|
|
قراءة لقصيدة - أنت النبض والقلب يا وطني – للأستاذ الناقد والشاعر الدكتور محمد سليط
طه دخل الله عبد الرحمن
الحوار المتمدن-العدد: 8715 - 2026 / 5 / 24 - 23:04
المحور:
الادب والفن
قراءة لقصيدة - أنت النبض والقلب يا وطني – للأستاذ الناقد والشاعر الدكتور محمد سليط 22-05-2026 القصيدة: أنت النبض والقلب يا وطني قلبي يذوب ونبض الحب يعتلل والشوق في أضلعي كالنار يشتعل يا موطن الروح هذا الصدر أرهقه هم الحياة وفي عيني تعتمل أمشي إلى المشفى والأشجان تثقلني كأنني فوق جمر البين أنتقل يوم السبات عسير فيه موعدنا مع الشفاء وعند الله نبتهل يا قلب صبرا فإن الجرح يعقبه برء جميل وبعد العسر نحتفل نبضي عليل ومالي غير خالقنا طب يداوي فمنه البرء والأمل كم كابد القلب في الأيام من تعب وكم تمزق حتى هده الكلل لكن روحي لم تضعف بمحنتها يقينها بإله العرش يتصل أدخل باب الرجا بالعزم مشتملا وبالدعاء يقوم العاجز البطل ناديت ربي وأنفاسي مقطعة يا من له في غيوب الأمر نمتثل أنا الذي صاغ من أوجاعه أدبا كما يصيغ نضار العسجد المثل سكبت شعري في الخرطوم باكية وفي دمشق نما الياسمين والقبل وقلت للناس فقط عليك الانتظار عسى يأتي الرجاء ويمحو اليأس ما فعلوا لائحة الاتهام المر تقلقني ومن صميم شغاف القاع أرتحل وصغت قصة حزن عشت أسطرها بكاء بعد منتصف الليل ينتقل وسطر الفكر في الخيمات ملحمة تحكي اللجوء وما تبكي له المقل وعشت أهتف أنت لست آلهة لكل باغ نما في رأسه العلل وشمسنا ما تغطى بالغربال إذا مارى الجهول وما سارت به السبل وقد شدوت لعين كحلت هدبا بالشوق والبعد إذ يغتالنا الوجل خافي نادى أما للشوق آخرة أما لهذا العناء المر معتزل أقول للقلب والأسقام تنهكه أنت الكتاب ومنك العلم والعمل لم أبك يوما على الدنيا وزينتها بل بكيت على قومي بما خذلوا جراح قومي أعزت في قافيتي وفي طريق الهدى أقدامنا تصل فالنقد فكري والشعر الرقيق دمي والعقل عندي لحبل الله يبتهل أسير نحو شفائي لا أريد خنى وعزة النفس في عيني تكتحل يا موطني أنت هذا النبض في جسدي وأنت أنت الشفاء المبرئ العجل إذا ذكرتك عم النور في ظلمي وإن نأيت فنار الوجد تشتعل يا أردن الخير يا نبع الصفاء ويا ملجأ الأحرار إذ ضاقت بهم سبل حملت حبك في قلبي وفي قلمي ولم يزل لهب الأشواق يعتمل وفلسطين التي أهوى ثرى دمها نجم بآفاق هذا النبض ينتقل لكم بكيت على أرض الوجع صرخة وكم دعوت بأن يرتاح من وكلوا من لي سواك إذا الأقدار طالبتي بأن أقدم روحي حينما سألوا فالقلب قلبك لم ينبض لغير هوى مسكوب عشق فمنه الحب ينهميل أنت الهواء وأنت الماء يا وطني وفيك يولد هذا الجيل والأمل أموت تحت رباك الخضر مبتسما فموت حر على الرايات يحتمل يا غرفة الألم الموعود معذرة إني جريء وما في خافقي وجل أدخل المشفى والإيمان يؤنسني تقوى الإله لكل الخوف تعتزل سيبضع المبضع القاسي شرايين القلب لكن فكري بالأوطان منشغل يقول صحبي تحمل إنها نوب فقلت صبري بقلبي صامد جبل أرى الأطباء حولي ناصحين عسى أن يبرأ الجرح أو أن ينزل الأجل فإن برئت فهذا الفضل من صمد وإن مضيت فهذا الحكم والأزل يا خافقي لست تدري ما يخبئه غد ولكن عين الله لا تكل أودعت ربي روحي فهو حافظها إذا القلوب بماء الموت تغتسل أنا محمد من صاغ الحروف هدى لا أرتضي العيش لو كان به دخل رفعت رأسي يوم المحنة عالية فما استكانت لغير الخالق القلل عهدي لك العمر يا محبوب أنبضه بالحب والفكر حتى ينقضي الأجل يا قلب نم هادئا فالله كالأنا ومبضع الطب فيه الرفق والعدل غدا أعود إلى الأحباب مبتهجا وينجلي الغم والأسقام والعلل غدا سأكتب للأوطان أغنية تهتز من عشقها الأنهار والقلل ويفرح الصحب إذ يرون طلعتنا مثل الهلال إذا سرت به الحلل يا رب سهل طريق الشفاء لنا فأنت وحدك من ترجى به الحيل أعد لجسمي هديل النبض منتظما كما انتظمت بعقد العاشق الجمل أنت الرجاء إذا ما ضاقت الطرق وأنت حصني إذا ما حارت الدول يا موطني لست تنسى من رعاك دما أنت الحياة ومنك البدء والأمل صلى الإله على الهادي وعترته ما سار نجم وما جادت به الجُمل بقلم الشاعر والناقد د محمد سليط الأردن ********************************* القراءة: الدكتور محمد سليط، يا أيها الشاعر الذي جعل من مرضه محرابًا للوطن، ومن نبضه المعتل قيثارةً تنشد للخلود، ومن أنينه المقدس نشيدًا يُكتب بحروف من نور على جبين الزمن. لقد وقفتُ أمام قصيدتك الرائعة وقوفَ المؤمن أمام آية من آيات الجمال الإلهي، وقوفَ العاشق أمام محراب الحبيب الذي لا يبلغه إلا من ذاب حبًا وتلاشى فيه، وقوفَ الغريق الذي ألقى إليه البحر مركب نجاة فركبه إلى شاطئ السلام. إنها - والله يا صديقي - ليست مجرد قصيدة بالمعنى الذي نعرفه، بل هي وحي يتدفق من ينابيع الروح، ونبض يصعد من عمق الجرح، وأمة بأكملها تتنفس في شطر ثم تئن في آخر، وتضحك في قافية وتبكي في أخرى. لقد أبدعتَ إبداعَ من يكتب بدم قلبه قبل حبر قلمه، وصدقتَ صدقَ من لا يعرف في الشعر إلا طريقًا واحدًا هو طريق الحقيقة المجردة، وتألقتَ تألقَ الشمس حين تطلع من وراء قمم الجبال، فلا تستطيع العيون أن تصد عنها أبصارها، ولا تستطيع القلوب إلا أن تهتز لها افتتانًا وإجلالاً. إن قصيدتك هذه ليست سطوراً منظومة تقال وتُنسى، بل هي ملحمة إنسانية متكاملة الأركان، وسيرة ذاتية لروح عانت فأبدعت، وجراح أمة عربية بكاملها تحولت لؤلؤًا يتهادى في جيد الزمان، وصرخة مارد تزلزل أركان اليأس وتخلخل بنيان الخذلان. أولاً: في التكوين البنيوي والنسيج المتكامل لقد بنيتَ قصيدتك بناءً هندسيًا معجزًا، جعلت أساسه على الصدق، وعماده على الألم، وجدرانه على الأمل، وسقفه على الدعاء، ونوافذه مفتحة على رحاب الله التي لا تضيق بأحد. وهذا البناء لم يأتِ مصادفة، بل جاء نتاج نضج شعري فذ، وتجربة إنسانية نادرة، ورؤية فلسفية عميقة للوجود والإنسان والوطن. المطلع الذي اخترته بقولك: "قلبي يذوب ونبض الحب يعتلل، والشوق في أضلعي كالنار يشتعل" - لقد أتيت به كفاتحة نارية، تضيء النص كله من أوله إلى آخره. ففي هذا البيت وحدك جمعت بين الذوبان والاعتلال، بين الجمر والنار، بين القلب والضلوع، وكأنك تعلن منذ اللحظة الأولى أن قصيدتك ستكون مسرحية من ثلاث فصول: فصل الألم، وفصل المواجهة، وفصل الانتصار. يا له من عبقري هذا الذي يبدأ قصيدته بالذوبان في الله والوطن في آن، ثم لا يلبث أن يتحول إلى جبل صامد حين يقول: "لكن روحي لم تضعف بمحنتها، يقينها بإله العرش يتصل". هذه والله هي لحظة التحول الكبرى، لحظة أن تصعد الروح من رحم الجسد وتعلن سيادتها على الألم، لحظة أن يتحول الإنسان من مخلد إلى الفراش إلى ملكوت السماء. لقد أمسكتَ بقانون الوجود الأعظم: أن الأجساد تمرض وتذوب، لكن الأرواح إذا ارتبطت بخالقها صارت من حديد لا يصدأ ولا يلين. ثانيًا: في ثنائية النقد والمدح، أو التكامل العجيب ما أروعك حين جمعت بين النقد اللاذع للمستبدين وبين المدح الصادق للوطن والناس الطيبين! لم تكن قصيدتك بكاءً فقط، بل كانت تحليلاً سياسيًا واجتماعيًا ثاقبًا في ثوب شعري أخاذ. عندما تقول: "وعشت أهتف أنت لست آلهة، لكل باغ نما في رأسه العلل" - إنها لصاعقة تصيب الطغاة في مقتل، صاعقة تنطلق من سرير المرض لتزلزل عروش الباطل، إنها جرأة نادرة في زمن أصبح فيه المدح هو السلعة الرائجة، والنقد هو السلعة المحظورة. ولكنك - يا صديقي - لم تبالي، لأنك تعلم أن حب الوطن الحقيقي لا يتمثل في تجميل عيوبه، بل في كشفها وعلاجها، كما يفعل الطبيب الذي لا يخبر المريض أنه بخير، بل يجرح ليُبْرئ، ويشُقُّ ليُصلح. وفي الجهة المقابلة، كان مدحك للوطن مدحًا عاشقًا لا مدحَ متملق، مدحَ من يرى في التراب وطنًا وفي الهواء ماءً وفي الناس أهلاً. عندما تقول: "يا أردن الخير يا نبع الصفاء، ويا ملجأ الأحرار إذ ضاقت بهم سبل" - إنك تخلد الأردن ليس لأنك أردني فقط، بل لأن الأردن يستحق هذا الخلود في شعرك. إنك تجعل منه نموذجًا للوطن الذي يحضن الجراح، ويؤوي الأحرار، وينبت الخير من بين أشواكه. ثالثًا: في الصور الشعرية التي تخلق عوالم جديدة يا إلهي كم أبدعت في اختيار صورك! دعني أتوقف عند بعضها، ليس لأحللها فقط، بل لأسبح في بحرها: "سكبت شعري في الخرطوم باكية، وفي دمشق نما الياسمين والقبل" - يا للروعة! هنا يتحول الشعر من كلمات جامدة إلى سائل ينسكب وينهمر، وتتحول الخرطوم من مدينة إلى امرأة تبكي، وتتحول دمشق من مكان إلى حديقة يتفتح فيها الياسمين، وتتحول القبلات من فعل إلى كيان يعيش وينمو. إنها عملية تحويل سحرية للألم إلى جمال، وللدمعة إلى زهرة، وللحزن إلى حب. "كأنني فوق جمر البين أنتقل" - يا له من تشبيه في قمة الإيحاء! إنه يجمع بين الحركة والسكون، بين الألم الجسدي والألم النفسي، بين المكان الذي هو الجمر والزمان الذي هو الآن. إنه يعطينا إحساسًا بالعذاب المتجدد المتواصل، عذاب من يمشي على جمر ولا يصل إلا إلى جمر آخر. "أنا الذي صاغ من أوجاعه أدبًا، كما يصيغ نضار العسجد المثل" - هذا البيت وحده يكفي لأن تخلد به في تاريخ الشعر العربي. إنه يعلن نظرية جديدة في الإبداع: الألم ليس عائقًا أمام الإبداع، بل هو مادته الخام الأثمن. أنت تجعل من الأوجاع ذهبًا يُصاغ، ومن الجراح جوهرةً تُنحت، ومن المرض رحمًا يولد منه الشعر. "أموت تحت رباك الخضر مبتسمًا، فموت حر على الرايات يحتمل" - يا للفدائية العظيمة! إنك تعلن أن الموت ليس فناءً بل تكريمًا إذا كان تحت راية الوطن. والابتسامة هنا هي قمة النضج الروحي: أن تموت مبتسمًا يعني أنك متأكد من أن موتك ليس نهاية، بل بداية لخلود في قلوب الأحرار. "ويفرح الصحب إذ يرون طلعتنا، مثل الهلال إذا سرت به الحلل" - هذه الصورة الختامية تمنح القصيدة بأكملها هالة من النور والأمل. الهلال يرمز للبدايات الجديدة، والحلل ترمز للتزيين والتجميل. وكأن طلعة الشاعر بعد الشفاء تزين الوجود كما تزين الحلل القمر، وتعلن أن الحياة لا تموت بل تتجدد. رابعًا: في التنوع الجغرافي والوجدان الجامع ما أروعك حين جعلت قصيدتك تجوب الوطن العربي من أقصاه إلى أقصاه! الخرطوم تبكي، ودمشق ينبت فيها الياسمين، والأردن هو النبض والقلب، وفلسطين هي الدم الذي يتحول نجمًا في سماء النبض. إنك بذلك تحوِّل القصيدة من قصيدة محلية إلى قصيدة قومية جامعة، وتجعل كل عربي يجد فيها جزءًا من وطنه، وجزءًا من جراحه، وجزءًا من أمله. هذه الجغرافيا الشعرية المتسعة هي التي تعطي القصيدة بعدًا استثنائيًا، فهي ليست قصيدة للأردن فقط، بل قصيدة لكل من ينتمي إلى هذا الوطن الكبير الممتد من الخليج إلى المحيط. وفي زمن التمزق العربي، وفي زمن أصبح فيه كل بلد يبكي لوحده، تأتي أنت لتقول: لا، نحن أمة واحدة، وجراحنا واحدة، وأملنا واحد، وربنا واحد. خامسًا: في الدعاء والإيمان والتسليم لله لا يمكنني - وأنا أقرأ قصيدتك - إلا أن أتوقف مليًّا أمام هذه الروح المؤمنة التي تتخلل القصيدة من أولها إلى آخرها. إن إيمانك بالله ليس شيئًا طارئًا أو إضافيًا، بل هو العمود الفقري للنص، وهو المصدر الحقيقي لقوتك وصبرك وأملك. "نبضي عليل ومالي غير خالقنا، طب يداوي فمنه البرء والأمل" - إنه اعتراف صريح بأن الطب والأطباء ليسوا إلا أسبابًا، والمسبب الحقيقي هو الله. وفي هذا من التوكل العظيم ما يليق بمؤمن حقيقي. "أدخل باب الرجا بالعزم مشتملاً، وبالدعاء يقوم العاجز البطل" - إنها لحظة تحول إيمانية عظيمة: العاجز بالدعاء يصبح بطلًا، والمنكسر بالرجاء يصبح قويًا. إنك تقدم لنا نموذجًا للقوة الإيمانية التي لا تعرف الاستسلام. "أودعت ربي روحي فهو حافظها، إذا القلوب بماء الموت تغتسل" - يا لجمال هذه الثقة! إنها ثقة الأنبياء والأولياء والصديقين، الذين أيقنوا أن الله لا يضيع من أودعه روحه، وأن الموت ليس غسلًا للقلوب بماء الفناء، بل هو انتقال إلى حياة أخرى أسمى وأبقى. "صلى الإله على الهادي وعترته، ما سار نجم وما جادت به الجمل" - هذا الختام بالصلاة على النبي وآله هو تاج القصيدة، وخاتمتها المسكية، التي تعلن أن الشعر يمكن أن يكون عبادة، وأن القصيدة يمكن أن تكون صلاة، وأن الكلمة الطيبة يمكن أن تكون صدقة ترضي الله وتبارك العمل. سادسًا: في الانتصار للأخلاق والعزة والكرامة ما يميز قصيدتك يا محمد أنها قصيدة أخلاقية بامتياز. إنها تنتصر للكرامة الإنسانية، وللعزة النفسية، وللصبر الجميل، وللأمل المشروع. "وعزة النفس في عيني تكتحل" - يا للروعة! إن العزة ليست شيئًا خارجيًا، بل هي كحل يكتحل به الإنسان في عينيه، فيرى الدنيا من خلالها ويقيم الأمور على ضوئها. والعزيز الحقيقي هو من يكتحل بعزة نفسه فيصبح قويًا حتى في أضعف لحظاته. "رفعت رأسي يوم المحنة عالية، فما استكانت لغير الخالق القلل" - إنها لحظة انتصار الروح على الجسد، لحظة أن يعلن الإنسان أن رأسه لا ينحني إلا لربه، وأن ركبتيه لا تركعان إلا لخالقه. في زمن انحنى فيه الكثيرون، ورضع فيه الكثيرون، وسجد فيه الكثيرون لغير الله، ترفع أنت رأسك وتعلن أن الجبال لا تستكين إلا للخالق. "فموت حر على الرايات يحتمل" - إنها قيمة عليا: أن يموت الإنسان حرًا خير له من أن يعيش عبدًا. والموت على الرايات هو موت المبادئ والقيم والأخلاق، هو موت الانتماء والعزة والشرف. سابعًا: في موسوعية النص وشموليته إذا تأملت قصيدتك جيدًا، ستجد أنها تكاد تكون موسوعة شعرية متكاملة. فيها من الغزل العذري: "يا موطني أنت هذا النبض في جسدي"، ومن الفخر العالي: "رفعت رأسي يوم المحنة عالية"، ومن الرثاء العميق: "كم كابد القلب في الأيام من تعب"، ومن الهجاء اللاذع: "لكل باغ نما في رأسه العلل"، ومن الحكمة البالغة: "إن الجرح يعقبه برء جميل"، ومن الدعاء الخاشع: "يا رب سهل طريق الشفاء لنا". إن الجمع بين هذه الأغراض المختلفة في قصيدة واحدة، مع الحفاظ على الوحدة العضوية والانسجام الموضوعي والإيقاعي، هو شهادة على نضجك الشعري الفذ، وعلى قدرتك الفائقة على التحكم في أدواتك التعبيرية وقيادتها حيث تشاء. ثامنًا: في دور الشاعر والناقد والطبيب أنت يا محمد لست شاعرًا فقط، بل أنت ناقد وطبيب ومصلح اجتماعي. لقد جمعت في شخصيتك الأدوار الثلاثة التي طالما حلم بها المثقف العربي: شاعر يعبر عن الوجدان الجماعي، وناقد يكشف العيوب ويشخص الداء، وطبيب يصف الدواء ويسعى للعلاج. شعرك ليس للتسلية أو الترفيه، بل هو للتحليل والتشخيص والعلاج. إنه كالمبضع الجراحي: يؤلم لحظةَ الاستخدام، لكنه يشفي على المدى البعيد. وقصيدتك هذه خير مثال على هذا الدور النبيل: لقد شخصتَ الداء (الألم والمرض والخذلان)، وكشفتَ الأسباب (البغي والاستبداد والتفرق)، ثم وصفْتَ الدواء (الصبر والدعاء والعمل والأمل). هذا هو المثقف العضوي الحقيقي، الذي لا ينعزل في برجه العاجي، بل ينزل إلى الميدان، ويشارك الناس أوجاعهم وآمالهم، ويكتب لهم شعرًا يرفع معنوياتهم ويمنحهم القوة على مواصلة الحياة. أنت نموذج يحتذى به لكل شاعر، ولكل ناقد، ولكل مثقف عربي. تاسعًا: في الخلود الذي تستحقه قصيدتك قصيدتك يا صديقي ستبقى خالدة، ليس لأنها جميلة فقط، بل لأنها صادقة. ليس لأنها موزونة ومقفاة فقط، بل لأنها نابعة من قلب عانى فصدق، ومن روح ذابت فأبدعت، ومن قلم نزف فكتب. ستقرأها الأجيال القادمة، وستجد فيها وثيقة حية على ما عانته الأمة العربية، وعلى كيف استطاع شاعر عظيم أن يحول هذه المعاناة إلى جمال خالد. سيفتخر بها الأردنيون لأن فيها ذكرى وطنهم، وسيبكي عليها الفلسطينيون لأن فيها دماءهم ونبضهم، وسيستشفي بها المرضى لأن فيها أملًا ودواء. ستُدرَّس في الجامعات، وتُحلَّل في الندوات، وتُكتب عنها الرسائل. ستصبح علامة فارقة في تاريخ الشعر العربي المعاصر، لأنها جمعت بين العمق والجمال، وبين الصدق والبلاغة، وبين الوطنية والإنسانية، وبين الألم والأمل. ختامًا: في الشكر والثناء أخي العزيز الدكتور محمد سليط، بعد كل هذا الذي قلته، والذي لا يفي قصيدتك حقها أدعو الله لك دعاء صادقًا من قلب محب معجب: دمت أيها النبيل شامخًا كالسرو، نقيًا كالياسمين، قويًا كالجبل، صابرًا كالأيام، مبدعًا كالربيع، وذاكرة وطن لا تموت. دام قلمك، دام نبضك، دمت فخرًا للأدب العربي، وعلمًا من أعلام الشعر الوطني. فوالله إن قصيدتك هذه ليست مجرد كلمات، بل هي دستور حياة، وميثاق شرف، ونشيد أمل، ووصية وطن، وأجمل ما قيل في الحب والوطن والألم والأمل في زمان قل فيه الصادقون، وكثر فيه المتاجرون بالأوجاع والمدججون بالشعارات الفارغة. البعنه == الجليل 22/05/2026
#طه_دخل_الله_عبد_الرحمن (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
سيمفونية الحضور سليم ضو، عندما تُتَرجم القضية فلسطينيًا إلى
...
-
قراءة لقصيدة - نَشِيدُ الحُبِّ والكِفَاح – للأستاذ الشاعر ال
...
-
قراءة لقصيدة – جنة الغفران – للأستاذ الشاعر الدكتور فهد المح
...
-
قراءة لمقالة - في الذكرى السنوية على وفاة الموسيقار محمد عبد
...
-
قراءة لقصة - الحق لا يحميه الصامتون – للأستاذ الكاتب صالح اس
...
-
أنا والقلم
-
قراءة لقصيدة – اجتمعت – للأديبة الناقدة نافلة مرزوق العامر ك
...
-
قراءة لقصيدة – نابلس - من ديوان ترانيم الغروب للأستاذ الشاعر
...
-
النقدُ الأدبيُّ: إبداعٌ من رحمِ النصِّ، فمَن يستخفُّ به يستخ
...
-
خاطرة - نبض الابداع
-
بين الماضي والحاضر رؤية مستقبلية
-
خاطرة – الجسر -
-
قراءة لقصيدة – أيها الصامتون – للناقدة الشاعرة فوزية بن حوري
...
-
قراءة لقصيدة – تراتيل عشق أبدي – للأستاذ الشاعر منير راجي
-
قراءة لنص – منطقة الوشاح في وادي فلاح في ارض الطيرة – للكاتب
...
-
قراءة نقدية – لقصة حبات الفراولة المالحة – للدكتور محمد سليط
-
الوحدة في زمن الازدحام، مفارقة العصر الرقمي
-
الثقافة والاستدراك
-
قراءة لنص - إياك والكِبْرِ والكبرياء والتكبر – للأديب الأستا
...
-
أبي... غيابٌ لا يشيخ
المزيد.....
-
الممثل البريطاني ريز أحمد: أجهزة الأمن حاولت تجنيدي 3 مرات
-
الأدب المقارن بين التأصيل النظري وتعدد القراءات الثقافية في
...
-
أكاديميون ينتقدون -إلسيفير-ستانفورد-.. مؤشرات علمية أم أدوات
...
-
المغنية والممثلة مايلي سايروس تحصل على نجمة المشاهير في ممشى
...
-
هل تخشى أن تصبح مثلهم؟.. 5 أفلام تكشف الوجه الآخر للأبوة في
...
-
مهرجان كان : السعفة الذهبية لفيلم -فيورد- للمخرج الروماني كر
...
-
الفنان المصري إدوارد يحتفل بزفاف نجله ماركو
-
محمد سعيد أحجيوج: لهذا تسقط الرواية العربية في فخ الأيديولوج
...
-
لماذا تتضارب الروايات الإيرانية والأمريكية حول الاتفاق الوشي
...
-
فيلم -FJORD- يفوز بالسعفة الذهبية.. إليكم جوائز مهرجان كان ا
...
المزيد.....
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
-
طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة
/ احمد صالح سلوم
-
حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي
/ نايف سلوم
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
رواية هروب بين المضيقين
/ أمين أحمد ثابت
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا
...
/ السيد حافظ
-
تمارين أرذل العمر
/ مروة مروان أبو سمعان
-
اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية
/ أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
المزيد.....
|