أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - دراسة «تحت سقف السماء» للقاصة كوثر حسن جعفر 31-8-2026 بلاغةُ الشتاتِ وجمالياتُ المقاومةِ السردية: مقاربةٌ تأويليةٌ تفكيكيةٌ في أنساقِ الوجعِ الإنسانيِّ وتجلياتِه الفنية. إعداد: الناقد طه دخل الله عبد الرحمن.















المزيد.....



دراسة «تحت سقف السماء» للقاصة كوثر حسن جعفر 31-8-2026 بلاغةُ الشتاتِ وجمالياتُ المقاومةِ السردية: مقاربةٌ تأويليةٌ تفكيكيةٌ في أنساقِ الوجعِ الإنسانيِّ وتجلياتِه الفنية. إعداد: الناقد طه دخل الله عبد الرحمن.


طه دخل الله عبد الرحمن

الحوار المتمدن-العدد: 8816 - 2026 / 9 / 2 - 09:03
المحور: الادب والفن
    


مقدمة الدراسة
بسم الله الرحمن الرحيم
«الحكايةُ وطنٌ مَن لا وطنَ له، والكتابةُ سماءٌ مَن ضاقتْ به الأرضُ، والسردُ صلاةُ مَن أثقلتْهُ الذنوبُ فلم يجدْ ملاذًا إلا الكلمة»
تمهيدٌ منهجيٌّ: في الحاجةِ إلى قراءةِ الوجعِ قراءةً تليقُ به
حين نُقبلُ على نصٍّ أدبيٍّ ينهضُ من رحمِ الأزمةِ السوريةِ المعاصرة، نجدُ أنفسَنا أمامَ مسؤوليةٍ مزدوجةٍ: مسؤوليةِ فهمِ النصِّ بوصفِه بنيةً فنيةً تستحقُّ التفكيكَ والتحليلَ والتأويل، ومسؤوليةِ الإصغاءِ إلى الشهادةِ الإنسانيةِ التي يحملُها النصُّ بين سطورِه وشخوصِه وأماكنِه.
والمجموعةُ القصصيةُ «تحت سقف السماء» للقاصةِ والروائيةِ السوريةِ كوثر حسن جعفر تقفُ في منطقةٍ بينيةٍ فريدة: فهي من جهةٍ وثيقةُ وجعٍ تسجلُ مأساةَ الإنسانِ السوريِّ في زمنِ الحربِ والزلزالِ والشتات، وهي من جهةٍ أخرى مشروعٌ جماليٌّ طموحٌ يحاولُ أن يحوّلَ هذا الوجعَ إلى مادةٍ فنيةٍ تستحقُّ التأملَ والقراءةَ المتأنية.
ولذلك، لم يكنْ اختيارُنا لهذه المجموعةِ للدراسةِ النقديةِ اختيارًا اعتباطيًّا، بل كان استجابةً لحاجةٍ منهجيةٍ ملحة: الحاجةِ إلى قراءةِ السردِ النسائيِّ السوريِّ الجديدِ قراءةً تتجاوزُ الانطباعيةَ إلى المنهجية، وتتجاوزُ التحريضَ السياسيَّ إلى التفكيكِ الفني، وتتجاوزُ الشفقةَ المجانيةَ إلى الفهمِ العميق.
وقد فرضتْ علينا طبيعةُ هذه النصوصِ بمتاهاتِها الرمزيةِ، وتعددِ أصواتِها، وتمزقِ زمانِها ومكانِها أن نختارَ منهجًا نقديًّا مركبًا يمزجُ بين:
· السردياتِ البنيويةِ كما صاغَها جيرار جينيت في «خطابِ الحكاية»، وتزفيتان تودوروف في «الشعرية»، ورولان بارت في «مدخلٍ إلى التحليلِ البنيويِّ للقصص» — لفهمِ البنياتِ السرديةِ العميقةِ من شخصياتٍ وزمنٍ ومكانٍ وتبئيرٍ وحبكة.
· التأويليةِ (الهرمنيوطيقا) كما أسسَها بول ريكور في «الزمنُ والحكاية»، وهانز غادامر في «الحقيقةُ والمنهج» — لاستجلاءِ الرموزِ وفتحِ النصوصِ على أبعادِها الدلاليةِ الخفية.
· التفكيكيةِ كما طوّرَها جاك دريدا — لكشفِ الثنائياتِ الضديةِ المتنازعةِ داخلَ النصوصِ وبيانِ كيف يتقوَّضُ كلُّ مركزٍ دلاليٍّ ليفتحَ النصَّ على تعدديةٍ لا نهائية.
· النقدِ الثقافيِّ كما مارسه إدوارد سعيد وهومي بابا — لفهمِ أنساقِ القمعِ واستراتيجياتِ المقاومةِ في النصوصِ السردية.
وهذا المنهجُ المركبُ ليس ترفًا أكاديميًّا ولا استعراضًا منهجيًّا، بل هو ضرورةٌ معرفيةٌ تفرضُها طبيعةُ النصوصِ المدروسةِ نفسُها؛ فنصوصُ كوثر حسن جعفر هجينةٌ بامتياز: تجمعُ بين الواقعيِّ التسجيليِّ والرمزيِّ الأسطوريِّ، وبين المحليِّ الضيقِ والإنسانيِّ الواسعِ، وبين السياسيِّ المباشرِ والوجوديِّ العميقِ، وبين الذكوريِّ المسكوتِ عنه والأنثويِّ المصرحِ به.
وهذه الهجنةُ الفنيةُ هي — في تقديرِنا — السرُّ الجماليُّ الذي يجعلُ من هذه المجموعةِ نصًّا مفتوحًا على التأويلِ لا ينضبُ معناه، ومتعددًا لا تُستنفدُ دلالاتُه، وحيًّا لا يموتُ مع كلِّ قراءةٍ جديدةٍ بل يتجددُ ويكتسبُ أبعادًا جديدة.
التعريفُ بالقاصةِ والروائيةِ كوثر حسن جعفر
الاسمُ والهويةُ الأدبية
كوثر حسن جعفر قاصةٌ وروائيةٌ سوريةٌ تعيشُ في صدرِ المشهدِ الثقافيِّ السوريِّ بوصفِها صوتًا نسائيًّا متميزًا يكتبُ الوجعَ الإنسانيَّ بلغةٍ شعريةٍ رفيعةٍ ونفسٍ سرديٍّ طويل.
تنتمي الكاتبةُ إلى جيلِ الكاتباتِ السورياتِ اللواتي تشكلتْ وعيُهنَّ الأدبيُّ في ظلِّ الحربِ وما بعدَها، فحملنَ مسؤوليةَ الشهادةِ عبر الكتابة، وحاولنَ كلٌّ بطريقتِها أن يجعلنَ من السردِ فعلَ مقاومةٍ ضدَّ النسيان، وفعلَ حياةٍ ضدَّ الموت، وفعلَ جمالٍ ضدَّ القبح.
والكاتبةُ مثلُ جيلِها لا تكتبُ من برجٍ عاجيٍّ منعزلٍ عن العالم، بل تكتبُ من قلبِ الأحداثِ ومن روحِ المعاناةِ ومن ذاكرةِ الشتاتِ؛ ولذلك فإن نصوصَها تتنفسُ هواءَ الواقعِ الملوثَ بالدخانِ والغبارِ والدموع، وتشربُ ماءَ الحياةِ الممزوجَ بالدمِ والوجعِ والفقد.
البداياتُ الأدبيةُ والتطورُ الإبداعي
بدأت كوثر حسن جعفر مسيرتَها الأدبيةَ قاصةً، قبل أن تنتقلَ إلى الروايةِ ثم تعودَ إلى القصةِ القصيرةِ مجددًا. وهذا التنقلُ بين الأجناسِ الأدبيةِ ليس تذبذبًا بل هو ثراءٌ إبداعيٌّ يعكسُ قدرةَ الكاتبةِ على التكيفِ مع متطلباتِ كلِّ جنسٍ أدبيٍّ، وعلى استثمارِ إمكاناتِ كلِّ شكلٍ سرديٍّ فيما يناسبُ رؤيتَها الفنية.
الإنتاجُ الأدبيُّ السابق
أولًا: مجموعةُ «حكايا الياسمين» (2019) — البدايةُ القصصيةُ الواعدة
صدرتْ مجموعتُها القصصيةُ الأولى «حكايا الياسمين» عام 2019 عن دار شلير السورية.
والعنوانُ نفسُه — «حكايا الياسمين» — يحملُ دلالةً رمزيةً عميقة؛ فالياسمينُ زهرةٌ دمشقيةٌ بامتياز، وهو عند السوريينَ رمزُ الوطنِ ورمزُ الذاكرةِ ورمزُ الجمالِ المقاومِ للقبحِ والدمار. وفي اختيارِ الكاتبةِ لهذا العنوانِ إعلانٌ مبكرٌ عن هويةِ مشروعِها الأدبيِّ: إنها تكتبُ عن الياسمينِ السوريِّ — عن الجمالِ الذي يرفضُ أن يذبلَ في زمنِ الحرب، وعن الحياةِ التي تصرُّ على أن تستمرَّ رغمَ الموت.

وقد شكلتْ هذه المجموعةُ الأساسَ الفنيَّ الذي بُنيت عليه تجربتُها اللاحقةُ في القصةِ القصيرة، إذ حضرت فيها — بشكلٍ جنينيٍّ — الموضوعاتُ والتقنياتُ التي ستتطورُ لاحقًا في «تحت سقف السماء»: الاهتمامُ بالشخصياتِ المهمشة، والميلُ إلى الشعريةِ العالية، والحسُّ الإنسانيُّ العميق.
ثانيًا: روايةُ «سموات الحزن» (2024) — الانتقالُ إلى الرواية
صدرتْ روايتُها الأولى «سموات الحزن» عام 2024 عن دار ببلومانيا المصرية.
والعنوانُ هنا أيضًا كاشفٌ دلاليٌّ عن رؤيةِ الكاتبة: فالجمعُ بين «سموات» و«الحزن» في تركيبٍ إضافيٍّ واحدٍ يوحي بأن الحزنَ في تجربةِ الكاتبةِ ليس شعورًا عابرًا، بل هو كيانٌ واسعٌ متعددُ الطبقاتِ والدرجات، له «سمواتٌ» تتسعُ لكلِّ أشكالِ الوجعِ الإنسانيِّ.
وفي هذه الروايةِ، انتقلتْ الكاتبةُ من ضغطِ القصةِ القصيرةِ إلى انفساحِ الروايةِ، مما أتاحَ لها مساحةً أوسعَ لبناءِ الشخصياتِ وتطويرِ الأحداثِ وتعميقِ الرؤيةِ الفلسفية. وقد شكلتْ هذه الروايةُ نقطةَ تحولٍ في مسيرتِها الأدبية، إذ أكسبتها خبرةً في إدارةِ النفَسِ السرديِّ الطويلِ وتنظيمِ الموادِ الحكائيةِ المتعددةِ.
ثالثًا: أعمالٌ قيدَ الطبعِ ونشاطٌ ثقافيٌّ مستمر
لم تكتفِ الكاتبةُ بما صدرَ لها، بل لديها كما تشيرُ سيرتُها الذاتيةُ عملانِ روائيانِ ومجموعةٌ قصصيةٌ تنتظرُ الطبعَ، مما يدلُّ على غزارةٍ إنتاجيةٍ ودأبٍ إبداعيٍّ لا يتوقف.
وللكاتبةِ حضورٌ ثقافيٌّ فاعلٌ في المشهدِ الأدبيِّ السوريِّ والعربيِّ، إذ تنشرُ أعمالَها في المجلاتِ والمواقعِ الثقافيةِ المتعددة، ولها زاويتُها الخاصةُ في موقع فن ومدن الثقافيِّ، التي تنشرُ فيها إبداعاتِها وتجري حواراتٍ صحفيةً مع الزملاءِ الكتاب، مما يجعلُها فاعلةً ثقافيةً لا مجردَ كاتبةٍ منعزلةٍ عن محيطِها الثقافي.
الإصدارُ موضعُ الدراسةِ: «تحت سقف السماء» (2026)
بطاقةٌ تعريفيةٌ بالمجموعة
· العنوان: تحت سقف السماء
· المؤلفة: كوثر حسن جعفر
· التصنيف: مجموعة قصصية
· دار النشر: ديوان العرب المصرية
· سنة الإصدار: 2026
· القياس: 20/14
· عدد الصفحات: 102
· رقم الإيداع: 2026/16360
· الترقيم الدولي (ISBN): 978-977-971-397-7
· التدقيق اللغوي: فريق ديوان العرب
· تصميم الغلاف: شيماء منير
· التنسيق والإخراج: فريق ديوان العرب
الإهداء
«إلى ماغي – صديقتي الكاتبة تورين عكاش مصطفى
يا امتداد حزني النبيل»
في أهميةِ هذه المجموعةِ وموقعِها
تأتي «تحت سقف السماء» في لحظةٍ حرجةٍ من تاريخِ السردِ العربيِّ عمومًا والسوريِّ خصوصًا: لحظةٍ تكادُ فيها رواياتُ الحربِ وقصصُها أن تتحولَ إلى جنسٍ أدبيٍّ مستهلكٍ يكررُ نفسَه ويستنزفُ موضوعاتِه، بعدما كُتبت عشراتُ الأعمالِ عن الحربِ السوريةِ والزلزالِ والنزوحِ واللجوء.
لكن ما يميزُ هذه المجموعةَ — ويجعلُها جديرةً بالدراسةِ — هو أنها لا تكررُ ما كتبَه الآخرون، بل تقدمُ معالجةً مختلفةً للوجعِ السوريِّ:
1. من حيثُ الموضوع: لا تركزُ المجموعةُ على البُعدِ السياسيِّ المباشرِ للحرب، بل على البُعدِ الإنسانيِّ العميقِ للتجربة: الجسدُ المعذب، والروحُ المتعبة، والبيتُ المهدم، والذاكرةُ المحروقة، والأملُ الذي يرفضُ أن يموت.
2. من حيثُ الشخصيات: لا تحتفي المجموعةُ بـ الأبطالِ الكبارِ — المقاتلين والسياسيين والثوار — بل بـ الأبطالِ الصغارِ: المرأةِ المهمشة، والطفلِ المتسول، والعجوزِ المنهكة، والسجينِ البريء، والمعتقَلِ ظلمًا، والفقيرِ الذي يحلمُ بطبقِ «لحمٍ بالكرز».
3. من حيثُ الأسلوب: تتجاوزُ المجموعةُ السردَ التقريريَّ المباشرَ إلى الكتابةِ الشعريةِ التي تجعلُ من الوجعِ مادةً جماليةً تستحقُّ التأملَ لا الاستهلاك.
4. من حيثُ الرؤية: ترفضُ المجموعةُ اليأسَ المطلقَ والتفاؤلَ الزائفَ معًا، لتقفَ في منطقةٍ بينيةٍ تجعلُ من الأملِ رهانًا لا يقينًا، ومن الحياةِ مقاومةً لا استسلامًا.
ولذلك، فإن دراسةَ هذه المجموعةِ ليست مساهمةً أكاديميةً في فهمِ نصٍّ أدبيٍّ واحدٍ فقط، بل هي في العمقِ مساهمةٌ في فهمِ التجربةِ الإنسانيةِ السوريةِ في أعمقِ تجلياتِها وأشدِّها إيلامًا وأعلاها صمودًا.
إشكاليةُ الدراسةِ وأسئلتُها المحورية
تنطلقُ هذه الدراسةُ من إشكاليةٍ محوريةٍ يمكنُ صياغتُها في السؤالِ الآتي:
كيف تنجحُ المجموعةُ القصصيةُ «تحت سقف السماء» لِكوثر حسن جعفر في تحويلِ الوجعِ الإنسانيِّ السوريِّ إلى مادةٍ فنيةٍ جماليةٍ، دونَ السقوطِ في التقريريةِ أو الوعظيةِ أو الاستغلالِ العاطفيِّ للمأساة؟
ومن هذه الإشكاليةِ المركزيةِ تتفرعُ أسئلةٌ فرعيةٌ:
1. ما البنياتُ السرديةُ التي توظفُها المجموعةُ لبناءِ عالَمِها القصصيِّ؟
2. كيف تشتغلُ العتباتُ النصيةُ (العنوان، الإهداء، عناوين القصص) على توجيهِ القراءةِ وصناعةِ الأفقِ التأويليّ؟
3. ما الاستراتيجياتُ اللغويةُ والأسلوبيةُ التي تحوّلُ الوجعَ إلى جمالٍ؟
4. ما الرؤيةُ الفكريةُ والفلسفيةُ التي تطرحُها المجموعةُ حولَ قضايا الحريةِ والموتِ والهويةِ والإيمان؟
5. ما موقعُ هذه المجموعةِ من تجربةِ الكاتبةِ ومن سياقِ القصةِ العربيةِ المعاصرة؟
توزيعُ الدراسةِ ومباحثُها
انتظمت الدراسةُ في خمسةِ مباحثَ متضافرة:
المبحث الأول: العتباتُ النصيةُ — من العنوانِ إلى الإهداءِ، بواباتُ التأويلِ الأولى.
المبحث الثاني: البنياتُ السرديةُ — تفكيكُ العالمِ القصصيِّ وإعادةُ تركيبه (الشخصيات، الزمن، المكان، التبئير، الحبكة).
المبحث الثالث: الأسلوبُ واللغةُ — بلاغةُ الوجعِ وجمالياتُ الانكسار (المعجم، الصورة، الإيقاع، التناص، المفارقة).
المبحث الرابع: الرؤيةُ الفكريةُ والفلسفيةُ — أنطولوجيا الوجعِ وفينومينولوجيا الأمل.
المبحث الخامس: التقييمُ الجماليُّ — بين الإبداعِ والهفوات، مع تحديدِ موقعِ المجموعةِ من سياقِها الأدبي.
ثم ختمنا الدراسةَ بـ خاتمةٍ تركيبيةٍ تلخصُ النتائجَ وتفتحُ آفاقًا للدراساتِ المستقبلية، مع جداولَ تحليليةٍ مقارنةٍ وتوصياتٍ بحثيةٍ إضافية.
كلمةُ شكرٍ وعرفان
لا يسعُنا في ختامِ هذه المقدمةِ إلا أن نتقدمَ بجزيلِ الشكرِ وعميقِ الامتنانِ للقاصةِ والروائيةِ كوثر حسن جعفر، التي منحتنا عبر مجموعتِها القصصيةِ هذه فرصةً ثمينةً للاقترابِ من الوجعِ الإنسانيِّ السوريِّ بوصفِه مادةً فنيةً تستحقُّ التأملَ والدراسة، وبوصفِه شهادةً إنسانيةً تذكرُنا في زمنِ الصمتِ والنسيانِ أن الكلمةَ ما زالت قادرةً على أن تكونَ فعلَ مقاومةٍ وصلاةَ أملٍ ونافذةَ ضوءٍ في جدارِ العتمة.
كما نتقدمُ بالشكرِ لـ دار ديوان العرب المصرية على إصدارِها لهذا العملِ الجادِّ، وعلى التزامِها بنشرِ الأدبِ السوريِّ المعاصرِ الذي يستحقُّ أن يصلَ إلى القارئِ العربيِّ في كلِّ مكان.
وأخيرًا
إننا إذ نقدمُ هذه الدراسةَ النقديةَ، لنأملُ أن تكونَ مساهمةً متواضعةً في بناءِ نقدٍ عربيٍّ جادٍّ يتجاوزُ الانطباعيةَ إلى المنهجية، ويتجاوزُ التحريضَ إلى الفهم، ويتجاوزُ الإقصاءَ إلى الحوار.
فالأدبُ في نهايةِ المطافِ حوارٌ مستمرٌّ بين النصِّ والقارئ، بين الماضي والحاضر، بين الوجعِ والأمل، بين السماءِ والأرض.
وما هذه الدراسةُ إلا صوتٌ في هذا الحوارِ، يحاولُ أن يكونَ صوتًا مستمعًا قبل أن يكونَ صوتًا متكلمًا، وأن يكونَ صوتًا فاهمًا قبل أن يكونَ صوتًا حاكمًا.
فإلى القراءةِ وإلى الحوار وإلى الحياةِ التي لا تموتُ ما دامت الكلمةُ حية.
واللهُ وليُّ التوفيقِ والسدادِ
والحمدُ للهِ ربِّ العالمين
الدراسة النقدية
بعد أن مهّدنا في المقدمةِ لِما نحنُ بصدَدِه، وبيّنّا الإشكاليةَ المحوريةَ التي تنهضُ عليها هذه الدراسة، وعرّفنا بالقاصةِ كوثر حسن جعفر وأعمالِها السابقةِ التي شكّلتْ اللبِناتِ الأولى لمشروعِها الأدبيِّ المتصاعد، ننتقلُ الآن إلى صلبِ الدراسةِ ومباحثِها الخمسةِ، متخذين من المنهجِ المركّبِ الذي أعلنّاه في المقدمةِ عدةً نقديةً نشتغلُ بها على تفكيكِ النصوصِ وإعادةِ تركيبِها، في محاولةٍ جادةٍ لاستجلاءِ الطبقاتِ الدلاليةِ العميقةِ التي تنهضُ عليها المجموعةُ القصصيةُ «تحت سقف السماء».
المبحث الأول
العتباتُ النصيةُ: من البوابةِ إلى المعبدِ السردي
«العتبةُ ليست مجردَ مدخلٍ، بل هي أولُ تأويلٍ يفرضُه النصُّ على قارئِه»
أولًا: العنوانُ الرئيسُ «تحت سقف السماء» شعريةُ السقفِ وبلاغةُ الانتماءِ المستحيل
لا يمكنُ لدارسٍ فطنٍ أن يتجاوزَ عنوانَ المجموعةِ بوصفِه عتبةً نصيةً أولى تُفضي إلى العالَمِ التخييليِ الذي تنسجُه القاصةُ بحذقٍ وإتقان؛ فالعنوانُ في الأعمالِ الأدبيةِ الجادةِ ليس تسميةً عابرةً ولا وشيًا زائدًا، بل هو مفتاحٌ ذهبيٌّ يُفتحُ به بابُ المعنى، وعدسةٌ تأويليةٌ يتحددُ من خلالِها مسارُ القراءة، وبؤرةٌ دلاليةٌ تتكثفُ فيها رؤيةُ النصِّ وفلسفتُه الكبرى.
وإذا تأملنا عنوانَ المجموعةِ «تحت سقف السماء» وجدنا أنفسَنا أمامَ تركيبٍ إضافيٍّ يبدو في ظاهرِه بسيطًا، لكنه في عمقِه ينبضُ بالتوترِ الدلاليِّ ويختزنُ رؤيةً وجوديةً مركبةً.
أ. المفارقةُ البنيويةُ في العنوان:
إن الجمعَ بين «السقفِ» و«السماءِ» في تركيبٍ واحدٍ يخلقُ مفارقةً بلاغيةً من الطرازِ الرفيع:
· السقفُ في المتداولِ اللغويِّ والثقافيِّ هو ما يسترُ ويظللُ ويحمي ويحدُّ، وهو رمزُ الأمانِ والانتماءِ والاستقرارِ والمأوى.
· السماءُ في المقابلِ هي ما لا يُحدُّ ولا يُسقفُ ولا يُحاطُ، وهي فضاءُ الانطلاقِ والتحررِ واللاانتماءِ واللامحدود.
فكيف يكونُ للسماءِ سقف؟ وكيف يُسقفُ ما لا سقفَ له؟ وهل السقفُ هنا حمايةٌ أم سجن؟ وهل السماءُ هنا انطلاقٌ أم انكشاف؟
إن العنوانَ بهذا المعنى يفككُ نفسَه بنفسِه، ويقترحُ على القارئِ منذ اللحظةِ الأولى قراءةً تفكيكيةً لا تكتفي بما يبدو ظاهرًا، بل تنفذُ إلى ما يكمنُ خلفَ الظاهرِ من تناقضاتٍ والتباساتٍ وأسئلةٍ مفتوحة.
ب. الدلالةُ الوجوديةُ للعنوان:
إن التركيبَ العنوانيَّ «تحت سقف السماء» يختزلُ الجدلَ الوجوديَّ الكبيرَ الذي تدورُ حوله المجموعةُ كلُّها: جدلُ الانغلاقِ والانفتاح، والاحتجازِ والانطلاق، والقهرِ والأمل، والموتِ والحياة، والعبوديةِ والحرية.
فالشخصياتُ في هذه المجموعةِ تعيشُ جميعُها تحت سقفِ السماءِ بمعنيين متضادين:
· المعنى الأول: هي تعيشُ تحتَ سقفٍ مفروضٍ عليها — سقفِ السجنِ والفقرِ والقهرِ والظلمِ والعرفِ الاجتماعيِّ — أي تحتَ سقفِ السماءِ بوصفِه سقفًا خانقًا يحدُّ من حريتِها ويكبّلُ إرادتَها.
· المعنى الثاني: هي تعيشُ تحتَ سماءٍ مفتوحةٍ بلا سقفٍ يحميها — سماءِ الشتاتِ والنزوحِ والتشرُّدِ واللاانتماءِ — أي تحتَ سماءٍ لا توفرُ لها حتى الحدَّ الأدنى من الأمانِ والمأوى.
وبين هذين المعنيين المتضادين، تتحركُ شخصياتُ المجموعةِ في فضاءٍ حدوديٍّ ملتبس: لا هي تملكُ سقفًا يحميها، ولا هي تملكُ سماءً تطلقُها. إنها معلقةٌ بين سقفٍ خانقٍ وسماءٍ مفتوحةٍ على كلِّ شيءٍ ولا شيء.
ج. الدلالةُ الروحيةُ والرمزيةُ للسماء:
ولفظةُ «السماءِ» في الثقافةِ العربيةِ والإسلاميةِ تحملُ بُعدًا روحيًّا عميقًا؛ فالسماءُ موضعُ القبولِ والدعاءِ والرحمةِ والتنزُّلِ الإلهيِّ، وهي في القرآنِ الكريمِ مقرونةٌ بـ الأرضِ في غيرِ موضعٍ بوصفِهما آيتين من آياتِ الله.
وبهذا المعنى، يكونُ الإنسانُ في هذه المجموعةِ — على قسوةِ حياتِه ومرارةِ عذابِه — في حضرةِ السماءِ دائمًا، أي في حضرةِ إلهٍ قد لا يتدخلُ لإنقاذِه، لكنه يظلُّ حاضرًا بوصفِه شاهدًا، أو أملًا، أو سؤالًا مفتوحًا.
وهذا ما يفسرُ الالتجاءَ المتكررَ للشخصياتِ إلى الصلاةِ والدعاءِ والنظرِ إلى السماءِ في لحظاتِ الشدة: إنها تبحثُ في السماءِ عما لا تجدُه في الأرضِ: عن عدلٍ غائب، ورحمةٍ مفقودة، وأمانٍ مستحيل.
ثانيًا: الإهداءُ — «إلى ماغي... يا امتدادَ حزني النبيل»
الإهداءُ في هذه المجموعةِ ليس مجاملةً أدبيةً عابرة، بل هو نصٌّ موازٍ يحملُ دلالاتٍ عميقةً تستحقُّ الوقوفَ عندها طويلًا.
أ. الإهداءُ بوصفِه اعترافًا وجوديًّا:
«إلى ماغي – صديقتي الكاتبة تورين عكاش مصطفى — يا امتدادَ حزني النبيل»...
في هذا الإهداءِ يتحولُ الحزنُ من كونهِ شعورًا سلبيًّا إلى قيمةٍ جماليةٍ وأخلاقيةٍ عليا:
· الحزنُ النبيلُ هو حزنُ التضامنِ الإنسانيِّ لا حزنُ الانغلاقِ الفردي.
· الحزنُ النبيلُ هو حزنُ الذاكرةِ الجمعيةِ التي لا تنسى ضحاياها.
· الحزنُ النبيلُ هو حزنُ الكتابةِ التي ترفضُ أن تتحولَ إلى مجردِ ترفٍ جماليٍّ منفصلٍ عن معاناةِ البشر.
والصديقةُ «ماغي» — في هذا السياق — ليست مجردَ متلقيةٍ للإهداء، بل هي امتدادٌ للذاتِ الكاتبةِ: إنها تلك الذاتُ الأخرى التي تشاركُ الكاتبةَ وجعَها وحزنَها وكتابتَها. وفي هذا تحويلٌ للصداقةِ من علاقةٍ اجتماعيةٍ إلى انصهارٍ وجوديٍّ عميق.
ب. البُعدُ النسويُّ التضامنيُّ في الإهداء:
الإهداءُ من امرأةٍ كاتبةٍ إلى امرأةٍ كاتبةٍ، وفي هذا إعلانٌ ضمنيٌّ بأن الكتابةَ النسائيةَ تنهضُ على تضامنٍ وجدانيٍّ يتجاوزُ التنافسَ والغيرةَ إلى فضاءٍ من الأخوةِ الروحية.
وهذا ما يضعُ المجموعةَ منذ البدايةِ تحت سلطةِ التضامنِ الأنثويِّ، ويقترحُ على القارئِ أن يدخلَ إلى النصوصِ بوصفِه مشاركًا في هذا الحزنِ النبيل، لا متفرجًا عليه.
ثالثًا: عناوينُ القصصِ — خرائطُ الوجعِ ومفاتيحُ الحكايات
إذا تأملنا عناوينَ القصصِ الإحدى عشرةَ التي تضمُّها المجموعةُ، وجدناها تشكلُ بنيةً دلاليةً متكاملةً تعكسُ رؤيةَ المجموعةِ وتكشفُ عن خريطةِ الوجعِ التي ترسمُها:
أ. عناوينُ المكانِ المغلقِ:
· «منزل رقم 111»: الرقمُ 111 يوحي بثلاثيةِ الوحدةِ والانغلاقِ والأبديةِ. إنه عنوانٌ يحوّلُ المنزلَ — رمزَ الدفءِ والأمانِ — إلى سجنٍ، ويحوّلُ الأرقامَ إلى قدرٍ لا مفرَّ منه. وتفسيرُ عواطفَ للرقمِ بأنه يعني «سجنًا مؤبدًا» يعززُ هذه الدلالةَ القاتمة.
· «دكان في الجنة»: جمعٌ متناقضٌ بين المكانِ الأرضيِّ النفعيِّ (الدكان) والفضاءِ السماويِّ المقدسِ (الجنة). إنه عنوانٌ يكشفُ عن المخيلةِ الطفوليةِ التي لا تستطيعُ أن تتصورَ الجنةَ إلا بوصفِها دكانًا كبيرًا ملآنًا بالسكاكرِ والمدافئ، في سخريةٍ مرةٍ من الفقرِ الذي يطبعُ حتى الأحلامَ بطابعِه.
ب. عناوينُ الجسدِ المجروحِ:
· «تاء مربوطة»: عنوانٌ لغويٌّ خالصٌ يحيلُ إلى علامةِ التأنيثِ في اللغةِ العربية. لكنه في سياقِ القصةِ يتحولُ إلى رمزٍ وجوديٍّ لوضعيةِ المرأة: فهي «تاءٌ مربوطة» — مقيَّدةٌ بجسدِها وجنسِها وقيمِ المجتمعِ الذكوريِّ — لكنها في النهايةِ تتحولُ إلى تاءٍ مفتوحةٍ على الحياةِ والعلمِ والحرية. إنه من أعمقِ العناوينِ في المجموعةِ وأكثرِها إيحاءً.
· «الناجية الميتة»: عنوانٌ مركبٌ من ضدين، فالنجاةُ والموتُ نقيضانِ لا يجتمعان. لكن الجمعَ بينهما في هذا العنوانِ يعلنُ إماتةَ النجاةِ وانتحارَ المعنى: فما قيمةُ النجاةِ الجسديةِ إذا كان العقلُ قد ماتَ والروحُ قد شاخت؟
ج. عناوينُ المفارقةِ والالتباسِ:
· «سر الإله»: عنوانٌ لاهوتيٌّ يفتحُ على تأويلٍ مزدوجٍ: هل السرُّ هو سرُّ الإلهِ في إنقاذِ الفتى؟ أم هو سرُّ الإلهِ في موتِ الأمِّ ونجاةِ الابن؟ أم أن السرَّ هو سرُّ المحبةِ التي تتجاوزُ المنطقَ البشريَّ لفهمِ العدلِ الإلهيّ؟
· «لحم بالكرز»: عنوانٌ ماديٌّ مباشرٌ يحيلُ إلى طبقِ طعامٍ فاخر. لكنه في سياقِ القصةِ يصبحُ رمزًا للاستحالةِ واستعارةً للفقرِ وكنايةً عن الحبِّ المستحيلِ الذي يسعى الفقيرُ لتحقيقِه فلا يجدُ إلا عظمةً متكسرةً وحلمًا مبعثرًا.
د. عناوينُ الوطنِ والذاكرةِ:
· «ودائع وطن»: العنوانُ يحوّلُ الوطنَ إلى مصرفٍ يُودعُ فيه الأبناءُ أرواحَهم وذكرياتِهم وأحلامَهم. لكن المصرفَ في النهايةِ يُفلِسُ ويتنصلُ من ودائعِه، فيبقى المودِعون بلا رصيد. إنه عنوانٌ يحملُ مرارةً عميقةً ونقدًا مبطّنًا للوطنِ الذي يخذلُ أبناءَه.
· «أحلام طائر الفينيق»: العنوانُ يستدعي الأسطورةَ اليونانيةَ للطائرِ الذي يحترقُ ثم ينهضُ من رمادِه. إنه استعارةٌ كبرى عن قدرةِ الإنسانِ السوريِّ على النهوضِ من تحتِ الركامِ مهما بلغَ الدمار.
وهكذا، تتحولُ العناوينُ مجتمعةً إلى خريطةِ وجعٍ ونوتةِ موسيقيةٍ تعزفُ لحنَ الألمِ الإنسانيِّ في تنويعاتٍ سرديةٍ لا تكادُ تهدأ.
المبحث الثاني
البنياتُ السرديةُ: تفكيكُ العالمِ القصصيِّ وإعادةُ تركيبه
«الشخصيةُ كائنٌ ورقيٌّ يتنفسُ اللغةَ وينزفُ المعنى»
أولًا: الشخصياتُ — من الجسدِ المعذَّبِ إلى الروحِ المقاومة
الشخصيةُ في السردِ ليست مجردَ اسمٍ يُستدعى ليملأَ فضاءَ الحكاية، بل هي كائنٌ ورقيٌّ يتشكلُ عبر أفعالِه وأقوالِه وعلاقاتِه بالشخصياتِ الأخرى وبالعالمِ المحيط. وفي «تحت سقف السماء» نجدُ جردًا بشريًّا غنيًّا يعكسُ هامشَ المجتمعِ السوريِّ في زمنِ الحربِ وما بعدَها.
أ. الشخصيةُ الهامشيةُ الجنسيةُ: عواطف/البلدوزر
عواطفُ — أو البلدوزرُ كما يلقبُها الجيرانُ — تمثلُ الشخصيةَ الأكثرَ تعقيدًا في المجموعةِ كلِّها، إن لم نقلْ في القصةِ العربيةِ المعاصرة.
1. الحدوديةُ الجنسيةُ والوجودية:
وُلدت عواطفُ «بعيبٍ خلقيٍّ... عضوٍ تناسليٍّ يجمعُ عضوين ذكرًا وأنثى في آنٍ واحد»، وهذا ما جعلَها تعيشُ خارجَ التصنيفِ الثنائيِّ (ذكر/أنثى) الذي يُنظمُ المجتمعُ على أساسِه نظرتَه للعالمِ وعلاقاتِه الاجتماعية.
إن هذه الحدوديةَ الجنسيةَ تمنحُ شخصيةَ عواطفَ عمقًا فلسفيًّا استثنائيًّا: إنها تسائلُ — بوجودِها نفسِه — التصنيفاتِ الجاهزةَ التي يفرضُها المجتمعُ على الأفراد، وتكشفُ عن هشاشةِ الثنائياتِ التي تقومُ عليها الثقافةُ الأبوية.
2. الحدوديةُ المهنيةُ والاجتماعية:
عواطفُ — أيضًا — سجانةٌ في سجنِ النساء، أي أنها تعيشُ على الحدِّ بين الحريةِ والسجن، تمارسُ سلطةً لا تعنيها وتمارسُها بمنطقٍ ملتبسٍ يجمعُ بين القسوةِ الظاهريةِ والحمايةِ الخفية.
وهي — ثالثًا — غيرُ متزوجةٍ، مما يجعلُها تعيشُ خارجَ مؤسسةِ الزواجِ التي يقدسُها المجتمع، في عزلةٍ اختياريةٍ حولتْ منزلَها إلى سجنٍ داخليٍّ استمرارٍ لسجنِها المهني.
3. الازدواجيةُ الضمنيةُ: القسوةُ قناعُ الحنان:
العمقُ الحقيقيُّ لهذه الشخصيةِ يتجلى في ازدواجيتِها الضمنيةِ:
· من الخارج: هي «بلدوزر» — قاسيةٌ، ضخمةٌ، ملامحُها عنيفة، مشيتُها تهزُّ الأرض، نظراتُها حادة، حديثُها مقتضب.
· من الداخل: هي «طفلةٌ مدفونةٌ» تحبُّ العصافيرَ وتبكي في سجودِها وتتضرعُ إلى اللهِ بتوسلٍ يخنقُه البكاء.
هذه الازدواجيةُ تجعلُ من عواطفَ تجسيدًا سرديًّا لفكرةِ الوجهِ والقناعِ: القناعُ هو القسوةُ التي يتطلبُها البقاءُ في عالمٍ ظالم، والوجهُ هو الحنانُ الذي لا تجرؤُ على كشفِه إلا في خلوتِها مع الله.
4. الذروةُ التراجيديةُ: الموتُ في المكانِ الضيق
وتتكشفُ ذروةُ تعقيدِها في الخاتمةِ المأساويةِ: حين تموتُ عواطفُ مختنقةً في الحمامِ الذي نسيت سحرُ أن تُصلحَ قفلَه، ندركُ أن القسوةَ التي مارستها عواطفُ ضدَّ سحرَ في السجنِ كانت استراتيجيةَ حمايةٍ لا سلوكًا ساديًّا.
لقد كانت قسوتُها قناعًا أخفت به حبَّها، ولعبتْ دورَ الجلادِ كي تحميَ ضحيتَها من جلادين حقيقيين. لكن القدرَ الساخرَ جعلَها تموتُ في المكانِ الضيقِ الذي كانت تخشاه، مختنقةً كما اختنقت سحرُ يومًا في الزنزانةِ الانفرادية.
وفي هذا تناظرٌ تراجيديٌّ مدهش: الجلادُ يموتُ بموتِ الضحية، والسجانةُ تختنقُ كالسجينة، والحاميةُ تموتُ كما ماتت المحمية.
ب. الشخصيةُ النسائيةُ المعنَّفة: سحرُ والفتاةُ في «تاء مربوطة»
سحرُ في «منزل رقم 111» تمثلُ الضحيةَ البريئةَ التي سُجنت ظلمًا بسببِ شهادتِها على عمليةِ تهريبِ مخطوطاتٍ أثرية. إنها شخصيةٌ تنهضُ على معادلةِ الظلمِ والنجاةِ:
· ظُلمت في السجنِ لكنها نجت من موتٍ محتمٍ في الخارج.
· فقدت حريتَها لكنها اكتسبت حمايةً غيرَ مرئيةٍ من سجانةٍ تحبُّها.
· عاشت سنواتٍ من القسوةِ لكنها اكتشفت أن هذه القسوةَ كانت وجهًا آخرَ للحب.
أما الفتاةُ في «تاء مربوطة» فتمثلُ أوضحَ تجسيدٍ سرديٍّ لقمعِ المرأةِ في المجتمعاتِ الأبوية:
· تُباعُ وهي في الثالثةَ عشرةَ لرجلٍ في الثالثةِ والثلاثين.
· تُزفُّ بثوبٍ أحمرَ شفافٍ جعلَها «شبهَ عارية».
· تُفتضُّ بأمرِ الحاجةِ حسنيةَ التي تنتظرُ خلفَ البابِ دليلَ العذرية.
· تعيشُ في بيتٍ «مسمومٍ» حيث تتحولُ النساءُ إلى «آلاتٍ» للعمل.
لكن الشخصيةَ لا تبقى ضحيةً إلى النهاية؛ فهي تهربُ، وتسافرُ، وتتعلمُ، وتدرسُ القانونَ في جامعةٍ فرنسية، وتقررُ في الختامِ أن تكتبَ قصتَها:
«لأخبرَ الكونَ بأسرهِ أني لم أعدْ تاءً مربوطة... أنا تاءٌ تفتحُ قلبَها وذراعيها لحياةٍ قادمةٍ أجمل»
هذا التحولُ الشخصيُّ من الضحيةِ إلى الشاهدةِ إلى الكاتبةِ هو جوهرُ الرؤيةِ النسويةِ في المجموعة: فالمرأةُ لا تتحررُ بالهروبِ فقط، بل بالشهادةِ والكتابةِ والتضامن.
ج. الشخصيةُ الملغزة: لصطيكه والمجنونة
لصطيكه — ذلك الاسمُ الغريبُ الذي لم يكنْ يُعرفُ به قبلَ الزلزالِ — يمثلُ الشخصيةَ الرمزيةَ التي تتجاوزُ حدودَ الواقعِ إلى منطقةِ ما بين الحياةِ والموتِ والعقلِ والجنون.
بعد خمسةِ أيامٍ تحت الأنقاض، وجثةُ أمِّه فوقَه تحميه، يخرجُ لصطيكه مختلفًا:
«لم يكن اسمَه، لكنه لم يعترض. كأنه صار كائنًا آخر، بين الحياةِ واللاوعي»
إنه يمثلُ أعلى درجاتِ تجسيدِ الوجعِ: أن يفقدَ الإنسانُ أمَّه وبيتَه وعائلتَه في لحظةٍ واحدة، فلا يجدَ معنى للعودةِ إلى «الطبيعيِّ»، بل يبقى معلقًا في فضاءٍ بينيٍّ يرى فيه «سرَّ الإلهِ» الذي أنقذَه، ويحمي ذكرى أمِّه باحتفاظِه بـ زُنّارِ تنورتِها.
أما المجنونةُ في «الناجية الميتة» فتمثلُ الشخصيةَ التراجيديةَ التي تدمرَ عقلُها بعدما رأت بيتَها وقد تحولَ إلى مقبرةٍ جماعيةٍ لعائلتِها كلِّها:
«مسكينة لم يحتمل عقلُها ما حصل فجنت»
إنها «الناجيةُ الميتة»: جسدٌ يتحركُ في الشوارعِ يتسولُ ويصرخ، وعقلٌ ماتَ وروحٌ شاخت. إنها التجسيدُ الأقصى لمعنى الموتِ الحيِّ الذي يصيبُ الناجين من الكوارث.
د. الشخصيةُ الملاحظةُ/الشاهدةُ: الساردةُ المتأملة
في بعضِ القصصِ، تنسحبُ المؤلفةُ من موقعِ البطولةِ إلى موقعِ الشاهدةِ التي تراقبُ وتصفُ وتتأمل:
· في «تحت نفس الشمس»: الساردةُ تشاهدُ الرجلَ الذي يستغلُّ الأطفالَ المتسولينَ، ولا تملكُ سوى الصمتِ والعجز:
«ظللتُ واقفةً، لا أعلمُ من فينا كان يختفي أولًا... هم في الزحام؟ أم أنا في نفسي، في صمتي العاجز؟»
· في «سوق السمك»: الساردةُ تراقبُ الرجلَ الغامضَ الذي «كان عاملًا ينظفُ السمكَ» ثم أصبحَ «سيدَ السوقِ» ثم المسؤولَ الكبيرَ المتقلدَ للنياشين، في استعارةٍ سياسيةٍ لاذعةٍ عن الفاسدينَ الذين ينهضون من القاعِ إلى القمةِ على أكتافِ الفقراء.
· في «أحلام طائر الفينيق»: الساردةُ تشاهدُ الصبيةَ يلعبون بين الركامِ، فيتحولونَ إلى رموزٍ للأملِ الذي يرفضُ أن يموت.
هـ. الشخصيةُ الوطنيةُ المقاوِمة: سيوارُ وآفرين
في «ودائع وطن»، يلتقي سيوارُ — الصيدلانيُّ الذي يبحثُ عن أمِّه وسطَ فوضى النزوحِ من عفرين — بـ آفرينَ — الفتاةِ التي تحملُ اسمَ المدينةِ نفسِها.
هذا التماهي بين الشخصيةِ والمكانِ (آفرين/عفرين) هو أعلى درجاتِ التجسيدِ السرديِّ للوطنية: فالوطنُ ليس أرضًا فقط، بل هو كائنٌ حيٌّ يحملُ اسمَ الإنسانِ ويحمي ذاكرتَه.
وفي النهايةِ، يقررُ سيوارُ وآفرينُ البقاءَ في عفرين، رافضين الانضمامَ إلى قافلةِ النازحين:
«نحن هنا وعفرينُ ستبقى هنا... ستبقى»
ثانيًا: الزمنُ — البنياتُ الزمنيةُ وأسئلةُ الذاكرة
الزمنُ في السردِ ليس خطًّا مستقيمًا، بل هو معمارٌ متعددُ الطبقاتِ يعكسُ الطريقةَ التي يختبرُ بها الوعيُ البشريُّ الواقعَ والذاكرةَ والأمل. وفي «تحت سقف السماء» يمكنُ رصدُ أنماطٍ زمنيةٍ متعددة:
أ. الزمنُ الاسترجاعيُّ (الأناليبس):
وهو الأسلوبُ الزمنيُّ المهيمنُ في المجموعة؛ فمعظمُ القصصِ تبدأُ من لحظةٍ راهنةٍ ثم تعودُ إلى الوراءِ لملءِ الفجواتِ السردية:
· في «منزل رقم 111»: تبدأُ القصةُ بقدومِ سحرَ إلى منزلِ عواطف، ثم نعودُ إلى الوراءِ لنكتشفَ ماضيَ سحرَ في السجن، ثم نعودُ أكثرَ لنكتشفَ ماضيَ عواطفَ منذ طفولتِها المشوهةِ وحتى عملِها في السجن.
· في «تاء مربوطة»: تروي الساردةُ قصتَها من منظورِ الحاضرِ (طالبةٍ في جامعةٍ فرنسيةٍ تدرسُ القانونَ) لتستعيدَ تدريجيًّا ماضيَها في المخيمِ وبيتِ الحاجةِ حسنيةَ ورحلتِها إلى الحرية.
· في «الحمد لله بخير»: تبدأُ القصةُ بلقاءِ الساردةِ بالعجوزِ السبعينيةِ، ثم نعودُ إلى ماضي العجوزِ الزاخرِ بالمآسي.
هذه الهيمنةُ الاسترجاعيةُ تعكسُ هيمنةَ الذاكرةِ على الحاضر: فالشخصياتُ لا تستطيعُ أن تنفصلَ عن ماضيها، والماضيُّ لا يكفُّ عن مطاردتِها في كلِّ لحظة.
ب. الزمنُ المتشظي:
في «ودائع وطن» و«أحلام طائر الفينيق»، يتمزقُ الزمنُ إلى لحظاتٍ متفرقةٍ لا يجمعُها إلا فضاءُ الخوفِ والقلق:
· في «ودائع وطن»: تتنقلُ السرديةُ بين لحظةِ القصفِ ولحظةِ الاحتماءِ في القبوِ ولحظةِ النزوحِ ولحظةِ الدفنِ ولحظةِ البحثِ عن الأم، دون التزامٍ بترتيبٍ زمنيٍّ صارم.
· في «أحلام طائر الفينيق»: تتنقلُ الساردةُ بين لحظةِ الزلزالِ ولحظةِ الخروجِ للشوارعِ ولحظةِ مراقبةِ الصبيةِ وهم يلعبون.
هذا التشظيُّ الزمنيُّ يعكسُ تشظيَ التجربةِ نفسِها: ففي لحظاتِ الكارثةِ الكبرى، يفقدُ الزمنُ خطيَّتَه، وتصبحُ كلُّ لحظةٍ مستقلةً بذاتِها، معزولةً عن قبلِها وبعدِها.
ج. الزمنُ الدائريُّ:
في «منزل رقم 111»، تبدأُ القصةُ بعواطفَ تجلسُ على أريكتِها تتدخنُ وتنظرُ إلى السماءِ وتلوحُ للعصافير، وتنتهي القصةُ بسحرَ تجلسُ على الأريكةِ نفسِها تتدخنُ وتنظرُ إلى السماءِ وتلوحُ للعصافير.
هذه الدائريةُ الزمنيةُ توحي بأن التاريخَ يعيدُ نفسَه، وأن الأدوارَ تتبادلُ لكن البنيةَ تبقى: فسحرُ تحلُّ محلَّ عواطفَ في استمراريةٍ غريبةٍ للعزلةِ والفقد.
د. الزمنُ الميتافيزيقيُّ:
في «سر الإله»، يتوقفُ الزمنُ عند لحظةِ الزلزال:
«توقفت الساعةُ عند لحظةِ العناق. وتوقفت الحياة»
هذا التوقفُ الزمنيُّ يحوّلُ الزلزالَ من حدثٍ طبيعيٍّ إلى حدثٍ ميتافيزيقيٍّ يتجاوزُ حدودَ الفهمِ البشريِّ للزمن: ففي لحظةِ الكارثةِ العظمى، يتجمدُ الزمنُ، وتبقى ذكرى العناقِ حيةً إلى الأبد.
ثالثًا: المكانُ — طبوغرافيا الوجعِ وجغرافيا الروح
المكانُ في «تحت سقف السماء» ليس خلفيةً ساكنةً، بل هو فاعلٌ سرديٌّ يمتلكُ سلطةً على الشخصياتِ ويحددُ مصائرَها:
أ. المكانُ المغلقُ: السجنُ والبيتُ والقبو
السجنُ حاضرٌ بوصفِه مكانًا ماديًّا ورمزيًّا في أكثرَ من قصة:
· في «منزل رقم 111»: السجنُ هو المكانُ الذي عاشت فيه سحرُ عشرَ سنواتٍ ظلمًا، وهو المكانُ الذي عاشت فيه عواطفُ ثلاثين عامًا حارسةً وسجانةً.
· في «تشابه أسماء»: السجنُ هو المكانُ الذي قضت فيه خاتونُ خمسةً وثلاثين يومًا بلا تهمةٍ ولا تحقيقٍ ولا محاكمة.
لكن البيتَ نفسَه يتحولُ إلى سجنٍ في بعضِ القصص:
· بيتُ عواطفَ بجدرانِه الحديديةِ وأبوابِه ذاتِ النوافذِ الصغيرةِ «تمامًا كنافذةِ بابِ السجنِ» هو استمرارٌ للسجنِ خارجَه.
· بيتُ الحاجةِ حسنيةَ في «تاء مربوطة» هو سجنٌ عائليٌّ حيث تُحبسُ الفتاةُ مع رجلٍ لا تعرفُه، وتُراقبُ من خلفِ الباب.
أما القبوُ في «ودائع وطن» فهو سجنٌ جماعيٌّ احتمى فيه عشرون شخصًا من القصف، لكنه تحولَ إلى مكانٍ للقلقِ والخوفِ والمعاناة.
ب. المكانُ المفتوحُ: السماءُ والشارعُ والمخيم
السماءُ هي المكانُ الرمزيُّ الأكبرُ في المجموعة، وقد حضرت في العنوانِ وفي الإهداءِ وفي غيرِ موضعٍ من النصوص:
· في «منزل 111»: عواطفُ تفتحُ نافذتَها على السماءِ لتتلوَ دعاءَ أمِّها:
«يغطي السماءَ كمظلةٍ فوق رأسِك تحميكِ من كلِّ شر، لذلك أنظرُ للسماءِ دائمًا التقطُ دعاءَ أمي»
· في «ودائع وطن»: الشخصياتُ تحت سقفِ السماءِ المفتوحِ بلا حمايةٍ ولا سند.
أما الشارعُ فهو فضاءُ التشرُّدِ والنزوحِ والفوضى:
· في «تاء مربوطة»: الشارعُ هو المكانُ الذي هربت فيه الفتاةُ ليلًا بعد ضربِ الحاجةِ حسنيةَ لها.
· في «ودائع وطن»: الشارعُ هو المكانُ الذي يتدفقُ فيه النازحونَ الفارّون من الموت.
أما المخيمُ فهو فضاءُ الفقرِ والشتاتِ واللجوء:
· في «تاء مربوطة»: المخيمُ هو المكانُ الذي وُلدت فيه الفتاةُ وترعرعت فيه، وهو المكانُ الذي تحولَ لاحقًا إلى «قصرٍ» في ذاكرتِها مقارنةً بسجنِ الحاجةِ حسنية.
رابعًا: التبئيرُ السرديُّ — من يرَى؟ ومن يحكي؟
التبئيرُ هو العدسةُ التي يرى القارئُ من خلالِها العالمَ القصصيَّ. وفي «تحت سقف السماء» يتنوعُ التبئيرُ بشكلٍ لافت:
أ. التبئيرُ الداخليُّ الثابت:
في «منزل رقم 111»، نرى العالمَ من خلالِ عيني سحرَ. نحن لا نعرفُ ما تفكرُ فيه عواطفُ إلا من خلالِ ما تراه سحرُ وما ترويه عواطفُ نفسُها. هذا التبئيرُ يخلقُ أثرَ المفاجأةِ في النهايةِ حين تكتشفُ سحرُ — ونكتشفُ نحن معها — حقيقةَ عواطفَ التي كانت قسوتُها حمايةً وليس ظلمًا.
ب. التبئيرُ الذاتيُّ:
في «تاء مربوطة»، الساردةُ هي البطلةُ نفسُها، تروي قصتَها بضميرِ المتكلمِ. هذا التبئيرُ يمنحُ القصةَ حرارةَ الاعترافِ وصدقَ الشهادة، لكنه في الوقتِ نفسِه يطرحُ سؤالَ الموثوقيةِ: هل نحن نقرأُ القصةَ الحقيقيةَ أم نسخةَ الساردةِ عنها؟
ج. التبئيرُ المتعددُ:
في «ودائع وطن»، يتعددُ البؤرُ الحاكية: نسمعُ صوتَ سيوارَ، ونسمعُ صوتَ آفرينَ، ونسمعُ صوتَ العمِّ الجنديرسيِّ، ونسمعُ صوتَ الساردةِ الغائبةِ التي تصفُ المشهدَ من الخارج. هذا التعددُ يُثري النصَّ ويمنحُه بُعدًا بوليفونيًّا كما سمّاه باختين.
د. التبئيرُ الخارجيُّ:
في «تحت نفس الشمس» و«سوق السمك»، تكتفي الساردةُ بوصفِ ما تراه من الخارجِ دون أن تنفذَ إلى وعيِ الشخصيات. هذا التبئيرُ يمنحُ القصتينِ طابعَ المشهدِ السينمائيِّ: نحن نشاهدُ الأحداثَ كما تشاهدُها كاميرا، دون أن نعرفَ ما يدورُ في عقولِ الشخصيات.
خامسًا: الحبكةُ — من البناءِ التقليديِّ إلى التشظي ما بعد الحداثيِّ
تتنوعُ الحبكاتُ في «تحت سقف السماء» بين التقليديِّ والمبتكر:
أ. الحبكةُ التقليديةُ المتماسكة:
في «تاء مربوطة» و«تشابه أسماء» و«الحمد لله بخير»، تسيرُ الأحداثُ وفقَ منطقِ السببِ والنتيجة: بدايةٌ تعرضُ الوضعَ، وسطٌ يطورُ الأحداثَ ويصعّدُ الصراعَ، نهايةٌ تحسمُ الأمورَ أو تفتحُ أفقًا جديدًا.
ب. الحبكةُ الدائريةُ:
في «منزل رقم 111»، تعودُ النهايةُ إلى نقطةِ البداية: سحرُ تجلسُ حيثُ جلستْ عواطفُ، تلوحُ للعصافيرِ كما كانت عواطفُ تفعل، وتدخنُ كما كانت تدخن. هذه الدائريةُ توحي بأن الأدوارَ تتبادلُ لكن الفقدَ يبقى.
ج. الحبكةُ المتشظيةُ:
في «ودائع وطن» و«أحلام طائر الفينيق»، لا توجدُ حبكةٌ متماسكةٌ بمعنًى تقليديّ، بل شذراتٌ سرديةٌ متناثرةٌ يجمعُها فضاءٌ واحدٌ هو الكارثة. هذا التشظيُّ يعكسُ طبيعةَ الكارثةِ نفسِها: فالكارثةُ لا تمتلكُ حبكةً، بل تمتلكُ تفتتًا في المعنى والزمن والأحداث.
د. الحبكةُ المفاجئةُ:
في «سوق السمك»، تتجهُ القصةُ نحو نهايةٍ مفاجئةٍ: الرجلُ الذي شهدنا حضورَه الغامضَ في السوقِ يظهرُ في المساءِ على شاشةِ التلفازِ خطيبًا متقلدًا للنياشين. هذه المفاجأةُ تقلبُ دلالةَ القصةِ كلِّها وتجعلُها استعارةً سياسيةً لاذعةً عن الفسادِ الذي يتسترُ بالثيابِ الرسمية.
المبحث الثالث
الأسلوبُ واللغةُ: بلاغةُ الوجعِ وجمالياتُ الانكسار
«اللغةُ ليست وسيلةً للقول، بل هي القولُ نفسُه حين يبلغُ أقصى درجاتِ الكثافة»
أولًا: المعجمُ — الحقولُ الدلاليةُ وخريطةُ الوجع
يكشفُ التحليلُ المعجميُّ للمجموعةِ عن حقولٍ دلاليةٍ متضافرةٍ ترسمُ خريطةَ الوجعِ الإنسانيِّ:
أ. حقلُ الحربِ والدمار:
· أسماءُ الحرب: قصف، غارات، قذائف، صواريخ، زلزال، مدافع، طائرات.
· أفعالُ الحرب: سحق، دمر، هدم، مزق، فتك، أهلك.
· نتائجُ الحرب: أنقاض، ركام، خراب، دمار، أطلال، مقابر جماعية.
ب. حقلُ الجسدِ المجروح:
· إعاقاتٌ جسدية: بتر، شلل، عاهة، رعاش، عمى، صمم، بكم.
· أمراضٌ مزمنة: ربو، فشل كلوي، أمراض قلبية، أورام.
· جروحٌ نفسية: جنون، ذهول، صدمة، كآبة، انطواء.
ج. حقلُ الفقرِ والحرمان:
· شحٌّ ماديٌّ: جوع، عوز، فاقة، حاجة، عوز.
· مظاهرُ الفقر: أزقة ضيقة، بيوت عشوائية، مخيمات، خيام ممزقة.
· نتاجُ الفقر: الاستغلال، التسول، الزواج القسري، الهجرة غير الشرعية.
د. حقلُ الأملِ والمقاومة:
· رموزُ الأمل: شمس، فجر، صباح، نور، ضوء.
· أفعالُ المقاومة: صمد، قاوم، ثبت، عاد، بنى.
· مظاهرُ الحياة: أطفال يلعبون، عصافير تغرد، زغاريد.
هذه الثنائيةُ المعجميةُ (حقولُ الوجعِ مقابلَ حقولِ الأمل) تعكسُ جدلَ النصِّ الأساسيَّ: النصُّ لا يستسلمُ لليأسِ حتى وهو يصفُ أعمقَ درجاتِ البؤس، بل يحتفظُ دائمًا بفتحةِ ضوءٍ صغيرةٍ في نهايةِ النفق.
ثانيًا: الصورةُ الفنيةُ — الاستعاراتُ الكبرى وبلاغةُ التجسيد
تشتغلُ المجموعةُ على صورٍ فنيةٍ من الطرازِ الرفيع، تتجاوزُ الزخرفةَ البلاغيةَ إلى الوظيفةِ المعرفيةِ:
أ. استعارةُ السقفِ والسماء:
هي الاستعارةُ الكبرى في المجموعة، تمتدُّ من العنوانِ إلى النصوصِ كلِّها. السماءُ تتحولُ من ظاهرةٍ طبيعيةٍ إلى حضورٍ رمزيٍّ:
· في «منزل 111»: السماءُ هي ذاكرةُ الأمِّ وصلاةُ الحماية.
· في «ودائع وطن»: السماءُ هي شاهدةُ التاريخِ على المأساة.
· في «أحلام طائر الفينيق»: الشمسُ هي المشاركُ في الفرحِ بعد الكارثة.
ب. استعارةُ الجسدِ الوطنيِّ:
الجسدُ المجروحُ في المجموعةِ هو استعارةٌ للجسدِ الوطنيِّ الممزق: كلُّ جرحٍ جسديٍّ في النصوصِ يوازي جرحًا وطنيًّا:
· بترُ ساقِ الصبيةِ في «أحلام طائر الفينيق» يوازي بترَ أطرافِ الوطن.
· عاهةُ عواطفَ الخلقيةُ توازي تشوهاتِ البنيةِ الاجتماعية.
· شللُ زوجِ العجوزِ في «الحمد لله بخير» يوازي شللَ الحالِ الوطني.
ج. استعارةُ العلامةِ النحويةِ:
في «تاء مربوطة»، تتحولُ العلامةُ النحويةُ إلى استعارةٍ وجوديةٍ كبرى: المرأةُ «تاءٌ مربوطة» — مقيدةٌ بحدودِ النوعِ الاجتماعيِّ — لكنها ترفضُ هذا القيدَ وتقررُ أن تكونَ «تاءً مفتوحةً» على الحياة.
هذه الاستعارةُ النحويةُ عبقريةٌ فنيةٌ لأنها تربطُ بين النحوِ والوجود، بين اللغةِ والحرية، بين العلامةِ والذات.
د. الصورةُ الحسيةُ المتلاحمة:
تستخدمُ المجموعةُ التراسلَ الحسيَّ بكثافة:
· «دموعٌ بطعمِ الحريق»: جمعٌ بين الذوقِ والبصرِ والألم.
· «رائحةُ السجن»: تعميمُ السجنِ على الحواسِّ كلِّها.
· «طعمُ المرارةِ لا يغادرُ حلقي ونكهةُ الحريقِ في دمعي»: تلاحمٌ حسيٌّ يعكسُ تلاحمَ الوجع.
ثالثًا: الإيقاعُ — موسيقى النصِّ وجمالياتُ التكرار
يمتلكُ النصُّ في «تحت سقف السماء» إيقاعًا داخليًّا ينبضُ بالوجعِ والأملِ معًا:
أ. التكرارُ:
يتكررُ في النصوصِ فعلُ النظرِ إلى السماءِ والصلاةِ والبكاءِ والنزوحِ. هذا التكرارُ ليس عجزًا بلاغيًّا، بل هو استراتيجيةٌ فنيةٌ تعكسُ لازمةَ الوجعِ التي تلازمُ الشخصياتِ ولا تفارقُها.
ب. التوازيُ:
تميلُ النصوصُ إلى البناءِ المتوازي في الجمل:
«الظلامُ يغطي الملامح، البردُ خدرَ جسدي»
«بتُّ لا أشعرُ به، وهذا حالُ من هم معي أيضًا»
هذا التوازيُ يمنحُ النصَّ إيقاعًا شعريًّا يتناسبُ مع شعريةِ الوجعِ التي تسكنُ النصوص.
ج. التضادُّ:
تشتغلُ النصوصُ على أزواجٍ ضديةٍ:
· الحياة/الموت
· الأمل/اليأس
· الحرية/العبودية
· الوطن/المنفى
هذه الأزواجُ لا تُحسمُ أبدًا، بل تبقى في توترٍ دائمٍ يعكسُ توتّرَ الواقعِ نفسِه.
رابعًا: التناصُّ — حوارُ النصوصِ وطبقاتُ الذاكرةِ الثقافية
تزخرُ المجموعةُ بـ تناصاتٍ غنيةٍ تعكسُ عمقَ الذاكرةِ الثقافيةِ للمؤلفة:
أ. تناصٌّ دينيٌّ:
· في «سر الإله»، يستدعي العنوانُ المفهومَ الدينيَّ للسرِّ الإلهيِّ، لكن النصَّ يعيدُ صياغتَه: السرُّ الإلهيُّ ليس في النجاةِ فقط، بل في المحبةِ التي تجعلُ الأمَّ تضحي بحياتِها من أجلِ ابنِها.
· في «ودائع وطن»، عبارةُ «يومُ الحشر» تستدعي الصورةَ الإيمانيةَ ليومِ القيامة، لكنها هنا تُستخدمُ لوصفِ النزوحِ الذي يشبهُ القيامةَ في فظاعتِه.
ب. تناصٌّ أدبيٌّ:
· في «الناجية الميتة»، تستدعي المجنونةُ شعرًا عربيًّا قديمًا:
«نحن قومٌ لا توسطَ بيننا... لنا الصدرُ دونَ العالمينَ أو القبرُ»
هذا الاستدعاءُ مفارقةٌ مزدوجةٌ: مجنونةٌ تستحضرُ شعرًا رفيعًا، وشعرٌ يفخرُ بالفروسيةِ تُرددُه امرأةٌ مشردةٌ في الشارع.
· في «تاء مربوطة»، العنوانُ نفسُه تناصٌّ نحويٌّ مع التراثِ اللغويِّ العربيِّ.
ج. تناصٌّ أسطوريٌّ:
· «أحلامُ طائرِ الفينيق» تستدعي أسطورةَ الفينيقِ اليونانيةَ، لكنها تعيدُ صياغتَها في السياقِ السوريِّ: الفينيقُ هنا هو الإنسانُ السوريُّ الذي ينهضُ من رمادِ الحربِ والزلزال.
د. تناصٌّ تاريخيٌّ وسياسيٌّ:
· «ودائع وطن» تستدعي تاريخَ عفرين وحادثةَ سقوطِها عام 2018، لكنها تتجاوزُ التاريخَ إلى الأسطرةِ حين تتحولُ المدينةُ إلى شخصيةٍ اسمها آفرينُ ترفضُ مغادرةَ وطنِها.
خامسًا: المفارقةُ والسخريةُ — أسلحةُ الضعفاءِ وجمالياتُ المقاومة
المفارقةُ هي البنيةُ العميقةُ التي تشتغلُ عليها المجموعةُ كلُّها:
أ. مفارقةُ العنوان:
«تحت سقفِ السماء» — كيف يُسقفُ ما لا سقفَ له؟ وكيف يُحمى بما لا يحمي؟
ب. مفارقةُ الأسماء:
· عواطف اسمٌ يوحي بالحنانِ والدفء، لكن حاملتَه هي بلدوزر القسوةِ الظاهرية. هذه المفارقةُ تتفجرُ في النهايةِ حين نكتشفُ أن قسوتَها كانت حمايةً، أي أن الاسمَ (عواطف) كان يعكسُ حقيقتَها الباطنةَ التي أخفتها خلفَ قناعِ القسوة.
· لصطيكه اسمٌ لا معنى له، لكنه أصبحَ اسمًا لشخصٍ يعيشُ بلا معنى واضحٍ في الدنيا، لكنه يحملُ سرَّ المحبةِ التي أنقذته.
ج. مفارقةُ المواقف:
· في «تشابه أسماء»، تشابهُ الأسماءِ يُعتقلُ إنسانًا بريئًا خمسةً وثلاثين يومًا، بينما المجرمون الحقيقيون يفلتون.
· في «لحم بالكرز»، أبٌّ يستدينُ ويبيعُ أثاثَ بيتِه ليطعمَ زوجتَه المريضةَ طبقًا فاخرًا، فتخطفُ قطةٌ كيسَ اللحم. المفارقةُ هنا تكمنُ في أن الفقراءَ لا يستطيعون حتى أن يحققوا أحلامَهم الصغيرةَ إلا بمعجزةٍ، والمعجزةُ تُخطفُ منهم.
د. مفارقةُ النهايات:
· في «سوق السمك»، عاملُ تنظيفِ السمكِ يصبحُ سيدَ السوقِ ثم المسؤولَ الكبيرَ المتقلدَ للنياشين. المفارقةُ هنا مزدوجةٌ: الصعودُ العموديُّ السريعُ للفقيرِ الغامض، والفسادُ الذي يتخفى خلفَ المظهرِ الرسمي.
أما السخريةُ فهي خفيةٌ لاذعةٌ في غيرِ موضعٍ من المجموعة:
· في «دكان في الجنة»، سؤالُ الطفلِ عبدِالله عن تغطيةِ الرأسِ يتحولُ إلى سخريةٍ طفليةٍ من التفسيرِ الذكوريِّ للدين.
· في «تحت نفس الشمس»، سخريةٌ من المدينةِ التي تبتلعُ أطفالَها.
· في «عرس»، سخريةٌ من التناقضِ الطبقيِّ: عرسٌ أسطوريٌّ بألعابٍ ناريةٍ تزلزلُ المدينةَ، بينما جائعونَ يرتعدون خوفًا من أصواتِ المفرقعاتِ التي يظنونَها قصفًا.
المبحث الرابع
الرؤيةُ الفكريةُ والفلسفيةُ: أنطولوجيا الوجعِ وفينومينولوجيا الأمل
«الإنسانُ تحت سقفِ السماءِ كائنٌ يبحثُ عن معنى في عالمٍ يلفظُه»
أولًا: قضيةُ الموتِ والحياةِ — جدلُ الفناءِ والبقاء
الموتُ حاضرٌ في كلِّ نصٍّ من نصوصِ المجموعة، لكنه ليس نهايةً مطلقةً أبدًا:
· في «منزل 111»، موتُ عواطفَ هو موتٌ تراجيديٌّ اختناقًا في المكانِ الضيقِ الذي كانت تخشاه، لكن حضورَها يبقى في ذاكرةِ سحرَ وفي سلوكِها اليوميِّ.
· في «سر الإله»، موتُ الأمِّ هو موتٌ فدائيٌّ يحمي الحياة:
«جثةُ أمِّه ممددةٌ فوقه، تحميه بجسدِها من الأنقاض، كأنها قررت أن تبقى حضنًا له إلى النهاية»
· في «ودائع وطن»، موتُ أمِّ آفرين هو موتٌ يوميٌّ في زمنِ الحرب، لكنه يتحولُ إلى طقسِ دفنٍ يحفظُ كرامةَ الميتة.
· في «الناجية الميتة»، الموتُ الحقيقيُّ هو موتُ العقلِ والذاكرةِ، لا موتُ الجسد.
هكذا تقدمُ المجموعةُ فلسفةً للموتِ تتجاوزُ النظرةَ الماديةَ: الموتُ ليس نهايةً بيولوجيةً فقط، بل هو حدثٌ وجوديٌّ يحملُ في طياتِه إمكانياتٍ متعددةً للتجاوزِ والبقاء.
ثانيًا: قضيةُ الحريةِ والعبوديةِ — جدلُ القيدِ والانطلاق
تتنوعُ أشكالُ العبوديةِ في المجموعةِ بين الجسديِّ والاجتماعيِّ والرمزيِّ:
· عبوديةُ السجنِ: في «منزل 111»، السجنُ لا ينتهي بخروجِ السجينةِ، بل يتبعُها إلى بيتِ سجّانتِها السابقة.
· عبوديةُ الزواجِ القسريِّ: في «تاء مربوطة»، الفتاةُ تُباعُ وتُشترى بوصفِها سلعةً.
· عبوديةُ الفقرِ: في «لحم بالكرز» و«الحمد لله بخير»، الفقرُ يحولُ الناسَ إلى عبيدٍ للعملِ الشاقِّ بلا أفقٍ للخلاص.
· عبوديةُ السلطةِ: في «تشابه أسماء» و«سوق السمك»، السلطةُ تعتقلُ وتطلقُ وتتاجرُ وتفسدُ بلا رادع.
لكن في مواجهةِ هذه العبودياتِ المتعددةِ، تقدمُ المجموعةُ لحظاتِ انطلاقٍ حقيقية:
· سحرُ تتحررُ من وهمِ القسوةِ حين تكتشفُ حقيقةَ عواطف.
· الفتاةُ في «تاء مربوطة» تتحررُ من سجنِ الحاجةِ حسنيةَ بالهروبِ أولًا ثم بالكتابةِ ثانيًا.
· آفرينُ تتحررُ من وهمِ الفرارِ حين تقررُ البقاءَ في عفرين.
· الصبيةُ في «أحلام طائر الفينيق» يتحررون من خوفِ الزلزالِ حين يلعبون ويضحكون على الركام.
ثالثًا: قضيةُ الهويةِ والاغترابِ — سؤالُ «من أنا؟»
تطرحُ المجموعةُ سؤالَ الهويةِ بوصفِه سؤالًا مركزيًّا:
· عواطفُ: امرأةٌ أم رجل؟ سلطةٌ أم ضحية؟ قاسيةٌ أم حنونة؟ هذه الأسئلةُ تكشفُ هشاشةَ التصنيفاتِ التي يفرضُها المجتمعُ على الأفراد.
· سحرُ: سجينةٌ بريئةٌ أم مجرمةٌ؟ ضحيةٌ أم ناجيةٌ؟
· الفتاةُ في «تاء مربوطة»: هي «تاءٌ مربوطة» في نظرِ المجتمع، لكنها «تاءٌ مفتوحةٌ» في نظرِ نفسِها.
· آفرينُ/عفرينُ: الفتاةُ التي تحملُ اسمَ المدينةِ هي تجسيدٌ للهويةِ الوطنيةِ التي ترفضُ الذوبانَ في الشتات.
أما الاغترابُ فهو الخيطُ الناظمُ لتجاربِ الشخصياتِ كلِّها: اغترابٌ في الوطنِ (الفقراءُ والمهمشون)، واغترابٌ عن الوطنِ (المهاجرون والنازحون)، واغترابٌ وجوديٌّ (الباحثون عن معنى في عالمٍ بلا معنى).
رابعًا: قضيةُ القهرِ الاجتماعيِّ والاقتصاديِّ — تشريحُ العدميةِ الاجتماعية
الفقرُ في المجموعةِ ليس حالةً اقتصاديةً فقط، بل هو نظامٌ اجتماعيٌّ كاملٌ يعيدُ إنتاجَ نفسِه عبر آلياتِ الاستغلالِ وأنساقِ الإقصاءِ:
· استغلالُ الأطفالِ: في «تحت نفس الشمس»، الأطفالُ المتسولون يُجمعون ويُنقلون ويُستغلون بمنهجيةٍ صارمة.
· استغلالُ النساءِ: في «تاء مربوطة»، النساءُ يتحولن إلى «آلاتٍ» للعملِ في بيتِ الحاجةِ حسنية.
· استغلالُ المرضى: في «لحم بالكرز» و«الحمد لله بخير»، المرضُ يحولُ الفقراءَ إلى عبيدٍ للانتظارِ أو للموتِ البطيء.
لكن المجموعةَ لا تكتفي بوصفِ القهرِ، بل تكشفُ أيضًا عن استراتيجياتِ المقاومةِ التي يبتكرُها المقهورون:
· التضامنُ الأسريُّ: في «الحمد لله بخير»، العجوزُ وابنتُها وأحفادُها يتضامنون جميعًا للبقاء.
· التضامنُ النسويُّ: في «تاء مربوطة» و«منزل 111»، النساءُ يتضامنَّ فيما بينهنَّ لتجاوزِ القهرِ الذكوري.
· الذاكرةُ الجمعيةُ: في «ودائع وطن» و«أحلام طائر الفينيق»، ذاكرةُ الوطنِ تحفظُ كرامةَ الموتى وأملَ الأحياء.
· الضحكُ واللعبُ: في «أحلام طائر الفينيق» و«دكان في الجنة»، الضحكُ واللعبُ هما مقاومةٌ ضدَّ الموتِ واحتجاجٌ صامتٌ على القهر.
خامسًا: قضيةُ الإيمانِ والشكِّ — حوارٌ مع السماء
تظلُّ السماءُ في المجموعةِ مخاطَبًا ضمنيًّا دائمًا: الشخصياتُ تصلي وتبكي وتدعو وتتوسل، لكنها أيضًا تشكُّ وتتساءلُ وتتألمُ:
· في «منزل 111»، عواطفُ تبكي في سجودِها وتتوسل، لكنها تشكو أيضًا: «الظلمُ أن تكونَ بلا شيء، أن تكونَ بلا كلِّ شيء».
· في «سر الإله»، النجاةُ تُنسبُ إلى «سرِّ الإله»، لكن السؤالَ يبقى: لماذا نجا الابنُ وماتت الأمُّ؟
· في «ودائع وطن»، الشخصياتُ تدعو اللهَ وتتوسل، لكنها تسألُ أيضًا: «ماذا سيكتبُ التاريخُ عن هذا المشهد؟ وهل سيكونُ منصفًا؟»
· في «الحمد لله بخير»، العجوزُ ترددُ دائمًا «الحمدُ للهِ على كلِّ حال»، لكن السخريةَ تكمنُ في أن الحالَ لا يتحسنُ أبدًا.
هذا الحوارُ المتوترُ بين الإيمانِ والشكِّ يمنحُ المجموعةَ عمقًا لاهوتيًّا يتجاوزُ البساطةَ العقائدية: فاللهُ حاضرٌ بوصفِه سؤالًا مفتوحًا لا جوابًا جاهزًا، والإيمانُ هنا ليس يقينًا بل هو رهانٌ على المعنى في عالمٍ يغصُّ بالعبث.
المبحث الخامس
التقييمُ الجماليُّ: بين الإبداعِ والهفوات
«النقدُ الجادُّ ليس مدحًا ولا ذمًّا، بل هو قراءةٌ تستنطقُ النصَّ وتضيءُ مواطنَ قوتِه وضعفِه معًا»
أولًا: نقاطُ القوةِ — جوهرُ الإبداعِ ومصادرُ التميز
1. الأصالةُ الموضوعية:
تقدمُ المجموعةُ معالجةً جديدةً لقضيةِ الحربِ السوريةِ تتجاوزُ السردياتِ المعلبةِ عن البطولةِ والتضحيةِ إلى سردياتٍ أكثرَ تعقيدًا عن الجسدِ المهمشِ والروحِ المعذبةِ والسلطةِ القامعة. إنها كتابةٌ عن الحربِ في المنزلِ لا في الجبهةِ فقط، وعن ضحاياها المدنيينَ لا جنودِها فقط.
2. التنوعُ البشريُّ الغني:
تضمُّ المجموعةُ بانوراما بشريةً واسعةً: سجاناتٌ وسجينات، عجائزُ وأطفال، رجالٌ ونساء، فقراءُ وأغنياء، محتلون ومقاومون. هذا التنوعُ يمنحُ النصوصَ ثراءً إنسانيًّا ويسمحُ بتعددِ وجهاتِ النظر.
3. البراعةُ الفنيةُ في بناءِ الشخصيات:
تُبنى الشخصياتُ في المجموعةِ بناءً معماريًّا متقنًا: لكلِّ شخصيةٍ ماضٍ يفسرُ حاضرَها، وسرٌّ تخفيه، وجرحٌ يحكمُ سلوكَها. شخصيةُ عواطفَ/البلدوزر هي إنجازٌ فنيٌّ حقيقيٌّ في القصةِ العربيةِ المعاصرة.
4. الشعريةُ العالية:
تتميزُ لغةُ المجموعةِ بمستوى شعريٍّ رفيعٍ يجعلُ النصوصَ تسبحُ في فضاءٍ بينيٍّ بين القصةِ وقصيدةِ النثر. الصورُ الفنيةُ المتلاحمةُ والإيقاعاتُ المتوازنةُ تمنحُ الوجعَ جمالًا يليقُ به.
5. الوعيُ بالتقنياتِ السرديةِ الحديثة:
توظفُ المجموعةُ التقنياتِ السرديةَ الحديثةَ بوعيٍّ واضح: استرجاعٌ، تواترٌ، حذفٌ، تعددُ تبئيرٍ، تشظيٌّ زمانيٌّ. هذه التقنياتُ لا تُستخدمُ للزينةِ بل لخدمةِ الدلالةِ وتعزيزِ المعنى.
6. الرمزيةُ الفاعلة:
لا تكتفي النصوصُ بالواقعِ المباشرِ بل تتجاوزُه إلى الرمزِ والأسطورةِ والتأويلِ. السماءُ، والرقمُ 111، والتاءُ المربوطةُ، والفينيقُ، والتغريبةُ — كلُّها رموزٌ تفتحُ النصوصَ على أبعادٍ تأويليةٍ لا نهائية.
ثانيًا: نقاطُ الضعفِ — مواطنُ الاضطرابِ ومجالاتُ التطوير
1. التقريريةُ في بعضِ المواضع:
تميلُ بعضُ النصوصِ إلى التلخيصِ المباشرِ للأحداثِ بدلَ العرضِ الدراميِّ لها. في «تشابه أسماء»، نهايةُ القصةِ تعتمدُ على اعترافٍ مباشرٍ من خاتون بتفاصيلِ معاناتِها بدلَ أن تتكشفَ هذه المعاناةُ تدريجيًّا عبر الأحداث.
2. التفاوتُ في الطولِ والمعالجة:
بعضُ القصصِ القصيرةِ جدًا مثل «تحت نفس الشمس» و«عرس» كانت تحتاجُ إلى تطويرٍ أعمقَ لشخصياتِها ومواقفِها، بينما بعضُ القصصِ الطويلةِ مثل «ودائع وطن» كانت تحتوي على حشوٍّ يمكنُ اختصارُه دون خسارةٍ دلالية.
3. الوعظيةُ الخفيفة:
في بعضِ النهاياتِ، تنزلقُ النصوصُ نحو نبرةٍ وعظيةٍ خفيفة تقدمُ درسًا أخلاقيًّا بدلَ أن تتركَ الدلالةَ تنبثقُ من الأحداث.
4. التكرارُ الموضوعي:
تتكررُ بعضُ الموضوعاتِ بشكلٍ مكثفٍ في المجموعةِ: النزوح، والفقر، والقهرُ النسائي، والموتُ تحتَ الأنقاض. هذا التكرارُ يمكنُ أن يُفهمَ على أنه تماسكٌ موضوعيٌّ للمجموعة، لكنه أيضًا يحدُّ من تنوعِها.
ثالثًا: موقعُ المجموعةِ من تجربةِ المؤلفةِ ومن سياقِ القصةِ العربية
في تجربةِ كوثر حسن جعفر:
تنتقلُ المؤلفةُ في هذه المجموعةِ من الروايةِ الأولى «سموات الحزن» (2024) إلى القصةِ القصيرةِ، محققةً نقلةً نوعيةً:
· اتسعت رقعةُ الموضوعاتِ لتشملَ الحربَ والنزوحَ والزلزالَ والفقرَ والقهرَ النسائي.
· تعمقت المعالجةُ الفنيةُ لتشملَ تقنياتِ التبئيرِ والتشظي والاسترجاع.
· ارتقت اللغةُ إلى مستوى شعريٍّ أكثرَ كثافةً وإيحاءً.
في سياقِ القصةِ العربيةِ المعاصرة:
تنتسبُ المجموعةُ إلى اتجاهِ القصةِ السوريةِ الجديدةِ التي تبلورت بعدَ عام 2011، والتي تتميزُ بـ:
· التكثيفِ: نصوصٌ قصيرةٌ حارقةٌ تختزلُ المأساةَ في مشاهدَ منتقاة.
· التجريبِ: استخدامُ التقنياتِ السرديةِ الحديثةِ بوعيٍّ مبدعٍ.
· الالتباسِ: رفضُ اليقينِ والجزمِ وتبني الغموضِ الخصبِ.
· المقاومةِ السرديةِ: جعلُ الكتابةِ نفسِها فعلَ مقاومةٍ ضدَّ النسيان.
وفي هذا السياق، تحتلُّ «تحت سقف السماء» موقعًا متميزًا بفضلِ لغتِها الشعريةِ، وتنوعِ شخصياتِها، وعمقِ رؤيتِها الإنسانية.
الخاتمة
تحت سقفِ السماءِ — الكتابةُ بوصفِها صلاةً مضادةً للعدم
«حين تموتُ الكلمةُ، يموتُ الإنسانُ مرتين: مرةً بجسدِه، ومرةً بذاكرتِه»
أولًا: خلاصةُ النتائج
بعد هذه الجولةِ النقديةِ الطويلةِ في أروقةِ المجموعةِ القصصيةِ «تحت سقف السماء»، يمكنُنا أن نخلصَ إلى نتائجَ جوهريةٍ تتلخصُ في الآتي:
1. تمثلُ المجموعةُ إضافةً نوعيةً إلى أدبِ الحربِ السوريةِ، بفضلِ تركيزِها على الجسدِ المهمشِ والروحِ المقاومةِ بدلَ الاقتصارِ على السردياتِ السياسيةِ المباشرة.
2. تتميزُ المجموعةُ بلغةٍ شعريةٍ عاليةٍ تجعلُ الوجعَ الإنسانيَّ مادةً جماليةً تليقُ بالتأملِ والقراءةِ المتأنية.
3. تشتغلُ النصوصُ على بنياتٍ سرديةٍ معقدةٍ تجمعُ بين الاسترجاعِ والتشظي والتعددِ الصوتيِّ، مما يمنحُها عمقًا بنيويًّا يتجاوزُ البساطةَ التقريرية.
4. تطرحُ المجموعةُ رؤيةً فلسفيةً عميقةً حولَ معنى الحريةِ والموتِ والهويةِ والإيمانِ في زمنٍ تفقدُ فيه هذه القيمُ معانيَها التقليدية.
5. تمثلُ المجموعةُ صوتًا نسويًّا متميزًا في السردِ العربيِّ المعاصر، إذ تجعلُ من المرأةِ شاهدةً وكاتبةً وفاعلةً في صناعةِ المعنى لا مجردَ ضحيةٍ صامتة.
6. تحملُ المجموعةُ قدرًا من الهفواتِ الفنيةِ المتمثلةِ في التقريريةِ أحيانًا والوعظيةِ أحيانًا أخرى، لكن هذه الهفواتِ لا تنتقصُ من قيمتِها الكليةِ كعملٍ سرديٍّ جادٍّ ومتميز.
ثانيًا: في العمقِ — ماذا أضافتْ كوثر حسن جعفر؟
الإضافةُ الأولى: الجسدُ المهمشُ في السردِ الحربي
حين يُكتبُ السردُ الحربيُّ تقليديًّا، يُركزُ على الجبهاتِ والجنودِ والاستراتيجياتِ والانتصاراتِ والهزائمِ. لكن كوثر حسن جعفر تحوّلُ عدسةَ السردِ نحو الأجسادِ المدنيةِ المهمشة: جسدُ المرأةِ المعذبة، وجسدُ الطفلِ المشوه، وجسدُ العجوزِ المنهك، وجسدُ الفقيرِ المطحون. هذا التحويلُ سياسيٌّ في جوهرِه: إنه استعادةٌ للكرامةِ المهدورةِ عبر الاحتفاءِ السرديِّ بها.
الإضافةُ الثانية: السماءُ بوصفِها فضاءً رمزيًّا للمقاومة
في زمنِ الشتاتِ والتشرُّدِ، حين تُغلقُ البيوتُ وتُهدمُ المنازلُ وتُحرقُ الأحياء، تبقى السماءُ هي الفضاءَ الوحيدَ الذي لا يمكنُ احتلالُه أو تدميرُه. إنها الملاذُ الأخيرُ للروحِ حين تفقدُ كلَّ ملاذاتِها الأرضية.
الإضافةُ الثالثة: المرأةُ بوصفِها شاهدًا وكاتبةً
في المجموعةِ، المرأةُ ليست ضحيةً فقط، بل هي أيضًا شاهدةٌ وكاتبةٌ. الفتاةُ في «تاء مربوطة» تقررُ أن تكتبَ قصتَها «لأخبرَ الكونَ بأسره»، والساردةُ في «تحت نفس الشمس» و«سوق السمك» تراقبُ وتتأملُ وتكتب. هذا التحولُ من موضوعِ السردِ إلى ذاتِه هو انتصارٌ نسويٌّ بالمعنى العميق.
ثالثًا: سؤالٌ أخيرٌ مفتوح
في نهايةِ هذه الدراسةِ، يبقى سؤالٌ جوهريٌّ مفتوحًا على التأويل:
هل نستطيعُ نحن — كقراءٍ — أن نكونَ جديرين بهذه الرسالةِ الإنسانيةِ العظيمة؟
إن المجموعةَ القصصيةَ «تحت سقف السماء» تضعُنا أمامَ مسؤوليةٍ أخلاقيةٍ: مسؤوليةِ التذكرِ في زمنِ النسيان، والإصغاءِ في زمنِ الضجيج، والتضامنِ في زمنِ الأنانية، والأملِ في زمنِ اليأس.
فهل نحن قادرون على حملِ هذه المسؤولية؟
وهل نستطيعُ أن نجعلَ من قراءتِنا لهذه النصوصِ فعلَ مقاومةٍ ضدَّ النسيان، وفعلَ تضامنٍ مع المهمشين، وفعلَ أملٍ ضدَّ العدم؟
تتركُ المجموعةُ هذه الأسئلةَ مفتوحةً، بوصفِها دعوةً للحوارِ، وتحديًا للإنسانيةِ، ورهانًا على المستقبل.
جداولُ تحليليةٌ مقارنة
جدول (1): مقارنةٌ بين القصصِ من حيثُ الموضوعاتُ الكبرى
القصة الموضوعُ الرئيسيُّ الشخصيةُ المحوريةُ الرمزُ الأبرزُ نوعُ الحبكةِ
منزل رقم 111 القسوةُ/الحماية، السجنُ/الحرية عواطف/البلدوزر الرقمُ 111 دائريةٌ
تاء مربوطة القهرُ النسائي، الزواجُ القسري الفتاةُ/الساردة التاءُ المربوطة تقليديةٌ نامية
سر الإله الزلزالُ، الفقدُ، النجاة لصطيكه زُنّارُ الأمِّ مفتوحةٌ
الناجية الميتة الجنونُ، الفقدُ الجماعيُّ المجنونةُ المجهولة الشوارعُ مفتوحةٌ
تشابه أسماء القمعُ البيروقراطيُّ خاتون تشابهُ الأسماءِ تقليديةٌ
دكان في الجنة الفقرُ، الأحلامُ الطفوليةُ عبدُالله الدكانُ مفتوحةٌ
عرس التناقضُ الطبقيُّ العروسان الألعابُ النارية مفاجئةٌ
لحم بالكرز الفقرُ، الحبُّ المستحيل عبدُالرزاق طبقُ اللحم مأساويةٌ
الحمد لله بخير الفقرُ، الصمودُ الأسريُّ العجوزُ السبعينية المسبحةُ الزجاجية تقليديةٌ
ودائع وطن النزوحُ، الوطنُ، البقاء سيوارُ وآفرين عفرينُ/آفرين متشظيةٌ
تحت نفس الشمس استغلالُ الأطفالِ الساردةُ المتأملة الدراجةُ مفتوحةٌ
سوق السمك الفسادُ السياسيُّ الرجلُ الغامض رائحةُ السمكِ مفاجئةٌ
أحلام طائر الفينيق الزلزالُ، الأملُ الجماعيُّ الصبيةُ الفينيقُ متشظيةٌ
جدول (2): الثنائياتُ الضديةُ المركزيةُ في المجموعة
الثنائيةُ الضديةُ تجسيدُها في النصوصِ دلالتُها العميقةُ
الحياةُ/الموت نجاةُ لصطيكه وموتُ أمِّه الموتُ قد يكونُ شكلاً من الحياة
الحريةُ/العبودية هروبُ الفتاةِ من سجنِ حسنية الحريةُ تبدأُ من الوعي
القسوةُ/الحنان عواطفُ/البلدوزر القسوةُ قد تكونُ حمايةً
الإيمانُ/الشك دعواتُ الشخصياتِ وتساؤلاتُها الإيمانُ رهانٌ لا يقينٌ
الوطنُ/المنفى آفرينُ تبقى في عفرين الوطنُ ذاكرةٌ لا مكانَ فقط
الفقرُ/الغنى عرسٌ أسطوريٌّ وجائعون الغنى قد يكونُ فقرًا أخلاقيًّا
الأملُ/اليأس صبيةٌ يلعبون على الركام اللعبُ مقاومةٌ ضدَّ الموت
ختامًا
نقولُ إن كوثر حسن جعفر، وهي تروي لنا حكاياتِ المهمشينَ والمعذبينَ والمنكسرينَ تحت سقفِ السماء، إنما تكتبُ ملحمةَ الصمودِ الإنسانيِّ في مواجهةِ العدم.
إنها تكتبُ عن الموتِ بوصفِه محركًا للحياةِ، وعن الظلمِ بوصفِه محرضًا للمقاومةِ، وعن الفقرِ بوصفِه مدرسةً للكرامةِ، وعن السماءِ بوصفِها الملاذَ الأخيرَ الذي لا يُهدمُ ولا يُحتَلُّ ولا يُنسى.
إنها حكاياتٌ تحت سقفِ السماءِ، لكنها في العمقِ حكاياتٌ عن السماءِ في قلوبِ البشرِ: عن ذلك الضوءِ العنيدِ الذي يرفضُ أن ينطفئَ مهما اشتدَّ الظلامُ، وعن ذلك الأملِ الذي يرفضُ أن يموتَ مهما تكالبَ اليأسُ، وعن تلك الإنسانيةِ التي ترفضُ أن تتحولَ إلى رقمٍ في إحصاءاتِ الضحايا.
وإنها لشهادةٌ عظيمةٌ — شهادةُ قاصةٍ تمتلكُ جرأةَ النظرِ المباشرِ في وجهِ الوجع، وموهبةَ تحويلِ هذا الوجعِ إلى فنٍّ يليقُ بكرامةِ الإنسان.
واللهُ أعلمُ بما خبأتهُ الصدورُ، وما خطتهُ الأقلامُ، وما سطرتهُ الحكاياتُ من دمٍ ودموعٍ وأمل.
تمتِ الدراسةُ النقديةُ بحمدِ اللهِ وتوفيقِه
والسلامُ على مَن اتبعَ الهدى، ورفضَ أن يكونَ للظلمِ شاهدًا صامتًا
وإلى لقاءٍ نقديٍّ قادمٍ مع نصوصٍ أدبيةٍ أخرى، نستودعُكم الله
قائمةُ المراجعِ والمصادر
1. بارت، رولان: «مدخلٌ إلى التحليلِ البنيويِّ للقصص»، ترجمة: منذر عياشي، دار نينوى، دمشق.
2. جينيت، جيرار: «خطابُ الحكاية»، ترجمة: محمد معتصم، المشروع القومي للترجمة، القاهرة.
3. تودوروف، تزفيتان: «الشعرية»، ترجمة: شكري المبخوت، دار توبقال، الدار البيضاء.
4. ريكور، بول: «الزمنُ والحكاية»، ترجمة: سعيد الغانمي، دار الكتاب الجديد، بيروت.
5. غادامر، هانز: «الحقيقةُ والمنهج»، ترجمة: حسن ناظم وعلي حاكم صالح، دار الكتاب الجديد، بيروت.
6. دريدا، جاك: «الكتابةُ والاختلاف»، ترجمة: كاظم جهاد، دار توبقال، الدار البيضاء.
7. غولدمان، لوسيان: «البنيةُ الاجتماعيةُ والإبداعُ الأدبي»، ترجمة: مجموعة مترجمين، دار الحقيقة، بيروت.
8. سعيد، إدوارد: «الثقافةُ والإمبريالية»، ترجمة: كمال أبو ديب، دار الآداب، بيروت.
9. بابا، هومي: «موقعُ الثقافة»، ترجمة: ثائر ديب، المركز الثقافي العربي، بيروت.
10. باختين، ميخائيل: «الملحمةُ والرواية»، ترجمة: جمال شحيد، دار الحوار، اللاذقية.
11. بروب، فلاديمير: «مورفولوجيا الحكاية»، ترجمة: عبد الكريم حسن، دار البدايات، دمشق.
12. لوكاش، جورج: «نظريةُ الرواية»، ترجمة: نزيه الشوفي، دار ابن رشد، بيروت.
13. الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر: «البيانُ والتبيين»، تحقيق: عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة.
14. الجرجاني، عبد القاهر: «دلائلُ الإعجاز»، تحقيق: محمود شاكر، مكتبة الخانجي، القاهرة.
15. الراوية، كوثر حسن جعفر: «حكايا الياسمين»، دار شلير، سوريا، 2019.
16. الراوي، كوثر حسن جعفر: «سموات الحزن»، دار ببلومانيا، مصر، 2024.
18. دراساتٌ في القصةِ القصيرةِ العربيةِ المعاصرةِ (مجموعةُ مؤلفين)، دار الفكر، دمشق.
طه دخل الله عبد الرحمن
البعنه == الجليل
31/08/2026
****************
مقدمة واهداء ورأيي النقدي للمجموعة القصصية – تحت سقف السماء – 28-8-2026
حين يكتب الوجع بلغة السماء
إهداءٌ إلى صانعةِ الحكاياتِ وعازفةِ الألمِ على أوتارِ البيان
القاصة والروائية كوثر حسن جعفر
أيَّتُها القاصةُ التي أمسكتْ بقلمِها فإذا بهِ يُنبتُ من ركامِ الحربِ سنابلَ من نور، ويفتحُ في جدارِ الصمتِ نوافذَ تُطلُّ على أرواحٍ أنهكَها التعبُ فأبتْ إلا أن تُزهر، سلامٌ عليكِ من قلبٍ قرأَ «تحت سقفِ السماء» فما عادَ كما كان، بل خرجَ من بينِ دفتيها يحملُ في روحِه ما لا تُسمّيهِ الحروفُ، وما لا تُحيطُ بهِ العباراتُ، وما لا تُدركُهُ إلا القلوبُ التي ذاقتْ طعمَ الحكايةِ حين تكونُ أصدقَ من الواقعِ وأبقى من الذاكرة.
يا مَن كتبتِ الوجعَ فألبستِهِ ثوبًا من جمال، وجعلتِ من التفاصيلِ الصغيرةِ تلكَ التي تمرُّ عليها العيونُ غافلةً ملاحمَ إنسانيةً تختصرُ المعنى كلَّه، وتختزنُ الحزنَ كلَّه، وتفيضُ بالحبِّ كلِّه. يا مَن رأتْ في «عواطف» وجهَ الأمِّ التي تخبّئُ الحنانَ خلفَ قناعِ القسوةِ كي لا ينكسرَ الصغار، وفي «لصطيكه» روحَ الوطنِ الذي يمشي في شوارعِ المدنِ المنسيةِ حاملًا زُنّارَ ذاكرتِه كأنهُ رايةٌ لا تسقط، وفي فتاةِ «تاء مربوطة» بذرةَ التمرّدِ التي لا يخنقُها زواجٌ ولا تُطفئُها عتمةُ القبو، فإذا هي تصيرُ محاميةً تدرسُ القانونَ في باريسَ وكأنها تقولُ للعالمِ كلِّه: إن الأنثى قد تُساقُ إلى السجنِ لكنها لا تُساقُ إلى النسيان.
لقد فتحتِ عينيَّ على حقيقةٍ طالما أدركتُها النفسُ وعجزَ عنها اللسان: أن الحكايةَ ليست ترفًا يُروى في المقاهي، بل هي سُلَّمٌ يصعدُ بهِ الإنسانُ إلى سمائِهِ الخاصةِ حين تضيقُ بهِ الأرض، وأن الكلمةَ ليست صوتًا يتبددُ في الهواء، بل هي رصاصةُ حياةٍ تُطلقُ في وجه العدم، وأن الراويَ ليس ناقلَ أخبارٍ بل شاهدٌ على عصرِهِ، وضميرٌ يقظٌ لأمتِه، وذاكرةٌ تحفظُ ما يحاولُ الطغاةُ محوَهُ من سجلِّ الوجود.
أيّتُها الكاتبةُ التي علّمتني أن النقدَ الحقيقيَّ ليس بحثًا عن الهنّاتِ ولا ترفُّعًا على النصوص، بل هو حوارُ روحٍ مع روح، واعترافُ قارئٍ بأن ما قرأهُ قد مسَّهُ في العمقِ وغيّرَهُ في الصميم، ووقفةُ احترامٍ أمام نصٍّ كُتبَ بالدمِ لا بالحبر، وصُنعَ من المعاناةِ لا من الخيال، وانبثقَ من صميمِ التجربةِ لا من برجِ العاج.
جئتُ إلى مجموعتِكِ وأنا لا أعرفُ ماذا أتوقع، فإذا بي أجدُ نفسي أمامَ كونٍ سرديٍّ متكاملٍ يموجُ بالحياةِ والموتِ والأملِ واليأسِ والعنفِ والحنان، وإذا بشخصياتِكِ تدخلُ بيتي دونَ استئذان، وتجلسُ على أريكتي كأنها من أهلِ الدار، وتحدّثُني عن أوجاعِها كأنني صديقٌ قديمٌ يعرفُ سرَّها ويحفظُ حكايتَها. فما كان مني إلا أن استسلمتُ لهذا السحرِ الآسر، وأغلقتُ الأبوابَ دوني ودونَ الضجيج، وقرأتُ في نهمٍ من ظمئَ إلى ماءِ الحكمةِ فوجدَه في بئرِ حكاياتِكِ العذبة.
يا مَن كتبتِ عن السماءِ فجعلتِها ملاذَ المقهورين، وسقفَ الحالمين، وشاهدَ الناجين، ومرآةَ التائهين، وموطنَ الأمنياتِ المؤجلة، وعنوانَ الصبرِ الجميل، أقولُ لكِ: لقد صدقتِ في وصفِك، وأبدعتِ في تصويرِك، وأصبتِ في قولِكِ إن «ثمةَ كتبًا تُقرأُ لتُنسى، وثمةَ كتبًا تُقرأُ لتُغيّرَ في روحِ قارئِها شيئًا لا يعرفُ كيف يسمّيه»، فمجموعتُكِ هذه من الصنفِ الثاني بلا مراء، وهي في تقديري من تلك الكتبِ النادرةِ التي لا تنتهي عندَ صفحتِها الأخيرة، بل تظلُّ تسكنُ القارئَ وتلاحقُه وتتمددُ في وعيِهِ كأنها سؤالٌ وجوديٌّ لا يجدُ جوابَهُ إلا في إعادةِ القراءة، ولا يهدأُ أوارُهُ إلا في لحظةِ كتابةٍ موازيةٍ يفرغُ فيها القارئُ ما امتلأتْ بهِ نفسُه من أثرٍ لا يُحتملُ صمتُه.
إنني إذ أكتبُ هذه المقدمةَ بين يدي رأيي النقدي، لا أكتبُها مجاملةً ولا تزيينًا، بل أكتبُها اعترافًا بأنني خرجتُ من مجموعتِكِ مختلفًا عمّا دخلتُها به، وأنني وجدتُ فيها ما كنتُ أبحثُ عنه طويلًا في كتبٍ كثيرات: ذلكَ الصوتُ الإنسانيُّ الصادقُ الذي لا يخافُ البوحَ ولا يجاملُ الواقعَ ولا يساومُ على الحقيقة، تلكَ العينُ الفاحصةُ التي ترى ما وراءَ السطورِ وما خلفَ الأقنعةِ وما تحتَ سقفِ السماء، ذلكَ القلبُ الكبيرُ الذي يتسعُ لأوجاعِ البشرِ جمعاءَ دونَ أن ينكسر، وتلكَ اللغةُ الشاعرةُ التي تجعلُ من الألمِ قصيدةً تُتلى، ومن الفقدِ موالًا يُغنى، ومن الذاكرةِ وطنًا بديلًا للذين شرّدتهم الحروبُ وزلزلتْهم الكوارثُ وشتّتهم الطغاة.
فإليكِ أيَّتُها القاصةُ القديرةُ كوثر حسن جعفر، أهدي هذه الكلماتِ التي كتبتُها بشغفِ القارئِ المبهور، وصدقِ الناقدِ الذي لا يعرفُ المواربة، وامتنانِ الإنسانِ الذي وجدَ في حكاياتِ الآخرينَ مرآةً لروحِه، وفي آلامِهم تجسيدًا لآلامِه، وفي صمودِهم درسًا في معنى الكرامةِ الإنسانيةِ التي لا تقهر.
ولكِ مني ومن كلِّ قارئٍ ستفتحُ مجموعتُكِ له بابَ السماء، ألفُ تحيةٍ وسلام، وألفُ دعوةٍ بأن يظلَّ قلمُكِ عصيًّا على الانكسار، وروحُكِ عصيةً على اليأس، وحكاياتُكِ شُعلةً تضيءُ للقادمينَ طريقَ الذاكرةِ في زمنٍ يحاولُ فيه الطغاةُ إطفاءَ كلِّ ضوء.
والسلامُ عليكِ يومَ كتبتِ أولَ حرف، ويومَ أتممتِ آخرَ قصة، ويومَ تُبعثينَ في ذاكرةِ القراءِ شاهدةً على أن الكلمةَ أقوى من الموت، وأن الحكايةَ أبقى من الدمار، وأن الأملَ تحتَ سقفِ السماء يبقى رغمَ كلِّ شيء ممكنًا وجميلًا وعظيمًا.
طه دخل الله عبد الرحمن
*************
رأيي النقدي بعد قراءةِ المجموعةِ القصصيةِ «تحت سقف السماء»
للقاصةِ والروائيةِ كوثر حسن جعفر
«ثمةَ كتبٌ تُقرأُ لتُنسى، وثمةَ كتبٌ تُقرأُ لتُغيّرَ في روحِ قارئِها شيئًا لا يعرفُ كيف يسمّيه. هذه المجموعةُ من الصنفِ الثاني»
تمهيدٌ: لماذا نكتبُ رأيًا بعد القراءة؟
حين ننتهي من قراءةِ عملٍ أدبيٍّ، نجدُ أنفسَنا أمامَ لحظةٍ حرجةٍ: لحظةُ ما بعدَ القراءةِ التي يتشكلُ فيها الأثرُ، وتتبلورُ فيها الرؤيةُ، وتنضجُ فيها الأحكامُ.
و«تحت سقف السماء» ليست مجموعةً تُقرأُ قراءةً واحدةً ثم تُغلقُ وتُنسى؛ إنها نصوصٌ تلاحقُ قارئَها، تتمددُ في ذاكرتِه، تسكنُ أحلامَه، وتفرضُ عليه حوارًا داخليًّا لا ينقطع.
لذلك، فإن كتابةَ رأيٍ نقديٍّ بعد قراءةِ هذه المجموعةِ ليس ترفًا فكريًّا ولا واجبًا أكاديميًّا فحسب، بل هو ضرورةٌ وجوديةٌ: إنها محاولةٌ لفهمِ ما حدثَ لنا نحن القراءَ أثناءَ القراءةِ وبعدَها، ومحاولةٌ للإمساكِ بذلك الخيطِ الخفيِّ الذي يربطُ النصوصَ بأرواحِنا، ويجعلُنا نخرجُ من التجربةِ القرائيةِ مختلفين عمّا دخلناها به.
أولًا: الانطباعُ الأولُ — ما الذي يبقى بعد القراءةِ الأولى؟
حين نُنهي الصفحةَ الأخيرةَ من «تحت سقف السماء»، ونُغلقُ الكتابَ، يبقى في النفسِ شيءٌ عميقٌ لا يشبهُ ما تتركُه القراءاتُ العادية:
· تبقى صورةُ عواطفَ/البلدوزر وهي تبكي في سجودِها، تلك المرأةُ التي حملت قسوةَ العالمِ على كتفيها لتخفيَ حنانًا لا تجرؤُ على إظهارِه.
· تبقى صورةُ الفتاةِ في «تاء مربوطة» وهي تتحولُ من طفلةٍ مذعورةٍ تُزفُّ لرجلٍ لا تعرفُه إلى امرأةٍ تدرسُ القانونَ في باريسَ وتكتبُ قصتَها بفخرٍ وكرامة.
· تبقى صورةُ لصطيكه وهو يمشي في الشوارعِ حاملًا زُنّارَ أمِّه، مبتسمًا بلا سبب، غائبًا عن الواقعِ لأنه لم يعدْ يحتملُه.
· تبقى صورةُ عبدِ الرزاق وهو يجلسُ على الرصيفِ يبكي لأن قطةً خطفت كيسَ اللحمِ الذي كان يحملُ حلمَه الوحيد.
· تبقى صورةُ الصبيةِ في «أحلام طائر الفينيق» وهم يلعبون على الركامِ ويرفعون أيديهم بإشارةِ النصرِ في وجه السماء.
هذه الصورُ لا تمحوها القراءاتُ اللاحقةُ، ولا تزاحمُها النصوصُ الأخرى؛ إنها محفورةٌ في الذاكرةِ بوصفِها أيقوناتٍ سرديةً تختزلُ الوجعَ الإنسانيَّ في لحظاتٍ مكثفةٍ لا تُنسى.
وهذا في تقديري هو الاختبارُ الأولُ لأيِّ عملٍ أدبيٍّ جاد: أن يتركَ في نفسِ قارئِه صورًا لا تُمحى، وأسئلةً لا تُغلق، وجروحًا لا تندمل.
و«تحت سقف السماء» تنجحُ في هذا الاختبارِ نجاحًا مدهشًا.
ثانيًا: في عمقِ التجربةِ — ما الذي تميّزت به هذه المجموعة؟
1. الصدقُ الفنيُّ العالي
أولُ ما يلفتُ في هذه المجموعةِ هو الصدقُ الفنيُّ الذي تكتبُ به كوثر حسن جعفر. إنها لا تكتبُ عن الوجعِ السوريِّ بوصفِه مادةً إعلاميةً أو شعارًا سياسيًّا، بل تكتبُ عنه بوصفِه تجربةً معيشةً تسكنُ تفاصيلَ الحياةِ اليومية: في رائحةِ السجن، وفي برودةِ القبو، وفي طعمِ الشوكولاتةِ التي أكلها «لصطيكه» تحت الأنقاض، وفي لفافةِ التبغِ التي تلفُّها عواطفُ بأصابعَ خشنة، وفي قارورةِ العطرِ الرخيصةِ التي أحضرتها الحاجةُ حسنيةُ لعروسِها الصغيرة.
هذا الصدقُ الفنيُّ يجعلُ القارئَ يثقُ بالنصوص، ويشعرُ أنها تنبعُ من الداخلِ لا من الخارج، وتُروى من الذاكرةِ لا من الوثائق، وتُكتبُ بالدمِ لا بالحبر.
2. التوازنُ الدقيقُ بين الواقعيِّ والرمزيِّ
ثاني ما يميزُ المجموعةَ هو قدرتُها الفائقةُ على الموازنةِ بين الواقعيِّ التسجيليِّ والرمزيِّ التأويليِّ:
· فهي من جهةٍ تؤرخُ لتفاصيلَ دقيقةٍ من الحياةِ السورية: أسعارُ الخضار، وطوابيرُ الخبز، ومواعيدُ الغسيلِ الكلويّ، وإجراءاتُ الحواجزِ الأمنية، وطقوسُ النزوحِ والتهجير.
· وهي من جهةٍ أخرى ترمّزُ هذه التفاصيلَ لتجعلَها أوسعَ من نفسِها: السجنُ يصبحُ استعارةً للوجودِ كله، والزلزالُ يصبحُ رمزًا للانفجارِ الإنسانيِّ، والسماءُ تصبحُ أيقونةً للأملِ المستحيل.
هذا التوازنُ الدقيقُ هو ما يجعلُ النصوصَ قابلةً للقراءةِ المتعددة: القارئُ البسيطُ يجدُ فيها حكاياتٍ مؤثرةً عن أناسٍ حقيقيين، والقارئُ المثقفُ يجدُ فيها طبقاتٍ دلاليةً عميقةً تفتحُ على أسئلةٍ وجوديةٍ كبرى.
3. الشخصيةُ المركبةُ التي ترفضُ التصنيف
من أبرزِ إنجازاتِ هذه المجموعةِ في تقديري بناءُ شخصياتٍ مركبةٍ ترفضُ الأحاديةَ والتبسيط:
· عواطفُ/البلدوزر: ليست شريرةً ولا طيبة، ليست ضحيةً ولا جلادة، ليست امرأةً ولا رجلًا. إنها كائنٌ سرديٌّ يتجاوزُ كلَّ التصنيفاتِ ليقفَ في منطقةٍ رماديةٍ تجعلُ القارئَ يحتارُ في أمرِها حتى الصفحةِ الأخيرة.
· الحاجةُ حسنيةُ في «تاء مربوطة»: ليست مجردَ عجوزٍ شريرةٍ تستغلُّ الفتيات، بل هي نتاجُ نظامٍ اجتماعيٍّ يعيدُ إنتاجَ القهرِ عبر النساءِ أنفسِهن. إنها ضحيةٌ تحولت إلى جلادة، وفقيرةٌ تمارسُ الفقرَ على من هو أفقرُ منها.
· لصطيكه: ليس مجنونًا ولا عاقلًا، ليس حيًّا ولا ميتًا. إنه كائنٌ بينيٌّ يعيشُ في مسافةٍ بين الحياةِ والموتِ والعقلِ والجنون، مما يجعلُه رمزًا خالصًا للفقدِ الذي لا يُحتمل.
هذه التركيبيةُ في بناءِ الشخصياتِ تمنحُ النصوصَ عمقًا إنسانيًّا يتجاوزُ ثنائيةَ الخيرِ والشرِّ إلى منطقةٍ أكثرَ تعقيدًا تليقُ بالحقيقةِ الإنسانية.
4. اللغةُ الشعريةُ التي تليقُ بالوجع
لا يمكنُ لقارئٍ أن يمرَّ على لغةِ «تحت سقف السماء» دون أن يلتقطَ أنفاسَه أمامَ كثافتها الشعريةِ:
· «خيطٌ من وشاحِ الصباحِ الأبيضِ يتدلى على أطرافِ الليل»
· «دموعٌ بطعمِ الحريق»
· «السماءُ هي المكانُ الوحيدُ الذي لا سجنَ فيه»
· «التغريبةُ العفرينية»
· «قافلةٌ تسيرُ بخطى سلحفاةٍ هرمة»
هذه اللغةُ ليست زخرفةً تُضافُ إلى المعنى، بل هي المعنى نفسُه في أقصى درجاتِ تكثيفِه. إنها لغةٌ تنحت الوجعَ نحتًا، وتجعلُه مرئيًّا وملموسًا وقابلًا للتذوق.
وهذا هو ما يميزُ الأدبَ الحقيقيَّ من الحكيَ العاديَّ: الأدبُ الحقيقيُّ يجعلُنا نرى ما لم نكن نراه، ونحسَّ بما لم نكن نحسُّه، ونفهمَ ما كان غامضًا في تجربتِنا الإنسانية.
5. الشجاعةُ في طرحِ الأسئلةِ الصعبة
من أجملِ ما في هذه المجموعةِ أنها لا تخافُ الأسئلةَ الصعبة، بل تطرحُها بوضوحٍ وجرأة:
· هل القسوةُ يمكنُ أن تكونَ حمايةً؟
· هل الزواجُ القسريُّ يمكنُ أن يكونَ نجاةً من فقرٍ أشدَّ قسوةً؟
· هل الموتُ يمكنُ أن يكونَ تحررًا من حياةٍ لا تُحتمل؟
· هل السماءُ موجودةٌ حقًّا، أم هي مجردُ وهمٍ نتشبثُ به كي لا نغرق؟
· هل الوطنُ فكرةٌ تستحقُّ الموتَ من أجلِها، أم هو مجردُ ذاكرةٍ نتعلقُ بها خوفًا من النسيان؟
هذه الأسئلةُ لا تقدمُ لها المجموعةُ إجاباتٍ جاهزةً، بل تتركُها مفتوحةً على التأويلِ والتفكيرِ والحوار. وهذا هو جوهرُ الأدبِ العظيمِ: أن يطرحَ أسئلةً لا أن يقدمَ أجوبة، وأن يفتحَ آفاقًا لا أن يغلقَ أبوابًا.
ثالثًا: في النقدِ ما الذي يمكنُ أن يُؤخذَ على المجموعة؟
بعد هذا الإعجابِ الكبيرِ، لا بدَّ من وقفةٍ نقديةٍ صادقةٍ على بعضِ الهنّاتِ التي يمكنُ رصدُها في المجموعة، ليس انتقاصًا من قيمتِها، بل إيمانًا بأن النقدَ الجادَّ هو أعلى درجاتِ الاحترامِ للأدبِ الجادّ.
1. التفاوتُ الفنيُّ بين القصص
من الطبيعيِّ في أيِّ مجموعةٍ قصصيةٍ أن تتفاوتَ نصوصُها في جودتِها الفنية، لكن هذا التفاوتَ في «تحت سقف السماء» واضحٌ إلى حدٍّ كبير:
· قصصٌ مكتملةٌ فنيًّا: مثل «منزل رقم 111» و«تاء مربوطة» و«ودائع وطن»، وهي نصوصٌ تنهضُ على بنياتٍ سرديةٍ متماسكةٍ وشخصياتٍ مركبةٍ ولغةٍ شعريةٍ عالية.
· قصصٌ تحتاجُ إلى مزيدٍ من التطوير: مثل «تحت نفس الشمس» و«عرس» و«سوق السمك»، وهي نصوصٌ جميلةُ الأفكارِ لكنها تبقى في حدودِ الانطباعِ والمشهدِ دون أن تتعمقَ في البنيةِ السرديةِ والشخصيات.
هذا التفاوتُ لا ينتقصُ من قيمةِ المجموعةِ ككل، لكنه يلفتُ إلى أن بعضَ النصوصِ كانت تحتاجُ إلى نفَسٍ أطولَ ومعالجةٍ أعمق.
2. الوعظيةُ الخفيفةُ في بعضِ النهايات
في بعضِ القصصِ، تميلُ النهاياتُ إلى الوعظِ والتلخيصِ الأخلاقيِّ بدلَ أن تتركَ الدلالةَ تنبثقُ من الأحداثِ نفسِها:
· في «الناجية الميتة»: «من يرى مصائبَ الناسِ تهونُ عليه مصائبُه».
· في «أحلام طائر الفينيق»: «فعلاً نحن مازلنا بخير».
· في «لحم بالكرز»: «ليجعلَها اللهُ بميزانِ حسناتِك».
هذه النهاياتُ مباشرةٌ إلى حدٍّ ما، وتكسرُ الإيحاءَ الذي بنته النصوصُ بمشقةٍ وصبر. وكان الأجملُ في تقديري أن تتركَ النصوصُ نهاياتِها مفتوحةً على صمتِ القارئِ وتأملِه، لا أن تُغلقَ بجملةٍ وعظيةٍ تختزلُ المعنى.
3. التكرارُ الموضوعيُّ المكثف
تتكررُ في المجموعةِ موضوعاتٌ بعينِها بشكلٍ مكثف: النزوح، والفقر، والقهرُ النسائي، والموتُ تحتَ الأنقاض.
هذا التكرارُ يمكنُ أن يُفهمَ على أنه تماسكٌ موضوعيٌّ يعكسُ رؤيةَ الكاتبةِ وانشغالاتِها الوجودية، لكنه في الوقتِ نفسِه يحدُّ من تنوعِ المجموعةِ ويجعلُ بعضَ القصصِ تبدو كأنها إعادةُ صياغةٍ لقصصٍ أخرى.
وكان يمكنُ أن تنوّعَ الكاتبةُ في موضوعاتِها لتشملَ مساحاتٍ إنسانيةً أخرى من الحياةِ السورية: الحب، والصداقة، والغربة، والنجاح، والفشل، والأمل.
4. المباشرةُ السياسيةُ في بعضِ المواضع
بعضُ القصصِ مثل «سوق السمك» تقتربُ من المباشرةِ السياسيةِ في إسقاطاتِها، مما قد يقللُ من غنى التأويلِ ويحدُّ من انفتاحِ النصِّ على قراءاتٍ متعددة.
والمقارنةُ بين «سوق السمك» و«منزل رقم 111» تكشفُ الفرقَ بين المباشرةِ والتأويلِ: فالأولى تشيرُ إلى الفسادِ إشارةً شبهَ مباشرةٍ، بينما الثانيةُ تتركُ القارئَ يستنبطُ المعنى من خلالِ البنيةِ السرديةِ المعقدةِ والرمزيةِ العميقة.
رابعًا: في التجربةِ الشخصيةِ ماذا فعلتْ بي هذه المجموعة؟
بعد كلِّ هذا التحليلِ والنقدِ، لا بدَّ من اعترافٍ شخصيٍّ:
إن «تحت سقف السماء» غيّرتْ شيئًا في طريقةِ نظرتي إلى الأدبِ السوريِّ وإلى الكتابةِ النسائيةِ وإلى القصةِ القصيرةِ بوصفِها جنسًا أدبيًّا قادرًا على حملِ أعمقِ الأسئلةِ الإنسانية.
لقد علّمتني هذه المجموعةُ أن:
· الوجعَ يمكنُ أن يكونَ مادةً جماليةً إذا وُظفَ بوعيٍّ فنيٍّ عالٍ.
· الهامشَ يمكنُ أن يكونَ مركزًا إذا أُعيدت كتابتُه بعينٍ فاحصةٍ وقلبٍ متضامن.
· اللغةَ يمكنُ أن تكونَ أقوى من الحربِ إذا استُخدمتْ بوصفِها فعلَ مقاومةٍ لا مجردَ وسيلةِ تواصل.
· المرأةَ يمكنُ أن تكونَ شاهدةً وكاتبةً وفاعلةً في صناعةِ المعنى، لا مجردَ ضحيةٍ صامتةٍ في هامشِ التاريخ.
وهذه دروسٌ تستحقُّ أن تُكتبَ بماءِ الذهب، وأن تُحفظَ في ذاكرةِ القراءِ طويلًا.
خامسًا: في التوصيةِ لمن ننصحُ بقراءةِ هذه المجموعة؟
ننصحُ بقراءتِها:
1. لكلِّ قارئٍ عربيٍّ يريدُ أن يفهمَ ما حدثَ في سوريا بعيدًا عن السردياتِ السياسيةِ المعلبة.
2. لكلِّ كاتبٍ وقاصٍّ يريدُ أن يتعلمَ فنَّ بناءِ الشخصيةِ المركبةِ واللغةِ الشعريةِ في السرد.
3. لكلِّ باحثٍ وناقدٍ يريدُ أن يدرسَ أدبَ الحربِ بوصفِه شهادةً إنسانيةً لا مجردَ توثيقٍ تاريخي.
4. لكلِّ امرأةٍ تبحثُ عن صوتِها في أدبٍ ذكوريٍّ غالبًا ما يهمشُها ويُقصيها.
5. لكلِّ إنسانٍ يؤمنُ بأن الأدبَ يمكنُ أن يكونَ فعلَ مقاومةٍ ضدَّ النسيانِ والظلمِ والموت.
خاتمةٌ: كلمةُ حقٍّ في وداعِ النص
في نهايةِ هذا الرأيِ النقديِّ، أجدُني مدفوعًا إلى قولِ كلمةِ حقٍّ لا بدَّ منها:
إن كوثر حسن جعفر في هذه المجموعةِ لم تكتبْ قصصًا فحسب، بل كتبت شهادةً من أعمقِ الشهاداتِ عن الإنسانِ السوريِّ في زمنِ الحربِ والزلزالِ والشتات.
لقد كتبت عن الأجسادِ المطحونةِ التي تقاومُ بصمودِها، وعن الأرواحِ المنكسرةِ التي لا تتوقفُ عن البحثِ عن ضوءٍ في آخرِ النفق، وعن القلوبِ الجريحةِ التي ما زالت قادرةً على الحبِّ والأملِ والتضامن.
وإنها بذلك قد رفعتْ القصةَ القصيرةَ إلى مصافِّ الشهادةِ الكبرى، وجعلتْ من الكتابةِ فعلَ صلاةٍ مضادةٍ للعدم.
فإذا كان للوجعِ أن يُكتب، فليُكتبْ بهذا الصدقِ والعمقِ والجمال.
وإذا كان للأملِ أن يُروى، فليُرْوَ بهذه اللغةِ الشعريةِ التي تليقُ به.
وإذا كان للإنسانِ أن يُذكر، فليُذكرْ بهذه الكرامةِ التي تليقُ بمعاناتِه.
وتحيةٌ من القلبِ إلى كوثر حسن جعفر، على هذا العملِ النبيل، وعلى هذه الشهادةِ العظيمة، وعلى هذا الأملِ الذي تزرعُه في قلبِ كلِّ قارئٍ يفتحُ مجموعتَها.
وتحيةٌ من القلبِ إلى كلِّ شخصياتِها المهمشةِ والمعذبةِ والمقاومة، التي علّمتنا أن الإنسانَ تحت سقفِ السماء يبقى إنسانًا، مهما اشتدَّ الظلامُ، ومهما تكالبَ الوجعُ، ومهما ضاقتِ الأرضُ بما رحُبت.
والسلامُ على مَن آمنَ بأن الكلمةَ أقوى من الموت، وأن الحكايةَ أبقى من الدمار، وأن الأملَ في النهايةِ هو الوجهُ الآخرُ للوجع.
والحمدُ للهِ ربِّ العالمين



#طه_دخل_الله_عبد_الرحمن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- طقوسُ الشاي المُقدَّسة
- قراءة تأويلية في جماليات النص الشعري وبلاغة التردّد الوجودي ...
- قراءة لقصيدة – خيوط العنكبوت – للأستاذ الدكتور فهد المحمد ال ...
- وتستمر الحكمة في النقد السامق لأضع بين ايديكم اعزائي ما جادة ...
- قِرَاءَةُ فِي مُعَلَّقَةٍ الْوَفَاء الْكُبْرَى لِلْأُسْتَاذ ...
- قراءة للمقطع الشعري – عيون – للأستاذة الناقدة نافلة مرزوق ال ...
- قراءة لقصيدة – أحبّكِ – للدكتورة آمال بوحرب
- شكر وامتنان لمرفأ الابداع والأستاذ سعيد محتال – جليس الشهر ف ...
- الحوار الثقافي الذي دار بين الدكتور عبد الكريم الحلو صاحب ال ...
- قراءتان لقصيدتان – سل النجوم وطفح الحب
- قراءة لقصيدة - رُبَاعِيَّاتُ محمد سليط من وجعِ الِخرْطُوم – ...
- سِفرُ الياسمين: فيروز والوحي القادم من الشرفة
- قراءة لقصيدة - وحدهم يعبرون الجسر – للأستاذ الشاعر البشير عب ...
- فيزياء الروح المضادة: تشريح -الوطن المؤقت- في نص نوال ادريس ...
- قراءة للقصة الق. ق. ج – طابور الموت – للأستاذة الهام عيسى
- قراءة لقصيدة – لقاء... وتراتيل – للأستاذ الشاعر سعيد محتال
- قراءة - بيسان قلعة الجليل – للكاتب الأستاذ صبحي سرحان
- سكة الضوء: حين يصير السفر وجودا والآخر وطنا من لغة ونور
- قراءة للقصيدة الحزينة - رقصات فوق غبش القبر –
- رمزية الألم والجمال في شعر محمود درويش


المزيد.....




- من غزة إلى الأوسكار.. -المواطن أسامة- يمثل فلسطين في فئة أفض ...
- زنازين صيدنايا تُبكي الممثلة السورية روزينا لاذقاني في معرض ...
- طغاة في منتجع العزلة.. هشاشة الديكتاتور في رواية -خيط البارو ...
- أم كلثوم في دمشق.. حفل نادر، وذكريات لا تُنسى.. حفل نادر تكش ...
- الرواية الأمريكية تحت المجهر.. كواليس الضربة الأولى لصاروخ - ...
- -حكم العدالة- يعود إلى الواجهة من بوابة معرض دمشق الدولي
- وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يترأس اجتماع ا ...
- -أرض اللبان- في مهرجان قازان.. رحلة سينمائية تكشف أسرار الشج ...
- إدانة زعيم عصابة سابق بقضية مقتل مغني الراب توباك شاكور عام ...
- جيجي لامارا يظهر في فيديو كليب أغنية نانسي عجرم الجديدة -اشه ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - دراسة «تحت سقف السماء» للقاصة كوثر حسن جعفر 31-8-2026 بلاغةُ الشتاتِ وجمالياتُ المقاومةِ السردية: مقاربةٌ تأويليةٌ تفكيكيةٌ في أنساقِ الوجعِ الإنسانيِّ وتجلياتِه الفنية. إعداد: الناقد طه دخل الله عبد الرحمن.