أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - فيزياء الروح المضادة: تشريح -الوطن المؤقت- في نص نوال ادريس أبخاطرة - حين يصنع الغرباء من الفقد عمارةً للخلود















المزيد.....


فيزياء الروح المضادة: تشريح -الوطن المؤقت- في نص نوال ادريس أبخاطرة - حين يصنع الغرباء من الفقد عمارةً للخلود


طه دخل الله عبد الرحمن

الحوار المتمدن-العدد: 8780 - 2026 / 7 / 28 - 06:25
المحور: الادب والفن
    


فيزياء الروح المضادة: تشريح "الوطن المؤقت" في نص نوال ادريس أبخاطرة - حين يصنع الغرباء من الفقد عمارةً للخلود
ثمّة لقاءات لا تُشبه اللقاءات، لا لأنّها تأتي على غير موعدٍ وحسب، بل لأنّها تأتي من العدم كما يأتي المطرُ في غير موسمه، وكما ينفلق الصبحُ عن نهارٍ لم تحلم به الليلةُ الفائتة. ثمّة لقاءات لا تنتمي إلى منطق السبب والنتيجة، ولا تخضع لقوانين التدرّج والتراكم، ولا تستأذن العقلَ قبل أن تشقّ طريقها إلى الروح. هي أشبهُ بالكشف الصوفيّ، تتجلّى في لحظةٍ مكثّفةٍ تُطوى فيها المسافاتُ والأزمنة، فإذا الغريبُ ليس بغريب، وإذا العابرُ ليس بعابر، وإذا المصادفةُ ليست مصادفةً إلّا في ظاهرها، أمّا في باطنها فقدرٌ مكتوبٌ في صحائف الغيب، لمّا يحِنْ أوانُ نزوله إلى الأرض بعدُ.
وهكذا، تمامًا هكذا، كان لقائي بها.
لم تكن ككلّ الوجوه التي تصافحها العينُ ثمّ تذوي في زحمة النسيان. كانت وجهًا يحملُ في ملامحه بقايا طفولةٍ لم تكتمل، وأطيافَ امرأةٍ نضجت قبل أوانها، وظلالَ أمٍّ أثقلتها الحياةُ ثمّ قوّست ظهرَها لكنّها لم تنحنِ قطّ. رأيتُها أوّل مرّةٍ فلم أرَها، بل رأيتُ ما وراءها: رأيتُ سهولَ حوران وهي تنبسطُ في عينيها، رأيتُ حقولَ القمح وهي تموجُ في خصلات شعرها الشقراء، رأيتُ بيوتَ اتسيل المفتوحةَ على الدروب كما تُفتح الصدورُ للأحبّة، ورأيتُ جموحَ الأنثى التي قادتها الحربُ من طفولةٍ وادعةٍ إلى غربةٍ لا تشبه إلّا الموتَ المؤجّل.
جاءت من درعا، من قريةٍ صغيرةٍ يسمّونها اتسيل، لا تكادُ تظهرُ على الخرائط، لكنّها في قلبها كانت تتّسعُ للدنيا وما فيها. جاءت تحملُ على كتفيها المنهكتين عمرًا أكبر من عمرها بثلاثين عامًا ونيّف، وفي عينيها المرهقتين حكاياتٌ أقدمُ من ملامحها، حكاياتٌ لا تُروى بلغةِ الكلام، بل بلغة الصمت الثقيل الذي يتخلّلُ الكلام. كانت بيضاءَ كالياسمين الدمشقيّ أوّلَ ما يتفتّح، شقراءَ كسنابل القمح في سهول حوران أواخرَ الربيع، لا تكادُ تفارقُ الابتسامةُ وجهَها، لكنّها ابتسامةٌ من نوعٍ آخر: ابتسامةُ من ذاق المرارَ حتى صارَ المرارُ جزءًا من تركيبة فمه، فما عاد يشعرُ به، ابتسامةُ من تجاوز الألمَ حتى صار الألمُ هو الأصل، والفرحُ هو الاستثناء العابر.
حدّثتني عن عمرها، فقلتُ في نفسي: كيف تسعُ هذه السنواتُ القلائلُ كلَّ هذا الذي يسكنُها من حكايات؟ كيف لامرأةٍ في مطلع الثلاثينيات أن تحملَ في صدرها من الوجع ما يكفي لامرأةٍ عاشت سبعين عامًا؟ ثمّ أدركتُ أنّ الزمنَ لا يُقاسُ بالسنين، بل بالوجع الذي يضغطُ السنينَ في ساعات، وبالحرب التي تحوّل الطفلةَ إلى عجوز، وبالغربة التي تجعلُ من الفتاةِ الصغيرة أمًّا قبل أن تعرفَ معنى الأمومة.
قالت لي ذات يوم، وعيناها تائهتان في أفقٍ لا أراه: "أنا غريبةٌ هنا، ولا أعرف أحدًا... والوحدة مرّةٌ وقاسية".
أطلقتْها هكذا، بسيطةً عفويّة، كما تطلقُ المرأةُ تنهيدةً لا تتوقّعُ أن يلتقطها أحد. لكنّ هذه التنهيدةَ بالذات اخترقت ضلوعي ووصلت إلى حيثُ تسكنُ وحدتي أنا الأخرى. فإذا بي أكتشفُ أنّني كنتُ أغرقُ بصمت، وأنّني كنتُ أحتاجُ إلى يدٍ تمتدّ نحوي تمامًا كما احتاجت هي، وأنّ الغريقَ لا يسألُ الغريقَ عن اسمه، بل يمدُّ له يدَه وينجوان معًا. لم أكن أدري، وهي التي طلبت المؤنس، أنّني كنتُ أكثر احتياجًا إليها، وأنّ الطريق بين بيتينا لم يُشقَّ إلّا لتلتقي روحان أنهكهما التيه.
منذ تلك اللحظة، لم نعد جارتين، بل صرنا وطنًا صغيرًا منحوتًا من طين المنفى، مرفوعَ السقف على أعمدة من بوحٍ ودعاء، مفتوحَ النوافذ على حقولٍ من حنين. صار لنا موعدٌ مقدّس، لا تؤجّله أمطار ولا تحبسه عواصف: موعدُ العصر. فما إن تنتهي من صلاتها حتى تُقبلَ إليّ كما يُقبل الندى على وريقات الزهر بعد ليلةٍ طويلةٍ من الظمأ. كنتُ أنتظرها كما تنتظر الأرضُ المطر، وكما ينتظرُ السجينُ طلعةَ الشمس من نافذة زنزانته. نجلس معًا حتى يغمرنا وقت المغرب، نتبادل الحكايات كما يتبادل الجائعون رغيفًا واحدًا، ونتقاسم الصمت كما يتقاسم العاشقان نظرةً لا تحتاج إلى حروف.
كم مرّةً خرجنا إلى الحديقة بعد المغرب، نمشي تحت الأشجار التي حفظت أسرارنا، ونجلس على المقاعد الحديدية الباردة التي صارت بدفء حكاياتنا موقدًا في ليل المنفى الطويل؟ كم مرّة تحدّثنا عن لا شيء، فإذا اللا شيء في صحبتها يفيضُ بالمعنى، وإذا التفاصيل الصغيرة التي لا تُذكر في العادة تصيرُ في حضرتها طقوسًا من نور؟ أحيانًا كنّا نلهو كالأطفال، نضحك حتى تدمع العيون، فلا ندري أنحن نضحكُ من فرحٍ حقيقي، أم من حزنٍ عميق يخرج متنكّرًا في ثياب الفرح. وأحيانًا كنّا نصمت، فيكونُ صمتُنا أفصحَ من كلّ كلام، وكأنّ أرواحَنا تتحاور بغير الحروف، وكأنّ صمتنا هو اللغة السريّة التي لا يفهمها إلّا من ذاقوا مرارة الغربة نفسها.
حدّثتني عن قريتها اتسيل، فكانت تتحدّث عن جنتها المفقودة. لم تكن تصفُ مكانًا، بل كانت تصفُ حالةً من الطمأنينة لا تُشترى بمال، ولا تُستعاد بفيزا سفر. كانت تصفُ الصباح هناك: رائحة الخبز الذي يخرج من التنّور عند الفجر، وعبق الزعتر البريّ الذي تلتقطه أنامل الأطفال من سفوح الجبال القريبة، وأريج الزيتون الطازج الذي قُطف للتّوّ وعُصر بين الحجارة القديمة. كانت تصف أشجار التفّاح والتين والزيتون، فلا تقول "أشجارًا"، بل تقول "أفرادًا من العائلة"، كبروا معهم وسقوهم من طفولتهم، وحفظوا أسرارهم تحت ظلالهم الوارفة. ثمّ تصمتُ فجأةً، وكأنّ روحها كانت تحلّق في سماء اتسيل، فارتطمت فجأةً بسقف هذه الغرفة، وبضجيج المكيّف الذي يقتل الإحساس بالحياة، فتعودُ من رحلتها مكسورةَ الجناح، وتقول بصوتٍ يخنقه الحنين: "هنا... لا أعرف الصباح من المساء".
وتسألني، وعيناها تلمعان بالدموع المأسورة: "هل تعرفين معنى أن تستيقظي فلا تسمعي صوت العصافير، ولا روائح الأرض بعد المطر، ولا ضحكات الأطفال وهم يجرون في الحقول؟ هل تعرفين معنى أن تنامي وتصحّي على الصوت نفسه، صوت المكيّف، وجدران أربعة تضغط على صدرك حتّى تكاد تختنقين؟" فأقول لها، بصوتٍ لا يجرؤ على الخروج: نعم، يا وردة، أعرف... أعرف أكثر ممّا تتصوّرين.
ثمّ خفَتَ صوتُها ذات مرّة، ومالت إليّ كما تُميلُ الريحُ غصنًا رطيبًا، وحكت لي عن زوجها الذي كان في الوقت نفسه زوجًا منشغلًا بالدفاع عن أرضه، ورجلًا ينسجُ خيوط علاقة جديدة مع امرأة أخرى. حكت لي عن وجع الأنثى التي تحبّ رجلًا يوشك أن يكون لغيرها، حكت لي عن صراعها بين قلب الزوجة التي تتمسّك ببيتها، وقلب الأمّ التي تخاف على صغارها، وقلب الأنثى التي تخشى الهجر. ثمّ قالت، وعيناها غائرتان في بحر من الدموع المسجونة: "وفي اليوم الذي سبق اليوم الذي قيل إنه سيشهد زفافه على امرأة أخرى... عاد إليّ. لم يعد عريسًا يُزفّ على أنغام الفرح، بل شهيدًا يُزفّ إلى السماء. بكيتُ عليه بحرقة... وبكيتُ أطفالي لأنّهم أصبحوا بلا أب. لكن في أعماقي، كان صوت خافت يهمس لي: عريسًا إلى الجنّة أهون على قلبي من أن يكون عريسًا لامرأة أخرى".
هنا، تجمّدت الكلمات في حلقي. ماذا يقول المرءُ أمام اعتراف كهذا؟ كيف نتعامل مع وجعٍ يجعل الموتَ أرحمَ من الحياة؟ أيّ حبّ ذاك الذي يغار حتّى بعد الفراق؟ وأيّ انكسار ذاك الذي يجعل المرأة تفضّل أن ترى زوجها في عليّين على أن تراه في حضن أخرى؟ في تلك اللحظة، أدركت أنّ ما أحسبه أنا ألمًا ليس سوى خدشٍ صغير، وأنّ هناك جروحًا لا تلتئم، بل تتعلّم صاحبتها أن تمشي بها، أن تأكل، أن تضحك، أن تنجب، أن تربّي، وكأنّها لم تكن يومًا تنزف.
ثمّ مات الكلام بيننا، وسكن الصمت. لكنّه لم يكن صمتًا فارغًا، بل كان صمتًا ممتلئًا بالمعنى، صمتًا يحمل في طيّاته كلّ كلمات المواساة التي عجزت عنها شفتاي، صمتًا هو أجمل ما قيل في ذلك المساء.
أربعة أشهر ونصف... فقط!
أربعة أشهر ونصف في تقويم الزمن، أمّا في سجلّ الروح فدهرٌ بأكمله. ثمّة علاقات تنمو ببطء، تحتاج إلى سنوات لتضرب جذورها في التربة، ثمّ تحتاج إلى سنوات أخرى لتُزهر. وثمّة علاقات لا تعرف التدرّج، ولا تؤمن بالزمن، بل تولد كاملةً دفعةً واحدة، كما يولد النجم ساطعًا، وكما ينبجس النبع جاريًا، وكما تتفتّح زهرة الياسمين فجأةً في ليلة صيف. علاقتي بها كانت من هذا النوع، انبثقت من العدم واكتملت في اللحظة نفسها، قطعت كلّ المراحل في خطوة واحدة، طوَت كلّ الأزمنة في طرفة عين. فبعض الأرواح تتآلف كما تتآلف قطعتا لغزٍ قديم، لا تحتاجان إلى شرح ولا إلى تقديم، بل تتعانقان فتصيران صورةً واحدة، وتعودان إلى الأصل الذي كانتا عليه قبل أن تفرّق بينهما الأقدار.
وها أنا ذا اليوم، على أعتاب الرحيل، أحاول أن ألملم شتات روحي التي توزّعت بين البقاء والوداع. سترحل هي، أو سأرحل أنا، أو سنرحل معًا في اتّجاهين متضادّين، كلّ إلى منفاه، وكلّ يحمل في صدره وطنًا صغيرًا لا يُرى بالعين. ستعود إلى حياتها، وسيبقى في قلبي مقعد فارغ تحت شجرة الحديقة، وموعد عصر لن يأتي فيه أحد، وصمت طويل سيسكن زوايا البيت. سأمرّ في الطريق بين بيتينا، فأرى ظلّها يسير إلى جواري، وسأجلس وحدي على مقعدنا في الحديقة فأحسّ يدها على كتفي، وسأدخل وقت العصر فلا أجدها، فأنظر إلى الساعة وأنتظر، ثمّ أتذكّر، ثمّ أنكسر.
تلك هي مأساة المنفيّين: يلتقون في المنافي، فيتّخذون من اللقاء العابر وطنًا، ومن الغريب أهلًا، ومن المصادفة قدرًا، ثمّ يتابع كلّ منهم طريقه في دروب التيه. يصنعون أوطانًا صغيرة في صدور بعضهم البعض، يدفئونها بالضحكات والبوح والدموع، يروونها بمواعيد العصر وجلسات الحديقة، ثمّ تأتي الريح فتعبث بها، فيمضي كلّ إلى جهة من الأرض، حاملًا معه بقايا وطن صغير مصنوع من الياسمين والحنين
لكنّني على يقين، أنّ بعض البشر لا يطيلون البقاء في حياتنا، ومع ذلك يتركون أثرًا لا يرحل أبدًا. يرحلون بأجسادهم، ويبقى حضورهم يسكن التفاصيل: في موعد العصر، وفي مقعد الحديقة الخالي، وفي ضحكة عابرة ترنّ في الذاكرة، وفي دعاء صادق يُرفع في جوف الليل، وفي ذكرى لا تشيخ مهما طال عليها الزمن. سيكفي أن أمرّ يومًا بجانب تلك الحديقة، فأراك تمشين إلى جواري كطيفٍ من نور، ويكفي أن أشمّ رائحة الزعتر البريّ، أو ألمح شجرة زيتون وارفة، حتّى أسمع صوتك الهادئ يهمس في أذن قلبي: "هناك... هناك، كانت الحياة أجمل".
ثمّ أعود أدراجي إلى وحدتي، وقد صارت وحدتي أقلّ قسوة، لأنّني صرتُ أعرف أنّ هناك، في بقعة أخرى من هذا العالم الممزّق، تسكن امرأة تشبه الياسمين، تشبه القمح، تشبه سهول حوران في الربيع، تحمل في صدرها وطنًا كاملًا، وطفولةً لم تكتمل، وحبًّا لم يمت، ووجعًا لا يبلى.
سلامٌ عليكِ يا وردة، كلّما أزهر الياسمين، وكلّما حنّ الغريب إلى وطن، وكلّما التقى غريبان في منفى فصارا وطنًا لا تغادره الذاكرة.
طه دخل الله عبد الرحمن
البعنه == الجليل
27/07/2026
***************
وطنٌ من ياسمين... وعمرٌ من حنين
حين يلتقي الغريبان في منافي الروح، فيصيران وطنًا لا تغادره الذاكرة
في فوضى الحياة، نلتقي بأناسٍ شتى، نلتقي بمن نعرفهم، وبمن اعتدنا ملامحهم حتى صاروا جزءًا من تفاصيل أيامنا، نلتقي بمن عرفناهم ذات زمن، ثم فرّقت بيننا الأيام والمسافات، حتى إذا يئسنا من عودتهم، ردّتهم إلينا المصادفةُ في منعطفٍ لم نحتسبه. تبدو هذه اللقاءات امتدادًا طبيعيًا لحكايات مؤجلة، مهما طال عليها الفراق، ومهما تراكمت فوقها السنون.
لكن ثمّة لقاءاتٌ من طينةٍ أخرى... لقاءات لا تأتي امتدادًا لماضٍ، ولا استكمالًا لعهد، ولا تحقيقًا لوعد. لقاءات تنبثق من العدم، كما ينبثق النبع من صخورٍ لم يظنّها أحدٌ يومًا موطنًا للماء. تجمعك بطريقٍ لم تسلكه من قبل، بإنسانٍ لم يخطر ببالك قط أن دربك سيصافح دربه، ولم تنبئك به رؤيا، ولا همس لك به حدس. لهذا تبقى بعض اللقاءات خالدةً في الذاكرة، لا لأنها جاءت في موعدها، بل لأنها استعصمت على المواعيد، وأبت إلا أن تفاجئك في لحظةٍ عابرة، فإذا بك تقف مشدوهًا أمام إنسان لم تره من قبل، لكنه يمطر روحك بوابلٍ من الألفة، كأنه كان يسكنك منذ الأزل، وما كان بينكما إلا حجابٌ رقيق مزّقه القدرُ في لحظةٍ شاءها.
هكذا، تمامًا، كانت لحظتي الأولى معها.
كانت تلك أوّل مرةٍ تقع فيها عيناي على محيّاها، ومع ذلك لم يخالجني إحساسُ الغريبة. كان في حضرتها ما يشبه البيوتَ حين تعود إليها بعد غياب، ما يشبه دفء الذكريات القديمة وهي تتسلل إلى صدرك بلا استئذان. في العادة، تحتاج العلاقات الإنسانية إلى زمنٍ يتنفس كي تنبت جذورها، تحتاج إلى لقاءات تتلوها لقاءات، وإلى كلمات تتراصّ فوق كلمات، وإلى مواقف تنسج خيوط الثقة على مهل. أما هي... فقد طوَت كل تلك المراحل في غمضة عين، عبرت إلينا كما يعبر الضوء الزجاجَ، لا ينتظر إذنًا، ولا يستأذن أحدًا. اختزلت الزمن كله في لقاءٍ واحد، لقاء عابر في ظاهره، لكنه في العمق كان لقاء الأقدار التي طال انتظارها دون أن ندري.
كانت تبحث عن وجهٍ يبدّد وحشة أيامها، وعن حديثٍ يخفف عنها غربة المكان. لم تكن تدري، ولم أكن أدري أنا أيضًا، أنني كنتُ أكثرَ احتياجًا إليها، وأن اليد التي امتدّت تطلب مؤنسًا كانت، في حقيقة الأمر، هي اليد ذاتها التي انتشلتني من غرقٍ صامت، من وحدةٍ كانت تنخر روحي في سكون الليل وصخب النهار.
جاءت من درعا... من بلدةٍ صغيرة يسمّونها اتسيل، تحمل على كتفيها عمرًا أكبر من عمرها، وعلى مقلتيها حكايات أقدم من ملامحها. كانت في مطلع الثلاثينيات، بيضاء كالياسمين الدمشقي، شقراء كسنابل القمح في سهول حوران، لا تكاد تفارق الابتسامة وجهها، وأمًّا لثلاثة أطفال. كانت جميلة، لكن جمالها لم يكن جمال الرفاهية والراحة، بل جمال من صقلتها المحن، وزادها الألمُ نورًا فوق نور. حياتها لم تكن وردية... بل كانت أقسى من أن تُروى بلغة، وأعمق من أن تختزلها الكلمات.
قبل أكثر من عشر سنوات، خرجت من وطنها مرغمة، لا كما يخرج المسافر يمنّي نفسه بالعودة، بل كما يقتلع الإعصار شجرةً من جذورها. تركت خلفها طفولتها المعلقة على جدران غرفتها، وذكرياتها المنثورة في زوايا البيت، وأحلامها المؤجلة إلى أجلٍ لا تعرفه. بدأت رحلة اللجوء في بلدٍ مجاور، حيث الخيام بيوت، والانتظار رفيق، والحنين وجعٌ يوميّ لا يغفو. هناك كبرت سريعًا... لم تكبر وحدها، بل كبرت معها الهموم، ونما الخوف في صدرها كما تنمو الأشواك في أرضٍ جرداء، وتكاثرت الأسئلة التي لا تجد إجابات، كغيوم تتراكم ولا تمطر.
مرّت الأيام، وتزوجت، وعادت إلى وطنها المنهك، وأنجبت ابنها الأول. عادت تحمل أعباء الزوجة والأم، وتواجه وحدها تقلّبات حياةٍ لا تعرف للاستقرار معنى. كان زوجها منشغلًا بالدفاع عن أرضه، ومنشغلًا، في الوقت ذاته، بنسج خيوط علاقة جديدة مع امرأة أخرى. وكانت وردة تحمل همّ البيت والطفل، وتخفي في أعماقها وجعًا مكتومًا، وقدرًا لا تملك رده ولا تملك الفرار منه. لم يكن في يديها إلا الصبر، والدعاء، ودموع تخفيها عن أعين الناس، وقلب يئن في صمت. ثم جاء اليوم الذي سبق اليوم الذي قيل إنه سيشهد زواجه من امرأة أخرى... لكنه القدر، ذلك الذي يقلب الموازين في لحظة، ويكتب نهايات لم تخطر على بال بشر. عاد إليها، ليس عريسًا يزفّ على أنغام الفرح، بل شهيدًا يُزفّ إلى السماء، في عرسٍ من نور، لا يشبه أعراس الأرض.
استحضرت ذلك المشهد أمامي ذات يوم، في إحدى جلساتنا التي كانت تذوب فيها المسافات بين الروح والروح، وقالت لي وعيناها ممتلئتان بما تعجز الحروف عن حمله: «بكيت عليه بحرقة... وبكيت أطفالي لأنهم أصبحوا بلا أب. لكن في أعماقي كان صوت خافت يهمس لي: عريسًا إلى الجنة أهون على قلبي من أن يكون عريسًا لامرأة أخرى.»
لم تكن تفرح بالموت، حاشاها، ولم تكن ترغب في أن تفقد زوجها في ربيع عمرها، لكنها كانت تصف حجم الانكسار الذي كان يتهددها، وحجم الصراع الذي مزّقها بين قلب الزوجة التي تحب، وقلب الأم التي تخاف، وقلب الأنثى التي تخشى أن تُهجر. كانت تبكي روحًا أنهكتها الحرب والغربة، قبل أن تنهكها خيانة الأحبة ومرارة الفقد.
وجدت نفسها فجأة تحمل مسؤولية الأمومة وحدها، وقلبًا مثقلًا بالفقد، ومستقبلًا يلفه الضباب. ثم جاءت العادات والتقاليد لتلعب دورًا آخر في مسرحية حياتها، دورًا قاسيًا قيّد خياراتها، وضيّق عليها سُبل الاختيار. فُرض عليها أن تلتفت إلى حياة جديدة مع رجل جديد، لكن مخاوفها من المجهول كانت أعتى من قدرتها على البدء، كانت ترتجف من فكرة أن تفقد ما تبقى لها من أمان، وأن تنتزع منها فلذات كبدها. وشاءت إرادة الله أن تتزوج من شقيق زوجها المغترب.
تم الزواج، لكن المسافات ظلّت أطول من أعمارهم، وأقوى من لقائهم. بقيت بعيدة عنه، حتى أتيحت لها فرصة السفر إليه، فمكثت معه فترة قصيرة كالحلم، ثم عادت لتفرق بينهما من جديد السنين والمسافات، حاملة في أحشائها طفلًا آخر. وبعد أربع سنوات ونصف، جاء اللقاء المنتظر... لقاء الأب بابنه الذي لم يعرفه إلا صورةً على شاشة، ولقاء آخر لم يكن بينها وبين زوجها فحسب، بل كان بيني وبينها. كان ذلك هو اللقاء الذي دبّره الله في غيوب سماواته، ولم يكن زوجها هو المعنيّ وحده، بل كنت أنا أيضًا على موعدٍ مع قدرٍ جميل، ليجمعني بها.
جاءت عودتها مع نسمات شهر رمضان، واحتضنتنا الأيام المباركة بلقاء فاض بالمعاني. رأتني ذات يوم، ثم التفتت إليّ وقالت بعفوية مزّقت ستائر قلبي: «أنا غريبة هنا، ولا أعرف أحدًا... والوحدة قاسية ومرة.»
لم تكن تعلم، وهي تطلق تلك الكلمات البسيطة، أنني أنا أيضًا كنت أغرق في وحدة لا تقل قسوةً ولا مرارةً عن وحدتها. ومنذ تلك اللحظة، انصهرت وحدتان في بوتقة واحدة، فكانتا دفئًا... ومنذ ذلك اليوم، لم نعد مجرد جارتين تتقابلان في الطريق، بل صرنا وطنًا صغيرًا، كل منا تحمل الأخرى بين ضلوعها. صار للعصر موعد مقدس لا يتغير ولا يتبدل، كانت تصلي العصر، ثم تقبل إليّ كأنما الطريق بين بيتينا لم يُخلق إلا ليجمعنا. نجلس معًا حتى يغمرنا وقت المغرب، ثم نخرج إلى الحديقة، نمشي بين الأشجار كأننا نستمع إلى أسرارها، ونجلس على المقاعد التي حفظت حكاياتنا، ونتحدث عن كل شيء، وأحيانًا عن لا شيء، فكان اللا شيء في صحبتها يفيض بالمعنى. أحيانًا كنا نلهو كالأطفال، نضحك حتى تدمع العيون، وأحيانًا يكفينا أن نجلس صامتتين، في لحظة تأمل، وكأن الصمت بيننا كان أفصح من كل الكلام.
كانت تحدثني كثيرًا عن بلدها، عن قريتها اتسيل. وكلما تحدثت عنها، شعرت أنني لا أستمع إلى وصف مكان، بل إلى وصف الجنة كما يتخيلها قلب إنسان منفيّ. كانت تقول إن الصباح هنا لا يعرف رائحة الخبز الخارج من التنور، ولا عبق الزعتر البري، ولا أريج الزيتون الطازج الذي قُطف للتو، ولا نكهة الجبن الذي تصنعه الأمهات بأيديهن على ضوء الفجر. كانت تقول إن أشجار التفاح والتين والزيتون هناك ليست مجرد أشجار، بل هم أفراد من العائلة، كبروا معهم، وسقوهم من طفولتهم، وحفظوا أسرارهم تحت ظلالهم الوارفة. كانت تحدثني عن بيوت لا تعرف الأقفال، وعن أبواب تبقى مفتوحة كأنها خلقت لاستقبال الناس لا لردهم، وعن ساحات يُؤكل فيها الفطور جماعة، وعن جلسات عصر تمتد تحت الأشجار حتى تذوب الشمس في الأفق، وعن أطفال ينتقلون بين البيوت كما تنتقل العصافير بين الأغصان، لا يستأذنون ولا يُستأذن منهم.
ثم تصمت فجأة... وكأن روحها تعود من رحلة بعيدة إلى واقعها الأليم، وتقول بصوت يخنقه الحنين: «هنا لا أعرف الصباح من المساء. كل شيء يُقضى بين أربعة جدران، وتحت صوت أجهزة التبريد التي تقتل الإحساس بالحياة. أما هناك... فالحياة كلها في الخارج، تحت السماء المفتوحة.»
لم تكن تبكي وطنًا فحسب، بل كانت تبكي تفاصيله الصغيرة التي لا يراها إلا من أحب. كانت تقول لي: هناك غرفتي التي تعرف أحلامي، وهناك ملابسي المرتبة في الخزانة، وهناك أغراضي التي أهتدي إليها حتى لو أغمضت عينيّ. هناك أولادي الذين يجرون في الحقول، وهناك الأرض التي نزرع فيها كل ما نأكله، فلا نحتاج أن نشتري من الأسواق إلا القليل. وكلما تحدثت عن تلك التفاصيل، أدركت أن الإنسان لا يشتاق إلى الأوطان الكبيرة، بقدر ما يشتاق إلى التفاصيل الصغيرة التي خبزت أيامه، وإلى الذكريات التي تسللت إلى نسيج روحه دون أن يدري.
كانت أربعة أشهر ونصف فقط في تقويم الزمن... لكنها في سجل الروح تعادل عمرًا كاملًا. فبعض العلاقات لا تحتاج إلى زمان طويل حتى تصبح جزءًا من تكوينك، وبعض الأرواح تتآلف في لحظة، كما تتآلف قطعتا لغز قديم.
واليوم، إذ أقف على أعتاب الرحيل وأودّعها، يعود إلى مسامعي صدى عبارتها الأولى: «الوحدة مرة وقاسية.» لكنني هذه المرة أخفي في أعماقي عبارة أخرى لا يجرؤ لساني على النطق بها، أصرخ بها في صمت: أرجوكِ... لا تذهبي. ابقي قليلًا، فما زال في القلب متسع للقاءات أخرى، وما زالت الحديقة تنتظر خطواتك، وما زال موعد العصر يحنّ إلى صوتكِ. فأخشى، ما أخشاه، أن تعود الوحدة فتأسرني من جديد.
تعلمت منها أن الأوطان ليست حدودًا تُرسم على الخرائط، وأن بعض البشر يصبحون وطنًا بكل ما في الكلمة من معنى، نسكنهم ونحن في أوج غربتنا، فإذا رحلوا، شعرنا أننا نحن الذين رحلنا، وأن الأرض من تحتنا قد زُلزلت.
ستعود إلى حياتها، وسيبقى في قلبي مقعد فارغ تحت شجرة الحديقة، وموعد عصر لن يأتي فيه أحد، وصمت طويل سيسكن زوايا البيت. سترحل، ويسرقني الحنين إلى وطن بعيد، وطن لا يُرى بالعين، بل يُرى بالقلب.
ولا أدري... هل ستأذن الأقدار بلقاء آخر؟ أنا من بلد، وهي من بلد، وهذه المدينة التي جمعتنا تحت سمائها قد أغادرها يومًا، وقد تغادرها هي إلى غير رجعة.
تلك هي مأساة المنفيين، يلتقون في المنافي، فيصبحون أوطانًا مؤقتة، ثم يتابع كل منهم طريقه في دروب التيه.
لكنني على يقين أن بعض الناس لا يطيلون البقاء في حياتنا، ومع ذلك يتركون أثرًا لا يرحل أبدًا.
يرحلون بأجسادهم، ويبقى حضورهم يسكن التفاصيل: في موعد العصر، وفي مقعد الحديقة الخالي، وفي ضحكة عابرة ترن في الذاكرة، وفي دعاء صادق يرفع في جوف الليل، وفي ذكرى لا تشيخ مهما طال عليها الزمن.
سيكفي أن أمرّ يومًا بجانب تلك الحديقة، فأراها تمشي إلى جواري كطيفٍ من نور، ويكفي أن أشم رائحة الزعتر البري، أو ألمح شجرة زيتون وارفة، حتى أسمع صوتها الهادئ يهمس في أذن قلبي: «هناك... هناك، كانت الحياة أجمل.»
سلامًا لقلبها الجميل، سلامًا يليق بمن حملت وطنًا كاملًا في صدرها، وحملت الحياة فوق كتفيها، وظلت، رغم كل ما انكسر فيها، تبتسم.
نوال ادريس أبخاطره



#طه_دخل_الله_عبد_الرحمن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة للقصة الق. ق. ج – طابور الموت – للأستاذة الهام عيسى
- قراءة لقصيدة – لقاء... وتراتيل – للأستاذ الشاعر سعيد محتال
- قراءة - بيسان قلعة الجليل – للكاتب الأستاذ صبحي سرحان
- سكة الضوء: حين يصير السفر وجودا والآخر وطنا من لغة ونور
- قراءة للقصيدة الحزينة - رقصات فوق غبش القبر –
- رمزية الألم والجمال في شعر محمود درويش
- القصيدة المغناة بقلم الشاعر والناقد الاردني دكتور محمد سليط
- حين ينكسر القمر في بئر الغربة
- حرف الألف... حيثُ يبدأُ التكوينُ وينحني البيان
- الخادم مايكل حمدان، سِفر التجلي الإنساني وفلسفة النور المتجس ...
- القهوة والكتاب: طقوس العزلة المنتجة
- رسالةٌ إلى حبيبتي الدمشقية حين يتعانقُ الحرف بالنغم
- المثالية والواقعية بين أرسطو وأفلاطون: صراع الفكرة والواقع ف ...
- سَبْعَةٌ وَسِتُونَ عَامًا
- تأمل في ميتافيزيقا الحب، نحن الذين لا يحوينا زمان – الحب – ل ...
- هل يمكن أن تكون الحرية سببا في تعاسة الإنسان بعيدا عن النضج ...
- أنا والكتاب
- قراءة لنص - النَّفْخَةِ الْأَخِيرَةِ فِي رُوحِ الْكَوْنِ – ل ...
- قراءة لنص - رحلةُ قلمٍ في محرَّم – للدكتور عبد الكريم الحلو
- الْقَلَمُ سِلَاح عَابِر لِلْإِجْيَال


المزيد.....




- -كأنه فيلم رعب-: الأميبا الآكلة للدماغ التي قد تنتشر حول الع ...
- مهرجان مولانا في السليمانية.. الثقافة والفنون رافعة للسياحة ...
- كريستيانو رونالدو يخوض تجربة التمثيل ويكشف أسرار -الميركاتو- ...
- قداسة البابا يلتقي الممثلين القانونيين ومديري المدارس القبطي ...
- توم هولاند يكشف عن نصائح آن هاثاوي له خلال الترويج لفيلم -Th ...
- رايان غوسلينغ ينضم لعالم مارفل السينمائي بشخصية -غوست رايدر- ...
- عالم السينما.. ظهور مفاجئ لرايان رينولدز يشعل تكهنات عن مشار ...
- الجرح والتعديل في عصر البودكاست.. باحث يدعو إلى تدقيق الرواي ...
- -ما وراء الإطار-.. انطلاق الدورة الـ 7 من مهرجان -عمّان السي ...
- -أبو سوريا-.. ملحمة درامية تعيد فوزي القاوقجي إلى الواجهة وت ...


المزيد.....

- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - فيزياء الروح المضادة: تشريح -الوطن المؤقت- في نص نوال ادريس أبخاطرة - حين يصنع الغرباء من الفقد عمارةً للخلود