|
|
أسابيع الرؤى الثقافية ==الضيف: الدكتور طه عبد الرحمن / فلسطين == اليوم الأول منصة أسبوعية خاصة، للاحتفاء بالتجارب الثقافية الإبداعية والنقدية، لنخبة المثقفات والمثقفين العرب.
طه دخل الله عبد الرحمن
الحوار المتمدن-العدد: 8850 - 2026 / 10 / 6 - 20:57
المحور:
الادب والفن
أسابيع الرؤى الثقافية ==الضيف: الدكتور طه عبد الرحمن / فلسطين == اليوم الأول منصة أسبوعية خاصة، للاحتفاء بالتجارب الثقافية الإبداعية والنقدية، لنخبة المثقفات والمثقفين العرب. إعداد وإدارة الناقد عبد الرحمن بوطيب —————————————————— السلسلة الثانية / الموسم الثقافي 2026 - 2027 العدد الخامس الضيف: الدكتور طه عبد الرحمن / فلسطين الحلقة الأولى: الاثنين 5 أكتوبر 2026 الورقة الإبداعية الذاتية —————————————————— 1/ كلمة مدير البرنامج (حين تصبح الثقافة سيرة للروح، ويغدو المكان ذاكرة للكلمة) في سياق السلسلة الثانية من "أسابيع الرؤى الثقافية"، وفي موسمها الثقافي 2026–2027، يسعدنا أن نفتح في العدد الخامس نافذة جديدة على تجربة ثقافية وإبداعية فلسطينية، من خلال استضافة الدكتور طه دخل الله عبد الرحمن، ابن البعنة في الجليل، في حلقة أولى نخصصها للورقة الإبداعية الذاتية؛ حيث لا يعود المثقف مجرد اسم في المشهد، ولا الكاتب مجرد صاحب نصوص، وإنما يصبح الإنسان نفسه موضوعا للقراءة، بما يحمله من ذاكرة المكان، وأسئلة الوجود، وتجربة الكتابة، وموقفه من الثقافة والإنسان. إن اختيار الورقة الإبداعية الذاتية مدخلا لهذه الحلقة ليس اختيارا عابرا؛ فالكتابة عن الذات، حين تتجاوز حدود السيرة التعريفية، تتحول إلى محاولة لاستعادة الطريق من الداخل، والكشف عن المنابع التي تشكلت منها الحساسية الإبداعية والفكرية. ومن هنا تأتي أهمية شهادة الدكتور طه عبد الرحمن، لأنها لا تقدم لنا مسارا حياتيا فحسب، بل تقترح علينا رؤية خاصة إلى معنى الثقافة، ووظيفة الكتابة، وأخلاقيات النقد، وعلاقة الإنسان بمكانه الأول. في هذه الورقة، يبدو الجليل والبعنة أكثر من جغرافيا للولادة والإقامة؛ إنهما ذاكرة تتخلل اللغة، وتمنح التجربة جذورها وملامحها. فالمكان، كما يقدمه صاحب الورقة، لا يبقى خارج النص، بل يتحول إلى جزء من تكوين النظرة إلى العالم؛ من رائحة التراب وذاكرة الجدات إلى ثقل التاريخ وأسئلة البقاء، ومن القرية الصغيرة إلى أفق عربي وإنساني أوسع. ولعل أجمل ما يلفت في هذه التجربة أن الثقافة لا تقدم بوصفها وجاهة أو لقبا أو تراكما من المعارف، وإنما باعتبارها إقامة داخل السؤال. سؤال الإنسان عن إنسانيته، وعن اللغة حين تصبح جسرا لا جدارا، وعن الأدب حين يتحول من ممارسة جمالية إلى مسؤولية تجاه الإنسان والذاكرة والمعنى. ومن هذه الزاوية تحديدا، تستوقفنا نظرته إلى النقد باعتباره محبة عاقلة. إنها عبارة تختصر تصورا نقديا وإنسانيا جديرا بالتأمل؛ فالنقد، في هذه الرؤية، لا يقوم على إلغاء النص أو استعراض سلطة الناقد عليه، وإنما على الإنصات، والإضاءة، والكشف عن إمكانات النص، مع تسمية مواطن ضعفه بصدق واحترام. وهذا التصور يلتقي، في جوهره، مع ما نحرص عليه في "أسابيع الرؤى الثقافية": أن تكون الثقافة فضاء للحوار لا للمحاكمة، وأن يكون النقد فعل إنصات وكشف وبناء، وأن تظل الاختلافات الفكرية والجمالية داخل دائرة الاحترام المتبادل، لأن قيمة الثقافة لا تقاس فقط بما تقوله، وإنما أيضا بالطريقة التي تتيح بها للآخر أن يقول ما لديه. كما أن انتقال التجربة من الصمت إلى الكلمة يمنح الورقة بعدا إنسانيا إضافيا؛ فالكلمة هنا ليست مجرد وسيلة للتعبير، وإنما إمكانية لمقاومة النسيان، وكسر العزلة، وتحويل الألم إلى معنى، واستعادة ما قد تبتلعه الذاكرة. ومن ثم يصبح فعل الكتابة نوعا من الوفاء للإنسان وللمكان وللتجربة. وفي مسار الدكتور طه عبد الرحمن، تتجاور القراءة والكتابة والشعر والخاطرة والمقالة والنقد، وتتقاطع الحياة المهنية مع حياة الكتاب، لتؤكد أن الثقافة الحقيقية لا تتوقف عند وظيفة أو مرحلة عمرية. فالتقاعد من العمل المهني لا يعني التقاعد من السؤال، ولا من القراءة، ولا من الكتابة؛ إذ تظل الثقافة، كما توحي هذه التجربة، مسارا مفتوحا لا محطة نهائية له. وإذا كان هذا العدد يقدم ضيفه من خلال ورقة ذاتية، فإننا لا نريده أن يكون مجرد احتفاء بشخص وتجربة، بل دعوة إلى القارئ لكي يتأمل معه أسئلة أوسع: ما الذي يجعل الإنسان كاتبا؟ كيف يتحول المكان إلى ذاكرة إبداعية؟ أين تبدأ مسؤولية النقد وأين تنتهي سلطته؟ وهل يمكن للثقافة أن تستعيد إنسانيتها حين تجعل من المعرفة طريقا إلى التواضع لا إلى الاستعلاء؟ إننا في "أسابيع الرؤى الثقافية" نؤمن بأن الاحتفاء بالمثقف لا يكون بتقديم اسمه فقط، وإنما بإتاحة المساحة لتجربته كي تتكلم، ولأسئلته كي تصل، ولرؤيته إلى الثقافة كي تدخل في حوار حي مع القارئ. ومن هنا تأتي هذه الحلقة الأولى من العدد الخامس بوصفها لقاء مع تجربة فلسطينية تحمل المكان في ذاكرتها، والكتابة في وجدانها، والنقد في وعيها، والإنسان في قلب مشروعها الثقافي. وإذ أرحب بالدكتور طه دخل الله عبد الرحمن ضيفا كريما على هذا العدد، فإنني أتقدم إليه بخالص الشكر والتقدير على هذه المشاركة التي اختار أن يطل من خلالها على القارئ لا من نافذة التعريف الجاهز، وإنما من عمق التجربة الإنسانية والإبداعية. ولعل أجمل ما يمكن أن نختم به هذا التقديم هو أن الثقافة، حين تصير سيرة للروح، لا تعود ملكا لصاحبها وحده؛ إنها تصبح جزءا من الذاكرة المشتركة، وتتحول الكلمة فيها إلى جسر بين الأمكنة والتجارب، وبين الإنسان وذاته، وبين الماضي الذي يسكننا والمستقبل الذي لم نصل إليه بعد. مرحبا بالدكتور طه عبد الرحمن في "أسابيع الرؤى الثقافية"، ومرحبا بتجربته، وبالجليل الذي يحضر فيها، وبالكلمة التي اختار لها أن تكون مصباحا لا مطرقة، وجسرا لا جدارا، ونافذة صغيرة على اتساع الإنسان. عبد الرحمن بوطيب مدير برنامج "أسابيع الرؤى الثقافية" ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 2/ كلمة شكر وامتنان للاستضافة / د. طه عبد الرحمن (أسبوعٌ من الرؤى… وشكرٌ يليقُ بالناقدِ الذي يُضيءُ المعنى)
حين تتحوّل الثقافة من صفحاتٍ تُقرأ إلى فضاءاتٍ تُعاش، ومن حروفٍ متجاورة إلى جسورٍ تعبر بنا نحو الفكر والجمال والوعي، ندرك أننا أمام مشروعٍ لا يكتفي بأن يروي عطش المعرفة، بل يصنع لها منابع جديدة. فالثقافة الحقة ليست زينةً للكلام، ولا ترفاً يمرّ على هامش الأيام، وإنما هي ضوءٌ للعقول، ورفعةٌ للأرواح، ووعدٌ متجدّد بأن للكلمة الصادقة سلطاناً، وللفكرة النبيلة مكاناً، وللإبداع إذا احتُضن واحتُفى به حياةً لا تنطفئ. ومن هذا الأفق الرحب، ومن هذه المساحة التي تتعانق فيها الرؤية بالرواية، والنقد بالنور، والأدب بالواجب الجمالي والإنساني، يأتي برنامج أسابيع الرؤى الثقافية في عدده الخامس، ليؤكد أن المشهد الثقافي لا يزدهر إلا حين يجد من يرعاه بعين البصيرة، ويُحسن تقديمه بقلب المحبة، ويمنحه من الجهد ما يجعله أليق بأهله وروّاده. أسبوعٌ كامل من العطاء المتصل، ومن الحضور الذي لا يكلّ، ومن الوفاء للكلمة في أجمل تجلياتها وأبهى معانيها. وإذا كان للشكر مقامٌ لا تفيه الكلمات، فإن من أحقّ الناس بأن تُرفع له رايات الامتنان، ويُهدى إليه صادق الثناء وعاطر العرفان، الأستاذ الناقد عبد الرحمن بوطيب؛ ذلك الذي لم يجعل من النقد ميزاناً جافاً، ولا من القراءة حكماً عابراً، بل جعلهما جسراً إلى النص، وإنصافاً للمبدع، واحتفاءً بالفكرة، وانتصاراً للجمال. فكان في حضوره الثقافي صوتاً يُنصت إلى المعنى قبل أن يحاكم المبنى، ويستخرج من أعماق النصوص دررها، ومن مساحات الإبداع أسرارها، ومن وجوه التجارب ملامح تفرّدها وإشراقها. له منّا شكرٌ لا تحدّه العبارة، وثناءٌ لا يفيه البيان، وعرفانٌ يمتدّ امتداد الأثر الطيب في القلوب. شكرٌ لرجلٍ جعل من كلمته مسؤولية، ومن نقده رسالة، ومن حضوره الثقافي منارةً تهدي ولا تدّعي، وتُضيء ولا تُقصي، وتبني ولا تهدم. فكم من نصٍّ وجد في قراءته حياةً أخرى، وكم من مبدعٍ وجد في إنصاته سنداً، وكم من فكرةٍ أزهرت حين لامستها عدسته النقدية الرصينة، فغدت أوضحَ معنى، وأقربَ مأخذاً، وأعمقَ أثراً. كما تتجه أسمى عبارات التقدير إلى مجموعة مجلات الرؤى الثقافية، هذه الأسرة الفكرية التي جمعت بين تنوع المنابر ووحدة الغاية، وبين تعدد الأصوات وانسجام الرؤى، فكانت منبراً يحتفي بالأدب، ويصاحب الفن، ويُنصت للشعر، ويُجالس الفكر، ويمنح القلم الحرّ موطناً كريماً ومساحةً رحبة. لقد أثبتت هذه المجلات أن العمل الثقافي حين يقوم على الإيمان برسالته، والإخلاص لفكرته، والحرص على جودته، يصبح أكثر من إصدارٍ أو برنامج؛ يصبح ذاكرةً للجمال، ومدرسةً للذائقة، ونافذةً تُطل منها الأرواح على آفاق أوسع وأجمل. في هذا الأسبوع الثقافي البهي، لم تكن الأيام سبعةً فحسب، بل كانت سبع نوافذ على الإبداع، وسبع محطات في دروب المعنى، وسبع رسائل تؤكد أن الكلمة لا تزال بخير ما دام لها من يصونها، وأن الأدب لا يزال حياً ما دام له من يقرأه بحبّ، وينقده بوعي، ويحتفي به بصدق. كانت أياماً تنفست فيها الحروف عبقها، واستعادت فيها الثقافة بهاءها، واجتمع فيها أهل القلم على مائدة الجمال، يتبادلون الرأي في رقيّ، ويختلفون في وعي، ويلتقون في رحاب المحبة والاحترام. فيا أستاذ عبد الرحمن بوطيب، يا صاحب القلم الذي يزن المعنى بميزان الإنصاف، ويكتب الرأي بروح العارف لا بروح العابر، لك منا أصدق التحايا، وأوفى الثناء، وأجمل الدعاء. دمتَ للنقد سداداً، وللثقافة مداداً، وللمبدعين عضداً، وللكلمة الرفيعة عهداً ووعداً. ويا مجموعة مجلات الرؤى الثقافية، يا من جعلتم من الرؤى واقعاً، ومن الثقافة رسالةً، ومن اللقاء الأدبي عيداً متجدداً، لكم من القلوب تقديرها، ومن الأقلام تحيتها، ومن الأرواح امتنانها. إن الشكر، مهما تزيّن بالسجع والبيان، يظل أقلّ من أن يحيط بجميل هذا الجهد، ولكن حسبُ الكلمات أنها تشهد بما في القلوب من وفاء، وأن تقول لمن أحسن: أحسنتم، ولمن أبدع: أبدعتم، ولمن خدم الثقافة في صمتٍ أو في ضوء: جزاكم الله عن الكلمة وأهلها خير الجزاء. فبورك هذا البرنامج، وبوركت هذه الرؤى، وبورك كل قلمٍ آمن بأن الثقافة حياة، وأن الجمال رسالة، وأن الإنسان لا يسمو إلا بما يقرأ ويكتب ويبدع. طه دخل الله عبد الرحمن البعنه == الجليل ————————————————— 3/ الورقة الإبداعية الذاتية (حين تصير الثقافة سيرة روحي) لم أدخل الثقافة لأضيف اسمي إلى قائمة الأسماء، ولا لأجمع المقالات والقراءات كما تُجمع الشواهد على حضورٍ عابر. اقتربتُ من الكلمة لأنني آمنتُ أنها تستطيع، وسط ضجيج العالم، أن تردّ إلى الإنسان حقه في أن يُصغى إليه. كلما جلستُ إلى نص، وجدتُ خلفه وجهًا ينتظر من يراه، وحلمًا تعثّر ولم يفقد رغبته في النهوض، وألمًا لم يعثر بعد على عبارته. لم أرد أن أقيم في برج اللغة وأطلّ منه على الناس. أردتُ أن أمشي بينهم، أن أتعلم من تفاصيلهم التي تمرّ عليها العيون المستعجلة: من فرحهم الصغير، ومن تعبهم الطويل، ومن صمتهم حين لا يجدون ما يقولونه أو لا يجدون من يسمع. هناك، في الحياة لا بعيدًا عنها، أخذت حساسيتي تتشكل، وأخذت أسئلتي تكبر معي. لم تكن الثقافة يومًا ثوبًا أرتديه في المناسبات، ولا لقبًا أعلّقه على اسمي، ولا سلّمًا أصعد به فوق أحد. كانت إقامتي داخل السؤال: كيف أحفظ إنسانيتي حين تضيق الأزمنة؟ كيف أجعل اللغة جسرًا لا جدارًا؟ وكيف أترك للأدب أن يحرس ما تبقى في القلب من رهافة، في عالم يتقن القسوة أكثر مما يتقن الإصغاء؟ وحين أكتب، لا أشعر أنني أقف خارج الجرح وأصفه. أكتب من داخله، لا لأنه جرحي وحدي، بل لأنه نصيبٌ نتقاسمه وإن اختلفت حكاياتنا. لا أرى الأدب لعبةً للشكل، ولا النقد سلطةً على أصحاب النصوص، ولا المعرفة امتيازًا يُغلق بابه في وجه الناس. أريد للكلمة أن تبحث معي عن المعنى، وأن تلتقطه من بين أنقاض العادة واللامبالاة. أنا ابن الجليل أنا ابن البعنة في الجليل. لا أحمل المكان في عنوان سيرتي فحسب؛ أحمله في نبرة صوتي، وفي الطريقة التي أقترب بها من الأشياء. تعلّمتُ أن الأرض ليست خريطةً محايدة، بل ذاكرةٌ تشدّ الإنسان إلى جذوره، وتتركه في الوقت نفسه يصغي إلى الريح. فيها اليوميّ البسيط، وفيها ثقل التاريخ؛ فيها ما يبقى، وما نخشى عليه من الضياع. كلما اتسع العالم أمامي، عدتُ إلى المكان الأول لا لأنغلق فيه، بل لأفتح منه نافذة. أعرف أن القرية لا تصغر حين أرى عبرها العالم؛ إنها تمنح نظرتي رائحةً وصوتًا وملمسًا. من لهجة الجدات، ومن نافذة البيت، ومن رائحة التراب بعد المطر، تعلّمتُ أن الأشياء التي تبدو صغيرة قد تكون خزائن للوجود. لهذا لا أقترب من القصيدة أو الحكاية بميزانٍ بارد. أنصتُ إلى ما تقوله العبارة، وإلى ما تعجز عن قوله أيضًا. أبحث عن الصوت الخافت، لأنني أعرف أن خفوته لا تعني ضالته؛ وقد تختبئ وراء تجربة فردٍ واحد ذاكرةُ أناس كثيرين ومخاوفهم وأحلامهم. لا أظن أنني أفهم إنسانًا من كلامه وحده. ثمة صمتٌ يحيط بكل عبارة، ومعارك لا تظهر في سيرة النجاح، وحياةٌ كاملة تسبق النص وتجعله ضروريًا لصاحبه. وما أحاول فعله، قارئًا وكاتبًا، هو ألا أكسر تلك الحياة وأنا أبحث عن معنى الكلمات. من الصمت إلى الكلمة لم أكتب دائمًا لأن لديّ جوابًا. أحيانًا كتبتُ لأن الصمت صار أثقل من أن يُحتمل. رأيتُ كيف يمكن للأصوات أن تخفت حين يطول الخوف أو التهميش، وحين يشعر الإنسان أن لا أحد ينتظر ما سيقوله. لذلك ظل سؤال الصمت يرافقني: متى يكون فسحةً للتأمل، ومتى يصير بابًا موصدًا على من يحتاجون إلى الكلام؟ لا أؤمن بأن كل كلامٍ يحرّر، ولا بأن كل صمتٍ عجز. لكنني أؤمن أن الكلمة تستطيع أن تفتح ثغرةً للضوء حين يصير الصمت مفروضًا على صاحبه. وحين أكتب أو أقرأ، أحاول أن أبدأ بالإصغاء؛ أن أسمع ارتجاف المعنى قبل أن يتحول إلى صرخة، وأن أمهل التجربة الإنسانية وقتًا لا تمنحه لها العيون المستعجلة. لم أرد من المعرفة أن تجعلني أعلى صوتًا من الآخرين. سألتُ نفسي، وما زلتُ أسألها: كيف أجعلها أقل قسوةً وأكثر قربًا من الإنسان؟ كيف أختلف مع نصٍّ من غير أن أهين صاحبه، وأقول رأيي من غير أن أغلق باب المراجعة؟ إذا كان في عملي الثقافي موقفٌ أخلاقي، فأرجو أن يكون هنا: في ألا أفصل الجمال عن الرحمة، ولا المعرفة عن التواضع، ولا اللغة عن مسؤوليتها. أحب النص الذي يجعل قارئه أشد انتباهًا إلى الناس، وأحب النقد الذي يساعد النص على أن يرى إمكاناته من غير أن يسلبه حقه في الاختلاف. النقد محبةٌ عاقلة حين أجلس أمام نصٍّ، لا أريد أن أكون قاضيًا يستدعيه إلى محكمة اللغة. ولا أريد أن أثبت تفوقي على كاتبه. أريد أن أكون قارئًا يحمل محبةً لا تُجامل، وعقلًا لا يفتك بما يقرأ كي يبرهن على براعته. أعرف أن النص قد يضعف، وأن الصدق في القراءة يقتضي تسمية مواضع ضعفه. لكنني أعرف أيضًا أنه، في جانبٍ منه، محاولة إنسانية للنجاة؛ محاولةٌ لأن يقول صاحبه شيئًا عن نفسه أو عن العالم أو عن وجعٍ لم يجد له اسمًا. لذلك أحاول أن أقترب من الضعف بكرامة، وأن أرى إمكان النمو قبل أن أعلن الإلغاء. أتتبع طبقات القصيدة والحكاية والنص السردي؛ أصغي إلى الإيقاع، وأتوقف عند المفردة والإشارة، وأبحث عن المجاز الذي ينبض في الداخل. وما أتمناه من القراءة أن تفتح النص على احتمالاته، لا أن تحبسه في نتيجةٍ واحدة. فالنص، حين نمهله، قد يدلّنا على بابٍ لم نره في القراءة الأولى. لا أريد أن أقف أمامه وفي يدي مطرقة. يكفيني مصباح. المصباح لا يكتب الطريق بدلًا من السائر، لكنه يعينه على أن يرى موضع خطوته. هكذا أحب أن أقرأ: أن أضيء ولا أحرق، أن أسأل ولا أتّهم، وأن أفتح الباب ثم أترك للنص غرفته. أكتب كي لا ينطفئ المعنى أعيش في زمنٍ تتكاثر فيه المعلومات ولا يزداد فيه الفهم بالضرورة؛ تتسع منصات الكلام، وقد يضيق بينها مجال الحوار. لذلك أحاول أن أقاوم الاستسهال في نفسي أولًا: ألا أُسلّم عقلي لأول تفسير، ولا قلبي لأول كراهية، ولا لغتي لأول صيغةٍ جاهزة. أحتاج إلى الاستدراك كما أحتاج إلى الرأي. أراجع ما ظننته مكتملًا، لا لأنني أخشى أن أتخذ موقفًا، بل لأنني لا أريد لموقفي أن يصير جدارًا. قد يرى الآخر زاويةً غابت عني، وقد تمنحني القراءة الثانية فهمًا لم تمنحني إياه الأولى. هكذا أتعلم أن أثق من غير أن أصمّ أذني، وأن أختلف من غير أن أحوّل الاختلاف إلى خندق. خرجتُ من مكاني الأول إلى فضاءاتٍ أدبية وثقافية عربية أوسع، وبقي الجليل حاضرًا في وجداني. لم أجد في ذلك تناقضًا؛ فكلما عرفتُ تربتي على نحوٍ أعمق، استطعتُ أن أمدّ منها حديثًا إلى الآخرين. أرى الأدب العربي نهرًا تلتقي فيه روافد كثيرة: صوت الشاعر، وذاكرة القاص، وتجربة المرأة الكاتبة، ومكابدة الأديب الشاب، وحيرة الناقد، وأسئلة القارئ الذي يقف على العتبة. حين أقرأ نصوص الآخرين، أحب أن أتخيل أثر القراءة خارج صفحتها: كاتبًا يطمئن إلى أن أحدًا حاول فهمه، وقارئًا يتوقف قليلًا بدل أن يمضي مسرعًا، ونصًا مهمشًا يجد منفذًا إلى الضوء. الإبداع لا يحتاج إلى المنافسة وحدها؛ يحتاج أيضًا إلى من يرعاه، وإلى مصابيح صغيرة تتوزع في الطريق بدل أن يُسلَّط الضوء كله على اسمٍ واحد. أكتب لأنني أخشى أن يبتلع النسيان ما عشناه، وأن يمرّ الألم من غير أن يتحول إلى معنى، وأن يعتاد الناس القسوة لأن أحدًا لم يجد اللغة التي تكشفها. أحاول، بالمقالة والقراءة والتأمل، أن أردّ إلى الكلمة وقارها: لا تجهمها، بل وعيها بما تستطيع أن تفعل. فقد تخفف وحدة قارئ، أو تمنح كاتبًا مبتدئًا شجاعة الاستمرار، أو تقول لإنسانٍ أثقلته الأيام إن تجربته جديرة بأن تُروى. لا أطلب من الكلمة أن تصنع معجزة. يكفيني أن تفتح نافذةً صغيرة في جدار الواقع. وأنا، إن كان لي أن أختار صورتي في هذه الرحلة، أختار أن أكون صاحب مصباحٍ لا صاحب منبر. لا أريد للعيون أن تتجه إليّ بقدر ما أريد لها أن ترى الطريق. أريد أن يبقى الحرف نورًا لا نارًا، ورفقًا لا وصاية، وسؤالًا لا قيدًا؛ وأن تمتدّ به يدٌ إلى إنسانٍ كي لا يسقط وحيدًا في عتمة العالم.——————————————— 4/ سيرة ذاتية طه دخل الله عبد الرحمن، كاتبٌ وشاعرٌ وناقدٌ أدبيّ فلسطيني. وُلدتُ في 23 آب/أغسطس 1958 في قرية البعنة بالجليل الأعلى، فلسطين. هناك عرفتُ اسمي الأول، وهناك بدأت صلتي بالمكان الذي ما زال يسكن ذاكرتي وكتابتي. متزوج وأبٌ لأربعة أبناء. وبين حياة الأسرة ورفقة الكتب، ظلّ الشعر والخاطرة والمقالة والنقد الأدبي مساحاتٍ أعود إليها؛ أقرأ فيها العالم، وأفتّش عمّا تتركه الأيام في نفس الإنسان. تعليمي وتكويني بدأتُ تعليمي الابتدائي في قريتي البعنة، ثم تابعتُ دراستي الثانوية في المسار العلمي، وتخرّجتُ عام 1976. بعد ذلك سافرتُ إلى إيطاليا والتحقتُ بكلية الصيدلة في جامعة فلورنسا، حيث درستُ ثلاث سنوات. حالت ظروفٌ دون إتمام دراستي الجامعية، لكنّ الطريق لم يتوقف عند تلك العتبة؛ فقد وجدتُ في القراءة بابًا آخر للتعلّم. قرأتُ في التراث العربي، وفي الأدب والنقد، وانفتحتُ على الأدب العالمي. شيئًا فشيئًا، أخذتُ أقترب من الشعر والنثر والقراءة النقدية، وأتعلم كيف أصغي إلى الكلمة قبل أن أكتبها. عملي وكتابتي بعد عودتي إلى الوطن، عملتُ في مجال الفندقة. كانت للعمل مسؤولياته، وللكتابة مكانها الذي لم أتخلَّ عنه. كتبتُ الشعر والخاطرة والمقالة والنقد الأدبي، ونشرتُ نصوصي ومقالاتي في منابر ورقية وإلكترونية داخل البلاد وخارجها. تشغلني في الكتابة قضايا الإنسان والمجتمع، وتستوقفني القصيدة والحكاية وما تخبئه النصوص من أسئلة. أرى في النقد فرصةً للحوار مع النص، وفي الثقافة مجالًا للإنصات والمراجعة، لا مجرد أجوبةٍ جاهزة. مشاركاتي الأدبية شاركتُ في أربعة دواوين أدبية جماعية تحت رعاية مجلة الجمهور العربي وبيت الأدباء والشعراء العرب، بإدارة الدكتور طارق فوزي أحمد من مصر. ونشرتُ إنتاجي في مواقع ومنتديات ومنابر ثقافية عربية متعددة، وشاركتُ عضوًا في عدد من المنتديات والمجالس الأدبية العربية. نلتُ جوائز وشهادات تقدير أدبية، وإن لم تُذكر أسماؤها وتواريخها في المعلومات التي أستند إليها هنا. وفي عام 2023 أعددتُ مشروع كتاب للنشر، لكنني لم أُصدر حتى تاريخ إعداد هذه السيرة ديوانًا شعريًا أو كتابًا مستقلًا. ما زالت نصوصي تجد طريقها إلى القراء عبر المنابر والمشاركات الأدبية. اليوم وما أؤمن به تقاعدتُ من العمل المهني، ولم أتقاعد من القراءة والكتابة. ما زلتُ أكتب وأنشر، وأعود إلى الكتب كلما احتجتُ إلى نافذةٍ أوسع أرى منها نفسي والعالم. أؤمن بأن الكتابة صدقٌ قبل أن تكون صياغة، وأنها تستطيع أن تحفظ شيئًا من ذاكرة الإنسان والمكان. لذلك أمدّ يدي إلى الكلمة لا لأزيّن بها سيرةً مضت، بل لأواصل بها الطريق: من البعنة التي بدأتُ فيها، إلى كل قارئٍ قد يجد في نصّي صدىً لشيءٍ عاشه ولم يقله بعد. **************** التعليقات والردود : ردي على الكلمة الافتتاحية للأستاذ عبد الرحمن بوطيب مدير برنامج " أسابيع الرؤى الثقافية" إلى أستاذ الحرف: حين يزهر التقديمُ ويستضيءُ الطريق الأستاذ الأديب عبد الرحمن بوطيب، يا من جعلتَ من التقديم قصيدةَ وفاء، ومن القراءة مصافحةَ روح، ومن الثقافة موئلا للإنسان قبل أن تكون منبرا للأسماء؛ تحيةً تليق بقلمك وهو يقطف من المعنى أزهاره، ويغرس في دروب الكلمة مصابيحه، ويعيد إلى الخطاب الثقافي بهاءه حين يحرره من جفاف العبارة وضجيج الادعاء. ما قرأتُ كلمتكم إلا وشعرت أنني أقف أمام مرآة لا تُظهر الملامح، بل تستخرج المعاني؛ مرآة لا تسأل الكاتب: ماذا كتبت؟ بل تسأله: من أيّ وجعٍ خرجت كلمتك، وأيّ ترابٍ علّمه قلبك أن يصير لغة، وأيّ حلمٍ ظلّ يوقظ فيك القدرة على القول بعد طول الصمت؟ فما كان تقديمكم مقدمةً تعبر إلى النص ثم تنصرف، بل كان نصا موازيا، يجاور التجربة ولا يزاحمها، ويضيء دربها ولا يدّعي أنه الطريق. لقد قرأتم في حروفي ما لم أقلْه كله، وسمعتم في صمتي ما عجزت العبارة عن حمله، وأبصرتم في البعنة والجليل أكثر من اسمين على خارطة المكان؛ أبصرتم جذرا يمد في الروح أغصانه، وذاكرة تسكن الحرف وإن غاب أهلها، وجرحا يتعلم كل يوم كيف يصير أملا. فالبعنة ليست عندي قريةً أعود إليها في الصور، بل قصيدة أولى كتبتها الأرض في دمي؛ والجليل ليس جهةً من الجهات، بل جهة القلب حين تضيع الجهات، ونداء الحجر حين يخذلنا الكلام، ووعد الزيتون حين يطول ليل الانتظار. أستاذ عبد الرحمن، لقد أحسنتم الإصغاء إلى المكان وهو يتكلم في اللغة، وإلى اللغة وهي تستدعي مكانها من أعماق الذاكرة. أدركتم أن الإنسان لا يغادر بداياته، مهما نأت المسافات وتبدلت الوجوه؛ لأن الطفولة لا تمضي، وإنما تستقر فينا على هيئة حنين، ولأن الأمكنة لا تموت، وإنما تنام في الحروف حتى يوقظها قلم صادق. فمن رائحة التراب، ومن خبز الأمهات، ومن دعاء الجدات، ومن ظلال الأشجار التي حفظت أسماءنا، تتشكل تلك الأبجدية الخفية التي نكتب بها أنفسنا قبل أن نكتب للآخرين. وما أجمل أنكم التقطتم لبّ ما أومن به: أن الثقافة ليست تاجا يوضع على الرؤوس، ولا سلّما يصعد به المرء فوق الناس، ولا رصيدا يتباهى به المتعلم في مجالس العابرين؛ إنها تواضع العارف أمام اتساع المجهول، وقلق السؤال أمام صمت الأجوبة، ووفاء الإنسان لإنسانيته حين يملك المعرفة ولا يفقد الرحمة. فالثقافة، حين تنفصل عن القلب، تصبح زخرفا باردا؛ وحين تنفصل عن الناس، تصبح صدى لنفسها؛ وحين تتخلى عن أخلاقها، تتحول إلى سلاح يجرح أكثر مما ينير. أما النقد، ذلك الذي وصفتم جوهره في عبارة «محبة عاقلة»، فليس في نظري سوطا يجلد النصوص، ولا سيفا يطلب رقابها، ولا حكما متعاليا يوزع البراءة والإدانة من علٍ؛ النقد عينٌ ترى الجمال فلا تبخسه حقه، وترى العيب فلا تستره بالمجاملة، وقلبٌ يختلف دون أن يهين، ويكشف دون أن يفضح، ويشير إلى العثرة دون أن يتشفى. إن الناقد الحق لا يقف فوق النص متكبرا، بل يقف إلى جانبه متأملا؛ لا يقتحم روحه، بل يستأذنها؛ لا يهدم بناءه ليثبت قوته، بل يفتح نوافذه ليدخله الضوء. لقد وضعتم يدكم على معنى أعتز به: أن الكلمة ليست صوتا عابرا في هواء الأيام، بل عهد بين الكاتب وذاكرته، وبين الإنسان وألمه، وبين الحاضر وما أودعته الأزمنة في صدره. نكتب كي لا ينتصر النسيان، ونكتب كي لا يصبح الألم حجرا في الحلق، ونكتب كي نعطي للغائبين مقاعدهم في دفاتر الحياة، وللأمكنة التي تسكننا حقها في أن تبقى. نكتب لأن الصمت، إذا طال، يصير منفًى؛ ولأن الحرف، إذا صدق، يصبح وطنا. وإن ما تصنعونه في «أسابيع الرؤى الثقافية» ليس إقامة احتفال عابر للأسماء، ولا توزيع ضوء موسمي على الوجوه؛ إنه تأسيس لفضاء يكرم الفكرة، ويستقبل التجربة، ويصون الاختلاف، ويعيد إلى الحوار أدبه، وإلى النقد ضميره، وإلى الثقافة رسالتها. إنكم تفتحون للكاتب نافذة لا ليطل منها على صورته، بل ليطل منها على مسؤوليته؛ وتدعون القارئ لا ليصفق، بل ليشارك بالسؤال؛ وتجمعون الكلمة لا لتتجاور في زحامها، بل لتتآلف في اختلافها وتلتقي في إنسانيتها. فشكرا لكم، أستاذنا الكريم، على كلمةٍ كانت أوسع من الترحيب، وأعمق من التقديم، وأبقى من مناسبة عابرة. شكرا لأنكم منحتم التجربة حقها في أن تُقرأ بعين المحب وعقل العارف، ومنحتم صاحبها شرف أن يرى ذاته في ضوء قراءة نبيلة لا تجامل ولا تجفو، لا ترفع صاحبها فوق الناس ولا تنزع عنه حقه في أن يكون إنسانا بين الناس. لقد جعلتم من اسمي، في هذا المقام، بابا إلى الجليل؛ ومن الجليل بابا إلى فلسطين؛ ومن فلسطين بابا إلى الإنسان؛ ومن الإنسان بابا إلى ذلك السؤال الكبير الذي لا يشيخ: كيف نصون أرواحنا من قسوة العالم؟ وكيف نجعل من الكلمة خبزا للجائع إلى المعنى، وماء للعطشان إلى العدالة، ومصباحا للتائهين في عتمة الأيام؟ سلام عليكم أستاذ عبد الرحمن بوطيب، يوم جعلتم للكلمة جناحين، وللثقافة قلبا، وللنقد ضميرا، وللمكان ذاكرة، وللإنسان مكانه الأول والأخير في حضرة الأدب. وسيبقى الامتنان لكم مكتوبا بين سطور القلب، لا يمحوه مرور الوقت، ولا تطفئه مسافات الغياب؛ لأن الكلمات الصادقة لا تنتهي عند آخر السطر، بل تبدأ منه رحلة جديدة في الوجدان. طه دخل الله عبد الرحمن Mohammed Mimouni أخي وصديقي دكتور طه، قرأت ورقتك لا كسيرة ذاتية تعرّف بك، بل كنص يكشف شيئا من الطريق الذي صنعت فيه الثقافة علاقتك بالإنسان والكلمة. وأثناء القراءة، توقفت عند عبارتك: «النقد محبة عاقلة». لم أتعامل معها كتعريف للنقد، بل كدعوة للتفكير فيه: كيف نحب النص دون أن نفقد قدرتنا على رؤيته؟ وكيف نحافظ على العقل دون أن يتحول إلى برودة؟ أظن أن قوة عبارتك تكمن في جمعها بين الإنصاف والوضوح؛ فالنقد عندك لا يجامل النص، ولا يتعالى عليه. ولهذا جاءت صورتك الأخرى، «المصباح لا المطرقة»، كأنها ترجمة لهذه الرؤية. وأجدني قريبا منها: لا يهمني أن يخرج الناقد منتصرا، بقدر ما يهمني أن يخرج النص أكثر وضوحا. ولعل أجمل ما في هذه الرؤية أنك لا تقرأ الكلمات وحدها، بل تصغي أيضا إلى ما عجزت عن قوله؛ وكأن النص عندك ليس بناء لغويا فحسب، بل أثرا من آثار الإنسان. أما البعنة والجليل، فلم يظهرا في ورقتك كمعلومة في السيرة، بل كذاكرة تسكن اللغة. وهنا وجدتني أسألك: هل نحن الذين نكتب أمكنتنا، أم أن أمكنتنا تكتب فينا أولا، ثم نقضي العمر نحاول أن نفهم ما كتبته؟ وحين تقول إنك تكتب كي لا ينطفئ المعنى، أجدني أضيف: ربما لا نكتب دائما لأننا نملك المعنى، بل لأننا نخشى أن نفقده. وهنا تتجاوز ورقتك السيرة إلى سؤال الثقافة نفسها: ماذا تفعل بنا المعرفة؟ بالنسبة إلي، هذا هو الاختبار الحقيقي: أن تجعلنا أكثر إنصافا، وأكثر تواضعا أمام ما لا نعرف، وأكثر قدرة على الإصغاء. لذلك أخرج من ورقتك بفكرة أجد نفسي قريبا منها: النقد الذي يضيء النص ولا يحجب صاحبه، والثقافة التي ترفع الإنسان دون أن تضعه فوق الإنسان، يلتقيان في فضيلة واحدة: أن نعرف دون أن نستعلي. شكرا لك، دكتور طه، لأنك لم ترسل لي سيرة جاهزة، بل تركت لي مساحة لأحاور تجربتك من داخلها. وربما أجمل ما تفعله الورقة الذاتية أن تجعل القارئ، بعد أن ينتهي منها، لا يقول فقط: «لقد فهمت هذا الإنسان»، بل يسأل نفسه: ماذا فعلت بي أنا الثقافة التي أزعم أنني عشتها؟
طه عبد الرحمن Mohammed Mimouni الأخ الدكتور محمد ميموني: حين يمرّ الثناءُ فيضيءُ ما بين الحروف تحية تليق بعالمٍ يعرف أن للكلمة نسبا في القلب قبل أن يكون لها موقع في الصفحة، وبقارئٍ لا يكتفي بأن يلامس ظاهر النص، بل ينفذ إلى طبقاته الخفية، فيوقظ ما نام فيه من أسئلة، ويستخرج من صمته نداءات المعنى. تحية لكم وأنتم تمنحون الأدب من سعة علمكم رهافة الشعور، ومن عمق معرفتكم تواضع المحبة، ومن حضوركم الثقافي ذلك الضوء الذي يجعل للقول قيمة، وللقراءة رسالة، وللكاتب شعورا نبيلا بأن كلمته قد بلغت موضعها الصحيح. ما وصلتني كلماتكم إلا كما يصل النسيم إلى غصن أتعبته الرياح، فيرده إلى خضرته، وكما يصل الماء إلى أرض عطشى، فيوقظ فيها ما خفي من البذور. لقد وجدتها كلمة صادرة من قلب قارئ يعرف أن النصوص لا تطلب التصفيق بقدر ما تطلب الفهم، ولا تبحث عن الثناء لذاته، بل عن روح تلتقي بروحها في مساحة من الصدق والإنصاف. وما أبهى أن يلتقي الكاتب بقارئ مثلكم، يقرأ العبارة بعين المثقف، ويصغي إلى ما وراءها بقلب الإنسان، ثم يعيدها إلى صاحبها مزدانة بما أضافه إليها من حسه الرفيع ووعيه النبيل. إن الكلمة التي تخرج من صاحب علم وخبرة لا تمر كأي كلمة؛ فهي تحمل معها وقار المعرفة، لكنها حين تتوشح بهذا الدفء الإنساني الذي عرفناه في حديثكم، تصبح أقرب إلى هدية من نور. لقد منحتموني، بكلماتكم، ما هو أبعد من الإطراء؛ منحتموني ثقة أجمل، وأمانة أثقل، ومسؤولية أعمق تجاه ما أكتب. فالكاتب حين يشعر أن هناك من يقرأه بصدق، لا يزداد غرورا، بل يزداد حياء أمام الحرف، ويتعلم أن يكون أكثر وفاء للكلمة، وأكثر حرصا على أن لا يخذل المعنى ولا يخون الذاكرة. إنكم، أستاذنا الدكتور محمد ميموني، تمثلون ذلك النموذج الذي يحتاجه المشهد الثقافي: معرفة لا تتعالى، ونقد لا يجرح، وحضور لا يضيق بالآخر، وقلم يؤمن أن الأدب ليس ميدانا للغلبة، بل مجالا للقاء. فكم نحن في حاجة إلى قارئ يتقدم إلى النص بمحبة العارف، لا بغرور المتربص؛ وإلى ناقد يضيء العثرات دون أن يطفئ المصابيح؛ وإلى مثقف يرى في اختلاف الرؤى اتساعا للعقل، لا سببا للخصومة أو الإقصاء. لقد تعلمنا من الأدب أن الجمال لا يقيم في العبارة وحدها، بل في النية التي تصنع العبارة، وفي الأثر الذي تتركه بعد أن تصمت الأصوات. ومن هنا كانت كلمتكم جميلة، لا لأنها مدحت نصا أو رفعت من شأن كاتب، بل لأنها حملت أخلاق القراءة؛ تلك الأخلاق التي تجعل من التلقي شراكة، ومن الثناء مسؤولية، ومن الحوار جسرا يعبر عليه الإنسان إلى الإنسان. وإذا كانت الكتابة محاولة لمقاومة العابر والزائل، فإن القراءة الواعية هي التي تمنحها قدرتها على البقاء. فالكاتب يضع في نصه بعضا من روحه، لكنه لا يعرف أين تستقر تلك الروح إلا حين يجد من يلتقطها برفق، ويمنحها من تأمله حياة أخرى. لقد جعلتم، بحسن ظنكم وسمو قراءتكم، من كلمتي مناسبة لأتذكر أن الأدب لا يزدهر بصوت واحد، وأن النص لا يبلغ تمامه إلا حين يلتقي بقارئ كريم يضيف إليه من وجدانه ما لا تمنحه الكتابة وحدها. فشكرا لكم، أستاذي الدكتور محمد ميموني، على هذه اللفتة الراقية، وعلى هذا الحضور الذي يضع للثقافة ميزانها الأخلاقي، وللكلمة حرمتها، وللكاتب دافعا جديدا لأن يستمر في البحث عن المعنى وسط ضجيج العابرين. شكرا لأنكم ذكرتمونا، من حيث لا تقصدون، بأن أجمل ما في المعرفة أن تجعلنا أكثر قربا من الناس، وأن أصدق ما في النقد أن يحفظ للنص كرامته، ولصاحبه إنسانيته، وللقراءة جمالها. دمتم علما يضيء ولا يحجب، وقلبا يقرأ ولا يقسو، وقامة ثقافية تفتح أمام الكلمة طريقا إلى مزيد من الصدق والجمال. وليبقَ حضوركم في فضاءات الفكر والأدب علامة على أن الحرف، حين يلتقي بالعلم والخلق، لا يصبح نصا فحسب، بل يصبح أثرا طيبا يبقى في الوجدان. طه دخل الله عبد الرحمن
Jamal Garougar ما يلفت في الورقة حضور البعنة والجليل في تفاصيل التجربة، والحديث عن الكتابة بوصفها مقاومة للنسيان، وعن النقد باعتباره "محبة عاقلة". وتبقى صورة "صاحب مصباح لا صاحب منبر" من أجمل ما يلخص علاقة الكاتب بالكلمة. تحية للدكتور طه عبد الرحمن وللأستاذ بوطيب عبد الرحمن أديب Mohammed Mimouni طه عبد الرحمن الدكتور طه دخل الله عبد الرحمن، قرأت نصك أكثر من مرة، وفي كل مرة كنت أجد فيه شيئًا يتجاوز فكرة الرد على ما كتبت. شعرت أنني أمام قارئ لم يكتفِ بأن يرى النص، بل حاول أن يرى الإنسان الذي كان يقف خلفه وهو يكتب. وهذا، في رأيي، من أجمل ما يمكن أن يحدث لكاتب؛ أن يجد من لا يكتفي بقراءة عباراته، بل يصغي أيضًا إلى ما تركه بين السطور. أنت لم تقرأ كلماتي من الخارج، بل دخلت إلى أسئلتها، وفتحت فيها نوافذ لم أنتبه إليها وأنا أكتب. وربما هنا تكمن قيمة القراءة الحقيقية: أن يعيد القارئ إلى الكاتب شيئًا من نصه، ولكن بصورة لم يرها من قبل. وأنا، من تجربتي مع الكتابة، لا أؤمن أن النص يبقى ملكًا لصاحبه بعد أن يغادره. نضع فيه شيئًا من أرواحنا، ثم نتركه للآخرين. وقد يأتي قارئ واحد صادق فيمنحه معنى جديدًا، أو يوقظ فيه سؤالًا كان نائمًا. ولهذا توقفت عند حديثك عن أخلاق القراءة. هذه الفكرة قريبة مني جدًا؛ لأنني أرى أن النقد حين يتحول إلى استعراض للمعرفة يفقد شيئًا من جماله، وأن الاختلاف لا يحتاج إلى قسوة حتى يكون عميقًا. أجمل ناقد، في نظري، هو من يستطيع أن يشير إلى موضع العثرة دون أن يهدم الطريق كله. ولعل هذا ما وجدته في قراءتك. لم أشعر أنك كنت تبحث عن موضع تنتصر فيه على النص، بل كنت تبحث عن معنى يمكن أن نلتقي حوله. وهذا النوع من القراءة هو الذي يجعل الكاتب يعود إلى نصه بعين أخرى. وأنت تعرف أنني أعود كثيرًا إلى فكرة المعنى المستعصي؛ ذلك المعنى الذي كلما ظننا أننا اقتربنا منه، ترك لنا سؤالًا جديدًا. وربما لهذا أحببت قراءتك؛ لأنك لم تحاول أن تغلق النص بتفسير نهائي، بل تركت له مساحة أخرى كي يتنفس. وأقول لك شيئًا من تجربتي: الكاتب لا يكبر بكثرة من يمدحونه، بل أحيانًا بكلمة واحدة تجعله يعيد التفكير فيما كتب. لذلك لم أستقبل كلماتك باعتبارها شهادة أضيفها إلى ما أكتب، وإنما باعتبارها مسؤولية أمام قلمي. فالكلمة حين تجد قارئًا بهذا الوعي تصبح أمانة، وليس مجرد لحظة رضا. لقد ذكرتني أيضًا بأن الكتابة ليست حديثًا من طرف واحد. نحن نكتب، ثم يأتي قارئ ما، فيكمل معنا الحديث دون أن نكون قد دعوناه إليه. وقد تكون هذه هي المفاجأة الجميلة في الأدب: أن النص الذي نظنه انتهى عند آخر سطر، يبدأ أحيانًا هناك. لذلك شكرًا لك، دكتور طه، لا لأنك أثنيت على نصي، بل لأنك قرأته بصدق، ثم أعدت إليّ بعضه بصورة أخرى. وأعتقد أن أجمل ما يمكن أن يقال عن قارئ هو أنه يجعل الكاتب يرغب في أن يكتب أفضل، لا أن يكتفي بما كتب. دمتَ قارئًا يضيف إلى النص دون أن يصادره، وناقدًا يعرف أن الاختلاف يمكن أن يكون طريقًا إلى المعرفة، وإنسانًا يجعل للكلمة مكانًا آخر غير الصفحة. الدكتور محمد ميموني. طه عبد الرحمن Mohammed Mimouni حين يعيد القارئ إلى الكاتب مرآةَ المعنى إلى الأستاذ الدكتور محمد ميموني، تحيةً تليق بعقلٍ يعرف أن للكلمة وجهاً ظاهراً تراه العيون، ووجهاً باطناً لا تبصره إلا القلوب التي تهذّبت بالمعرفة، وتأنّقت بالإنصاف، وتطهّرت من ضجيج الادعاء. تحيةً لقلمٍ لا يكتب ليملأ فراغ الصفحة، بل يترك في بياضها نبضاً، ويمنح الحرف من رقة الروح ما يجعله أوسع من العبارة، وأبقى من المناسبة، وأقرب إلى ذلك الضوء الذي يضلّ الطريق إليه كثير من الناس، فلا يهتدي إليه إلا من جعل من القراءة خلقاً، ومن النقد مروءة، ومن الحوار جسراً لا متراساً. لقد قرأت كلمتكم الكريمة، يا أستاذي الدكتور محمد، فشعرت أنني لا أتلقى جواباً على جواب، ولا ثناءً يقابله امتنان، بل أدخل معكم إلى فسحةٍ رحبة من المعنى، حيث تتعانق الكتابة والقراءة، ويتصافح الكاتب والقارئ، ويذوب الحد الفاصل بين من يكتب ومن يتلقى؛ لأن النص، في حضرة الوعي الصادق، لا يعود ملكاً لقلمٍ واحد، ولا أسيراً لقصدٍ واحد، بل يصبح كائناً حراً يمضي إلى القراء، فيأخذ من أرواحهم كما يعطيهم، ويضيء فيهم كما يستضيئون به. ما أعمق قولكم إن القارئ الحقيقي لا يكتفي برؤية النص، بل يحاول أن يرى الإنسان الواقف خلفه وهو يكتب. تلك ليست قراءة للحروف، بل قراءة للنبض؛ ليست إصغاءً إلى الكلام وحده، بل إنصاتٌ لما يختبئ وراءه من قلقٍ وأملٍ ووجعٍ ورجاء. فكم من قارئ يمر على النص كما تمر الريح على نافذة مغلقة، لا يلتقط دفأ البيت ولا يسمع حكاية ساكنيه؛ وكم من قارئ كريم، من طينتكم، يفتح نافذة النص برفق، فيدخل إلى قلبه دون اقتحام، ويرى في سطوره ما تركه صاحبه من ظلال العمر، وخبايا السؤال، وآثار الطريق. لقد أعدتم إلى ذاكرتي، بكلماتكم، حقيقةً أؤمن بها كلما أمسكت بالقلم: أن النص لحظة يولد لا يعود ملكاً كاملاً لصاحبه. إن الكاتب يضع فيه بعضاً من روحه، ثم يرسله إلى العالم مثل طائرٍ خرج من عشه، لا يملك أن يرسم له مسار طيرانه، ولا أن يختار له السماء التي يحلّق فيها، ولا القلوب التي سيحط عليها. وقد يعود ذلك الطائر إلى صاحبه محملاً بألوانٍ لم يرها حين أطلقه، وبأغانٍ لم يسمعها وهو يصوغ جناحيه. وهذه هي معجزة الأدب: أن العبارة، حين تصدق، تنجو من حدود صاحبها، وتتسع لتصبح بيتاً لكل من يجد فيها بعضاً من نفسه. وما أصدق ما أشرتم إليه من أن قارئاً واحداً صادقاً قد يمنح النص معنى جديداً، أو يوقظ فيه سؤالاً كان نائماً. فالنصوص، يا أستاذنا، تشبه البذور؛ قد تبدو ساكنة في يد الكاتب، لكنها لا تعرف سرّ إنباتها إلا حين تقع في تربة قارئ حيّ، يسقيها بالتأمل، ويعرضها لشمس التجربة، ويمنحها من أسئلته ما يجعلها تنبت على هيئة لا يتوقعها حتى من غرسها. ولذلك فإن الكاتب لا يملك أن يدّعي اكتمال المعنى، ولا أن يغلق باب النص بمفتاح تفسيره؛ لأن المعنى أوسع من يدٍ واحدة، وأبعد من عينٍ واحدة، وأغنى من أن يُختصر في نية القائل وحدها. لقد لمست في حديثكم عن أخلاق القراءة ذلك الجوهر الرفيع الذي يجعل النقد فناً من فنون العدالة، لا استعراضاً للمعرفة، ولا مبارزةً في ساحات الغرور. إن الناقد الذي يقف عند عثرة النص ليشهّر بها، ويبحث في كل جمال عن نقص، لا يقرأ ليضيء، بل يقرأ ليُطفئ؛ أما الناقد الحق، فهو الذي يشير إلى موضع العثرة ليعين النص على النهوض، لا ليحتفل بسقوطه، ويختلف ليكشف أفقاً آخر، لا ليقيم جداراً بينه وبين صاحبه. فليس في القسوة برهان عمق، ولا في التهجم علامة ذكاء، ولا في ادعاء اليقين نهاية للأسئلة؛ إنما العمق أن نرى النقص دون أن ننكر الجمال، وأن نقول الحقيقة دون أن نجرح كرامة الإنسان، وأن نختلف دون أن نفقد شرف اللقاء. ولقد أسعدني أنكم وجدتم في قراءتي ما لم يكن بحثاً عن انتصار على النص، بل سعياً إلى معنى يمكن أن نلتقي حوله. فما الكتابة، في تقديري، ساحة غلبة بين قارئ وكاتب، ولا محكمة يُستدعى إليها النص ليدافع عن نفسه، وإنما هي مائدة معنى يجلس حولها المختلفون، يحمل كل منهم خبزه الداخلي، ويقتسمون نور السؤال. إن أجمل ما يفعله القارئ بالنص أن يضيف إليه دون أن يستولي عليه، وأن يفتح له نافذة دون أن يسلبه أسراره، وأن ينصت إلى صمته دون أن يدّعي امتلاك صوته. وإذا كنتم تعودون، كما ذكرتم، إلى فكرة المعنى المستعصي، فإنني أجد في هذه الفكرة بعض عزاء الكتابة وفتنتها معاً. فما أجمل المعنى حين لا يسلم نفسه دفعة واحدة، وحين يظل، كلما ظننا أننا بلغناه، يزيح ستاراً ليكشف عن سؤال آخر. إن المعنى الذي ينتهي سريعاً يشبه طريقاً قصيراً لا يترك في الروح أثراً، أما المعنى الذي يراوغنا بكرم، ويقودنا من سؤال إلى سؤال، فهو الذي يبقي النص حياً، ويبقي القارئ يقظاً، ويبقي الكاتب متواضعاً أمام ما لم يقله بعد. إن كلماتكم لم تزدني شعوراً بالرضا، بقدر ما زادتني شعوراً بالأمانة. فالمديح العابر قد يبهج صاحبه لحظة، ثم يمضي كما تمضي سحابة صيف، أما الكلمة التي تأتي من قارئ عارف فتضع في يد الكاتب مرآة ومسؤولية؛ مرآة يراجع فيها ما كتب، ومسؤولية تحثه على أن يكتب بما يليق بثقة من قرأه. لذلك أستقبل حديثكم لا بوصفه وساماً يعلّق على صدر الكاتب، بل بوصفه عهداً جديداً مع الحرف: أن يكون أصدق، وأهدأ، وأعمق، وأقرب إلى الإنسان الذي يظل الغاية الأولى والأخيرة لكل كتابة حقيقية. نعم، نحن لا نكتب وحدنا، وإن بدا القلم وحيداً بين الأصابع. نكتب ومعنا وجوه الذين أحببناهم، وأصوات الذين غابوا، وأسئلة الذين لم نلتقهم بعد، وذاكرة الأمكنة التي سكنت فينا، ووجع الأيام التي علمتنا أن للكلمة كلفةً وكرامة. ثم يأتي القارئ، فيواصل الحديث من الجهة التي توقفنا عندها، ويكتب في المسافة بين السطور ما لا نستطيع نحن أن نكتبه. وعندئذٍ فقط، ندرك أن النص لم ينته عند آخر نقطة، بل بدأ رحلته الحقيقية منها. فشكراً لكم، أستاذي الدكتور محمد ميموني، لا على ما قلتموه في حق كلماتي فحسب، بل على ما أعدتموه إلى الكتابة من بهائها الإنساني، وعلى ما منحتموه للقراءة من منزلة تليق بها. شكراً لأنكم جعلتم من الحوار بين النص وقارئه فعلاً من أفعال المعرفة، ومن الاختلاف باباً للاتساع، ومن النقد طريقاً إلى مزيد من الفهم لا إلى مزيد من القطيعة. دمتم علماً يجاور الحرف فيزيده نوراً، وقارئاً يرد إلى النصوص أرواحها، ومفكراً يعرف أن أجمل ما في الأدب ليس أن يمنحنا أجوبة جاهزة، بل أن يجعلنا أكثر صدقاً أمام أسئلتنا. ودمتم للثقافة حضوراً نبيلاً، وللكلمة ضميراً يقظاً، وللمعنى المستعصي صديقاً لا يرهبه غموضه، بل يلاحقه بمحبة العارف، وصبر الباحث، وبهاء الإنسان. طه دخل الله عبد الرحمن Mohammed Mimouni طه عبد الرحمن الدكتور طه، قرأت كلماتكم هذه المرة وأنا أشعر أن المرآة التي تحدثتم عنها لم تعد تعكس النص وحده، بل بدأت تعكس القارئ نفسه. وربما هنا تكمن المفارقة الجميلة: نحن نظن أننا نقرأ النص، ثم نكتشف في لحظة ما أن النص كان يختبر طريقتنا في النظر إليه. أعجبني في كلامكم أنكم لم تتعاملوا مع القراءة بوصفها عبوراً فوق الكلمات، بل بوصفها اقتراباً من الإنسان المختبئ خلفها. وهذا، في رأيي، هو الفارق بين قارئ يرى ما كُتب، وقارئ يسأل: لماذا كُتب هكذا؟ وما الذي عجز صاحبه عن قوله صراحة؟ ولعل أجمل ما في القراءة أن الكاتب لا يملك بعد نشر نصه سلطة كاملة عليه. يتركه، ثم تبدأ حياة أخرى لا يستطيع التحكم في تفاصيلها. قد يرى فيه قارئٌ ما لم يخطر له، وقد يعثر آخر على جرح لم يكن الكاتب نفسه قد سمّاه، وقد تأتي قراءة صادقة فتجعل الكاتب يعود إلى نصه كأنه يراه للمرة الأولى. وهنا أتوقف عند عبارتي التي أعود إليها كثيراً: المعنى المستعصي. فالمعنى الذي يسلّم نفسه سريعاً لا يترك للقارئ سوى مهمة الفهم، أما المعنى الذي يقاوم قليلاً، فيجعل القراءة مشاركةً في الخلق. ولعل النص الجميل ليس هو الذي يقول كل شيء، بل الذي يترك شيئاً منه في يد القارئ كي يكمله بطريقته. أما حديثكم عن أخلاق القراءة والنقد، فقد لامس عندي مسألة أراها أكبر من الأدب نفسه. فحين نختلف، ماذا نريد من اختلافنا؟ أن نثبت أننا الأذكى، أم أن نرى معاً ما لم نكن نراه منفردين؟ بالنسبة لي، النقد الذي لا يترك في الإنسان شيئاً من الضوء، مهما كان صائباً، يظل ناقصاً؛ لأن الحقيقة لا تحتاج إلى إهانة من يحملها، كما أن الاختلاف لا يحتاج إلى خصومة كي يكون عميقاً. وقد تعلمت، مع الوقت، أن بعض النصوص لا تحتاج إلى قارئ يشرحها بقدر ما تحتاج إلى قارئ يحسن الإصغاء إليها. فهناك أشياء لا تُقال بين السطور، بل تُترك في الصمت الذي بينها. وربما لهذا أحب الكتابة التي تجعلني أتردد قبل أن أضع النقطة الأخيرة؛ لأنني أشعر أنني لم أصل إلى نهاية المعنى، وإنما وصلت فقط إلى الحد الذي استطعت أن أراه. ولذلك أستقبل كلماتكم لا كمديح أحتفظ به، بل كسؤال يعيدني إلى نفسي: هل كنت أكتب ما أريد قوله، أم ما أستطيع قوله؟ وهل استطاعت اللغة أن تحمل شيئاً من الإنسان الذي يقف خلفها؟ ربما لهذا لا أطمئن كثيراً إلى النص الذي يشرح نفسه بالكامل. أحب النص الذي يترك لي وللقارئ مساحة صغيرة من الحيرة؛ تلك الحيرة التي لا تُربك المعنى، بل تمنحه حياة أخرى. شكراً لكم، دكتور طه، لأنكم لم تعيدوا إليّ كلمات كتبتها فحسب، بل أعدتم إليّ سؤالاً كنت أظنه انتهى: متى ينتهي النص؟ وأظن أن جوابي اليوم أبسط مما كنت أتصور: ينتهي النص حين يتوقف القارئ عن العثور على نفسه فيه. أما ما دام القارئ يعود إليه، ويختلف معه، ويضيف إليه شيئاً من تجربته، فالنص لم ينته بعد... وربما الكاتب نفسه لم ينته من اكتشاف ما كتب. الدكتور محمد ميموني طه عبد الرحمن Mohammed Mimouni حين تُصغي المرآة إلى وجهها الآخر إلى الأستاذ الدكتور محمد ميموني، يا من يمنحون للكلمة حقّها في أن تتأمل نفسها، وللقراءة شرفَ أن تكون كشفاً لا استهلاكاً، وللنقد نُبلَ أن يكون ضوءاً لا سيفاً؛ تحية تفيض من قلبٍ وجد في حديثكم ما هو أعمق من جوابٍ على جواب، وأبعد من ثناءٍ يتبادل صداه كاتبان. تحية لعقلٍ أدرك أن النص ليس كلاماً ينتهي عند نقطة، بل كائنٌ من سؤال، يولد في يد صاحبه، ثم يكبر في عيون الآخرين، ويكتشف في كل قارئ وجهاً لم يكن يعرفه عن نفسه. قرأت كلماتكم، فشعرت أن المرآة التي تحدثنا عنها لم تعد معلقة على جدار النص، بل أصبحت فضاءً شفافاً يتبادل فيه الكاتب والقارئ النظر؛ فلا يعود أحدهما مالكاً للحقيقة، ولا يكون الآخر مجرد عابرٍ عند بابها. إنهما يلتقيان في منطقة دقيقة بين القول والصمت، بين ما استطاعت اللغة أن تحمله وما بقي في القلب أوسع من اللغة، فيرى الكاتب نفسه في عين قارئه، ويرى القارئ صورته الإنسانية في نصّ لم يكتبه، ثم يكتشف الاثنان أن المعنى ليس غنيمةً يظفر بها أحدهما، بل طريقٌ طويل يزداد اتساعاً كلما سار فيه قلبان صادقان. ما أبهى قولكم إن النص يختبر طريقتنا في النظر إليه. أجل، فنحن نظن أننا نقرأ النصوص، غير أن النصوص، في لحظات صفائها، تقرأنا هي أيضاً؛ تسألنا عن مقدار ما فينا من صبر، وما في أرواحنا من رحمة، وما في عقولنا من استعداد لأن نقبل أن المعنى لا يمنح مفاتيحه لمن يطرق بابه بعجلة. فليس كل من مرّ بعينين على الكلمات قارئاً، كما أن ليس كل من حفظ المصطلحات ناقداً؛ القارئ الحق هو من يضع أمام النص قلبه وعقله معاً، فيسأل لا ليتهم، ويتأمل لا ليتعالى، ويصغي لا ليصادر. لقد وقفتم عند ذلك الفارق الجميل بين من يرى ما كُتب ومن يسأل: لماذا كُتب هكذا؟ وما الذي لم يستطع صاحبه أن يقوله صراحة؟ وهنا، في ظني، تبدأ القراءة التي تستحق اسمها. فالكلمات التي نكتبها ليست دائماً ما نريد قوله، بل كثيراً ما تكون جسوراً مرتجفة بين ما نشعر به وما نقدر على حمله إلى اللغة. وكم من معنى يظل واقفاً خلف العبارة، يلوّح لنا ولا يدخل؛ لأن الحرف أضيق من الوجع أحياناً، ولأن اللغة، على سعتها، تقف متواضعة أمام بعض التجارب التي لا تتسع لها إلا الدموع أو الصمت أو الرجفة التي لا اسم لها. وما أعمق ما قلتموه عن لحظة خروج النص من يد كاتبه. إن الكاتب، مهما أحب نصه، لا يستطيع أن يحتجزه في حدود قصده، ولا أن يرافقه إلى كل قلب يصل إليه، ولا أن يفرض عليه أن يُرى من زاوية واحدة. يضع فيه بعضاً من ظله، ثم يتركه يمضي إلى الآخرين، وهناك تبدأ حيواته الكثيرة. قد يجد فيه قارئٌ وجعاً لم يسمّه صاحبه، وقد يقرأ آخر فيه أملاً لم يكن الكاتب قد وعاه وهو يكتبه، وقد تعثر روح متعبة بين جمله على كلمةٍ صغيرة تنقذها من وحشة لا يعرف بها أحد. ولذلك لا يكون النص العظيم هو الذي يأمر قارئه بما ينبغي أن يفهم، بل النص الذي يفتح له باباً ليصبح شريكاً في اكتشافه. وهنا يجيء «المعنى المستعصي» لا بوصفه غموضاً يتباهى به النص، ولا تعقيداً يتعمد أن يغلق نوافذه، بل بوصفه ذلك الأفق الذي يحفظ للكتابة فتنتها وللقارئ كرامته. فالمعنى الذي يسلّم نفسه سريعاً ينتهي عند الفهم، أما المعنى الذي يؤخر بعض عطاياه، ويترك في القلب مساحة للتأمل، فإنه يجعل القارئ شريكاً في الخلق، لا متلقياً ينتظر ما يُقال له. وليس جمال النص في أن يخفي المعنى حتى يعجز عنه الناس، بل في أن يمنحه على هيئة إشارات، فيدع للقارئ أن يمدّ من تجربته خيطاً آخر، وأن يضع من روحه ما يكمل به الصورة دون أن يدّعي امتلاكها. وقد أصبتم، أستاذي الكريم، حين جعلتم من أخلاق القراءة والنقد مسألة تتجاوز الأدب إلى معنى الإنسان نفسه. فالخلاف امتحان للنفوس قبل أن يكون اختباراً للأفكار؛ به نعرف هل نريد أن ننتصر لأنفسنا أم أن ننتصر للحق، وهل نملك شجاعة أن نرى في الرأي الآخر نافذةً ممكنة لا عدواً ينبغي إسكات صوته. ما أسهل أن نرفع أصواتنا، وما أصعب أن نرفع مستوى الحوار؛ وما أيسر أن ننتصر لعبارةٍ عابرة، وما أعظم أن ننتصر لإنسانيتنا ونحن نختلف. إن النقد الذي لا يترك في الإنسان ضوءاً، ولو كان مصيباً في تشخيصه، يبقى ناقصاً في إنسانيته. لا لأن الحقيقة ينبغي أن تُخفى كي لا نتألم، بل لأن الحقيقة نفسها لا تفقد قوتها حين تُقال برفق، بل تزداد نفاذاً حين تأتي في ثوب العدل. فما الحاجة إلى إهانة من يحمل الفكرة؟ وما الجدوى من هدم الطريق كله لأن فيه حجراً عالقاً؟ إن الناقد الذي يحب المعنى يرفع النص من مواضع عثرة، ولا يقف عند عثرته ليقيم لنفسه منصة؛ يفتح للكاتب نافذة، ولا يسد عليه أبواب الضوء. لقد لامسني كثيراً حديثكم عن النصوص التي لا تحتاج من يشرحها بقدر ما تحتاج من يحسن الإصغاء إليها. أجل، ففي بعض النصوص صمتٌ أبلغ من الكلام، وفي المسافات التي تفصل الكلمات أسرار لا تبوح بها القواميس. ثمّة أشياء نودعها في الفراغ بين جملتين، وفي التردد الذي يسبق النقطة الأخيرة، وفي العبارة التي نتوقف عندها لأننا ندرك أن ما بعدها لا يقال، أو لأننا نخاف أن يبدد الكلام ما حفظه الصمت جميلاً وعميقاً. ولعل الكاتب لا يضع النقطة الأخيرة لأنه بلغ نهاية المعنى، بل لأنه بلغ نهاية ما استطاع أن يراه في تلك اللحظة؛ ثم يأتي الزمن، ويأتي قارئ صادق، فيكشفان له أن للنص امتداداً آخر وراء النقطة. أما سؤالكم الجميل: «هل كنت أكتب ما أريد قوله، أم ما أستطيع قوله؟» فهو سؤال كل كاتب صادق؛ لأن الرغبة في القول بحر واسع، والقدرة على القول مركب صغير، وبينهما تتكون مأساة اللغة وبهجتها معاً. نريد أن ننقل إلى الورق العالم كله، فنجد أنفسنا أمام كلمة واحدة؛ نريد أن نضع في العبارة وجعاً بحجم العمر، فتخوننا العبارة أو تضيق بنا؛ ثم نعود رغم ذلك إلى الكتابة، لا لأننا نملك اللغة كاملة، بل لأننا نؤمن أن محاولة الاقتراب من المعنى أجمل من الصمت أمامه. وإنني أتفق معكم: لا يطمئن الكاتب إلى النص الذي يشرح نفسه حتى آخر أنفاسه، ويغلق على قارئه كل أبواب الاحتمال. إن النص الذي يبقى حياً هو الذي يترك نافذة مواربة، يدخل منها القارئ بما يحمله من عمره، ويخرج منها وقد حمل سؤالاً جديداً. تلك الحيرة الجميلة ليست اضطراباً يبدد المعنى، بل هي ضوء خافت يرشدنا إلى أن المعنى أوسع من أن يُحاصر، وأن الإنسان أعمق من أن يُختصر في جملة، وأن الأدب لا يعطي أجوبة نهائية بقدر ما يعلّمنا كيف نحب أسئلتنا. لذلك أستاذي أستقبل تأملاتكم لا بوصفها خاتمة للحوار، بل بوصفها امتداداً له؛ ذلك الحوار الذي لا يحتاج إلى ضجيج كي يكون عميقاً، ولا إلى اتفاق كامل كي يكون جميلاً. لقد أعدتم إليّ بسؤالكم عن نهاية النص يقيناً صغيراً: أن النص لا ينتهي حين يفرغ الكاتب من كتابته، ولا حين يجف الحبر، ولا حتى حين يضع القارئ الصفحة جانباً؛ إنه ينتهي، كما قلتم، حين يتوقف أحد عن العثور على شيء من نفسه فيه. أما ما دام النص يوقظ ذاكرةً، أو يفتح سؤالاً، أو يربت على جرح، أو يضيء درباً، أو يستدعي قارئاً إلى أن يرى وجهه في مرآة الكلمات، فإنه ما يزال حياً، وما تزال الكتابة فيه تبدأ من جديد. شكراً لكم، لأنكم جعلتم من الكلمة جسراً لا يضيق بالعبور، ومن القراءة لقاءً لا ينتهي عند حدود النص، ومن النقد أخلاقاً تحرس الجمال من القسوة، وتحرس الحقيقة من الغرور. دمتم قارئاً يوقظ النص دون أن يرهقه، ومفكراً يفتح للمغلق أبواباً من نور، وإنساناً يعرف أن أجمل ما في الأدب أنه لا يمنحنا معنى نهائياً، بل يمنحنا شجاعة أن نواصل البحث عنه.
#طه_دخل_الله_عبد_الرحمن (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
استضافتي في برنامج - لقاء الأسبوع – منتدى شعاع للأدباء والشع
...
-
قراءة نقدية في العطفة الشعرية -أحلام... لا تشيخ- بين الشاعرة
...
-
رسائل الناقد طه دخل الله عبد الرحمن والدكتور فضيل حاج بن عدة
...
-
قراءةٌ أسلوبيةٌ تأويليةٌ في قصيدة «عندما يتغنّى القصيد» للأد
...
-
ردي على قراءة الأستاذة الناقدة جليلة المازني لمقالتي بعنوان
...
-
إلى الأديب عبد المجيد بطالي: شكرًا لمن أهدى الشمسَ ومضةً وأه
...
-
رسالتي للأستاذة الكاتبة الناقدة جليلة المازني على تحفتها الإ
...
-
دراسة نقدية أكاديمية موسعة في المجموعة القصصية «كنتُ هناك...
...
-
شكر وامتنان لمرفأ الابداع والأستاذ سعيد محتال – جليس الشهر ف
...
-
القراءة النقدية الكاملة لنص – طقوس الشاي المقدسة – للأستاذة
...
-
قراءة لقصيدة - الأربعينية باللون الأسود – الأستاذ الشاعر عون
...
-
الأثر
-
من جامعة الحياة إلى محراب البيان: سيرة قلمٍ لا ينطفئ = خل
...
-
قراءة لقصيدة - حينَ يَرْتَقِي الكَلِمُ – للشاعرة الدكتورة سل
...
-
قراءة لحكاية - من حيث توقفنا – للكاتبة الأستاذة عاتكة الياسر
...
-
قراءة للقصة القصيرة – العدو – للقاصة الأستاذة الهام عيسى 6-9
...
-
قراءة للقصة القصيرة – أخر مرة – للكاتبة الأستاذة فاطمة حرفوش
...
-
قراءة لقصيدة - شَيْءٌ يُشْبِهُ الأَمَان – للشاعرة الدكتورة س
...
-
دراسة «تحت سقف السماء» للقاصة كوثر حسن جعفر 31-8-2026 بلاغةُ
...
-
طقوسُ الشاي المُقدَّسة
المزيد.....
-
نجل الفنان الراحل نضال سيجري يعلن قبوله في المعهد العالي للف
...
-
بعد أزمة النجوم.. اعتذار جديد يهز حسابات مهرجان الموسيقى الع
...
-
اللغة العربية في أتون الصراع الصهيوني العربي
-
فيلم -كلايفيس-.. وحش بلا وجه يحتل غوثام وينتظر باتمان
-
حماس تهاجم بيان غوتيريش وتتهمه بتبني الرواية الإسرائيلية في
...
-
بطرسبورغ تحتفي بذكرى ميلاد شاعرها الأسطوري ليرمونتوف
-
ملكة قازان وبرجها الغامض.. قصة سيومبيكي بين الحقيقة والأسطور
...
-
ختام فعاليات مهرجان «فنون الأداء» في دورته الخامسة بمسرح نه
...
-
الفنان الروسي يوري بوريسوف يدخل سباق الأوسكار عن فيلم -آرتيف
...
-
موجة احتجاج تطالب بإلغاء حفل أندريا بوتشيلي في البتراء الأرد
...
المزيد.....
-
رأيت وردة الدبلان
/ د. خالد زغريت
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
المزيد.....
|