٌ من الكتمان تجف في شراييني، صحاري من الوحشة تتمدد بين ضلعي وضلعي. الحزن شيء يشبه المطر، يأتي ثم يذهب، أما أنا فصرت الطين الذي لا يجف، صرت الوحل الذي يبتلع خطوات الفرح قبل أن تصل إليّ. أنا المقبرة التي تمشي، أنا النعش الذي يتنفس، أنا الدموع التي لا عين لها فظلّت حبيسة في لحم القلب تنخر فيه كنخر السوس في خشب التابوت.
اكتئابي علّمني لغةً لا يتحدثها الأحياء، علّمني كيف أكون شبحًا بينهم، كيف أمرّ كالهواء المسموم، لا يراني أحد، ولكن الجميع يختنق بي. أتكلّم، فيظنون أن صوتي آتٍ من غرفة مجاورة، أتحرك، فيحسبون أن الريح حرّكت ستارة، أنا الغائب الذي يملأ المكان، أنا الفراغ الذي إذا دخل غرفة ضاقت بالجالسين. صرت الهباءة، صرت الذرة المعلقة بين "كان" و"لم يعد"، صرت زمنًا ماضيًا بلا فعلٍ ولا فاعل.
الغد؟ لا تؤذوني بالغد. الغد كذبةٌ اخترعها من يملكون قوّة الانتظار، وأنا مفلسٌ حتى من الانتظار. أنظر إلى الساعة فأرى العقارب تمشي على جثث دقائقي، كل ثانية تموت وأنا أموت معها، ثم تولد ثانية جديدة لتموت هي الأخرى، وأنا أموت من جديد. كم مرة يموت المرء قبل أن يموت؟ أنا متُّ بعدد أنفاسي، متُّ بعدد نبضات قلبي، ومع ذلك ما زلتُ أجلس هنا، أتنفس، كأن الحياة تصرّ عليّ وأنا أصرّ على الرحيل، عشقٌ من طرفٍ واحد، أنا والحياة، عشقٌ بلا لغة، عناقٌ بلا ذراعين، قُبلة إسفلتية بطعم الدم والغبار.
أتعرفون كيف يكون البكاء بلا عيون؟ أن تبكي برئتيك، أن تبكي بكبدك، أن تبكي بعظامك، أن تبكي بقلبك، أن يذوب نخاعك دموعًا لا ترى النور أبدًا. دموعي حبيسة في أقبية الجسد، تغرق أحشائي كل ليلة، أغرق فيّ ولا ينتشلني أحد. أبكي من أصابعي، من ركبتيّ، من ضلوعي التي تشبّكت كأغصان شجرةٍ في مهب الإعصار، أبكي من كل مسام جلدي، ومع ذلك أبدو جافًا كصحراء لم تسمع اسم المطر، كحجرٍ لم ترتطم به دمعة قط.
الوحدة صارت أثقل من الجاذبية، تسحقني إلى مركز الأرض، إلى اللبّ، إلى النواة الملتهبة، ثم إلى ما بعد الالتهاب، إلى رماد الرماد. أنام فأصحو على صوت وحدتي، آكل فتشاركني وحدتي لقمتها، أتنفس فتدخل وحدتي إلى رئتيّ قبل الهواء. صرنا توأمين سياميين، لا يمكن فصلي عنها إلا بموتي، وربما حتى بموتي لا تفارقني، ربما تتبعني إلى قبري، ربما تكون هي الدود الذي يأكل جثتي، ربما تكون هي التراب الذي يثقل صدري إلى الأبد.
يا رب، أنت تعلم أنني لا أكفر، أنا فقط أتعجب. أتعجب من قلبٍ هذا حظه من الدنيا وما زال ينبض، من روح هذا نصيبها من الألم وما زالت تصعد كل صباح، تعود إلى الجسد كمن يعود إلى سجنه بقدميه. أتعجب منك، لا غضبًا، بل استغراب المحكوم بالإعدام حين يجد في زنزانته وردة، يقول: "ما فائدة الوردة لمن سيُشنق فجرًا؟" أنا الوردة في زنزانة الانتظار، أنا السؤال بلا جواب، أنا الدعاء الذي يصعد فلا يخترق السقف، يعود إليّ كالطيور المهاجرة التي ضلّت طريقها، تسقط ميتةً عند عتبة فمي فأبتلعها وأتحول أنا إلى مقبرة الدعوات.
لا تبحثوا عني في وجوه الأحياء، ابحثوا عني في الوجوه التي ماتت قبل أصحابها، في العيون التي صارت حدقتاها قبرين، في الابتسامات التي تشبه الشقوق في جدارٍ قديم. أنا هناك، حيث الحياة ذاكرةٌ منسيّة، حيث الألم طبيعةٌ لا حدث، حيث البؤس ليس حالةً بل هوية. أنا الهوية، أنا التعريف، أنا الإنسان الذي صار تعريفه: "شيء كان حيًا ثم صار هذا".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
طه دخل الله عبد الرحمن
فلسطين
— مع ‏‎Mohammed Mimouni‎‏ و‏طه عبد الرحمن‏.
Mohammed Mimouni
Message
الدكتور الفاضل، لك مني خالص الشكر وعميق الامتنان على نشرك لأعمالي النقدية في الجريدة، وعلى هذا الاهتمام الذي أعتزّ به كثيرًا.
لقد منحتَ كتاباتي فرصةً أوسع للوصول إلى القارئ، وأثبتَّ بمبادرتك أن المثقف الحقيقي لا يكتفي بقراءة الإبداع، بل يسهم في إيصاله إلى فضاء الحوار الثقافي، إيمانًا منه بأن الكلمة حين تجد من ينصفها، تتجاوز حدود صاحبها لتصبح شأنًا معرفيًا وإنسانيًا مشتركًا.
أقدّر لك هذه الخطوة النبيلة، وأثمّن فيك حرصك على الاحتفاء بالفكر النقدي وفتح المنابر أمام الأقلام التي تسعى إلى مساءلة المعنى، لا الاكتفاء بترديده.
شكرًا لك دكتور، لأنك لم تمنح أعمالي مساحةً للنشر فحسب، بل منحتها فرصةً أخرى للحياة في عقول القرّاء. وهذا، في تقديري، هو جوهر الفعل الثقافي النبيل.
لك مني كل التقدير والاحترام، ودام عطاؤك منبرًا للكلمة الجادة، ودام بيننا هذا الود الذي يجعل من الثقافة مساحةً للتلاقي، لا مجرد مناسبة لتبادل المجاملات.
أخوك الدكتور محمد ميموني

*****************
التعليقات والردود:
ما كتبه الأستاذ الناقد عبد الرحمن بوطيب على القصة وقراءة الدكتور محمد ميموني:
Abdou Bout
بين جغرافية الألم وأفق الصمت: الكتابة بحثا عن الإنسان
تجمع قصة "الجهة الأخرى من الصمت" للدكتور طه عبد الرحمن، والقراءة التي أنجزها الدكتور محمد ميموني، بين تجربتين تتكاملان في استكشاف عوالم الإنسان الداخلية؛ تجربة إبداعية تحاول أن تمنح الألم لغة وصورا، وتجربة قرائية تنصت إلى هذه اللغة، وتتأمل ما تفتحه من أسئلة حول الحياة والوحدة ومعنى الوجود. ومن هذا التلاقي، تنبثق مساحة للحوار بين النص وما يستثيره من تأمل، وبين الكاتب والقارئ في رحلتهما المشتركة نحو المعنى.
منذ عبارته الأولى، "أنا الحي الذي يجرّ موته خلفه كظل لا يغيب"، يضعنا طه عبد الرحمن أمام ذات تعيش على تخوم الحياة والموت، حيث يستمر الجسد في التنفس، بينما تتراجع قدرة الروح على مصالحة العالم. ومن هذه المفارقة تتشكل جغرافية الألم التي ترسمها القصة، وتتوالد صور المقبرة التي تمشي، والنعش الذي يتنفس، والدموع التي لا تجد عيونا تفيض منها. هكذا يغادر الألم حدود الشعور العابر ليصبح فضاء داخليا تقيم فيه الشخصية، وتعيد من خلاله النظر إلى نفسها وإلى الأشياء المحيطة بها.
وتنساب القصة عبر مونولوج داخلي تتعاقب فيه الخواطر والأسئلة، ويصبح الزمن تجربة نفسية أكثر منه حركة منتظمة نحو المستقبل. فالغد، الذي يفترض أن يحمل وعدا بالتجدد، يغدو عبئا على ذات فقدت الثقة بالانتظار، فيما تختزل عبارة "كم مرة يموت المرء قبل أن يموت؟" ذلك الإحساس بالانطفاء المتكرر، الذي يجعل الحياة امتدادا لمعاناة لا تعرف الشخصية كيف تضع لها نهاية.
غير أن النص لا ينغلق على الألم وحده، بل يفتح نافذة على حيرة الإنسان أمام ما يعجز عن تفسيره، حين يناجي السارد ربه قائلا: "يا رب، أنت تعلم أنني لا أكفر، أنا فقط أتعجب". في هذه العبارة تتجاور هشاشة الإنسان وحاجته إلى المعنى، ويصبح السؤال الديني وجها من وجوه السؤال الوجودي، لا بحثا عن إجابة جاهزة، بل محاولة للإمساك بما يظل عصيا على الفهم. ومن خلال هذا البعد، تتجاوز التجربة حدود الذات الفردية لتلامس أسئلة الإنسان في علاقته بالحياة والإيمان والمصير.
أما العنوان، "الجهة الأخرى من الصمت"، فيحملنا إلى تلك المنطقة الخفية التي لا تكشفها المظاهر، ولا تستوعبها الكلمات دائما. فالصمت هنا ليس فراغا خاليا من المعنى، وإنما عالم مكتظ بما لم يجد طريقه إلى الإفصاح، وربما بما لم يجد من يصغي إليه. ومن ثم تكتسب القصة بعدها الإنساني الأوسع، إذ تذكرنا بأن ما يعيشه الإنسان في أعماقه قد يكون أبعد بكثير مما يظهره للآخرين، وأن الإصغاء الحقيقي يبدأ حين نتجاوز حدود الكلام الظاهر إلى ما يختبئ وراءه.
وفي هذا الأفق تأتي قراءة الدكتور محمد ميموني، لترافق النص في رحلته بين اللغة والتجربة، وتلتقط ما تنطوي عليه صوره من طاقة تعبيرية، وما يتيحه بناؤه التأملي من إمكانات للقراءة. ويتوقف الناقد عند كثافة المجاز وتوالي الصور التي تتردد حول الألم والوحدة والموت، مستحضرا أهمية المسافة التي ينبغي أن تتركها الكتابة للقارئ كي يشارك في اكتشاف المعنى. فالصورة لا تؤدي وظيفتها في ما تقوله فحسب، بل أيضا في ما توحي به وتتركه مفتوحا أمام المخيلة.
ومن هنا تتصل القراءة بمسألة التفاصيل الإنسانية التي يمكن أن تمنح الشخصية مزيدا من الحضور في العالم. فخلف هذا الصوت المثقل بالمعاناة، ثمة إنسان له يومه وذكرياته وعلاقاته، وربما كانت بعض اللحظات العابرة كفيلة بأن تكشف جوانب أخرى من تجربته، وأن تجعل الألم أكثر قربا من الحس المشترك. وليس في ذلك ما ينتقص من الطبيعة التأملية للقصة، بل ما يضيء إمكانات إضافية لتفاعل الوجدان مع المشهد، واللغة مع تفاصيل الحياة.
ولعل أكثر ما يستوقفنا في هذا العمل أن السارد، وهو يعلن موته الداخلي، يظل قادرا على الكلام والكتابة والسؤال. ففي استمرار صوته ما يوحي بأن شيئا منه لا يزال يقاوم العتمة، وأن الكتابة، مهما اشتد حضور اليأس في عباراتها، تظل محاولة للخروج من العزلة نحو الآخر. إنها المفارقة التي تمنح النص عمقه الإنساني؛ فالكلام عن الصمت يصبح شكلا من أشكال كسره، والإفصاح عن الألم يفتح أمامه إمكان المشاركة، بعد أن ظل حبيس الذات.
وهكذا تلتقي قصة طه عبد الرحمن وقراءة محمد ميموني في فضاء تتجاور فيه التجربة الإبداعية والتأمل النقدي، من غير أن تفقد كل منهما خصوصيتها. فالكاتب يمنح الألم صوته وصوره، والناقد يوسع مجال الإصغاء إلى هذا الصوت، مستكشفا ما يفتحه النص من أسئلة حول اللغة والإنسان والقدرة على التعبير. وفي هذا التفاعل تتجلى قيمة الحوار الأدبي الذي لا يسعى إلى إغلاق المعنى، بل إلى إثرائه وتعدد زوايا النظر إليه.
إن "الجهة الأخرى من الصمت" تذكرنا بأن وراء كل إنسان حكاية قد لا تجد كلماتها، وأن الأدب يستطيع أن يجعلنا أقرب إلى تلك الحكايات، فيما يمنحها النقد أفقا أوسع للفهم والتأمل. وبين الكتابة التي تبوح والقراءة التي تصغي، تظل إنسانية الأدب في قدرته على أن يفتح نافذة في جدار العزلة، وأن يجعل ما يبدو صامتا قابلا لأن يُرى ويُحَسّ ويُشارك فيه الآخر.
Mohammed Mimouni
طه عبد الرحمن
Abdou Bout
بين جغرافية الألم وأفق الصمت: الكتابة بحثا عن الإنسان
تجمع قصة "الجهة الأخرى من الصمت" للدكتور طه عبد الرحمن، والقراءة التي أنجزها الدكتور محمد ميموني، بين تجربتين تتكاملان في استكشاف عوالم الإنسان الداخلية؛ تجربة إبداعية تحاول أن تمنح الألم لغة وصورا، وتجربة قرائية تنصت إلى هذه اللغة، وتتأمل ما تفتحه من أسئلة حول الحياة والوحدة ومعنى الوجود. ومن هذا التلاقي، تنبثق مساحة للحوار بين النص وما يستثيره من تأمل، وبين الكاتب والقارئ في رحلتهما المشتركة نحو المعنى.
منذ عبارته الأولى، "أنا الحي الذي يجرّ موته خلفه كظل لا يغيب"، يضعنا طه عبد الرحمن أمام ذات تعيش على تخوم الحياة والموت، حيث يستمر الجسد في التنفس، بينما تتراجع قدرة الروح على مصالحة العالم. ومن هذه المفارقة تتشكل جغرافية الألم التي ترسمها القصة، وتتوالد صور المقبرة التي تمشي، والنعش الذي يتنفس، والدموع التي لا تجد عيونا تفيض منها. هكذا يغادر الألم حدود الشعور العابر ليصبح فضاء داخليا تقيم فيه الشخصية، وتعيد من خلاله النظر إلى نفسها وإلى الأشياء المحيطة بها.
وتنساب القصة عبر مونولوج داخلي تتعاقب فيه الخواطر والأسئلة، ويصبح الزمن تجربة نفسية أكثر منه حركة منتظمة نحو المستقبل. فالغد، الذي يفترض أن يحمل وعدا بالتجدد، يغدو عبئا على ذات فقدت الثقة بالانتظار، فيما تختزل عبارة "كم مرة يموت المرء قبل أن يموت؟" ذلك الإحساس بالانطفاء المتكرر، الذي يجعل الحياة امتدادا لمعاناة لا تعرف الشخصية كيف تضع لها نهاية.
غير أن النص لا ينغلق على الألم وحده، بل يفتح نافذة على حيرة الإنسان أمام ما يعجز عن تفسيره، حين يناجي السارد ربه قائلا: "يا رب، أنت تعلم أنني لا أكفر، أنا فقط أتعجب". في هذه العبارة تتجاور هشاشة الإنسان وحاجته إلى المعنى، ويصبح السؤال الديني وجها من وجوه السؤال الوجودي، لا بحثا عن إجابة جاهزة، بل محاولة للإمساك بما يظل عصيا على الفهم. ومن خلال هذا البعد، تتجاوز التجربة حدود الذات الفردية لتلامس أسئلة الإنسان في علاقته بالحياة والإيمان والمصير.
أما العنوان، "الجهة الأخرى من الصمت"، فيحملنا إلى تلك المنطقة الخفية التي لا تكشفها المظاهر، ولا تستوعبها الكلمات دائما. فالصمت هنا ليس فراغا خاليا من المعنى، وإنما عالم مكتظ بما لم يجد طريقه إلى الإفصاح، وربما بما لم يجد من يصغي إليه. ومن ثم تكتسب القصة بعدها الإنساني الأوسع، إذ تذكرنا بأن ما يعيشه الإنسان في أعماقه قد يكون أبعد بكثير مما يظهره للآخرين، وأن الإصغاء الحقيقي يبدأ حين نتجاوز حدود الكلام الظاهر إلى ما يختبئ وراءه.
وفي هذا الأفق تأتي قراءة الدكتور محمد ميموني، لترافق النص في رحلته بين اللغة والتجربة، وتلتقط ما تنطوي عليه صوره من طاقة تعبيرية، وما يتيحه بناؤه التأملي من إمكانات للقراءة. ويتوقف الناقد عند كثافة المجاز وتوالي الصور التي تتردد حول الألم والوحدة والموت، مستحضرا أهمية المسافة التي ينبغي أن تتركها الكتابة للقارئ كي يشارك في اكتشاف المعنى. فالصورة لا تؤدي وظيفتها في ما تقوله فحسب، بل أيضا في ما توحي به وتتركه مفتوحا أمام المخيلة.
ومن هنا تتصل القراءة بمسألة التفاصيل الإنسانية التي يمكن أن تمنح الشخصية مزيدا من الحضور في العالم. فخلف هذا الصوت المثقل بالمعاناة، ثمة إنسان له يومه وذكرياته وعلاقاته، وربما كانت بعض اللحظات العابرة كفيلة بأن تكشف جوانب أخرى من تجربته، وأن تجعل الألم أكثر قربا من الحس المشترك. وليس في ذلك ما ينتقص من الطبيعة التأملية للقصة، بل ما يضيء إمكانات إضافية لتفاعل الوجدان مع المشهد، واللغة مع تفاصيل الحياة.
ولعل أكثر ما يستوقفنا في هذا العمل أن السارد، وهو يعلن موته الداخلي، يظل قادرا على الكلام والكتابة والسؤال. ففي استمرار صوته ما يوحي بأن شيئا منه لا يزال يقاوم العتمة، وأن الكتابة، مهما اشتد حضور اليأس في عباراتها، تظل محاولة للخروج من العزلة نحو الآخر. إنها المفارقة التي تمنح النص عمقه الإنساني؛ فالكلام عن الصمت يصبح شكلا من أشكال كسره، والإفصاح عن الألم يفتح أمامه إمكان المشاركة، بعد أن ظل حبيس الذات.
وهكذا تلتقي قصة طه عبد الرحمن وقراءة محمد ميموني في فضاء تتجاور فيه التجربة الإبداعية والتأمل النقدي، من غير أن تفقد كل منهما خصوصيتها. فالكاتب يمنح الألم صوته وصوره، والناقد يوسع مجال الإصغاء إلى هذا الصوت، مستكشفا ما يفتحه النص من أسئلة حول اللغة والإنسان والقدرة على التعبير. وفي هذا التفاعل تتجلى قيمة الحوار الأدبي الذي لا يسعى إلى إغلاق المعنى، بل إلى إثرائه وتعدد زوايا النظر إليه.
إن "الجهة الأخرى من الصمت" تذكرنا بأن وراء كل إنسان حكاية قد لا تجد كلماتها، وأن الأدب يستطيع أن يجعلنا أقرب إلى تلك الحكايات، فيما يمنحها النقد أفقا أوسع للفهم والتأمل. وبين الكتابة التي تبوح والقراءة التي تصغي، تظل إنسانية الأدب في قدرته على أن يفتح نافذة في جدار العزلة، وأن يجعل ما يبدو صامتا قابلا لأن يُرى ويُحَسّ ويُشارك فيه الآخر.
Mohammed Mimouni
طه عبد الرحمن
Mohammed Mimouni
Abdou Bout الأستاذ الفاضل عبد الرحمن بوطيب، قرأتُ كلماتك بامتنان يليق بقلم لم يكتفِ بقراءة النص، بل حاول الإصغاء إلى ما يتوارى خلفه من أسئلة الإنسان وقلقه، وما تتركه الكتابة فينا بعد أن تنتهي الكلمات.
لقد أنصفتَ تجربة الدكتور طه عبد الرحمن، ومنحتَ قراءتي مساحةً للحوار داخل هذا التلاقي الجميل بين الإبداع والنقد. وما أقدّره في مقاربتك أنك لم تتعامل مع النقد بوصفه شرحًا للنص أو إعادة صياغة لما يقوله، بل بوصفه فعل إنصات وتأويل، يكشف بعض المعاني ويترك لغيرها حق الاختباء.
وأقول هنا: أجمل ما يفعله النقد أنه لا يكتفي بقراءة النص، بل يجعلنا نرى فيه ما لم نكن نعرف أننا نبحث عنه؛ وأجمل ما فعلته قراءتك أنك لم تفصل بين وجع الكتابة ووعي القراءة، بل جعلت منهما طريقًا واحدًا نحو الإنسان.
أما إشارتك إلى التفاصيل الإنسانية التي قد تمنح الشخصية مزيدًا من الحضور، فقد لامست جانبًا مهمًا من مشاغلي النقدية؛ فليس السؤال دائمًا عمّا يقوله النص، بل عمّا كان يمكن أن يقوله، وما تركه خارج لغته، وما يدعونا إلى اكتشافه دون أن يقدّمه لنا جاهزًا. وهنا تبدأ مشاكسة المعنى: حين لا نعامل النص بوصفه حقيقة مكتملة، بل بوصفه أفقًا تتعدد داخله إمكانات الفهم والتأويل.
شكرًا لك أستاذ عبد الرحمن، لأنك لم تجعل قراءتك شهادة مجاملة، بل أضفتَ إليها رؤيةً تستحق الحوار. فالنقد الذي أعتز به ليس الذي يوافقني فحسب، وإنما الذي يمنح أفكاري فرصةً أخرى للتفكير، ويجعلني أعود إلى ما كتبتُ بعين مختلفة.
ولعل أجمل ما يمكن أن ينتهي إليه حوارنا أن نكتشف أن النص لا يسكن صاحبه وحده، ولا يظل ملكًا لقراءته الأولى؛ إنه يبدأ حياةً أخرى كلما عبر إلى قارئ يمتلك شجاعة التأويل ونبل الاختلاف.
لك مودتي وتقديري، وللدكتور طه عبد الرحمن خالص الاحترام، وللكلمة التي تظل، مهما ضاق بها الصمت، تبحث عن إنسانٍ يصغي إليها.
الدكتور محمد ميموني
طه عبد الرحمن
Abdou Bout حين يصير الإصغاء وطناً للكلمة: إلى الاستاذ عبد الرحمن بوطيب، على الضفة التي يلتقي فيها الألم بالمعنى
ثمة كلمات تمر على النص كما يمر الضوء على زجاج نافذة، وثمة كلمات تدخل إليه كما يدخل الصديق إلى بيت أرهقه الغياب؛ لا يسأل أولاً عن ترتيب الأشياء، بل عن القلب الذي تركها على حالها، وعن التعب الذي أقام بين الجدران. ومن هذا الصنف النبيل جاءت كلمتكم، أستاذنا الدكتور عبد الرحمن بوطيب؛ لم تقف عند عتبة «الجهة الأخرى من الصمت»، ولم تكتفِ بأن تصف ما علق بلغتها من ظلال، وإنما أصغت إلى الإنسان الذي يحاول، من داخلها، أن يدل على موضع وجعه، وأن يجد لصوته مكاناً في سمع العالم.
قرأت كلمتكم فشعرت أن النص الذي كتبته لم يعد واقفاً وحده أمام عتمته؛ وأن القراءة التي أنجزها الدكتور محمد ميموني وجدت في تأملكم امتداداً لحوار لا يتنازع فيه الكاتب والناقد على المعنى، بل يتقاسمان مسؤولية الاقتراب منه. ولهذا لا أكتب إليكم شكراً على حفاوة فحسب، وإن كانت الحفاوة مما يحفظه القلب؛ أكتب اعترافاً بقيمة ذلك الإصغاء الذي منحتموه لنا، حين جعلتم من التقاء القصة وقراءتها مناسبة لاستعادة السؤال عن الإنسان، لا مناسبة للاكتفاء بتبادل الثناء.
لقد استوقفني في كلمتكم أنكم لم تعاملوا الألم بوصفه زينة لغوية، ولا بوصفه موضوعاً يصلح لاستعراض المجاز، بل بوصفه تجربة تستحق أن تُفهم في هشاشتها وتعقيدها. وهذه، في تقديري، أعمق وجوه الإنصاف التي يمكن أن تُمنح لنص يتخذ من الداخل الإنساني مجالاً له؛ أن يُرى وراء عباراته كائن يحاول أن يتكلم، لا مجرد قلم يحاول أن يبرع. فما أشد حاجة الكتابة، حين تقترب من مناطق الانكسار، إلى قارئ لا يفتنه بريق العبارة عن الندبة التي استدعتها، ولا يحجبه الحكم على الصورة عن السؤال الذي يسكنها.
وحين وقفتم عند عبارة «أنا الحي الذي يجرّ موته خلفه كظل لا يغيب»، أعدتم إليّ السؤال الذي يثقل هذه المفارقة: كيف يحيا الإنسان حين يشعر أن شيئاً فيه قد انطفأ؟ ليست قسوة هذا السؤال في اقترابه من الموت وحده، بل في اضطراره إلى النظر في حياة تستمر، على الرغم مما فقدته من قدرتها على الفرح والانتظار. وقد لمست في قراءتكم وعياً بهذه المسافة الموجعة بين استمرار الجسد وتعثر الروح؛ فلم تختزلوا الصوت في يأسه، ولم تسارعوا إلى إخراجه منه بعزاء جاهز، وإنما تركتم له حقه في أن يكون حائراً، مثقلاً، وغير قادر بعد على تسمية خلاصه.
وأحسب أن من أجمل ما منحتموه للقصة انتباهكم إلى أن الكلام، مهما حمل من علامات الانطفاء، يظل فعلاً يناقض الصمت الكامل. لقد رأيتم في استمرار السارد في السؤال والكتابة بقية مقاومة، وهذه ملاحظة تجعلني أعود إلى النص بعين أخرى. فربما لم تكن الشخصية تعرف أنها تقاوم؛ وربما كانت تظن أنها لا تفعل أكثر من وصف هزيمتها. غير أن وصول صوتها إلى قارئ ينصت إليه يفتح في تلك الهزيمة احتمالاً لم يكن منظوراً: أن يتحول ما عاشته منفردة إلى تجربة يستطيع آخر أن يقترب منها، وأن يخف، ولو قليلاً، ذلك العبء الذي يضاعفه انعدام الشاهد.
وفي وقوفكم عند المناجاة: «يا رب، أنت تعلم أنني لا أكفر، أنا فقط أتعجب»، لمست رهافة تحفظ للعبارة ارتجافها الإنساني. فليس كل سؤال رغبة في الجواب السريع، وليس كل حيرة خروجاً من المعنى؛ قد تكون الحيرة نفسها محاولة للبقاء قريباً منه، حين تعجز النفس عن فهم ما يقع بها. لقد تركتم للمناجاة مساحتها بين الوجع والرجاء، من غير أن تحملوها ما لم تقله، أو تغلقوا بابها بتفسير واحد. وفي ذلك احترام لصوت الشخصية، واحترام أيضاً لما يظل في التجربة الإنسانية عصياً على البيان مهما اتسعت اللغة.
أما الدكتور محمد ميموني، فإنني أجد في كلمتكم ما يدعوني إلى تجديد التقدير لقراءته، لا باعتبارها مرآة أرغب أن تعيد إليّ صورة أطمئن إليها، بل باعتبارها نظراً آخر يوقظ في النص أسئلة قد لا ينتبه إليها صاحبه. فالكاتب قريب من عبارته قرباً قد يحجب عنه بعض آثارها؛ يسمع فيها ما أراد، وربما احتاج إلى الناقد كي يسمع ما وصل بالفعل، وما ظل بعيداً، وما كان يمكن أن يجد طريقاً أوضح إلى القارئ. ومن هنا تصبح الملاحظة النقدية فرصة، لا خصومة؛ ويصبح الاختلاف في النظر باباً إلى العمل، لا جداراً بين من يكتب ومن يقرأ.
ولذلك أتلقى باهتمام ما أبرزتموه من ضرورة المسافة التي تتركها الكتابة للقارئ، وما أشرتم إليه من إمكان منح الشخصية حضوراً أوسع من خلال تفاصيل يومها وذكرياتها وعلاقاتها. إن هذه الملاحظة تستحق أن تبقى إلى جوار الكاتب وهو يراجع خياراته: متى تحمل الصورة التجربة، ومتى تزاحمها؟ ومتى يكون الصمت أبلغ من إضافة مجاز جديد؟ وهل يكفي أن نسمع وجع الشخصية، أم نحتاج أيضاً إلى أن نراها وهي تعبر يوماً عادياً، تمد يدها إلى شيء مألوف، أو تتوقف أمام ذكرى لم تعد تعرف كيف تستعيدها؟ لا أرى في هذه الأسئلة انتقاصاً من حرارة النص، بل عناية بالطريق الذي تسلكه تلك الحرارة حتى تصل.
وقد أعجبني أنكم أفسحتم لهذه الملاحظات مكاناً من غير أن تنزعوا عن القصة طبيعتها التأملية. ففي كلمتكم إنصاف لا يخلط بين احترام الاختيار الفني وإعفائه من السؤال، ولا يجعل من إمكان تطويره حكماً بإلغاء ما تحقق فيه. ذلك توازن أقدره؛ لأنه يسمح لي أن أعتز بما كتبت، وأن أظل مستعداً لتعلم ما لم أبلغه. وما أفقر الكتابة حين لا تسمع إلا التصفيق، وما أقسى النقد حين لا يرى إلا النقص. وبين الفقر والقسوة تأتي قراءة تعرف أن النص جهد إنساني، فيه ما يضيء وفيه ما ينتظر مزيداً من الضوء.
لقد جعلتم لقاءنا، أنا والدكتور محمد ميموني، أوسع من حدود قصة وقراءة. منحتموه صورة حوار يحتفظ فيه كل صوت بخصوصيته: فلا يُطلب من الناقد أن يصير صدى للكاتب، ولا من الكاتب أن يتخلى عن تجربته كي يرضي القراءة، ولا من القارئ أن يقف موقف المتفرج. لكل واحد مكانه، ولكل واحد ما يضيفه. وربما كانت هذه من أنبل الثمار التي يمكن أن تنشأ حول نص: أن يدفعنا إلى الكلام بعضنا مع بعض، في زمن يسهل فيه أن يتكلم كل واحد إلى صورته وحدها.
أستاذنا العزيز الدكتور عبد الرحمن بوطيب، إن شكري لكم يتصل بهذا المعنى قبل كل شيء. أشكركم لأنكم منحتم القصة وقتاً من تأملكم، ولأنكم قرأتم قراءة الدكتور محمد ميموني بما يحفظ جهدها ويكشف صلتها بالتجربة الإبداعية، ولأنكم جمعتم بين التقدير والسؤال من غير افتعال معركة بينهما. وأشكركم، على نحو أخص، لأن الإنسان لم يغب عن كلمتكم؛ ظل حاضراً وراء الحديث عن الصورة والمونولوج والزمن والعنوان، كأنه الغاية التي ينبغي ألا تنساها أدوات القراءة وهي تؤدي عملها.
وإن كان لي أن أجيب عن كلمتكم بما هو أبعد من الامتنان، فإن جوابي هو أن أحمل أسئلتها معي. أن أعود إلى اللغة وأسألها عن ضرورتها، وإلى الصورة وأسألها عما تكشف وما تحجب، وإلى الشخصية وأسألها عما لم أتح لها أن تعيشه أمام القارئ. فالتقدير الذي يثمر في الكاتب ليس ما يجعله يستريح إلى نصه، وإنما ما يمنحه الشجاعة ليقترب منه مرة أخرى، محباً له، وغير غافل عن حدوده.
لكم مني، وللدكتور محمد ميموني، تقدير لا تستنفده عبارة شكر. لقد كتب كل منا من جهته، ثم جاءت كلمتكم لتفتح بين الجهات ممراً: من التجربة إلى تأملها، ومن تأملها إلى سؤال أوسع عن الحياة واللغة والوحدة. وهناك، عند ذلك الممر، لم يعد عنوان «الجهة الأخرى من الصمت» يشير إلى البعيد وحده؛ صار يشير أيضاً إلى قارئ حاضر، يقترب على مهل، ويترك للصوت المرتجف فسحة كي يتم عبارته.
وحين يصل النص إلى هذه الفسحة، لا يعود مطالباً بأن يدعي النجاة، ولا بأن يتبرأ من ألمه. يكفيه، في تلك اللحظة، أن يعرف أن أحداً قد سمعه. وقد كان في كلمتكم، أستاذنا الجليل، ما يقول له بهدوء بالغ: لقد سمعناك؛ والإنسان الذي بحثت عنه في العتمة، لم يغب عنا.
طه دخل الله عبد الرحمن
************
ردي على نقد الدكتور محمد ميموني
ما لا يقوله الجرح، وما ينبغي أن تتركه اللغة
الأخ والصديق الدكتور محمد ميموني
أصعب ما يُطلب من الكاتب أن يضع مصباحًا بينه وبين نصه؛ فقد ألف أن يرى كلماته في ضوء اللحظة التي أنجبتها، وأن يتذكر ما حملته نفسه إليها قبل أن يسأل عما حملته هي إلى القارئ. وحين تأتي قراءة جادة، فإنها لا تكتفي بإضاءة الصفحة، بل تضيء تلك المسافة التي كثيرًا ما يغفل عنها صاحبها: المسافة بين حرارة الشعور ودقة التعبير، بين صدق ما عاناه الصوت ونجاح ما بناه النص. وقد جاءت قراءتكم لـ«الجهة الأخرى من الصمت» لتضعني في هذه المسافة؛ لا في موضع المتهم الذي يلتمس براءته، ولا في مقام صاحب الكلمة الذي يطلب التسليم له، وإنما في موضع الكاتب الذي يقبل أن يعود إلى ما كتب، وأن ينظر إليه بعين لا تدين له بشيء.
لهذا أكتب إليكم من باب الإنصاف؛ إنصاف قراءتكم من ردٍّ يحوّلها إلى مناسبة للثناء وحده، وإنصاف قصتي من دفاع يحرمها حق المراجعة، وإنصاف اختلافي معكم من موافقة مهذبة لا تقول ما أراه حقًّا. فما أسهل أن أشكركم على الاهتمام، ثم أترك ملاحظاتكم حيث وجدتها؛ وما أصعب، وما أنفع، أن أدخل معها إلى صلب النص، وأختبر ما تستطيع عباراتي أن تجيب عنه، وما ينبغي لها أن تصمت أمامه قليلًا.
لقد قرأتم القصة بعين لم تنكر على لغتها قوتها، لكنها سألت هذه القوة عما تصنعه؛ ولم تنكر على موضوعها حساسيته، لكنها لم تجعل الحساسية عذرًا فنيًّا. وهذه نقطة أقدّرها في نقدكم تقديرًا خاصًّا. فالكاتب قد يغريه وجع موضوعه بأن يطلب للعبارة حصانة من الوجع نفسه، كأن الاقتراب من منطقة إنسانية شديدة العتمة يكفي لضمان سلامة الطريق إليها. غير أن ما يستحق الرحمة في التجربة يستحق الدقة في تصويرها، وما يطلب من القارئ أن يتأثر به ينبغي أن يمنحه أسباب هذا التأثر داخل البناء، لا في النية التي سبقت البناء.
وقد أضاء الأستاذ الأديب عبد الرحمن بوطيب في تقديمه ما رآه من اتصال الصور بالعالم النفسي للسارد، ثم جئتم أنتم لتسألوا عن مقدار ما يحتاج إليه هذا العالم من صور، وعن الموضع الذي تصبح فيه الكثافة عبئًا على أثرها. لا أرى في ذلك تناقضًا يستدعي ترجيح قارئ لإبطال آخر؛ فقد تكون للصورة وظيفة معتبرة، ويظل حضورها بحاجة إلى ضبط، وقد يصح تفسير التكرار ولا يصح، بالقدر نفسه، تقدير ضرورته في كل موضع. إن القراءة التي تكشف ما يفعله النص، والقراءة التي تسأل عما كان يمكن أن يفعله على نحو أفضل، تلتقيان عند مسؤولية واحدة: ألا يكتفي الكاتب بأن يكون مفهومًا، بل أن يسأل عن دقة الوسائل التي جعلته كذلك.
وأبدأ من ملاحظتكم الأشد اتصالًا بصنعة القصة: أنني لا أكتفي أحيانًا بإيصال الألم، بل أواصل تصويره بعدما يكون قد وصل. هذه ملاحظة لا أريد أن أرد عليها بعبارة جاهزة عن «التكرار المقصود»؛ فليس كل مقصود ناجحًا، وليس في إعلان النية ما يعفي الأثر من الاختبار. نعم، أردت لهذا الصوت أن يبدو محاصرًا بما لا يستطيع تجاوزه، وأن يعود إلى وجعه لأنه لا يجد في داخله موضوعًا يزاحمه. لكن نجاح هذا الاختيار يظل مرهونًا بما تحدثه كل عودة: هل تكشف وجهًا لم نره، أم تعيد إلينا الوجه نفسه في مرآة أخرى؟
هنا أرى أن ملاحظتكم تصيب بعض مواضع النص، دون أن تستنفد وظيفة التكرار فيه كله. فثمة فرق بين أن يتكرر لفظ الألم، وأن يتغير موضعه في علاقة الإنسان بنفسه. حين يبدأ السارد بقوله: «أنا الحي الذي يجر موته خلفه كظل لا يغيب»، فإنه ما يزال يميز، على قسوة المفارقة، بين ذاته وما يجرّه وراءه. ثم تتوالى التعريفات: «أنا المقبرة»، «أنا النعش»، «أنا الفراغ»، حتى تنتهي إلى «شيء كان حيًّا ثم صار هذا». أقرأ في هذا التدرج انتقالًا من مصاحبة الموت إلى استيلائه على الاسم؛ من إنسان يشعر أن فيه ما ينطفئ، إلى صوت يكاد يعجز عن رؤية نفسه خارج الانطفاء. وهذا انتقال أتمسك بقيمته في البناء، وإن كنت لا أزعم أن كل صورة بين طرفيه ضرورية لتحقيقه.
فالصورتان: «المقبرة التي تمشي» و«النعش الذي يتنفس»، ليستا متماثلتين تمامًا؛ الأولى تحمل الموت إلى حركة السارد في العالم، والثانية تدخله في العلامة الأشد قربًا من بقاء الجسد. لكن اختلاف الدلالة لا يكفي وحده لإثبات ضرورة المجاورة. قد تكون لكل صورة جهة تخصها، ومع ذلك تتزاحمان على أثر واحد. ومهمة المراجعة هنا ألا تكتفي بالعثور على معنى لكل عبارة، بل أن تختبر ما إذا كان غيابها سينقص من التجربة، أو سيزيد ما بقي منها وضوحًا. وقد يحتاج الكاتب إلى شجاعة أكبر لحذف صورة أحبها مما احتاج إليه لكتابتها.
وهذا هو الاقتصاد الذي أفهمه من دعوتكم: لا فقر اللغة، بل حسن تصرفها فيما تملك. ليس المطلوب أن تجف العبارة حتى تبدو منضبطة، وإنما أن تعرف أين تقف، وألا تستنفد انتباه القارئ في تأكيد ما استقر لديه. فالبلاغة لا تبلغ تمامها بكثرة ما تستطيع أن تضيفه، بل بمعرفتها ما ينبغي أن تتركه. ولعل في بعض مقاطع قصتي صورةً بلغت مقصدها، ثم لحقتها صور كانت تريد أن تعمقه، فإذا بها تنافسه على الصدارة. وحين تتساوى الجمل جميعًا في طلب الذروة، يصبح من العسير أن يشعر القارئ بارتفاع إحداها؛ لأن الارتفاع يحتاج إلى أرض يقاس بها.
ومع ذلك، أختلف مع اختزال الكثافة في كونها شرحًا زائدًا. لقد حاولت أن أجعل اندفاع المجاز جزءًا من هيئة هذا الصوت: ساردًا لا يطمئن إلى اسم، ولا يستقر في وصف، كأن كل عبارة تترك خارجها بقية من وجعه فيلحقها بأخرى. ليست الصور، في هذا التصور، زينة معلقة على جدار المحنة، بل أثرًا من آثار العجز عن إحاطتها بالكلام. غير أن هذا الدفاع يضع على الكاتب تكليفًا أشد، ولا يمنحه رخصة أوسع؛ إذ ينبغي له أن يصوغ عجز الشخصية عن الضبط دون أن يعجز هو عن ضبط الصياغة. اضطراب الصوت مادة فنية، وليس معيارًا نهائيًّا لتنظيم النص.
أما حديثكم عن التفاصيل اليومية، فهو عندي من أكثر ملاحظاتكم واقعية وأقلها قابلية للدفع بالنيات. قلتم إننا نعرف كثيرًا عن شعور السارد، وقليلًا عن حياته. وأرى أن هذا التمييز يضع يده على حد من حدود القصة: فالعالم يدخلها، لكنه لا يكاد يحتفظ بوجود مستقل عن تأويل الشخصية له. الصباح مدخل إلى القبر، والساعة طريق إلى موت الدقائق، والطعام مناسبة لحضور الوحدة، والجسد خريطة للبكاء. كل شيء يمر سريعًا من كونه شيئًا إلى كونه شاهدًا على الألم.
لهذا لا يكفي أن أقول إن في القصة نومًا وأكلًا وساعةً وغرفةً، وإنها لم تخل من اليومي؛ فوجود مفردات الحياة غير بناء مشهد من الحياة. أن يذكر السارد لقمة لا يعني أننا رأيناه يأكل، وأن يتحدث عن اختناقه بين الناس لا يعني أننا شهدنا علاقة تكشف ذلك الاختناق. المشهد يحتاج إلى شيء يحدث، وإلى مقاومة صغيرة من الواقع، وإلى تفصيل لا يُستهلك معناه قبل أن تلمسه عين القارئ. وربما كان النص بحاجة إلى لحظة يتأخر فيها المجاز، ليتقدم الإنسان.
كان يمكن، مثلًا، أن يظل أمام السارد كوب برد محتواه لأنه نسيه، أو أن يسأله شخص سؤالًا عاديًّا فيجيب عن شيء آخر، أو أن يتهيأ للخروج ثم يقف طويلًا عند الباب. لا أورد هذه الاحتمالات لأزعم أنها أحداث مضمرة في القصة، ولا لألحق بالنص شواهد لم يكتبها؛ وإنما لأبيّن مقدار ما قد ينجزه فعل صغير حين لا يشرح نفسه. فالقارئ الذي يرى التردد عند الباب قد يكتشف ثقل العالم، دون أن نقول له إن العالم ثقيل؛ والذي يرى جوابًا لا يصادف سؤاله قد يلمح انقطاع الصلة، دون أن تُعلن له الوحدة في اسمها المجرد.
وهنا أجد دعوتكم إلى المشهد دعوة إلى الثقة بالقارئ أيضًا. فقد يكون الكاتب شديد الحرص على ألا يضيع شعوره، فيحوطه بالتفسير، ويعود إليه بالصور، ويغلق من حوله منافذ الاحتمال. لكنه، بهذا الحرص نفسه، قد يحرم القارئ متعة العثور، ويجعله متلقيًا لنتيجة اكتملت بدل أن يكون شريكًا في اكتشافها. في بعض مواضع قصتي تسبق الخلاصة شواهدها؛ يقول السارد من يكون، ثم تأتي العبارات لتؤكد قوله. وكان يمكن للشواهد أن تسبق، وأن يظل الاسم الأخير موضع تردد، لا موضع تسليم.
غير أنني أتحفظ على أن يصبح نقص المشهد حكمًا بإخفاق الاختيار كله. فهذه القصة لم تتجه إلى تقديم الشخصية من خارجها، ولم تجعل تاريخها أو علاقاتها محورًا لها؛ اختارت أن تضع القارئ في مواجهة صوت يستولي عليه تأويله لذاته. وللمونولوج حقه في أن يبني حدثه من تبدل الوعي، لا من كثرة الوقائع. لكن حق الاختيار لا يلغي كلفة الاختيار. فإذا ضاق العالم إلى صوت واحد، وجب أن تظهر داخل هذا الصوت فروق وحركات وتصدعات تعوض غياب الخارج. وما ينبغي مساءلته هنا ليس غياب الحدث المألوف وحده، بل مقدار ما تحقق من حدث داخلي بدلًا منه.
وأظن أن قراءتكم دفعتني إلى هذا السؤال بصيغته الأدق: هل تتحول الذات في أثناء كلامها، أم تظل تعرض نفسها من الموضع نفسه؟ في النص انتقال من جغرافية الألم إلى اضطراب الزمن، ومن الوحدة إلى المناجاة، ثم إلى انهيار التعريف. هذه حركة في موضوعات الوعي، لكنها لا تصبح بالضرورة حركة كافية في درجاته. فقد تتغير جهة النظر ويبقى الضوء واحدًا، وقد تتعدد الأبواب ونحن ندخل منها إلى الغرفة نفسها. لذلك أرى أن بعض المقاطع كان يحتاج إلى اختلاف في النبرة، أو لحظة تردد، أو جملة عادية تقطع الاندفاع، ليغدو الاحتدام محسوسًا بالمقارنة، لا مقررًا بالتتابع.
وفي قراءتكم للزمن التقطتم وجهًا أعتز به من وجوه القصة: أن الدقيقة ليست وحدة قياس عند السارد، بل وحدة احتمال. غير أن العبارة التي تقول إن «الغد كذبة» يجب أن تبقى، في تقديري، داخل حدود الصوت الذي يقولها. إنها لا تقرر حقيقة الغد، بل تكشف عجز الشخصية عن تصديقه. وما يشغلني هنا هو أن النص، بكثافة موافقته الإيقاعية للسارد، قد لا يترك دائمًا مسافة واضحة بين العالم كما هو، والعالم كما يراه ذلك الصوت.
هذه المسافة ليست ترفًا تأويليًّا؛ إنها من وسائل تعقيد الشخصية. فالساعة تمضي حتى حين يسمي السارد دقائقها جثثًا، والصباح يأتي حتى حين لا يرى فيه إلا عودة إلى السجن، والتنفس يستمر حتى حين يصف نفسه بالنعش. ليس في ذلك تفنيد لمعاناته، ولا دعوة إلى إقناعه بأن الحياة جميلة؛ بل إظهار للفارق بين حقيقة ما يشعر به، وشمول الحكم الذي يصدره على كل شيء. وكان يمكن للنص أن يجعل هذا الفارق أشد ظهورًا، من غير أن يضع واعظًا في مواجهة المتألم، أو جوابًا جاهزًا في مواجهة السؤال.
وأصل إلى المناجاة التي رأيتم فيها أهم أجزاء القصة فكريًّا: «يا رب، أنت تعلم أنني لا أكفر، أنا فقط أتعجب». ما أردته هنا ليس أن أستدعي سؤالًا كبيرًا ليمنح النص مهابةً إضافية، وإنما أن أضع السارد عند الحد الذي لا يعود فيه وصف الوجع كافيًا، فيسأل عن معنى البقاء فيه. وهو، قبل أن يطلق سؤاله، يحاول أن يصون جهة توجهه؛ يخشى أن تُقرأ حيرته بوصفها قطيعة، فيشرح أن النداء ما زال قائمًا، وإن اضطرب ما يرجوه منه.
وقد أحسنتم حين لم تطلبوا من هذا المقطع جوابًا يبدد حيرته، وحين رأيتم أن تحويل السؤال إلى درس جاهز سيضعف أثره. لكن ملاحظتكم عن المجاز فيه تستحق عناية خاصة؛ لأن المناجاة قد تفقد شيئًا من قربها حين يشعر القارئ بأن الجملة منشغلة بجمالها أكثر مما هي منشغلة بندائها. لا أقول إن البيان يناقض الصدق، وإنما أقول إن للصنعة حدًّا ينبغي أن تتوارى عنده، كي لا يحول القارئ انتباهه من ارتجاف الصوت إلى إحكام صورته.
وأتمسك، مع هذا، بصورة الوردة في الزنزانة، لا لأنها أبلغ صور المقطع، بل لأنها تقدم شيئًا يخالف قانون العالم الذي بناه السارد لنفسه. فالوردة ليست حلًّا، ولا وعدًا بالخلاص، ولا حجة على سهولة الاحتمال. إنها حضور صغير لا يعرف ماذا يفعل به؛ لا يستطيع أن ينكر وجوده، ولا يستطيع أن يرى له جدوى في مشهد ينتظر فيه النهاية. هنا أرى أن الصورة لا تعيد وصف الألم، بل تربك اكتمال تفسيره. وربما كانت حاجتها الأهم ألا تلحقها صور كثيرة؛ أن تبقى الوردة على صغرها، وأن يبقى السؤال أمامها دون أن تحيط به العبارة من كل جهة.
ثم تأتي ملاحظتكم التي تتجاوز التقنية إلى جوهر بناء الشخصية: أن الإنسان لا يُستنفد في ألمه، وأن رؤية المعاناة وحدها لا تكفي لرؤية من يعاني. هذه عبارة لا أريد أن أزينها بالموافقة ثم أعطل أثرها. فقد أردت أن أصور استيلاء الألم على تعريف السارد لنفسه، لكن عليّ أن أسأل إن كنت قد أظهرت هذا الاستيلاء بوصفه محنته، أم أعدت إنتاجه بوصفه حقيقة النص النهائية.
الفارق كبير. فأن تقول الشخصية: «أنا شيء»، يكشف قسوة نظرتها إلى نفسها؛ أما أن تخلو الكتابة من أي علامة تتيح لنا أن نرى فيها أكثر من ذلك «الشيء»، فقد يجعل القارئ محصورًا داخل حكمها. وليس المطلوب أن أقابل كل عتمة بومضة رجاء، أو أن أزرع ذكرى سعيدة لطمأنة النص؛ المطلوب أن أمنح هذا الإنسان خصوصية لا تختزل في البلاغة التي يصف بها وجعه. عادة صغيرة، نفور غير معلل، ارتباط بشيء تافه في ظاهره، رغبة لا تتفق مع إعلانه الانطفاء؛ أي تفصيل يجعلنا نرى شخصًا بعينه، لا ألمًا يبحث عن فم.
ولعل أصدق ما ينبغي لي الاعتراف به أن صوت السارد أظهر ملامح معاناته أكثر مما أظهر ملامح فرادته. نحن نعرف كيف يتألم، لكننا لا نعرف بالقدر نفسه من هو حين لا يتكلم عن الألم. ويمكنني أن أفسر هذا الغياب بأن المحنة استولت على نظرته، لكن التفسير لا يمحو المأخذ. فالكاتب قادر على أن يترك في النص ما لا تنتبه إليه الشخصية، وأن يتيح للقارئ معرفتها من خلال ما تفعله أو تتجاهله، لا من خلال ما تقوله عن نفسها وحده. وهذه إمكانية كان يمكن أن تخدم قصتي دون أن تغير طبيعة اختيارها.
أما سؤالكم: «إذا كان قد مات من الداخل، فمن الذي ما زال يكتب؟»، فقد وجدته أكثر من خاتمة موفقة لقراءة؛ وجدته بابًا إلى مفارقة لم أمنحها حقها الكافي. وللدقة، فإن السارد لا يخبرنا بأنه يكتب؛ نحن نتلقى كلامه في نص مكتوب. لكن هذا التمييز لا ينقص من قوة سؤالكم إذا نقلناه إلى أصل الفعل: إذا كان قد انتهى كما يقول، فمن الذي يواصل القول؟ ومن الذي يسأل الآخرين: «أتعرفون»؟ ومن الذي يطلب منهم: «لا تبحثوا عني» ثم يدلهم على الموضع الذي يمكن أن يجدوه فيه؟
إنه يعلن انقطاع الصلة، لكنه يخاطب. يعلن إفلاسه من الانتظار، لكنه يترك عبارته عند قارئ لم يصل بعد. وهذه ليست شهادة جاهزة على نجاته، ولا دليلًا على أن الكلام يكفي لإنقاذه؛ لكنها تمنعنا من التسليم بأن وصفه لنفسه قد أحاط بكل ما فيه. ثمة بقية لا تدخل في حسابه، تظهر لا فيما يقرره، بل فيما يفعله وهو يقرر. وهو، حين يطلب أن يُفهم، يفتح شقًّا في العزلة التي يصفها مطلقة.
وكان يمكنني أن أستثمر هذه المفارقة من داخل البناء، لا أن أتركها كلها لاجتهاد القارئ. لا بإضافة خاتمة متفائلة، بل بإظهار تردد بين الرغبة في الانسحاب والرغبة في أن يلتفت أحد؛ بين رفض الغد والاستمرار في مخاطبة من سيقرأ غدًا. عندئذ يصبح الصوت أكثر تعقيدًا، لأن الفعل لا يطابق الإعلان تمامًا، وتصبح القصة أقل خضوعًا لسواد واحد، من غير أن تتنازل عن سواد تجربتها. فالعمق لا يحتاج دائمًا إلى مزيد من الظلمة؛ قد يحتاج إلى إظهار ما تعجز الظلمة عن ابتلاعه.
وأقدّر في نقدكم أنكم لم تجعلوا الواقعية مطالبةً بإضافة أسماء وشوارع وأحداث، بل طلبًا لرؤية أثر الحالة في الحياة. وهذا فرق أراه مهمًّا. يمكن للقصة أن تزدحم بالتفاصيل وتظل بعيدة عن الإنسان، ويمكن لتفصيل واحد مضبوط أن يمنحه حضورًا لا تمنحه صفحة من التعريفات. الواقعية التي أحتاج إلى الإفادة منها هنا ليست تغيير جلد النص، وإنما اختبار صلته بما يعيشه صاحبه: كيف يمسك شيئًا، كيف يجيب، كيف يتردد، وكيف يواصل يومًا يقول إنه لا يستطيع مواصلته.
ومن هذا الموضع أفهم أيضًا حدود اختلافي معكم. ما زلت أرى أن لبعض التكرار وظيفة في إنشاء الحصار، وأن لبعض المجاز قدرة لا يعوضها التقرير المباشر، وأن المونولوج ليس اختيارًا أقل سردية لمجرد أنه لا يخرج إلى وقائع كثيرة. لكنني لا أرى في شيء من ذلك سببًا لرفض ملاحظاتكم عن التشبع، وثبات النبرة، وقلة المشهد، وضيق التعريف. بل أرى أن الدفاع الحقيقي عن هذه الاختيارات يقتضي تهذيب ما يضعفها، لا الإصرار على كل ما جاء معها.
لن أزعم، لذلك، أن نقدكم أعاد القصة إلى نقطة الصفر، كما لن أزعم أنه مر عليها ولم يغيّر موضع شيء. لقد أبقى لي ما أعتز به، وسحب من بعضه راحة الاطمئنان. جعلني أسأل عند الصورة: أهي تكشف أم تؤكد؟ وعند الجملة: أتقربني من الشخصية أم من براعة صياغتها؟ وعند الفراغ: هل أخشاه لأنه يضعف النص، أم لأنه يسلبني بعض السيطرة على فهم القارئ؟ وهذه أسئلة لا أعدها خصمًا من ثقتي بالكتابة، بل شرطًا لأن تكون تلك الثقة مستحقة.
لكم، الدكتور محمد ميموني، تقديري على نقد حافظ على حقه في الصراحة، وعلى حق النص في الاختلاف معه. لم تمدوا إلى القصة يدًا تمحو، ولم تكتفوا بيد تربت؛ أشرتم إلى مواضع فيها وقلتم: هنا بلغت العبارة، وهنا ربما كان عليها أن تتراجع قليلًا. وهذا التراجع، حين يكون في موضعه، ليس هزيمة للغة؛ إنه ما يتيح للإنسان أن يظهر من خلفها.
أعود بعد قراءتكم إلى السارد الذي يقف في آخر قصتي ويقول عن نفسه: «شيء كان حيًّا ثم صار هذا». وأرى أن مسؤوليتي لا تنتهي عند نجاحي في صياغة هذه القسوة، بل تبدأ أيضًا من قدرتي على ترك ما يدعو القارئ إلى الاعتراض عليها. لا لأن السارد مخطئ في شعوره، بل لأن شعوره، مهما كان صادقًا، ليس كل ما يستحق أن نراه فيه.
ولعل هذا هو الأثر الأعمق الذي تركه نقدكم في نفسي: أن أصغي إلى الجرح دون أن أجعل صوته الاسم الوحيد لصاحبه، وأن أثق باللغة دون أن أستعملها لسد كل فراغ. فليست كل مسافة متروكة نقصًا، ولا كل عبارة مضافة غنًى. وقد تحتاج القصة، كي تبلغ الجهة الأخرى من صمتها، إلى أن يقول الكاتب أقل، وأن يترك أمام القارئ إنسانًا لا تزال فيه بقية تقاوم آخر تعريف أطلقه على نفسه.



#طه_دخل_الله_عبد_الرحمن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية [ أسابيع الرؤى الثقافية ...
- أسابيع الرؤى الثقافية منصة أسبوعية خاصة، للاحتفاء بالتجارب ا ...
- أسابيع الرؤى الثقافية ==الضيف: الدكتور طه عبد الرحمن / فلسطي ...
- استضافتي في برنامج - لقاء الأسبوع – منتدى شعاع للأدباء والشع ...
- قراءة نقدية في العطفة الشعرية -أحلام... لا تشيخ- بين الشاعرة ...
- رسائل الناقد طه دخل الله عبد الرحمن والدكتور فضيل حاج بن عدة ...
- قراءةٌ أسلوبيةٌ تأويليةٌ في قصيدة «عندما يتغنّى القصيد» للأد ...
- ردي على قراءة الأستاذة الناقدة جليلة المازني لمقالتي بعنوان ...
- إلى الأديب عبد المجيد بطالي: شكرًا لمن أهدى الشمسَ ومضةً وأه ...
- رسالتي للأستاذة الكاتبة الناقدة جليلة المازني على تحفتها الإ ...
- دراسة نقدية أكاديمية موسعة في المجموعة القصصية «كنتُ هناك... ...
- شكر وامتنان لمرفأ الابداع والأستاذ سعيد محتال – جليس الشهر ف ...
- القراءة النقدية الكاملة لنص – طقوس الشاي المقدسة – للأستاذة ...
- قراءة لقصيدة - الأربعينية باللون الأسود – الأستاذ الشاعر عون ...
- الأثر
- من جامعة الحياة إلى محراب البيان: سيرة قلمٍ لا ينطفئ ‏‎=‏ خل ...
- قراءة لقصيدة - حينَ يَرْتَقِي الكَلِمُ – للشاعرة الدكتورة سل ...
- قراءة لحكاية - من حيث توقفنا – للكاتبة الأستاذة عاتكة الياسر ...
- قراءة للقصة القصيرة – العدو – للقاصة الأستاذة الهام عيسى 6-9 ...
- قراءة للقصة القصيرة – أخر مرة – للكاتبة الأستاذة فاطمة حرفوش ...


المزيد.....




- انطلاق فعاليات مهرجان البحرين المسرحي في دورته الخامسة بالمن ...
- السينما العربية في مهرجان القاهرة: حكايات الهوية وذاكرة الصم ...
- من ذاكرة الحروب إلى معارك الهوية.. حكايات السينما العربية في ...
- زاك كريغر يخطط لأفلام الرعب على الآيفون قبل أن تبدأ الكاميرا ...
- أموريم يحدد معضلة ميلان الفنية ويؤكد: تجاوزنا نشوة الفوز على ...
- اعتراف بجميع كتّاب القصة.. كريستينا فرنانديث كوباس تفوز بجائ ...
- كتاب -إمبراطورية الأكاذيب- لتشارلز غويِت.. تشريح حروب الدولة ...
- حوار مع الأديبة الشاعرة والمترجمة تغريد بومرعي
- توتر أمني في الحسكة عقب محاولة ملثمين فض احتجاجات طلابية تطا ...
- تحولات تاريخية في خريطة التمثيل السياسي الأمريكي وصعود لافت ...


المزيد.....

- الدومري لا يطفئ عينيه / د. خالد زغريت
- رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي / محمد الفقي
- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية Abdou Bout · مسؤول 9/10/2026 [ أسابيع الرؤى الثقافية ] اليوم الخامس منصة أسبوعية خاصة، للاحتفاء بالتجارب الثقافية الإبداعية والنقدية، لنخبة المثقفات والمثقفين العرب. إعداد وإدارة الناقد عبد الرحمن بوطيب الضيف: الدكتور طه عبد الرحمن / فلسطين العدد الخامس الحلقة الخامسة: الجمعة 9 أكتوبر 2026