أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - طه دخل الله عبد الرحمن - قراءة لنص - الغربة في زمن التكنولوجيا – للأستاذ الاديب صبحي سرحان















المزيد.....


قراءة لنص - الغربة في زمن التكنولوجيا – للأستاذ الاديب صبحي سرحان


طه دخل الله عبد الرحمن

الحوار المتمدن-العدد: 8651 - 2026 / 3 / 19 - 08:32
المحور: المجتمع المدني
    


النص:
[الغربة في زمن التكنولوجيا ]
اليوم الثلاثاء 3.3.26.
[حين يصبحُ الانسانُ غريباَ وهوَ في بيتهِ ]
موضوع مُحيِّر ومقلق ويستحق الكتابة..
لم تعد
الغربة حقيبة سفر على كتف مسافر، ولا دمعة على نافذة طائرة..
الغربة اليوم تجلس معنا في غرفة الجلوس، تضيء معنا الشاشات، وتنام بين الوسائد، ثم تستيقظ قبلنا لتفتح ابواب الصمت...
نعيش في زمن يلمع كالنجم، لكن دفئه بارد...نتبادل الرسائل بسرعة الضوء، لكن قلوبنا تمشي نحونا ببطء السلحفاة، وأحيانا لا تصل...
الغربة كثيرة ومتعددة الجوانح فمنها ...١. غربة النفس.٢.. وغربة العاطفة..٣.. غربة البيت الواحد...٤...٥...وغربة الاخلاق...٦.. وغربة الروح...٧.. وغربة الدين...٨...والعقل حيران في هذا الزمن...
1...[غربة النفس] أقسى غربة هي ان تجلس مع نفسك فلا تتعارفان، ان تضحك في الصور، وتضع على وجهك قناعاَ من (أنا بخير)، بينما في الداخل حوار طويل من الاسئلة المؤجلة.
الانسان المعاصر يعرف كل أخبار العالم، لكنه يجهل أخبار قلبه...يهرب من صمته الى الضجيج، ومن وحدته الى الشاشة، ومن قلقه الى أشعارِ آخر..
كأن الحقيقة تخيفه إذا جلس معها قليلاَ.
2...غربة العاطفة والحنين...
صرنا نهدي بعضنا قلوباَ حمراء صغيرة، لكننا نسينا كيف نهدي بعضنا دفءَ حقيقياَ...نكتب كلمات جميلة، لكننا لا ننظر في العيون حين تنكسر. ولا الى الفقراء والمساكين. نضغط اعجاباَ (لايك) ولا نضع يداَ على كتف متعب ومحتاج... العلاقات كثيرة، لكن الاحتواء نادر...والقلوب رغم ازدحامها بالأسماء، تشعر انها فارغة...
3....غربة البيت الواحد والعائلة الصغيرة...
تجلس الاسرة حول طاولة واحدة، لكن لكل فرد عالمه المغلق..
الاب يحمل همومه بصمت، والام تخبئ تعبها وراء ابتسامة.... ألابن يعيش في كونِ رقمي لا يدخله أحد...والاخ لا يعرف ما يؤلم اخاه..... بل بالعكس تماما، يفرح لتعاسة اخيه، ويحزن لنجاحه....
البيت فيه اصوات كثيرة، ولكن الحوار غائب.. [السقف واحد، ولكن الارواح متباعدة]..
4....غربة الاخلاق....
حين تصبح المصلحة اعلى من الرحمة ومن الانتماء، ومن الاخوة الصادقة، وحين يقاس الانسان بما يملك لا بما يكون، يبدأ الضمير بالانكماش، تبهت القيم كما يبهت اللون القديم، و[العلاقات كلها تمثيل]، والكلمات قابلة للتبديل...الغربة الاخلاقية ليست في الشوارع...بل حين يخاف الأنسان من الأنسان...
5....[غربة الدين] [وغربة الروح] ...
ليست الغربة الدينية قلة صلاة [كما يدعون] بل الغربة الدينية [قلة خشوع]..
وليست الغربة الدينية قلة صيام، بل [قلة رحمة] [وقلة تعاطف مع الفقراء والمساكين والمحتاجين]..
[أن تنحني في الصلاة،، ولا ينحني قلبك تواضعاَ. أن ترفع يديك بالدعاء...ولا ترفع ظلماَ عن أحد.].
حين ينفصل السلوك عن الأيمان، تشعر الروح بأنها [بلا مسكن] ...
وفي ظل هذه الاوضاع وهذه الغربة فالعاقل حيران...فما هي [حيرة العقل]
6...حيرة العقل...
الانسان المفكر يقف في منتصف الطريق، ينظر حوله مذهولاَ...
كيف [اقتربت المسافات. وابتعدت القلوب.].؟؟
كيف صرنا نرى بعضنا كل يوم...ولا نلمس بعضنا ابداَ؟؟
كيف امتلأت ايدينا
بالأجهزة...وفرغت من الايدي؟؟
انه عصر صنع كل شيء. [الا الطمأنينة]..
الغربة ليست قدراَ لا يرد...يمكننا ان نعود، ان نغلق الشاشة قليلا ونفتح نافذة القلب..
ان نصغي أكثر مما نتكلم.. ان نحتضن قبل ان نحكم..
أن نصلح ما بيننا قبل ان نصلح صورتنا امام الناس..
ان نعيد للبيت دفئه، وللكلمة صدقها، و[للدين روحه] ...و[للإنسان انسانيته] ...
فالتكنولوجيا [ليست عدواَ.].. لكن القلب إذا غاب، تحول الى ظل..
الغربة في زمن التكنولوجيا ليست في بعد
المسافات، بل في [بعد المشاعر والاحاسيس]..
فاذا عاد القلب الى مكانه الصحيح...عاد الانسان الى وطنه الاول....
[ وطن الطمأنينة والسكينة والراحة]
صبحي سرحان.. ابو مجدي
*****************************
القراءة:
إلى الأستاذ الجليل، الكاتب الأديب، صبحي سرحان أبو مجدي، حفظك الله ورعاك، وأطال في عمرك على طاعته، وأدام عليك نعمة القلم الذي لا يجف حبره، والفكر الذي لا يعرف الجمود.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أيها الكاتب الفاضل،
لقد وقعت عيناي على مقالك "الغربة في زمن التكنولوجيا" وتاريخه 3.3.26، وتحته عنوانه الفرعي الموجع "حين يصبح الإنسان غريباً وهو في بيته"، فظننت أنني سأقرأ مقالاً عابراً من مقالات الرأي التي تمتلئ بها الصحف ومواقع التواصل، لكنني ما إن شرعت في القراءة حتى وجدت نفسي أمام نص أدبي رفيع، يصلح لأن يُدرّس في مدارس البلاغة، ويُحفظ كما تُحفظ قصائد الشعراء، ويُتأمل كما تُتأمل نصوص الحكماء والفلاسفة. لقد كتبتَ فلم تكتب مقالاً، بل خطَّت يمينك وثيقة إنسانية، تشخِّص داء هذا العصر، وتصف دواءه، بأسلوب يجمع بين روعة البيان، وعمق المعاناة، وصدق التجربة، واتساع الرؤية.
أولا: في بناء المقال وحبكته الفنية
إن من يتأمل مقالك هذا يدرك أنك لم تتركه للعفوية، بل بنيته بناءً محكما، يبدأ بمقدمة شعرية تأسر القارئ، ثم ينتقل إلى صلب الموضوع عبر تقسيم منطقي بديع، ثم يختم بخاتمة تشرق بالأمل وتفتح نوافذ الخلاص. لقد اخترت للغربة سبعة أنواع، وهذا الرقم له دلالته الرمزية في تراثنا العربي والإسلامي، فهو عدد السماوات، وعدد الطواف، وعدد السعي، وكأنك تريد أن تقول إن الغربة صارت محيطة بنا من كل اتجاه، تطوقنا كما تطوق السماوات الأرض، فلا منجى منها ولا ملجأ إلا إلى الله.
وابتدأت المقدمة بجملة استفهامية استنكارية: "حين يصبح الإنسان غريباً وهو في بيته"، وهذا الاستفهام ليس للاستفسار، بل للتقرير والتحذير. إنه مثل قول القائل: أتعلمون أن النار في بيوتكم وأنتم آمنون؟ ثم تتبعت هذا المعنى بصورة بلاغية فذة، حين قلت: "لم تعد الغربة حقيبة سفر على كتف مسافر، ولا دمعة على نافذة طائرة". هنا أنت لم تنفِ الغربة القديمة فحسب، بل أعدت تعريفها. الحقيبة والدمعة والنافذة، كلها مفردات حسية ملموسة، كنتَ تريد أن تقول إن الغربة القديمة كانت شيئاً نحمله ونراه، أما الغربة الجديدة فهي شيء يحملنا ولا نراه. ثم انتقلت إلى التجسيد المذهل: "الغربة اليوم تجلس معنا في غرفة الجلوس، تضيء معنا الشاشات، وتنام بين الوسائد، ثم تستيقظ قبلنا لتفتح أبواب الصمت". هذه الصورة البانورامية الكاملة تجعل من الغربة كائنا حيا، له إرادة وفعل، يتصرف في بيوتنا كما نشاء، بل أسوأ مما نشاء. وهو تشخيص بلاغي بديع، على غرار ما كان يفعله أبو تمام والمتنبي عندما كانوا يجسدون المعاني المجردة في صور حية. فالغربة هنا صارت ضيفا ثقيلا لا يغادر، بل هو الذي يغلق الأبواب ويفتحها، ويوقظنا من نومنا ليستقبل يوما جديدا من الصمت.
ثانيا: في غربة النفس (التيه الداخلي)
عندما وصلت إلى غربة النفس، قلت: "أقسى غربة هي أن تجلس مع نفسك فلا تتعارفان". هذه العبارة تحتمل تأويلات عدة، وكل تأويل أعمق من الآخر. أن تجلس مع نفسك فلا تتعارفان، يعني أن تكون نفسك غريبة عنك، لا تعرف رغباتها الحقيقية، ولا تخاف مما كانت تخاف منه، ولا تبكي مما كانت تبكي عليه. إنها حالة التيه الروحي التي وصفها الصوفية قديما، لكنك أعدت صياغتها بلغة العصر.
ثم قلت: "أن تضحك في الصور، وتضع على وجهك قناعا من (أنا بخير)، بينما في الداخل حوار طويل من الأسئلة المؤجلة". هذه الجملة وحدها تكفي لتكون ديواناً في وصف الإنسان المعاصر. كم منا يلتقط صورة ويبتسم فيها، وقلبه ينزف؟ كم منا يكتب "أنا بخير" في رسالة، وهو في غرفة الإنعاش؟ "الأسئلة المؤجلة" هي تلك الأسئلة الوجودية الكبرى التي نؤجلها: من أنا؟ لماذا أعيش؟ إلى أين المصير؟ انشغلنا عنها بأخبار العالم، وبأشعار الآخرين، وبضجيج الشاشات.
وأبدعت في قولك: "الانسان المعاصر يعرف كل أخبار العالم، لكنه يجهل أخبار قلبه". هذه مفارقة عظيمة، فالإنسان الذي فتحت له التكنولوجيا أبواب المعرفة على مصراعيها، صار يجهل أعرف الأشياء إليه، ألا وهو قلبه. ويقول العلماء إن القلب يرسل إشارات إلى الدماغ، لكن الدماغ صار مشغولا باستقبال إشارات الأقمار الصناعية. الهروب من الصمت إلى الضجيج، هو هروب من لقاء الذات الذي نخشاه، لأن لقاء الذات قد يكشف لنا أننا لسنا كما نظن، وأن حياتنا ليست كما نتمنى.
ثالثا: في غربة العاطفة والحنين (تبديل الأصيل بالزائف)
قلت: "صرنا نهدي بعضنا قلوبا حمراء صغيرة، لكننا نسينا كيف نهدي بعضنا دفئا حقيقيا". هذه المقابلة البديعة بين الرمز والمضمون، هي قلب البلاغة والنبض. القلب الأحمر الصغير الذي نرسله عبر "واتساب" أو "فيسبوك"، تحول إلى بديل هزيل عن دفء اليد التي تمسح على الرأس، وعن النظرة التي تخترق الروح. "نكتب كلمات جميلة، لكننا لا ننظر في العيون حين تنكسر". ما قيمة ألف قصيدة حب نكتبها، إذا كنا لا نرى دمعة الحبيب حين تسيل؟ ما قيمة مئات التعليقات المعزية، إذا كنا لا نقف إلى جانب الثكلى في محنتها؟
والإعجاب (اللايك) الذي ذكرته، صار أيقونة هذا العصر. نضغط إعجابا ولا نضع يدا على كتف متعب. نرسل "باقة ورد" افتراضية، ولا نشتري وردة حقيقية لامرأة تنتظر في البيت. "العلاقات كثيرة، لكن الاحتواء نادر". العلاقات صارت أرقاما في دفتر الهاتف، وأسماءً على قائمة الأصدقاء، لكن حين نبحث عن كتف نسند عليه رأسنا، لا نجده. وحين نبحث عن صدر يضمنا، نجده مشغولا بالهاتف الآخر. "القلوب رغم ازدحامها بالأسماء، تشعر أنها فارغة". هذه هي المفارقة الكبرى: ملأنا القلوب بالأسماء، فأصبحت كالمقبرة، كثيرة القبور، خالية من الحياة.
رابعا: في غربة البيت الواحد والعائلة الصغيرة (جحيم الأسرة)
هنا تبلغ البلاغة ذروتها، وتصل المأساة أوجها. تقول: "تجلس الأسرة حول طاولة واحدة، لكن لكل فرد عالمه المغلق". هذه الصورة هي صورة نهاية العالم، أو صورة يوم القيامة الصغرى. أسرة تجتمع جسديا وتفترق روحيا. طاولة واحدة تجمع الأجساد، وشاشات متعددة تفرق الأرواح. ثم تصف الأدوار: "الأب يحمل همومه بصمت"، لأنه في زمن التكنولوجيا، لم يعد الأب هو مصدر الحكمة، بل أصبح محرك البحث "غوغل" هو المصدر. "والأم تخبئ تعبها وراء ابتسامة"، لأن أحدا لا يسألها كيف كانت، بل الكل يسأل عن الشاحن والواي فاي. "الابن يعيش في كون رقمي لا يدخله أحد"، ولا يريد أن يدخله أحد، لأنه في هذا الكون الرقمي هو البطل، وهو الخارق، وهو المتحكم، بخلاف واقعه الذي يشعر فيه بالقهر والتبعية.
ثم تأتي الجملة الأكثر إيلاما: "الأخ لا يعرف ما يؤلم أخاه...بل بالعكس تماما، يفرح لتعاسة أخيه، ويحزن لنجاحه". هذه ليست غربة عادية، هذه قطيعة رحم معنوية، هذا هو تحول الأخوة إلى عداوة، والبيت إلى ساحة معركة باردة. كيف وصلنا إلى هنا؟ كيف أصبح أخي يتمنى فشلي؟ كيف أصبحت أختي تحسدني على ما أنا فيه؟ إنها التربية الرقمية التي قتلت التنافس الشريف، وحلت محله الغيرة العمياء.
"البيت فيه أصوات كثيرة، ولكن الحوار غائب". أصوات التلفاز، وأصوات الألعاب الإلكترونية، وأصوات التنبيهات، وأصوات المكالمات، كلها أصوات، لكن صوت الحوار الإنساني الحقيقي غائب. "السقف واحد، ولكن الأرواح متباعدة". هذه الجملة لوحدها ديوان شعر، فهي تجمع بين الماديات (السقف) والمعنويات (الأرواح)، وتبرز التناقض الصارخ بين قرب المسكن وبعد المسكنة.
خامسا: في غربة الأخلاق (انعكاس القيم)
قلت: "حين تصبح المصلحة أعلى من الرحمة، ومن الانتماء، ومن الأخوة الصادقة". هنا أنت تضع الميزان الذي نعرف به أخلاقنا: هل المصلحة هي الحاكمة أم القيم؟ في زمن التكنولوجيا، صار كل شيء يقاس بالمنفعة: الصداقة من أجل منفعة، الزواج من أجل منفعة، حتى العبادة صارت من أجل منفعة شخصية (نجاة من النار فقط). "حين يقاس الإنسان بما يملك لا بما يكون"، هذا هو تحول المجتمع من مجتمع القيم إلى مجتمع الاستهلاك. صار سؤال الناس: كم راتبك؟ أي سيارة تقود؟ أي هاتف تحمل؟ ولم يعد السؤال: ما أخلاقك؟ كيف تعامل والديك؟ هل تساعد جارك؟
"يبدأ الضمير بالانكماش، تبهت القيم كما يبهت اللون القديم". هذه تشبيهات بصرية بديعة. الضمير كالبالون ينكمش حين يفرغ من الهواء. القيم كالثوب يبهت لونه مع كثرة الغسيل وكثرة التعرض للشمس. والعلاقات صارت كلها "تمثيل"، والكلمات "قابلة للتبديل". في الماضي، كانت الكلمة هي عنوان الرجل، أما اليوم فالكلمة مجرد ملف نكتبه ونمسحه ونبدله. تعدك بوعد اليوم، وتنساه غدا. تقول أحبك، ومعناها "أحتاجك". تقول سأكون معك، ومعناها "حتى تنتهي مصلحتي".
"الغربة الأخلاقية ليست في الشوارع...بل حين يخاف الإنسان من الإنسان". هذه هي الخلاصة: الخوف من الإنسان ليس خوفا من جرمه، بل خوفا من أخلاقه، خوفا من خيانته، خوفا من غدره. حين نلتقي بصديق قديم، لا نفرح، بل نخاف ماذا يريد منا. حين يتصل بنا قريب، لا نبتهج، بل نتساءل ما هي المصيبة الجديدة.
سادساً: في غربة الدين والروح (الفجوة بين الجسد والجوهر)
أبدعت أيما إبداع في تصحيح مفهوم الغربة الدينية. لم تجعلها في قلة الصلاة ولا قلة الصيام، بل في غياب الروح. "ليست الغربة الدينية قلة صلاة، بل قلة خشوع". كم من مصلٍ ينقر صلاته كنقر الغراب، وقلبه في السوق، وفكره في الصفقة، وعقله في المسلسل الذي شاهده البارحة. "ليست الغربة الدينية قلة صيام، بل قلة رحمة، وقلة تعاطف مع الفقراء والمساكين والمحتاجين". كم من صائم يجوع طول النهار، لكنه لا يشعر بجوع الفقير، ولا يرق قلبه لحال المحتاج، بل ربما زاد في أذيتهم وشتمهم.
"أن تنحني في الصلاة، ولا ينحني قلبك تواضعا، أن ترفع يديك بالدعاء.. ولا ترفع ظلماً عن أحد". هذه مقابلات رائعة، فيها موسيقى داخلية، وفيها نقد ذاتي للتدين الشكلي. الركوع الجسدي بلا ركوع قلبي، هو مجرد تمرين رياضي. رفع اليدين بالدعاء، مع بقاء الظلم واقعا على الناس، هو استهزاء بالله قبل أن يكون عبادة. "حين ينفصل السلوك عن الإيمان، تشعر الروح بأنها بلا مسكن". الروح تحتاج إلى مسكن تأوي إليه، وهذا المسكن هو الاتساق بين ما نعتقد وما نفعل، بين ما نقول وما نعمل. حين نؤمن بالله ونعصيه، وحين نؤمن بالصدق ونكذب، وحين نؤمن بالعدل ونظلم، تشعر الروح بأنها مشردة، لا بيت لها ولا وطن تأوي إليه.
سابعا: في حيرة العقل (صرخة الفيلسوف)
بعد أن استعرضت أنواع الغربة الستة، جئت بسابعها وهو "حيرة العقل"، وكأن العقل يقف على أطلال هذه الغربات كلها، ينظر ويتساءل. "الانسان المفكر يقف في منتصف الطريق، ينظر حوله مذهولا". هذه الصورة تذكرني بصور الفلاسفة المتأملين، كأبي حيان التوحيدي في "الإشارات الإلهية"، أو ابن سينا في قصيدته العينية. الإنسان المفكر يرى التناقضات الصارخة في هذا العصر، فيسأل: "كيف اقتربت المسافات وابتعدت القلوب؟". هذه هي المعجزة المعكوسة: التكنولوجيا جعلت الأرض قرية صغيرة، والقلوب صارت جزرا متباعدة لا يصل بينها مراكب.
"كيف صرنا نرى بعضنا كل يوم.. ولا نلمس بعضنا أبدا؟". نرى بعضنا عبر الكاميرات، في مكالمات الفيديو، في الصور، لكن اللمسة الحقيقية، تلك التي تنقل الدفء، وتوصل الحنان، وتشعر بالآخر، صارت نادرة بل معدومة. "كيف امتلأت أيدينا بالأجهزة.. وفرغت من الأيدي؟". هذه مفارقة لفظية بديعة: امتلأت الأيدي (جمع يد) بالأجهزة، وفرغت من الأيدي (جمع يد) الأخرى. اليد التي كانت تصافح، وتربت على الكتف، وتمسح الدمع، صارت مشغولة بالتقليب والضغط والتمرير.
"إنه عصر صنع كل شيء.. إلا الطمأنينة". هذه هي خلاصة العصر: صنعنا آلات تطير بنا إلى الفضاء، وصنعنا أدوية تطيل الأعمار، وصنعنا أجهزة تصغر المسافات، لكننا لم نصنع حبة نوم هادئ، ولم نبتكر جرعة طمأنينة للقلب القلق، ولم ننتج دواء للروح الحائرة. فالطمأنينة لا تصنع في المصانع، ولا تباع في الأسواق، ولا توجد في المتاجر الإلكترونية. الطمأنينة تأتي من الداخل، حين يسكن القلب في حضرة الله، وحين تطمئن النفس بلقاء الإخوة وحين تستقر الروح في دفء الأسرة.
ثامنا: في الخلاص والعودة (نافذة الأمل)
وهنا، أستاذي تكمن عظمة المقال، أنك لم تتركنا في هذه الغربة الوجودية نعاني ونتخبط، بل مددت لنا حبل الخلاص، وفتحت لنا نافذة الأمل. قلت: "الغربة ليست قدرا لا يرد". هذه جملة مهمة جدا، لأنها تنفي أن يكون ما نحن فيه حتمية لا مفر منها. التكنولوجيا ليست شرا مطلقا وليست قدرا محتوما، نحن من جعلها كذلك. يمكننا أن "نعود، أن نغلق الشاشة قليلا، ونفتح نافذة القلب". هذه دعوة إلى التوازن، إلى استخدام التكنولوجيا بقدر وترك مساحة للحياة الحقيقية.
"أن نصغي أكثر مما نتكلم". لأن الإصغاء هو بداية التفاهم، ونحن فقدنا مهارة الإصغاء، صرنا نتكلم كثيرا ولا نسمع أحدا. "أن نحتضن قبل أن نحكم". لأن الاحتضان يوصل أكثر من ألف حكم، وألف خطبةوألف نصيحة. "أن نصلح ما بيننا قبل أن نصلح صورتنا أمام الناس". هذا هو السر، أن نهتم بالجوهر قبل المظهر، بالحقيقة قبل الصورة، بالمضمون قبل الشكل.
"أن نعيد للبيت دفئه، وللكلمة صدقها، وللدين روحه، وللإنسان إنسانيته". هذه مطالب أربعة، هي برنامج إصلاحي كامل للمجتمع المعاصر. البيت يحتاج إلى دفء، لا إلى أجهزة ذكية. الكلمة تحتاج إلى صدق، لا إلى إعجابات ومشاركات. الدين يحتاج إلى روح، لا إلى مظاهر وشكليات. الإنسان يحتاج إلى إنسانيته، لا إلى ألقابه وشهاداته ومناصبه.
"فالتكنولوجيا ليست عدوا.. لكن القلب إذا غاب، تحولت إلى ظل". هذه المقولة العميقة تضع الأمور في نصابها: التكنولوجيا مجرد أداة، هي كالسكين، تقطع الخبز وتقطع الرقاب. لكن القلب هو الفارق، القلب الذي يوجه الأداة نحو الخير أو نحو الشر. حين يغيب القلب، حين تغيب المشاعر الإنسانية، حين تغيب القيم والأخلاق، تتحول التكنولوجيا من نعمة إلى نقمة، من وسيلة تواصل إلى وسيلة عزلة، من جسر يصل بين البشر إلى جدار يفصل بينهم.
تاسعا: في الخاتمة الشعرية (العودة إلى الوطن الأول)
وختمت مقالك بأجمل خاتمة يمكن أن يختم بها مقال: "الغربة في زمن التكنولوجيا ليست في بعد المسافات، بل في بعد المشاعر والأحاسيس.. فإذا عاد القلب إلى مكانه الصحيح... عاد الإنسان إلى وطنه الأول.... وطن الطمأنينة والسكينة والراحة".
هذه الخاتمة تذكرني بقول القائل: "إنما الدنيا وطن الغريب، ودار الشريد، فإذا عاد الغريب إلى الله، وجد الوطن الحقيقي". الوطن الأول ليس بقعة جغرافية. الوطن الأول هو ذلك المكان الذي يسكن فيه القلب مطمئنا، حيث لا خوف ولا حزن، حيث الطمأنينة تغشاه، والسكينة تنزل عليه، والراحة تحتضنه. هذا الوطن قد يكون في جلسة مع أمك، أو في ضحكة مع أبنائك، أو في سجدة بين يدي الله، أو في لقاء مع صديق صدوق. هذا الوطن هو ما نبحث عنه في زحام التكنولوجيا وضجيجها وهو ما نشتاق إليه حين نغرق في وحدتنا وسط الجموع.
ختاما: كلمة شكر وتقدير
أيها الأستاذ الجليل، لقد كتبت مقالا خالدا، سيبقى شاهدا على هذا العصر ومرآة تعكس وجهه الحقيقي. لقد استخدمت اللغة العربية أجمل استخدام، فجمعت بين جزالة اللفظ وعمق المعنى، بين روعة البيان وصدق العاطفة، بين دقة التحليل وشمولية الرؤية. لقد أعدت للكلمة العربية هيبتها وللأدب العربي مكانته وللمقال الهادف قيمته.
أسأل الله العلي القدير أن يبارك في عمرك، وأن يمد في أجلك، وأن يلهمك دائما كل نافع مفيد وأن يجعل ما تكتبه في ميزان حسناتك وأن يجعله نورا لك في الدنيا والآخرة. وأسأله سبحانه أن يعيد قلوبنا جميعا إلى مكانها الصحيح، لتعود إلى وطنها الأول، وطن الطمأنينة والسكينة والراحة.
وتقبل مني، يا أستاذي الفاضل، أسمى آيات التقدير والاحترام، وأصدق مشاعر المحبة والامتنان، وأنا انتظر جديدك دائما وما يفيض به قلمك من درر وكنوز.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة لقصة - سيدي قاسم وبكاء بعد منتصف الليل – للدكتور القاص ...
- قراءة لنص – على روابي الأحلام - للأديبة نافلة مرزوق العامر
- النقد الأدبي... إبداع وأي إبداع
- جداريةُ الرسمِ بالريشة.. مقاربةٌ بالرسمِ بالكلمات
- قراءة لقصيدة – إلى أمي - للشاعر محمود درويش


المزيد.....




- على غرار سيناريو غزة.. جنود الاحتلال يوثقون عبثهم بمنازل الن ...
- إيران تعلن اعتقال 178 شخصا بتهمة التجسس لصالح أمريكا وإسرائي ...
- حماس تندد بدعوات بن غفير لإعدام الأسرى وتصفها بـ -العقلية ال ...
- دول الخليج تطلب جلسة طارئة بمجلس حقوق الإنسان بسبب هجمات إير ...
- الاستخبارات الإيرانية تعلن اعتقال 97 شخصا بتهمة الارتباط بال ...
- بن غفير أمام المشنقة.. ينفي وفاته ويعلن شوقه لإعدام الأسرى ا ...
- السلطة القضائية في إيران: إعدام 3 رجال اعتقلوا خلال احتجاجات ...
- اليونيسف: العدوان على لبنان يغتال -صفاً دراسياً- من الأطفال ...
- ستوكهولم تندد بإعدام مواطن سويدي في طهران وتستدعي السفير الإ ...
- تقارير عن اعتقالات واسعة في دبي طالت سياحاً وثقوا هجمات بطائ ...


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - طه دخل الله عبد الرحمن - قراءة لنص - الغربة في زمن التكنولوجيا – للأستاذ الاديب صبحي سرحان