طه دخل الله عبد الرحمن
الحوار المتمدن-العدد: 8751 - 2026 / 6 / 29 - 15:36
المحور:
الادب والفن
النص:
رحلةُ قلمٍ في محرَّم
د. عبد الكريم الحلو
عشرةُ أيامٍ فقط…
لكنها كانت
أثقلَ من عمرٍ كامل
كأنَّ الزمنَ
انحنى قليلًا
ليفسحَ لي مجالًا
لأمشي مع الحسين
منذُ هلالِ محرَّم
لم يكن الحسينُ ذكرى
ولا صفحةً في التاريخ
كان حضورًا يوميًا
يتسرّبُ إلى الفكر
ويستقرُّ في الوجدان
ويمشي مع القلم
كلُّ صباحٍ
كان يبدأ بسؤالٍ جديد
وفكرةٍ جديدة
ونصٍّ لا يشبهُ ما قبله
وكأنَّ كربلاء
كانت تمدُّ يدي
بما لا ينفد
عشرةُ أيامٍ متواصلة
بين المقالةِ والشعر
والسردِ والنقد
كنتُ أحاول
أن أكتبَ للحسين
ما يشبهُ الوفاء
لكنني كنتُ أكتشف
أن الكتابةَ هنا
ليست كلمات
بل عبادة
وموقف
ودعاءٌ مكتوب
ثم حدث ما لم أكن أستوعبه كاملًا
أن تلك النصوص
لم تبقَ في العزلة
بل خرجت
من ضيقِ الصفحة
إلى اتساعِ العالم
أكثرُ من مئةٍ وخمسين موقعًا
عربيًّا وعالميًّا
حملها إلى قرّاءٍ لا أعرفهم
لكنهم عرفوا شيئًا من الحسين
كأن الكلمة
حين تكون صادقة
تتعلم السفر وحدها
وحين أنظر الآن
لا أرى إنجازًا
ولا عددًا
ولا نشرًا
أرى فقط
امتنانًا عميقًا
لأن الله اختارني
أن أكون خادمًا بقلمي
ما قيمةُ الكاتب
إن لم يكن قلمه
واقفًا مع الحق؟
وما أجمل أن يُمنح الإنسان
سهمًا صغيرًا
في قضيةٍ كبيرة
لا تزال تنبض بالإنسان
الحمد لله
على هذه النعمة
الحمد لله
على الحسين
حين يهدي المعنى
إلى الطريق
الحمد لله
على هذه الأيام
التي مرّت
وكأنها حياة
وأدعوه أن يتقبّل
كلَّ حرفٍ
مرّ من هنا
بإخلاصٍ أو رجاء
وأن يجعل القلم
ما دام في اليد
نبضًا لا ينقطع
في خدمة الحسين (ع)
#رؤيتي_النقدية
#اشارةللجميع
#الحسين_ثائراً
********************
القراءة:
في مَحْضَرِ البَيَان.. حَيْثُ يَكُونُ القَلَمُ رَائِيًا
حِينَ يَتَوَضَّأُ القَلَمُ بِالدَّمْعِ، وَيَتَطَيَّبُ بِالحَنِينِ، يَخْرُجُ النَّصُّ مِنْ ضِيقِ العِبَارَةِ إِلَى سَعَةِ الرُّؤْيَا، وَيَصِيرُ الكَلَامُ مَا يُشْبِهُ نَوَافِذَ الرُّوحِ عَلَى الغَيْبِ. هَكَذَا قَرَأْتُ نَصَّ الدُّكْتُورِ عَبْدِ الكَرِيمِ الحُلُوِّ "رِحْلَةُ قَلَمٍ فِي مُحَرَّمٍ"، فَوَجَدْتُنِي أَمَامَ نَسِيجٍ لَا يَنْتَمِي إِلَى جِنْسٍ أَدَبِيٍّ مُفْرَدٍ، بَلْ هُوَ مَا يُشْبِهُ مَوْلِدًا جَدِيدًا لِلْكِتَابَةِ، حَيْثُ تَلْتَقِي المَقَالَةُ بِالقَصِيدَةِ، وَيَتَصَافَحُ السَّرْدُ مَعَ النَّقْدِ، وَتَخْتَزِلُ التَّأَمُّلَاتُ الوِجْدَانِيَّةُ مَسَافَةَ الدَّهْشَةِ بَيْنَ الكَلِمَةِ وَمَعْنَاهَا.
لَقَدْ كَتَبَ الدُّكْتُورُ عَبْدُ الكَرِيمِ نَصَّهُ بِوَصْفِهِ شَاهِدًا عَلَى تَجْرِبَةٍ اسْتِثْنَائِيَّةٍ، لَا بِوَصْفِهِ مُؤَرِّخًا لِوَاقِعَةٍ، وَلَا بِوَصْفِهِ مُحَلِّلًا لِخِطَابٍ، فَجَاءَ النَّصُّ حَمِيمًا كَاعْتِرَافٍ سِرِّيٍّ، وَعَمِيقًا كَصَلَاةٍ خَاشِعَةٍ، وَشَفِيفًا كَنَايٍ فِي لَيْلِ العَاشِقِينَ. إِنَّ أَخْطَرَ مَا فِي هَذَا النَّصِّ أَنَّهُ يَمْتَحِنُ تَعْرِيفَاتِنَا المُسْتَقِرَّةَ لِلْأَدَبِ، وَيَدْفَعُنَا إِلَى إِعَادَةِ النَّظَرِ فِي الحُدُودِ الوَاهِيَةِ الَّتِي نَضَعُهَا بَيْنَ الكِتَابَةِ الذَّاتِيَّةِ وَالكِتَابَةِ المَوْضُوعِيَّةِ، وَبَيْنَ الشِّعْرِ وَالنَّثْرِ، وَبَيْنَ البَوْحِ وَالفِكْرَةِ.
فِي النَّصِّ تَحَوُّلَاتٌ عَمِيقَةٌ تَتَجَلَّى فِي ثَلَاثَةِ مَسَارَاتٍ رَئِيسَةٍ: الأَوَّلُ هُوَ تَحَوُّلُ الزَّمَنِ مِنْ كَمٍّ إِلَى كَيْفٍ حَيْثُ تَصِيرُ الأَيَّامُ العَشَرَةُ "أَثْقَلَ مِنْ عُمْرٍ كَامِلٍ"، فَلَا يَعُودُ الزَّمَنُ مُجَرَّدَ امْتِدَادٍ خَطِّيٍّ، بَلْ يَغْدُو حَيِّزًا رُوحِيًّا يَتَكَثَّفُ فِيهِ المَعْنَى حَتَّى يَكَادَ يَنْفَجِرُ. وَالثَّانِي هُوَ تَحَوُّلُ الكِتَابَةِ مِنْ فِعْلٍ جَمَالِيٍّ إِلَى فِعْلٍ وُجُودِيٍّ فَالكَلِمَاتُ لَيْسَتْ "كَلِمَاتٍ" فَحَسْبُ، بَلْ "عِبَادَةٌ، وَمَوْقِفٌ، وَدُعَاءٌ مَكْتُوبٌ"، وَهَذَا اعْتِرَافٌ خَطِيرٌ مِنْ كَاتِبٍ بِأَنَّ الأَدَبَ -فِي أَعْلَى تَجَلِّيَاتِهِ- يَتَجَاوَزُ الجَمَالِيَّ لِيُلامِسَ المُقَدَّسَ. أَمَّا الثَّالِثُ فَهُوَ تَحَوُّلُ المَتْنِ الحُسَيْنِيِّ نَفْسِهِ مِنْ حَدَثٍ تَارِيخِيّ إِلَى حُضُورٍ آنِيٍّ يَتَسَرَّبُ إِلَى الفِكْرِ وَيَسْتَقِرُّ فِي الوِجْدَانِ؛ فَكَأَنَّ الزَّمَنَ يَنْطَوِي عَلَى ذَاتِهِ، وَتَصِيرُ كَرْبَلَاءُ حَاضِرَةً أَبَدِيَّةً، لَا مَاضِيًا مُنْقَضِيًا.
وَلَعَلَّ أَبْهَى مَا فِي نَصِّ الدُّكْتُورِ عَبْدِ الكَرِيمِ هُوَ تِلْكَ الجَدَلِيَّةُ الخَفِيَّةُ بَيْنَ التَّوَاضُعِ الجَلِيِّ وَالطُّمُوحِ المَضْمَرِ، فَهُوَ يَقُولُ إِنَّهُ كَانَ "يُحَاوِلُ أَنْ يَكْتُبَ لِلْحُسَيْنِ مَا يُشْبِهُ الوَفَاءَ"، ثُمَّ يَكْتَشِفُ أَنَّ الكِتَابَةَ أَعْلَى مِنْ ذَلِكَ، فَهُوَ لَا يَكْتُبُ عَنِ الحُسَيْنِ، بَلْ يَكْتُبُ بِالحُسَيْنِ، أَيْ أَنَّ الحُسَيْنَ يُصْبِحُ هُوَ الفَاعِلَ الحَقِيقِيَّ لِلْكِتَابَةِ وَيَصِيرُ القَلَمُ مُجَرَّدَ وَسِيطٍ شَفِيفٍ يَعْبُرُ مِنْ خِلَالِهِ النُّورُ. وَهَذَا مَا يُفَسِّرُ تِلْكَ الحَرَكَةَ العَجِيبَةَ لِلنُّصُوصِ حِينَ "خَرَجَتْ مِنْ ضِيقِ الصَّفْحَةِ إِلَى اتِّسَاعِ العَالَمِ"، فَلَيْسَ الأَمْرُ مُجَرَّدَ انْتِشَارٍ رَقْمِيٍّ، بَلْ هُوَ تَجَلٍّ لِسُنَّةٍ كَوْنِيَّةٍ: إِنَّ الكَلِمَةَ الصَّادِقَةَ تَمْلِكُ جَنَاحَيْهَا، وَتَعْرِفُ طَرِيقَ السَّمَاءِ وَحْدَهَا، لِأَنَّهَا تَحْمِلُ فِي جَوْفِهَا قُوَّةَ الحَقِّ الَّتِي لَا يَرُدُّهَا شَيْءٌ.
إِنَّ مَا يُدْهِشُنِي فِي هَذَا النَّصِّ -بِوَصْفِي قَارِئًا - هُوَ القُدْرَةُ عَلَى تَحْوِيلِ التَّجْرِبَةِ الذَّاتِيَّةِ الخَاصَّةِ إِلَى تَأَمُّلٍ إِنْسَانِيٍّ عَامٍّ دُونَ أَنْ تَفْقِدَ حَمِيمِيَّتَهَا فَحِينَ يَقُولُ الكَاتِبُ: "مَا قِيمَةُ الكَاتِبِ إِنْ لَمْ يَكُنْ قَلَمُهُ وَاقِفًا مَعَ الحَقِّ؟" فَهُوَ لَا يَسْأَلُ نَفْسَهُ فَقَطْ، بَلْ يَطْرَحُ السُّؤَالَ عَلَى كُلِّ مَنْ يُمْسِكُ قَلَمًا، وَيَفْتَحُ بَابَ المَسْؤُولِيَّةِ الأَخْلَاقِيَّةِ لِلْأَدَبِ عَلَى مِصْرَاعَيْهِ. وَهَذَا هُوَ الجَوْهَرُ الَّذِي يَجْعَلُ النَّصَّ يَتَجَاوَزُ كَوْنَهُ شَهَادَةً أَدَبِيَّةً إِلَى كَوْنِهِ بَيَانًا فِكْرِيًّا حَيًّا وَمَوْقِفًا مِنْ وَظِيفَةِ الأَدَبِ فِي زَمَنِ الضَّيَاعِ.
وَمِمَّا يَلْفِتُ الانْتِبَاهَ فِي بِنْيَةِ النَّصِّ تِلْكَ الإِيقَاعَاتُ الدَّاخِلِيَّةُ الَّتِي تَشْتَغِلُ بِمَنْطِقِ التَّكْرَارِ وَالِاسْتِدْرَاكِ، فَالحَمْدُ يَتَكَرَّرُ ثَلَاثًا فِي الخِتَامِ: "الحَمْدُ للهِ عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ... الحَمْدُ للهِ عَلَى الحُسَيْنِ حِينَ يَهْدِي المَعْنَى إِلَى الطَّرِيقِ... الحَمْدُ للهِ عَلَى هَذِهِ الأَيَّامِ..."، وَهَذَا التَّكْرَارُ لَيْسَ تَكْرَارًا حَرْفِيًّا، بَلْ هُوَ تَصَاعُدٌ رُوحِيٌّ يَنْتَقِلُ مِنَ الشُّكْرِ العَامِّ إِلَى الشُّكْرِ الخَاصِّ وَمِنَ الاعْتِرَافِ بِالنِّعْمَةِ إِلَى الاعْتِرَافِ بِمَصْدَرِهَا وَمَعْنَاهَا. وَكَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: "لَمْ يَكُنِ الحُسَيْنُ ذِكْرَى... وَلَا صَفْحَةً فِي التَّارِيخِ..."، فَهُوَ يَنْفِي لِيُثْبِتَ وَيَهْدِمُ التَّصَوُّرَاتِ السَّائِدَةَ لِيَبْنِيَ مَكَانَهَا حَضْرَةً رُوحِيَّةً خَالِصَةً.
إِنَّنِي أَقُولُ أَنَّ هَذَا النَّصَّ يَفْتَحُ البَابَ أَمَامَ مَا يُمْكِنُ تَسْمِيَتُهُ بِـ"أَدَبِ الحُضُورِ" فِي مُقَابِلِ "أَدَبِ الاسْتِذْكَارِ" فَالأَوَّلُ يَنْبُعُ مِنْ وِعَاءٍ تَجْرِبَةٍ حَيَّةٍ مُعَاشَةٍ يَصِيرُ فِيهَا المَاضِي حَاضِرًا فَاعِلًا، أَمَّا الثَّانِي فَيَكْتَفِي بِاسْتِحْضَارِ الوَقَائِعِ وَتَحْلِيلِهَا مِنْ مَسَافَةٍ آمِنَةٍ. وَمَا كَتَبَهُ الدُّكْتُورُ عَبْدُ الكَرِيمِ يَنْتَمِي إِلَى الصِّنْفِ الأَوَّلِ بِامْتِيَازٍ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكْتُبْ عَنِ الحُسَيْنِ كَحَدَثٍ تَارِيخِيٍّ، بَلْ كَتَبَ مَا يَشْهَدُهُ مِنْ حُضُورِ الحُسَيْنِ فِي رُوحِهِ وَفِي قَلَمِهِ وَفِي أَيَّامِهِ، فَكَانَ النَّصُّ مِرْآةً لِهَذَا التَّفَاعُلِ الحَيِّ بَيْنَ الذَّاتِ وَالمُقَدَّسِ وَبَيْنَ التَّارِيخِ وَالرُّوحِ.
وَفِي الخِتَامِ، أَقُولُ لِلدُّكْتُورِ عَبْدِ الكَرِيمِ الحُلُوِّ: لَقَدْ كَتَبْتَ فَأَبْدَعْتَ، وَنَسَجْتَ مِنْ خُيُوطِ الرُّوحِ ثَوْبًا لِلْكَلِمَةِ لَا يَبْلَى وَمَنَحْتَنَا نَصًّا لَا يُقْرَأُ بِالعَيْنَيْنِ فَحَسْبُ، بَلْ يُقْرَأُ بِالقَلْبِ وَالضَّمِيرِ وَالذَّاكِرَةِ الجَمْعِيَّةِ. وَمَا كَانَ أَجْمَلَ قَلَمَكَ حِينَ تَوَضَّأَ بِمَاءِ المُحَرَّمِ وَانْطَلَقَ فِي رِحْلَتِهِ العَشْرِ لِيَعُودَ مُحَمَّلًا بِمَا لَا يُقَاسُ بِعَدَدِ الحُرُوفِ، بَلْ بِعُمْقِ الأَثَرِ الَّذِي يَتْرُكُهُ فِي نَفْسِ كُلِّ مَنْ يَقْرَؤُهُ. إِنَّ قَلَمَكَ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ شَاهِدٍ عَلَى رِحْلَةِ مُحَرَّمٍ، بَلْ كَانَ رَائِيًا يَكْشِفُ عَنْ مَعَانٍ لَا تُدْرِكُهَا إِلَّا القُلُوبُ الَّتِي خُصَّتْ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ العَظِيمَةِ: نِعْمَةِ أَنْ يَكُونَ المَرْءُ خَادِمًا لِلْحَقِّ بِقَلَمِهِ، وَأَنْ يَمْنَحَهُ اللهُ سَهْمًا صَغِيرًا فِي قَضِيَّةٍ كَبِيرَةٍ "لَا تَزَالُ تَنْبِضُ بِالإِنْسَانِ".
طَه دَخَل اللَّهِ عَبْدُ الرَّحْمَن
#طه_دخل_الله_عبد_الرحمن (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟