أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - أبي... غيابٌ لا يشيخ














المزيد.....

أبي... غيابٌ لا يشيخ


طه دخل الله عبد الرحمن

الحوار المتمدن-العدد: 8656 - 2026 / 3 / 24 - 03:42
المحور: الادب والفن
    


17/03/1977 ---- 17/03/2026
أبي..
تسعةٌ وأربعون خريفًا مرّت، ولم يزل وجهك هناك.. في تلافيف الذاكرة، حيّاً كما كنت، نابضًا كما عهدتك، كأنك لم تمت، كأن الموت لم يجتثّك من جذور الحياة، وكأن القبر لم يبتلعك إلا ليُخبئك ليوم لقاء لا أعلم موعده ولا أدري أين يكون!
أبي.. منذ رحلتَ وأنا ألملم أشلائي كلما تناثرت على عتبات الأيام، أزرع قدمي في الأرض وأرفع رأسي إلى السماء وأسأل: "أين أنت؟" فلا تجيبني إلا الريح، ولا يردّ عليّ إلا نحيبُ الروح، واصطكاكُ الأضلاع على قلبٍ ما زال ينبض باسمك!
أتذكر يومَ ودّعتنا؟ يومَ لفّك الكفن الأبيض وطوّقك التراب؟ كنتَ هناك صامتًا.. وأنا هنا أصيح: "لا تذهب"، لكن الصوت مات في حلقي، والحقيقة كانت أثقل من أن يحملها طفل صغير لا يعرف من الدنيا إلا أن أباه ظلّ له، وأن الظل إذا غاب.. احترق الوجود!
تسعة وأربعون عامًا، وأنا أعيش في حجر الغياب، أتعلّم منه أن أكون أبًا لعائلتي ولإخوتي، وأمًا لقلبي، وجدًا لأحلامي التي لم تكتمل. كنتُ أظن أن الزمن سيعوّدني على غيابك، لكن الزمن كان أقسى من أن يعوّد أحدًا على فقدان أبيه. فالفقد ليس ألمًا واحدًا، بل هو ألف ألم يتجدّد كل يوم: في صباح لا نصحو فيه على صوتك، وفي مساء لا تعود فيه من العمل متعبًا فتسند ظهرك إلى وسادة وتحتسي القهوة في صمت جميل.
أبي.. كم تمنيت لو أن للحلم بابًا يُفتح فلا يُغلق، وكم تمنيت لو أن للقاء وعدًا لا يؤجّل! كنت أخرج إلى المقبرة فأجلس عند رأسك، أقرأ الفاتحة وأهمس لك: "هل تسمعني؟" فلا يجيبني إلا صمت القبور، وهسهسة التراب، وحفيف الأكفان وهي تنتظر البعث.
يا من غاب عن عيني ولم يغب عن روحي، يا من صار القبر بيته وصرت أنا بيت أحزانه، يا من تركني في هذه الدنيا يتيمًا لا يعرف الطريق إلا بذاكرته عنك، ولا يهتدي في الظلام إلا بنور دعائك.
تسعة وأربعون عامًا وأنا أحنّ إليك حنين الأرض للمطر، حنين الطفل لثدي أمه، حنين المسافر لوطنه. كنت أقول: "سأكبر وسأعتاد"، لكني كبرت ولم أعتد، وتقدم بي العمر وازداد بي الشوق، حتى صار الشوق جسدًا ثانيًا أحمله مع جسدي، وصار الحنين وطنًا أوى إليه كلما ضاقت بي الدنيا.
أبي.. اليوم أكتب إليك وهذه الدموع تشهد على صدق ما أقول، وهذه الأنفاس تتصاعد حارة في صدري كلما تذكرت أن يدًا كانت تمسح على رأسي لن تعود، وأن صوتًا كان يهدهد ليلي لن يهمس لي "لا تخف" حين تزمجر الحياة في وجهي.
رحلتَ وتركتَ لي هذا الفراغ المدوّي، وهذا الصمتَ الذي يتكلم أكثر من البشر. تركتَ لي سؤالًا أحمله كل صباح إلى قبور الغائبين: "أين أبي؟" فلا يجيبني إلا صدى خطاي أنا!
أبي.. أفي الجنة أنت؟ أم في الخلد مقامك؟ أتنعم برضوان الله ونعيم لا يفنى؟ أتشرب من كوثر الحبيب وتسقى بيد المصطفى كأسًا هنيئًا لا ظمأ بعده؟ أراك في كل ليلة في المنام، تأتي إليّ متهللاً، تمسح على رأسي وتقول: "لا تحزن، أنا بخير"، فأصحو من نومي على أمل أن اللقاء قريب، ثم أجدني في صحراء الوحدة وحدي، لا أنيس إلا الذكرى، ولا جليس إلا الألم!
تسعة وأربعون عامًا وأنا أتساءل: كيف يموت الآباء ويبقى الأبناء؟ كيف يغيب الجبل وتبقى الهضاب؟ كيف تطفأ الشمس وتظل الكواكب مضيئة؟ لا جواب لي إلا أن الله أراد لك الكرامة عنده، وأراد لي الابتلاء بصبر جميل.
اللهم ارحمه.. اللهم اغفر له.. اللهم أنزله منازل الأبرار والصديقين والشهداء. اللهم آنس وحشته، ونوّر قبره، وافتح له بابًا إلى الجنة، وبشّره برضوانك ومغفرتك. اللهم اجعله ممن يقال لهم: "ادخلوها بسلام آمنين".
أبي.. إلى أن نلقاك.. سأظل أحبك، سأظل أشتاقك، سأظل أدعو لك، سأظل أذكرك في كل صلاة، وفي كل دعاء، وفي كل لحظة صفاء. سأظل أزرع الورد على قبرك، وأمسح التراب عن شاهدة رأسك، وأقرأ القرآن لترتاح روحك.
أبي.. أنت الغائب الحاضر، أنت الميت الحي فينا، أنت الذي رحل بجسده وبقي بروحه، أنت الذي علمني أن الحب لا يموت، وأن الأب لا يغيب، وأن الدعاء هو وصال الأحياء للأموات.
أبي.. تسعة وأربعون عامًا.. وما زلت هناك في قلبي، في نبضي، في دمعي، في ضحكتي، في كل شيء. لم تغب يومًا، ولم تمت فينا ذكراك، ولم يخفت فينا حبك.
رحمك الله يا أبي، رحمك الله رحمةً تسع السماوات والأرض، وجمعنا بك في مستقر رحمته، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحَسُنَ أولئك رفيقًا.
إلى ذلك اللقاء يا أبي..
إلى ذلك اليوم الذي لا غياب بعده..
إلى جنة الخلد.. حيث النعيم المقيم.. وحيث لا فراق.
الابن
البعنه == الجليل
17/03/2026



#طه_دخل_الله_عبد_الرحمن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأم في عيدها
- قراءة لقصة - سيدي جابر وبكاء بعد منتصف الليل – للأستاذ القاص ...
- قراءة لنص - الغربة في زمن التكنولوجيا – للأستاذ الاديب صبحي ...
- قراءة لقصة - سيدي قاسم وبكاء بعد منتصف الليل – للدكتور القاص ...
- قراءة لنص – على روابي الأحلام - للأديبة نافلة مرزوق العامر
- النقد الأدبي... إبداع وأي إبداع
- جداريةُ الرسمِ بالريشة.. مقاربةٌ بالرسمِ بالكلمات
- قراءة لقصيدة – إلى أمي - للشاعر محمود درويش


المزيد.....




- حمار على ظهره بردعة
- أصيلة بين جمال الذاكرة وفوضى الرسم على الجدران
- فيلم -السلم والثعبان 2- تحت النار.. لماذا أثار كل هذا الجدل؟ ...
- -زمن مغربي-.. شهادة من داخل دوائر القرار تكشف تحولات نصف قرن ...
- هل أهان ترمب ستارمر؟.. المنصات تتفاعل مع المقطع الكوميدي الس ...
- -نعم، أعرف اسمه-... من سيخلف المدرب ديشان على رأس الإدارة ال ...
- يحاكي ضربات فرشاة كبار الفنانين.. روبوت يعيد تصوّر لوحات الح ...
- نص سيريالى (يَقظَة تَحلُم بِنَا) الشاعرمحمد أبو الحسن.مصر.
- الأعياد: نافذة الروح على ضوء الذاكرة
- في مديح السؤال: حين تتوارى الحقيقة خلف ضجيج الإجابات


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - أبي... غيابٌ لا يشيخ