أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - قراءة لقصيدة - الأربعينية باللون الأسود – الأستاذ الشاعر عون البحيصي 14-9-2026 الأسودُ حينُ يضيء: في فلسفة النضج وقداسة الأنوثة















المزيد.....


قراءة لقصيدة - الأربعينية باللون الأسود – الأستاذ الشاعر عون البحيصي 14-9-2026 الأسودُ حينُ يضيء: في فلسفة النضج وقداسة الأنوثة


طه دخل الله عبد الرحمن

الحوار المتمدن-العدد: 8829 - 2026 / 9 / 15 - 10:17
المحور: الادب والفن
    


قراءة لقصيدة - الأربعينية باللون الأسود – الأستاذ الشاعر عون البحيصي 14-9-2026
الأسودُ حينُ يضيء: في فلسفة النضج وقداسة الأنوثة
ليست «الأربعينية باللون الأسود» قصيدةً تقف عند لونٍ أو عمر، ولا نصًّا يندب شبابًا توارى أو يزيّن نضجًا تجمّلًا عابرًا؛ إنها، في جوهرها، مراسيمُ عبورٍ من أنوثةٍ تُرى إلى أنوثةٍ تُبصِر، ومن جمالٍ يُستجدى له التصفيق إلى جمالٍ يكفيه أن يكون، ومن مرآةٍ تُرهب الملامح إلى مرآةٍ تشهد للروح بما صنعت الأيام فيها. إنها قصيدة تلبس فيها المرأة الأسود، فلا يلبسها الحزن؛ وتدخل الأربعين، فلا تدخل خريفها؛ وتصافح الزمن، فلا تستسلم له. كأن الشاعر يريد أن يقول، بلسان البصيرة لا بلسان العبارة: إن العمر لا يأكل الجمال إلا إذا كان الجمال قشرة، أما إذا كان الجمال جوهرًا، فإن السنين لا تنقصه بل تنقّيه، ولا تطفئه بل تُصفّيه، ولا تُسقطه بل ترفعه من فتنة العين إلى فتنة المعنى.
يجيء المطلع نافيًا: «ليست حزنًا، ولا امرأة أطفأت عمرها، كما يظن العابرون»، والنفي هنا ليس نفيًا للنحو وحده، بل نفيٌ للظنّ الضيق، وللعين التي تمرّ على الأشياء فلا تلبث فيها، وللوعي الذي يقرأ الثوب ولا يقرأ القلب. فـ«العابرون» هم أولئك الذين يقيمون على سطح الإنسان ولا يغوصون إلى قراره؛ يرون الأسود فيحكمون بالحداد، ويرون الأربعين فيحكمون بالأفول، ويرون الهدوء فيحسبونه فراغًا، وما علموا أن السكون قد يكون امتلاءً، وأن الصمت قد يكون لغةً أفصح من الضجيج، وأن السواد قد يكون رداءة الليل حين يحتضن أسراره، لا رداء الفقد حين يعلن انكساره.
ثم يرسم النص بطلتَه بملامح لا تُرى بالعين بقدر ما تُستشعر بالوجدان: «تعرف كيف تمشي بثبات حين تتعثر الخطوات، وكيف تخفي وجعها خلف ابتسامة لا تشبه الانكسار». هنا تتكثف فلسفة النجاة؛ فهي ليست امرأةً لم تلمسها العثرات، بل امرأةٌ عرفت العثرة فلم تؤلّهها، وذاقت الوجع فلم تسلمه مفاتيحها. وفي هذا التكوين مفارقة إنسانية دقيقة: فالضعف لا ينفي القوة، والقوة لا تعني جفاف القلب؛ قد يبكي الإنسان في سره وهو ثابت في علانيته، وقد ترتجف الروح في ليلها ثم تمضي القدم في صباحها. هكذا تخرج المرأة من صورة الترف الأنثوي المعلّق على الإعجاب، إلى صورة الكائن الإنساني الذي صاغته المحن فصار ألطفَ قلبًا، وأصلبَ موقفًا، وأعرفَ بحدود الوجع وبشروط الكرامة.
والابتسامة التي «لا تشبه الانكسار» ليست قناعًا من زيف، بل قنديلٌ صغير يُشعل في وجه العاصفة. إنها ابتسامة من عرف أن الحزن، وإن أحقّ أن يُحترم، لا يحقّ له أن يحتلّ الروح؛ ومن أدرك أن الألم لا يزول دائمًا، لكنه قد يتحول، بالصبر والبصيرة، من حجرٍ على الصدر إلى درجةٍ في سُلّم النضج. ولعل هذا هو البعد الروحي الأجمل في القصيدة: أنها لا تنكر الجرح، ولا تعبد الجرح؛ لا تتغنّى بالمأساة، ولا تتبرأ من أثرها. إنها تجعل الألم معبرًا لا مقرًا، امتحانًا لا هوية، وليلًا لا قدرًا أبديًا.
وحين تعود اللازمة: «الأربعينية باللون الأسود»، فإنها لا تعود تكرارًا، بل تعود كأنها ذكرٌ داخلي، أو لازمةٌ من لوازم القلب، كلما تكررت ازداد المعنى رسوخًا وازداد الوجدان صفاء. إن تكرارها أشبه بعودة المسافر إلى باب بيته، لكنه في كل عودة يجد في البيت غرفةً لم يكتشفها، ونافذةً لم يطل منها من قبل. فمرةً تأتي اللازمة لتعلن الثبات، ومرةً لتكشف الجمال، ومرةً لتردّ الاعتبار للأنوثة، ومرةً لتُنهي الخصومة بين المرأة وزمنها. وتلك من وظائف التكرار في النص الحديث: أنه لا يملأ الفراغ، بل يملأ المعنى؛ ولا يستنسخ العبارة، بل يوسّع إشعاعها، حتى تصير الجملة الواحدة كأنها نواةٌ تدور حولها الكواكب الدلالية.
أما تشبيه المرأة بالليل، فهو تشبيه يفيض بأكثر مما يصرّح. فالليل ليس ظلمةً فحسب، بل سترٌ وسكينة، سرٌّ وسَحَر، خلوةٌ ونجوى. وحين «يزداد جمالًا» لا يعود ضدًا للنهار، بل يصير وجهًا آخر للنور؛ لأن النور ليس دائمًا ضجيج الشمس، وقد يكون في لحظة تأمل، وفي دعاء خافت، وفي قلبٍ استراح من ملاحقة العيون. والمرأة الأربعينية تشبه الليل لأنها تجاوزت زمن العرض إلى زمن الحضور؛ لم تعد تحتاج أن تكون مشتعلةً في كل لحظة كي تُصدَّق، بل يكفيها أن تكون عميقةً كي تُحَسّ. إنها نورٌ لا يصرخ، وبهاءٌ لا يتباهى، وسرٌّ لا يُفصح عن نفسه إلا لمن أتى بقلبٍ يقظ، لا بعينٍ فضولية.
ثم تأتي القهوة، فتمنح التجربة مذاقها الفلسفي. فالقهوة لا تُمدح لأنها حلوة؛ بل لأنها صادقة في مرارتها، دافئة في أثرها، بطيئة في اكتمالها. إنها لا تخدع اللسان، بل توقظه؛ ولا تمنح الدفء في لحظةٍ بلا ثمن، بل تصنع من المرارة متعةً، ومن التمهل طقسًا، ومن الفنجان ذاكرةً. وهكذا هي المرأة بعد الأربعين: ليست حلاوةً سريعةً تُستهلك في نظرة، وإنما مذاقٌ مركّب يحتاج إلى من يعرف أن التجارب لا تجعل الإنسان أقل جمالًا، بل أقل قابليةً للزيف، وأشدّ نفورًا من الوعود المصقولة، وأقرب إلى الحقيقة ولو كانت مُرّة كالبنّ في أول رشفة.
وتتألق صورة الوردة التي «تعلمت من الريح أن لا تنحني إلا للعطر» بوصفها أعمق صور النص وأصفاها؛ لأن فيها عتابًا للريح، وعرفانًا لها في آن. فالريح، وهي رمز القسوة والتقلب والامتحان، لم تُعلّم الوردة الذبول، بل علّمتها التمييز: أن الانحناء ليس دائمًا ضعفًا، لكنه يصبح ضعفًا حين يكون خوفًا؛ وأن الرقة ليست دائمًا استسلامًا، لكنها تكون كرامةً حين تختار موضعها. فهي لا تنحني للقهر، بل تلين للحب؛ لا تهتزّ أمام العاصفة، بل تميل للعطر؛ لا تستجيب لمن يعلو صوته، بل لمن يسمو قلبه. وفي هذه المفارقة جمالٌ بالغ: فالقوة ليست أن تكون المرأة حجرًا، بل أن تبقى وردةً، على الرغم من الريح؛ وأن تحفظ عطرها، على الرغم من التعب؛ وأن تعرف أن أرقى الانتصارات أن يخرج الإنسان من ألمه دون أن يحمل ملامح مؤلمه.
وحين تقول القصيدة إن المرأة في الأربعين لا تبحث عن رجلٍ «يصفق لجمالها»، بل عن قلبٍ «يفهم صمتها»، فإنها تنقل علاقة الحب من سوق الإعجاب إلى محراب الفهم. التصفيق كثيرٌ لكنه قصير، والفهم قليلٌ لكنه كبير؛ التصفيق يلاحق الصورة، والفهم يصادق الحقيقة؛ التصفيق يمرّ على الوجه، والفهم يقف عند الروح. وهذه المرأة لم تعد تطلب عينًا تنبهر، بل روحًا تُنصف؛ لم تعد تنتظر كلمةً جميلةً تُقال ثم تذوب في الهواء، بل حضورًا صادقًا يقرأ التعب المتراكم في العينين، ويعرف أن الهدوء الذي يسكن ملامحها ليس بالضرورة فراغًا من الحكايات، بل قد يكون امتلاءً بما لا يُقال، وصونًا لما لا يُباح.
ومن هنا تتجلى روحانية الحب في النص؛ فالحب ليس رغبةً في الامتلاك، ولا فضولًا يفتش في الجراح، ولا وعدًا يلمع ثم يخذل، بل رحمةٌ تفهم، وأمانٌ يصغي، ورفقةٌ لا تفتنها الصورة الأولى ولا تفزعها الصفحات الصعبة. ومن أحب بصدق، كما تقول القصيدة، هو وحده من يقرأ الحكايات المختبئة خلف الهدوء. ولا تكون القراءة هنا قراءة عقلٍ محض، بل قراءة قلب؛ القلب الذي لا يطلب من الآخر أن يبرر كل صمته، ولا يطالبه أن يبرهن على ألمه، ولا يعاقبه لأنه لم يعد يبتسم كما كان. إنه حبٌّ يرى الإنسان بما حمله، لا بما أخفاه، وبما نجا منه، لا بما خسره.
وفي صورة المرآة تنعطف القصيدة من الخارج إلى الداخل؛ إذ تقول: «فالمرآة عندها لم تعد خصمًا، بل شاهدة على عمر عاشته بكل تفاصيله». إن المرآة، في ثقافة الجسد والخوف من الزمن، تتحول كثيرًا إلى محكمةٍ لا ترحم؛ تعدّ الخطوط، وتحصي البياض، وتقارن اليوم بأمسٍ لا يعود. لكن الشاعر يعيد إلى المرآة إنسانيتها، فيجعلها شاهدةً لا جلادًا، وسجلًا لا سيفًا، ورفيقةً لا خصمًا. وما أعمق الفرق بين خصمٍ يبحث عن نقصٍ ليطعن، وشاهدٍ يحفظ أثرًا ليشهد. فإذا رأت المرأة خطًا حول عينيها، لم تقرأ فيه هزيمةً، بل تقرأ ليالي سهرٍ وصباحات نهوض؛ وإذا رأت بياضًا في شعرها، لم تلمح انسحاب الشباب، بل رأت ضوءًا أودعه الزمن في رأسها، كأن العمر لم يسرق لونها، بل أهدى إليها لونًا من ألوان النور.
وفي قول النص: «أحلام تأخرت، وأحلام لم تمت»، تشرق الفلسفة من نافذة الرجاء. فالتأخر ليس موتًا، والغياب ليس عدمًا، وما لم يصل اليوم قد يكون في طريقه إلى قلبٍ لم يتهيأ له بالأمس. هذه العبارة الصغيرة تحمل وعيًا بالزمن لا بوصفه عقوبةً، بل بوصفه ترتيبًا؛ فالإنسان لا يدرك دائمًا لماذا تتأخر أبوابٌ يطرقها، أو لماذا تمضي أعوامٌ دون أن تتحقق أمنيةٌ ظنها قريبة، لكن الروح الناضجة تعرف أن بعض العطايا لا يليق بها إلا وقتها، وأن بعض الأقدار لا تتأخر عبثًا، وإنما تأتي حين يصبح القلب قادرًا على حملها دون أن تنكسر يداه من ثقلها.
والطفلة الصغيرة التي ما زالت تسكن قلب الأربعينية ليست نقيض الحكمة، بل سرُّ بقائها. فالطفولة هنا ليست سذاجة، وإنما طهارة الرجاء؛ هي الجزء الذي لم تُفسده الحسابات، ولم تطفئه الخيبات، ولم تقنعه الأيام بأن المستحيل قانون. إن المرأة، مهما نضجت، تحتاج إلى هذه الطفلة الداخلية كي لا تتحول الخبرة إلى قسوة، ولا الحكمة إلى برود، ولا الحذر إلى قفص. فبها تظل قادرةً على الدهشة، وعلى الحب، وعلى الإيمان بأن «أجمل الأشياء قد تأتي متأخرة»؛ وكأن القصيدة تقول إن العمر الحق ليس ما تُحصيه السنوات، بل ما يبقى في القلب من قدرةٍ على انتظار الخير دون أن يفقد ثقته بالله وبالحياة.
ثم تبلغ القصيدة مركزها الدلالي في قولها: «ليست نهاية الأنوثة، بل بداية المعنى». فهذه العبارة تختصر احتجاج النص كله على النظرة التي تجعل المرأة أسيرة شبابها الظاهر، كأن الأنوثة موسمٌ قصير، وكأن الجمال ينتهي حين تتراجع فتنة البدايات. لكن الشاعر يردّ بأن الأنوثة ليست وردةً تُقاس بعمر التفتح، بل روحٌ تتبدل في كل فصل دون أن تفقد جوهرها. في العشرين قد يلفت الجمال الأنظار، وفي الثلاثين تتسع التجربة، أما في الأربعين فتتسع الرؤية؛ ترى المرأة نفسها خارج مرآة الناس، وتعرف أن قيمتها لا تحتاج إلى إجماع العيون، لأن العيون كثيرةٌ متقلبة، ولأن الإنسان الصحيح، إذا رأى الحقيقة، أغنى عن ألف نظرةٍ عابرة.
وهنا تقترح القصيدة معيارًا أخلاقيًا وجماليًا للحب: أن يراها «الإنسان الصحيح كما هي، بروحها وعقلها وندوبها وضحكتها». وهذا التعداد ليس جمعًا للصفات، بل جمعٌ للأضداد في كيان واحد؛ الروح بما فيها من صفاء، والعقل بما فيه من اتزان، والندوب بما فيها من تاريخ، والضحكة بما فيها من حياة. إنها لا تطلب من الحب أن يختار أجمل ما فيها ويغض الطرف عن بقيتها، بل تطلب أن يُحبّها كاملةً، لا كاملةً بمعنى المثالية المستحيلة، بل كاملةً بمعنى الصدق الإنساني. فالإنسان ليس صفحة ناصعة بلا أثر، وإنما كتابٌ فيه مواضع نور، وهوامش دموع، وفصول نجاة، وسطورٌ محيت ثم كُتبت من جديد.
ولا تخلو القصيدة من حسٍّ نقديٍّ اجتماعيٍّ هادئ، فهي تفكك، من غير صراخ، معاييرَ تربط قيمة المرأة بإعجاب الآخرين، وبقاء ملامحها على هيئةٍ واحدة، وقدرتها المستمرة على إرضاء العين قبل الروح. وحين تقول: «لا تعتذري عن عمرك، ولا تخفي خصلاتك البيضاء»، فهي لا تطلب تحديًا شكليًا، بل تحررًا من عادة الاعتذار عن الذات. فالاعتذار عن العمر هو اعتذار عن التجربة، والاعتذار عن البياض هو اعتذار عن النور الذي تركه الزمن في الشعر، والاعتذار عن الخطوط هو اعتذار عن الطريق الذي لم يكن سهلًا. لذلك تغدو كل شعرة بيضاء «حكاية انتصار»، ويصبح كل خط في الوجه «صفحة من كتاب الحياة»؛ فالتجاعيد، في هذا التأويل، ليست انكسار الصورة، بل كتابة الوجود على الجلد.
والأسود في القصيدة لا يظهر بوصفه لونًا محايدًا، بل بوصفه رمزًا فلسفيًا متحولًا. فالسواد، الذي اقترن طويلًا بالحزن والحداد، يستعيد هنا معناه الآخر: الهيبة، والستر، والعمق، والغموض الجميل. فالأسود لا يطفئ المرأة، لأنه لا يملك أن يطفئ نورًا مصدره الداخل؛ إنه، على العكس، يزيل ضجيج الألوان كي يبرز حضورها الصافي. وكأن هذا اللون يعلّمنا أن الظلمة ليست دائمًا عدوة النور، فربما كانت خلفيةً يظهر عليها النور أكثر صدقًا، وربما كان الليل هو الذي يعلّم النجوم كيف تُرى. لذلك فإن الأسود، في هذا النص، ليس ثوب حدادٍ على زمنٍ مضى، بل عباءةُ معرفةٍ لمن عرفت الحياة فلم تعد تنخدع ببريقها، ولم تعد تغريها الكلمات إذا لم تسندها المواقف، ولم تعد تراهن على الوعود إذا لم يوقّعها الوفاء.
والتدرج من «لا تنبهر بالبريق» إلى «لا تغريها الكلمات» ثم «لا تراهن على الوعود» يرسم سلّمًا من الوعي. فالبريق فتنة العين، والكلمات فتنة الأذن، والوعود فتنة القلب؛ وقد تجاوزت المرأة هذه الفتن الثلاث لأنها اختبرت كيف يخون اللمعان حقيقته، وكيف تجمل العبارة ما لا يجمّله الفعل، وكيف يتهدم الوعد إذا لم يسنده صدقٌ ومسؤولية. إنها لم تفقد إيمانها بالحب، لكنها فقدت قابلية الانخداع باسم الحب؛ ولم تتحول إلى امرأة باردة، بل صارت امرأة تعرف أن المحبة لا تُقاس بما يُقال في لحظة شوق، بل بما يبقى في ساعة التعب.
وعلى المستوى الفني، يستند النص إلى قصيدة النثر ذات الإيقاع الهادئ والنبض المتقطع؛ فالقِصر في الأسطر يمنح العبارة نفسًا تأمليًا، ويجعل القارئ يقف عند كل صورة كما يقف المسافر عند نافذةٍ تطل على مشهدٍ جديد. كما أن التوازي التركيبي ينسج موسيقى داخلية واضحة: «أحلام تأخرت، وأحلام لم تمت»، و«روحها وعقلها وندوبها وضحكتها»، و«لا تنبهر بالبريق، ولا تغريها الكلمات، ولا تراهن على الوعود». وهذه البنى تمنح القصيدة نغمًا لا يعتمد على القافية الموحدة، بل على توازن العبارة وتجاوب المعنى وتآلف الفواصل.
وفي النص أيضًا طباقٌ ومقابلةٌ يثريان الدلالة: الحزن في مقابل الهيبة، التعثر في مقابل الثبات، الوجع في مقابل الابتسامة، النهاية في مقابل البداية، التأخر في مقابل الموت، السواد في مقابل النور. لكن الأجمل أن هذه الأضداد لا تبقى متنافرة؛ إنها تذوب في وحدةٍ إنسانية تقول إن النور لا يُفهم بلا ليل، وإن الثبات لا قيمة له بلا عثرة، وإن الابتسامة لا تملك عمقها إلا إذا جاورت الدمع، وإن المعنى لا يكتمل إلا حين يقبل الإنسان تاريخه كله، لا نصفه المضيء فحسب.
ومع ما يحمله النص من صفاء وجداني ورسالة إنسانية مؤثرة، فإن القراءة النقدية المنصفة ترى أن لغته تميل أحيانًا إلى الإفصاح المباشر، فتقول الفكرة قبل أن تترك الصورة تولّدها بكامل طاقتها. فبعض المقاطع ذات النفس الإرشادي، مثل الدعوة إلى عدم الاعتذار عن العمر أو إخفاء الشيب، تقترب من خطاب المواساة والتحفيز. غير أن هذا الميل لا يسلب القصيدة جمالها، لأنه يتناغم مع مقصدها العاطفي الواضح؛ فالنص يريد أن يضمّد قبل أن يدهش، وأن يواسي قبل أن يراوغ، وأن يفتح نافذةً للمرأة كي ترى نفسها بعين الرحمة لا بعين المقارنة. ولو خفّف الشاعر من التقرير في بعض المواضع، وأتاح للرمز أن يتنفس أكثر، لازداد النص غنىً وتأويلاً واتساعًا، غير أن قربه من القلب يظل من أبرز عناصر قوته.
إن قصيدة «الأربعينية باللون الأسود» لا تكتب امرأةً واحدة، بل تكتب كل امرأةٍ مرّت عليها السنوات ولم تمرّ عليها عبثًا؛ كل امرأة ذاقت ما ذاقت، ثم اختارت أن تبقى قادرةً على الحب؛ كل امرأة حملت في صدرها طفلةً لا تزال تنتظر الفرح، وفي عينيها حكمةً لا تحتاج إلى ضجيج كي تُثبت نفسها. إنها قصيدة عن الجمال حين يتحول من مظهر إلى مقام، ومن فتنة إلى معرفة، ومن سؤالٍ تسأله العيون إلى جوابٍ تجيبه الروح.
فإذا رأينا امرأةً في الأربعين ترتدي الأسود، فالأجدر ألا نستعجل الحكاية، ولا نحاكم اللون، ولا نعدّ السنوات. لعلّها لا ترتدي سوادًا، بل ترتدي ليلًا تعرف فيه نجومها؛ ولعلّها لا تخفي عمرها، بل تحفظه كما يحفظ المؤمن نعمةً مرّت به وعبرةً أنقذته؛ ولعلّ الشيب الذي في شعرها ليس رمادًا، بل فجرٌ تسرّب إلى الرأس بعد ليالٍ طويلة. لا تقولوا: مضى جمالها؛ فالجمال الذي يمضي هو ما كان رهين النظرة الأولى، أما جمالها فقد عبر من العين إلى القلب، ومن الصورة إلى السيرة، ومن الزينة إلى السكينة. هنا امرأةٌ لم يكتمل وجهها وحده، بل اكتمل وعيها، ولم تنضج ملامحها وحدها، بل نضجت روحها؛ وهنا امرأةٌ لا يطفئها الأسود، لأنه ليس عليها لونًا فحسب، بل فيها معنى.
طه دخل الله عبد الرحمن
البعنه == الجليل
14/09/2026
********************
القصيدة:
الأربعينية باللون الأسود
الأربعينية باللون الأسود.
ليست حزنا.
ولا امرأة أطفأت عمرها.
كما يظن العابرون.
هي امرأة.
تعرف كيف تمشي بثبات.
حين تتعثر الخطوات.
وكيف تخفي وجعها.
خلف ابتسامة لا تشبه الانكسار.
الأربعينية باللون الأسود.
تشبه الليل حين يزداد جمالا.
وتشبه القهوة حين يكتمل مذاقها.
وتشبه وردة.
تعلمت من الريح.
أن لا تنحني إلا للعطر.
في الأربعين.
لا تبحث المرأة عن رجل.
يصفق لجمالها.
بل عن قلب.
يفهم صمتها.
ويحترم تعب السنين في عينيها.
ويعرف أن خلف هدوئها.
حكايات لا يقرأها إلا من أحب بصدق.
هي لا تخاف المرآة.
فالمرآة عندها لم تعد خصما.
بل شاهدة على عمر.
عاشته بكل تفاصيله.
في عينيها.
أحلام تأخرت.
وأحلام لم تمت.
وفي قلبها.
طفلة صغيرة.
ما زالت تؤمن.
أن أجمل الأشياء.
قد تأتي متأخرة.
الأربعينية باللون الأسود.
ليست نهاية الأنوثة.
بل بداية المعنى.
ففي العشرين.
قد يلفت الجمال الأنظار.
وفي الثلاثين.
تتسع التجربة.
أما في الأربعين.
فتعرف المرأة.
أن قيمتها ليست في أن يراها الجميع.
بل في أن يراها الإنسان الصحيح.
كما هي.
بروحها وعقلها وندوبها وضحكتها.
يا امرأة الأربعين.
لا تعتذري عن عمرك.
ولا تخفي خصلاتك البيضاء.
فكل شعرة منها.
حكاية انتصار.
وكل خط في وجهك.
صفحة من كتاب الحياة.
ارتدي الأسود إن أحببت.
فهو لا يطفئك.
بل يمنح حضورك هيبة.
فالأسود عليك.
ليس لون الحداد.
بل لون امرأة.
عرفت الحياة جيدا.
فلم تعد تنبهر بالبريق.
ولا تغريها الكلمات.
ولا تراهن على الوعود.
الأربعينية باللون الأسود.
امرأة لا تقرأ من النظرة الأولى.
ولا تختصر في عمر.
ولا تقاس بملامح عابرة.
هي وطن صغير.
من الذكريات.
ومدينة من التجارب.
وقلب رغم كل ما مر به.
ما زال قادرا على الحب.
فإذا رأيتها في الأربعين.
لا تقل.
مضى جمالها.
بل قل.
هنا امرأة.
اكتمل جمالها.
بقلمي عون البحيصي
14/09/2026



#طه_دخل_الله_عبد_الرحمن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأثر
- من جامعة الحياة إلى محراب البيان: سيرة قلمٍ لا ينطفئ ‏‎=‏ خل ...
- قراءة لقصيدة - حينَ يَرْتَقِي الكَلِمُ – للشاعرة الدكتورة سل ...
- قراءة لحكاية - من حيث توقفنا – للكاتبة الأستاذة عاتكة الياسر ...
- قراءة للقصة القصيرة – العدو – للقاصة الأستاذة الهام عيسى 6-9 ...
- قراءة للقصة القصيرة – أخر مرة – للكاتبة الأستاذة فاطمة حرفوش ...
- قراءة لقصيدة - شَيْءٌ يُشْبِهُ الأَمَان – للشاعرة الدكتورة س ...
- دراسة «تحت سقف السماء» للقاصة كوثر حسن جعفر 31-8-2026 بلاغةُ ...
- طقوسُ الشاي المُقدَّسة
- قراءة تأويلية في جماليات النص الشعري وبلاغة التردّد الوجودي ...
- قراءة لقصيدة – خيوط العنكبوت – للأستاذ الدكتور فهد المحمد ال ...
- وتستمر الحكمة في النقد السامق لأضع بين ايديكم اعزائي ما جادة ...
- قِرَاءَةُ فِي مُعَلَّقَةٍ الْوَفَاء الْكُبْرَى لِلْأُسْتَاذ ...
- قراءة للمقطع الشعري – عيون – للأستاذة الناقدة نافلة مرزوق ال ...
- قراءة لقصيدة – أحبّكِ – للدكتورة آمال بوحرب
- شكر وامتنان لمرفأ الابداع والأستاذ سعيد محتال – جليس الشهر ف ...
- الحوار الثقافي الذي دار بين الدكتور عبد الكريم الحلو صاحب ال ...
- قراءتان لقصيدتان – سل النجوم وطفح الحب
- قراءة لقصيدة - رُبَاعِيَّاتُ محمد سليط من وجعِ الِخرْطُوم – ...
- سِفرُ الياسمين: فيروز والوحي القادم من الشرفة


المزيد.....




- الممثل الروسي يورا بوريسوف يشارك في بطولة -أرينا-.. أول تجرب ...
- على عتبة دمشق.. أصالة تلم شمل السوريين في ألبوم من 14 أغنية. ...
- عصر الترجمة الذكية.. مطالب في الصين بتقليص تدريس الإنجليزية ...
- اللغة العربية وتحدّيات التكنولوجيا
- أثر الثقافة في التربية: بين الحزم والعقاب.. كيف ندير الصف؟
- الثقافة بين أجيال القدس: هل ما زالت تجمعنا؟
- في رحاب بغداد وفوق مياه النيل!
- بـ14 جائزة.. مسلسل -ويدوز باي- يحطم الرقم القياسي في جوائز إ ...
- -حبوب السعادة- التي تحولت إلى لعنة.. تقرير جديد يكشف سبب وفا ...
- فيلم -نازا- الإسرائيلي يفضح -أسطورة الجيش الأخلاقي- و-هآرتس- ...


المزيد.....

- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - قراءة لقصيدة - الأربعينية باللون الأسود – الأستاذ الشاعر عون البحيصي 14-9-2026 الأسودُ حينُ يضيء: في فلسفة النضج وقداسة الأنوثة