أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - قراءة لقصة - سيدي قاسم وبكاء بعد منتصف الليل – للدكتور القاص والناقد محمد سليط















المزيد.....



قراءة لقصة - سيدي قاسم وبكاء بعد منتصف الليل – للدكتور القاص والناقد محمد سليط


طه دخل الله عبد الرحمن

الحوار المتمدن-العدد: 8650 - 2026 / 3 / 18 - 17:59
المحور: الادب والفن
    


قراءة لقصة - سيدي قاسم وبكاء بعد منتصف الليل – للدكتور القاص والناقد محمد سليط 17- 03- 2026
القصة:
سيدي قاسم وبكاء بعد منتصف الليل
في قرية خبيزة الوادعة، في وسط منطقة الروحة على التلال المتددة شمال جبل الكرمل وجنوب جبال أم الفحم، حيث تمتزج رائحة الزعتر البري برذاذ البحر الآتي من حيفا، كان المقام المسمى سيدي قاسم ليس مجرد حجر وقبة، بل كان حارس الذاكرة وملاذ المتعبين.
الشخصيات:
الشيخ صالح: القائم على المصلى جوار المقام، رجل ثمانيني يقرأ تقلبات الجو من حركة الغيوم فوق البحر.
يونس: شاب في العشرين، يعمل في سكة حديد حيفا، يحمل في جيبه سكيناً وفي قلبه ثورة.
مريم: خطيبة يونس، بارعة في التطريز، تحيك في ثوبها خريطة سريّة للقرية.
المستر ويليامز: ضابط بريطاني بارد الملامح، يرى في قرى حيفا مجرد عائق في خارطة الانتداب.
أبو حسن: مختار القرية الذي يحاول الموازنة بين حماية أهله وبين غطرسة المحتل.
الطفل ذيب: يتيم الأب، يقضي وقته بمراقبة تحركات الدوريات البريطانية وإعطاء إشارات للمقاومين.
الحاجة أم السعد: حكيمة القرية، خبيرة بالأعشاب وبالأهازيج التي ترفع المعنويات.
سركيس: خباز أرمني في حيفا، صديق يونس، يهرب السلاح في صناديق الدقيق.
العريف توم: جندي بريطاني شاب، يصارع ضميره تجاه القسوة التي يشاهدها.
فارس: قائد الفصيل المحلي للمقاومين، يعيش في المغاور المحيطة بـ خبيزة.
كانت سنة 1947 تلفظ أنفاسها تحت وطأة المداهمات البريطانية. في خبيزة، كان الصمت بعد منتصف الليل ثقيلاً كالحجر. سيدي قاسم، المقام القابع على تلة تشرف على حيفا، كان الشاهد الوحيد على اللقاءات السرية.
في ليلة باردة، اقتحم المستر ويليامز ومجموعة من جنود الاحتلا/ل وأسلحتهم الثقيلة ساحة المقام. أين يونس؟ صرخ في وجه الشيخ صالح. لم يجب الشيخ، بل استمر في تسبيحه. كانت التهمة جاهزة: تخريب خط السكة الحديد. في تلك اللحظة، كان يونس وفارس يزرعون العبوات تحت قضبان الحديد التي تنقل المؤن للعصابات الصهيونية تحت بصر الإنجليز.
تصاعد القهر حين قرر ويليامز تحويل المقام إلى نقطة مراقبة عسكرية. دنسوا المكان، وطردوا الشيخ صالح. مريم، التي كانت تراقب من بعيد، شعرت بأن روح القرية تُخنق. بدأت خبيزة تشهد ليالي دامية؛ قتلوا ذيب الصغير وهو يحاول إيصال خبز للمقاومين، وصادروا محصول القمح بحجة قوانين الطوارئ.
مع اقتراب نكبة 48، اشتد الضغط. حيفا تسقط حياً بعد حي، واللاجئون يمرون بـ خبيزة يحملون مفاتيح بيوتهم. في منتصف ليلة الثامن عشر من نيسان، بدأت المدافع تقصف القرية من المرتفعات. يونس، الذي عاد جريحاً من معارك حيفا، وقف مع فارس والمختار يدافعون عن مدخل القرية بما تبقى من رصاص وقبضات غاضبة.
يا بني، الأرض لا تموت، نحن الذين نغادرها لتعود إلينا، قالت أم السعد وهي تضم صرة ملابسها.
سقطت خبيزة بعد معركة غير متكافئة. أُجبر الأهالي على الرحيل باتجاه الشمال. في اللحظة الأخيرة، وقف الشيخ صالح عند باب مقام سيدي قاسم المحطم. نظر إلى أضواء حيفا البعيدة التي بدت كدموع متناثرة على خد الشاطئ.
بعد منتصف الليل، وفي مخيمات اللجوء الأولى، كان الصوت الوحيد الذي يشق سكون القهر هو بكاء الرجال. يونس، الذي فقد مريم في الزحام، وجد نفسه وحيداً ينظر إلى السماء. لم يكن بكاؤه ضعفاً، بل كان وعداً بالعودة. أما مقام سيدي قاسم، فقد ظل هناك، وحيداً، تسكنه الريح، بانتظار أصحاب الأرض الذين حفظوا رائحة خبيزة في جفونهم قبل أن يرحلوا.
كانت تلك الليلة من عام 1948 هي الليلة التي انكسر فيها الميزان تماماً. سقطت حيفا تحت وطأة الموت، وبقيت خبيزة كالقلعة الوحيدة التي تتنفس بصعوبة وسط حصار خانق.
تفاصيل اللحظات الأخيرة:
في حيفا:
في تلك الأزقة المثقلة برائحة التاريخ والخوف، كان سركيس الخباز الأرمني يقف أمام فرن طيني قديم، يرقب بعينين ذابلتين طوابير الجائعين، محاولاً بلمساته الخبيرة أن يواسي رغيف الخبز قبل أن يقذفه إلى النار؛ وكأنه يخبز الصبر في قلوب المارين.
وعلى ناصية الزقاق المقابل، كان العريف توم يتكئ بملله المعتاد على جدار متهالك، يراقب المشهد ببرود تحت حواف قبعته العسكرية. لم تكن صرخات الصمت تعنيه بشيء، فقد كان غارقاً في دخان غليونه، يمثل القوة الصامتة مع القليل من الشعور بالذنب ويكتفي بالمراقبة بينما تدور رحى الأوجاع في بكاء بعد منتصف الليل.
في قرية خبيزة:
دخل يونس إلى القرية في ساعة متأخرة، ملابسه مغطاة بغبار المعارك في حي وادي النسناس. كان يحمل بندقية إنكليزية قديمة ونظرة منكسرة. التقى بـ المختار أبو حسن عند مدخل المقام. كانت الأخبار مرعبة: العصابات الصهيونية تتقدم من جهة الكرمل بعد أن إستولت العصابات الصهيو//نية عليه، والبريطانيون انسحبوا وتركوا الأبواب مشرعة للموت.
في زاوية المقام، كانت مريم تحاول تضميد جراح المقاتلين بقطع من قماش ثوبها المطرز الذي أعدته لعرسها. كانت الرصاصات تخترق جدران البيوت الطينية، ورائحة البارود تغطي على رائحة زهر الليمون.
الهجوم الكبير:
عند الساعة الثانية بعد منتصف الليل، بدأ القصف المركز. سقطت القذيفة الأولى على مئذنة المسجد القريب، ثم تلتها قذيفة أخرى أصابت بيت أم السعد. صرخ الطفل الأصغر لذيب محاولاً تنبيه المقاتلين، لكن رصاصة غادرة أسكتت صوته الصغير إلى الأبد.
اقتحم المسلحون من العصابات الصهيو//نية أطراف القرية. كان فارس يصرخ: لا تتركوا خبيزة! من يخرج لن يعود! لكن النيران كانت تلتهم كل شيء. اضطر الأهالي للفرار تحت جنح الظلام، يسلكون الوعر باتجاه الشمال، تاركين وراءهم أفران الخبز لا تزال دافئة، والقهوة المرة التي لم يشربها أحد.
لحظة البكاء بعد منتصف الليل:
على تلة تشرف على القرية، توقف الركب المنهك. كانت الساعة قد تجاوزت الثالثة فجراً. التفتت الحاجة أم السعد خلفها لتجد خبيزة تشتعل. الدخان الأسود يعانق قبة سيدي قاسم التي بدت في الظلام كشاهد قبر عملاق.
هنا، وفي تلك اللحظة الفاصلة، حدث ما لم يره أحد من قبل. الشيخ صالح، الذي لم تدمع عيناه طوال ثمانين عاماً، حتى عند وفاة أبنائه، سقط على ركبتيه. قبض حفنة من تراب الأرض ووضعها في صرته، ثم أطلق صرخة مكتومة تحولت إلى نشيج مرير.
بدأ البكاء يسري في الجمع كالنار في الهشيم. لم يكن بكاء خوف، بل كان بكاء العجز. يونس وضع رأسه على كتف المختار وانفجر بالبكاء، يصرخ بصمت: بعنا السوار لنجلب الرصاص.. ولم يكفِ الرصاص!
النساء اللواتي كن يزغردن للشهداء، بكين تلك الليلة بحرقة غسلت غبار الطريق.
في تلك الساعة من منتصف الليل، كانت خبيزة تضيع في الضباب، وكان صوت بكاء الرجال والنساء يختلط بصوت الريح العاتية التي تهب من جهة البحر، وكأن المقام نفسه يبكي معهم رحيلاً لن ينتهي إلا بالعودة. غادروا، ولم يبقَ في القرية سوى صدى أقدام الغزاة، وحكايات ستُروى للأجيال عن ليلة بكت فيها الأرض والسماء.
بكاء بعد منتصف الليل
بقلم د محمد سليط شاعر وقاص
ناقد ومسرحي الأردن
*******************************
القراءة:
بكاء بعد منتصف الليل: التكوين الأسطوري للذاكرة الفلسطينية في مرآة السرد الوجودي
تمهيد: في جوهر الكتابة عندما تصبح جرحاً نازفاً
في تلك المنطقة المتاخمة للغيب، حيث يصطلي الأدب بنار الواقع فينصهر رماداً تذروه ريح النسيان، أو يتشكل سبيكة نورانية تشع على الأجيال فلا تخبو، تأتي قصة "بكاء بعد منتصف الليل" للقاص الأردني الدكتور محمد سليط لتكون علامة فارقة في مسار الكتابة القصصية العربية المعاصرة، ليس فقط لأنها تؤرخ لفاجعة وطن، بل لأنها ترتقي بالفاجعة إلى مرتبة المأساة الكونية، وتجعل من قرية فلسطينية صغيرة نموذجاً للوجود الإنساني في أقصى تجلياته التراجيدية. إنها تلك النصوص القليلة التي لا تُقرأ مرة واحدة فتنتهي، بل تعاودك في أحلامك، وتطارك في يقظتك، وتغرس في وجدانك أسئلة لا تنتهي: كيف يموت الوطن؟ وكيف يبعث؟ وأي سر في تلك الحفنة من التراب تجعلها أثقل من الجبال؟ وأي معنى في تلك الدمعة المسفوكة بعد منتصف الليل يجعلها أبلغ من كل الخطب والمواعظ؟
الفصل الأول: التأصيل المكاني - قرية خبيزة ككون وجودي متكامل
المكان ككائن حي
لقد استطاع الدكتور محمد سليط بمهارة العارف بأسرار الكتابة، أن يحول قرية "خبيزة الوادعة" من مجرد اسم على خارطة فلسطين إلى كيان عضوي يتنفس ويحلم ويتألم. فقرية خبيزة ليست تلك القرية العادية التي تموج بها آلاف القرى في وطننا العربي، بل هي نموذج مصغر للوجود الإنساني في أبهى تجلياته وأقسى تناقضاته. إنها الكون بأسره يتجمع في بقعة صغيرة من الأرض، حيث تلتقي عناصر الوجود الأربعة: تراب التلال الذي يمنح الزعتر البري نكهته، وماء البحر المتوسط الذي يرسل رذاذه حتى يعانق الجبال، وهواء الروحة الذي يحمل في طياته أسرار الغيم القادم من جهة الكرمل، ونار المقاومة التي تتقد في قلوب الشباب كالشمس لا تخبو.
وحين يصف الكاتب القرية بأنها تقع "في وسط منطقة الروحة على التلال الممتدة شمال جبل الكرمل وجنوب جبال أم الفحم"، فإنه لا يقدم مجرد تحديد جغرافي دقيق، بل يرسم خريطة وجودية للهوية الفلسطينية المتشابكة مع الجغرافيا، تلك الهوية التي لا يمكن فهمها بمعزل عن تضاريس الأرض التي نشأت عليها. فجبل الكرمل في الشمال وجبال أم الفحم في الجنوب ليسا مجرد معالم طبيعية، بل هما شاهدان على تاريخ طويل من التعلق بهذه الأرض، هما الحدود الطبيعية التي تحدد نطاق الانتماء وتؤطر الذاكرة.
دلالات الاسم: خبيزة بين التواضع والعزة
إن اختيار اسم "خبيزة" لهذا المكان السردي يحمل دلالات عميقة تستحق التأمل. فالخبيزة في الثقافة الشعبية الفلسطينية هي تلك النبتة البرية التي تنبت في الحقول والتلال دون عناية من أحد، والتي كانت طعام الفقراء في سنوات القحط والمجاعات. إنها نبتة البساطة والعفوية، نبتة من لا شيء لهم سوى ما تمنحهم الأرض من خيراتها. لكن لهذه النبتة أيضاً خاصية أخرى: إنها تنبت في أقسى الظروف، وتصمد أمام الجفاف، وتزدهر حيث تذبل النباتات الأخرى. هكذا هم أهل خبيزة، بسطاء في حياتهم، لكنهم أقوياء في صمودهم، يزدهرون تحت وطأة الاحتلال كما تزدهر الخبيزة تحت وطأة الشمس الحارقة.
والأكثر من ذلك، أن للخبيزة في الطب الشعبي استخدامات علاجية متعددة، فهي تداوي الجراح وتشفي الأمراض. وأهل خبيزة في القصة هم أيضاً معالجون للجراح، ليس الجراح الجسدية فحسب، بل الجراح الوجودية العميقة. إنهم من يحافظون على صحة الروح الجمعية للأمة، من ينقلون للأجيال القادمة سر البقاء رغم كل المحن.
مقام سيدي قاسم: محور الوجود الروحي
في قلب هذا الكون المتكامل، يقف مقام سيدي قاسم كمركز للعالم وكقطب تدور حوله الأحداث وتتشكل من خلاله الرؤى. المقام هنا ليس مجرد بناء حجري تعلوه قبة بيضاء، بل هو "حارس الذاكرة وملاذ المتعبين" كما يصفه الكاتب بعبارته المكثفة الموحية. إنه ذلك الفضاء الذي تلتقي فيه السماء بالأرض، حيث يتصل الإنسان بخالقه عبر وساطة الولي الصالح، وحيث تلتقي الأجيال في لحظة زمنية واحدة تتجاوز حدود التاريخ الخطي.
وحين يصف الكاتب الشيخ صالح بأنه "يقرأ تقلبات الجو من حركة الغيوم فوق البحر"، فإنه يخلق صلة خفية بين المقام كفضاء روحي وبين البحر كفضاء طبيعي مفتوح على اللانهاية. فالشيخ الذي يقيم في المقام، يتأمل حركة الغيوم الآتية من البحر، ليستنتج منها تقلبات الطقس. هذه المهارة التي تبدو بسيطة، تحمل في طياتها رؤية عميقة للعلاقة بين الإنسان والطبيعة، بين المقدس والدنيوي، بين ما هو ثابت في الأرض وما هو متحرك في السماء.
واللافت في بناء هذا الفضاء الروحي، أن الكاتب يجعله مسرحاً للأحداث كلها تقريباً: تبدأ القصة باقتحام المستر ويليامز للمقام، وتتوالى الأحداث في رحابه أو في محيطه، وتنتهي القصة بصورة المقام المحطم الذي ينتظر عودة أهله. هذا التركيز على فضاء واحد يجعل من المقام بطلاً خفياً للقصة، شاهداً صامتاً على ما جرى، وحافظاً أميناً للذاكرة التي ستنتقل عبر الأجيال.
الفصل الثاني: بناء الشخصيات - بانوراما إنسانية في مواجهة التاريخ
الشيخ صالح: الأيقونة الحية للصمود الهادئ
في شخصية الشيخ صالح، يقدم لنا الدكتور سليط نموذجاً للروحاني المتجذر في الأرض، الرجل الذي قضى ثمانين عاماً في خدمة المقام وفي مراقبة حركة الغيوم، فاكتسب من الخبرة ما لم تمنحه الكتب، ومن الحكمة ما لا تدرسه الجامعات. إنه الرجل الذي رأى الاحتلال العثماني ورأى الاحتلال البريطاني، وشاهد بدايات الحركة الصهيونية، وعاش كل التحولات التي مرت بها فلسطين في النصف الأول من القرن العشرين.
لكن الشيخ صالح ليس مجرد شاهد على التاريخ، بل هو فاعل فيه، وإن كان فعله من نوع خاص. فعندما يقتحم المستر ويليامز المقام ويسأله عن يونس، لا يجيب الشيخ، بل يواصل تسبيحه. هذا الصمت ليس صمت العاجز، بل صمت العارف، صمت الرجل الذي يدرك أن قوة الاحتلال لا تدوم، وأن كلمة الحق أقوى من كل المدافع. إنه يجسد بذلك نموذج المقاومة الصامتة، مقاومة الروح التي لا تنكسر، مقاومة الإيمان الذي لا يتزعزع.
ولعل أعمق لحظة في مسار هذه الشخصية هي لحظة بكائه بعد منتصف الليل. الشيخ الذي لم تدمع عيناه طوال ثمانين عاماً، حتى عند موت أبنائه، ينهار باكياً على تلة تشرف على قريته المحترقة. هذا الانهيار ليس ضعفاً، بل هو ذروة القوة الإنسانية، إنه لحظة انكسار الجبل أمام عظمة الفاجعة، لحظة إعلان أن الألم أحياناً يتجاوز طاقة التحمل البشري. وحين يقبض حفنة من تراب الأرض ويضعها في صرته، فإنه يؤسس لطقس مقدس جديد: طقس الحفاظ على التراب كقربان وكتذكار وكوعد.
يونس ومريم: ثنائية العشق والنضال في مواجهة الموت
يمثل يونس في القصة نموذج الشاب الفلسطيني الذي حمل البندقية بيد والسكين بالأخرى، وجمع بين ثورة القلب وثورة العقل. إنه "يحمل في جيبه سكيناً وفي قلبه ثورة" كما يصفه الكاتب بعبارته المكثفة. هذه الثنائية بين السلاح الظاهر والسكين الخفي، بين الثورة المعلنة والثورة المضمرة، تعكس تعقيد الواقع الفلسطيني تحت الاحتلال، حيث يضطر الإنسان لأن يكون جندياً في العلن ومقاوماً في السر.
ولعل عمق هذه الشخصية يكمن في قدرته على الجمع بين العنف المطلوب للمقاومة والحب الضروري للحياة. فاليونس الذي يفجر السكك الحديدية ويقاتل في حي وادي النسناس، هو نفسه العاشق الذي يحلم بمريم، الذي يخطط لحياة بعد التحرير، الذي يحمل في داخله صورة الثوب المطرز كما يحمل الرصاص في جعبته.
أما مريم، فتمثل النموذج المضاد للمرأة التقليدية في السرديات الذكورية. إنها ليست مجرد حبيبة تنتظر عودة بطلها، بل هي فاعلة في الأحداث، تساهم في المقاومة بطريقتها الخاصة. حين "تحيك في ثوبها خريطة سرية للقرية"، فإنها تؤدي عملاً وطنياً بامتياز: إنها تحفظ الخريطة في الذاكرة النسيجية، وتخلق وثيقة ملكية لا يمكن للاحتلال أن يزيفها أو يلغيها. فالثوب المطرز سيبقى شاهداً على شكل القرية، على بيوتها وطرقاتها ومقاماتها، حتى لو سويت بالأرض.
واللحظة الأكثر إيلاماً في مسار هذه الشخصية، هي لحظة تحول ثوب العرس إلى ضمادات للجرحى. إنها لحظة تدمير الحلم الرومانسي لصالح الواقع المرير، لحظة انكسار الأمل الفردي أمام ضرورة الجماعة. مريم التي كانت تعد ثوبها لعرسها، تجده يتمزق ليضمد جراح المقاتلين، فتتحول إلى أيقونة للتضحية، إلى نموذج للمرأة التي تقدم ما تملك في سبيل ما تؤمن به.
الشخصيات الثانوية: جدارية إنسانية متكاملة
إن عبقرية الدكتور سليط تتجلى بوضوح في قدرته على بناء شخصيات ثانوية تحمل في داخلها عوالم كاملة، وتؤدي أدواراً درامية لا تقل أهمية عن أدوار الشخصيات الرئيسية.
أبو حسن المختار يجسد التناقض الأليم الذي عاشه الكثير من الزعماء المحليين في فلسطين: بين حماية الأهل وبين مواجهة المحتل، بين الواجب الوطني والخوف على مصير القرية. إنه رجل يحاول الموازنة بين متناقضات، فيجد نفسه في النهاية جزءاً من المأساة لا يستطيع منعها.
الطفل ذيب اليتيم الذي يراقب تحركات الدوريات البريطانية، هو نموذج للطفولة الفلسطينية المسلوبة. طفل كان يجب أن يلعب ويمرح، يجد نفسه مقاوماً بملابس طفولته، وعيناه اللتان كانتا تراقبان العصافير، صارتا تراقبان جنود الاحتلال. ومقتله وهو يحاول إيصال الخبز للمقاومين، يحمل دلالة مسيحية عميقة: إنه ذبيحة العشق، حمل وديع يُذبح من أجل أن يحيا الآخرون.
الحاجة أم السعد حكيمة القرية، هي ذاكرة الشفاهية الفلسطينية، هي الرحم الذي يحفظ الأغاني والأهازيج والوصفات الشعبية. إنها تمثل صلة الوصل بين الماضي والمستقبل، بين من رحلوا ومن سيأتون. وعبارتها الخالدة: "يا بني، الأرض لا تموت، نحن الذين نغادرها لتعود إلينا" تختزل فلسفة كاملة في التعامل مع النكبة: إنها فلسفة تقوم على اليقين بأن الأرض تبقى لأهلها حتى لو غابوا عنها، وأن العودة قدر لا مفر منه، وأن الموت ليس نهاية، بل هو مرحلة في دورة الحياة الأبدية.
سركيس الخباز الأرمني يمثل بعداً إنسانياً آخر في القصة: بعد التضامن العابر للحدود. فالأرمن الذين عاشوا تجربة الإبادة والتهجير، هم أكثر الشعوب فهماً لمعاناة الفلسطينيين. وسركيس وهو "يواسي الرغيف قبل أن يقذفه في النار" يؤدي طقساً مقدساً: إنه يخبز الأمل مع الخبز، يضمد الجراح بالدقيق، يزرع الحياة في وجه الموت.
المستر ويليامز والعريف توم يمثلان وجهي الاستعمار البريطاني: الوجه البارد القاسي الذي يراه ويليامز، والوجه المتحير الذي يمثله توم. ويليامز يجسد العقلية الاستعمارية في أبشع صورها، تلك العقلية التي ترى في الشعوب مجرد عوائق في طريق المصالح. أما توم، الجندي الشاب الذي يصارع ضميره، فيمثل الضمير الإنساني الذي لا يموت حتى في أحلك لحظات القسوة، ذلك الصوت الداخلي الذي يذكر الإنسان بأنه إنسان قبل أن يكون جندياً.
الفصل الثالث: البناء الدرامي - تصعيد متقن نحو الذروة التراجيدية
البداية: اقتحام المقدس
تبدأ القصة باقتحام المستر ويليامز وجنوده لمقام سيدي قاسم. هذا الاقتحام ليس مجرد حدث عادي، بل هو انتهاك رمزي للمقدس، وتدنيس للفضاء الروحي الذي ظل لقرون ملاذاً للمتعبين وحارساً للذاكرة. إنه إعلان حرب ليس فقط على أهل القرية، بل على ما يؤمنون به ويعتبرونه جزءاً من هويتهم. وحين يصرخ ويليامز في وجه الشيخ صالح: "أين يونس؟"، فإنه يختزل كل صراع الاحتلال مع المقاومة: الاحتلال يريد أن يعرف أين المقاومون، ليقتلهم، والمقاومة ترفض الإجابة، فتضع نفسها في دائرة الخطر.
التصعيد: تدمير الحياة اليومية
ثم تبدأ أحداث القصة في التصاعد، من خلال سلسلة من المداهمات والانتهاكات: تحويل المقام إلى نقطة مراقبة عسكرية، طرد الشيخ صالح، قتل الطفل ذيب، مصادرة محصول القمح. هذه الأحداث ليست مجرد جرائم منفردة، بل هي حلقات في سلسلة واحدة تهدف إلى تدمير الحياة في القرية، واقتلاع أهلها من جذورهم، وتحويل المكان الخلاب إلى ساحة حرب ودمار.
واللافت في بناء هذه الأحداث، أن الكاتب لا يقدمها بطريقة تقريرية جافة، بل يغمسها في بحر من المشاعر الإنسانية. نحن لا نقرأ عن موت ذيب، بل نرى الطفل الصغير وهو يسقط تحت الرصاص، ونسمع صرخته الأخيرة، ونشعر بحرقة أمه التي فقدت فلذة كبدها. نحن لا نعرف بمصادرة القمح من خلال خبر جاف، بل نرى الفلاحين وهم يشاهدون ثمرة تعب سنة كاملة تذهب هباءً، ونسمع آهاتهم المكبوتة.
الذروة: سقوط حيفا وتهجير خبيزة
تصل الأحداث إلى ذروتها في مشهد سقوط حيفا وتهجير أهل خبيزة. هنا يتحول السرد من الخاص إلى العام، من قرية صغيرة إلى مأساة وطنية كبرى. حيفا تسقط حياً بعد حي، واللاجئون يمرون بخبيزة يحملون مفاتيح بيوتهم. هذه الصورة المركبة، التي تجمع بين مصير القرية ومصير المدينة، تخلق إحساساً بالمأساة الشاملة التي لم تستثن أحداً.
ثم يأتي الهجوم الكبير على خبيزة في الساعة الثانية بعد منتصف الليل. القصف المركز، سقوط القذيفة الأولى على مئذنة المسجد، ثم سقوط قذيفة أخرى على بيت أم السعد، صراخ الأطفال، نداءات المقاتلين، النيران تلتهم كل شيء. الكاتب هنا يستخدم تقنية المونتاج السينمائي، فيقطع بين المشاهد بسرعة، لينقل إلينا فوضى المعركة ورعب اللحظة.
الخاتمة المفتوحة: البكاء كوعد بالعودة
ينتهي القتال بانسحاب أهالي القرية، واضطرارهم للفرار تحت جنح الظلام، تاركين وراءهم كل شيء: البيوت، الأفران، الذكريات، الأحلام. وعلى تلة تشرف على القرية، يتوقف الركب المنهك، وهنا تحدث اللحظة الفارقة: لحظة البكاء الجماعي بعد منتصف الليل.
هذه اللحظة هي ذروة القصة ومعناها العميق في آن. إنها ليست مجرد مشهد عاطفي، بل هي تأسيس لطقس مقدس جديد: طقس البكاء على الوطن المفقود، طقس الحزن الذي لا يخجل منه الرجال، طقس الاعتراف بالخسارة الذي يتحول إلى وقود للعودة. فالبكاء هنا ليس نهاية، بل بداية. ليس استسلاماً، بل تحدياً. ليس يأساً، بل أملاً متجدداً.
الفصل الرابع: مشهد البكاء - أيقونة وجودية في محراب الذاكرة
الزمن الأسطوري: لماذا بعد منتصف الليل؟
إن اختيار الكاتب لتوقيت البكاء "بعد منتصف الليل" يحمل دلالات عميقة على المستويات النفسية والأسطورية والدينية. فمنتصف الليل في الثقافات الإنسانية جمعاء هو ساعة الصفاء الأكثر رعباً، الساعة التي تنام فيها الضوضاء وتصحو فيها الأرواح. إنها ساعة الخلوة مع الذات، ساعة المواجهة مع الحقيقة، ساعة الانكشاف الوجودي حيث يسقط القناع ويظهر الإنسان على حقيقته.
وفي التراث الصوفي، يعتبر منتصف الليل وقت المناجاة، وقت بكاء العارفين، وقت اللقاء الخاص بين المحب ومحبوبه. وبكاء الشيخ صالح ويونس والنساء بعد منتصف الليل، يكتسب بذلك بعداً روحياً عميقاً: إنه مناجاة لله، وشكوى إليه، وتضرع بالعودة.
الشخصيات الأسطورية: من يبكي بعد منتصف الليل؟
إن الذي يبكون في هذا المشهد ليسوا أناساً عاديين. الشيخ صالح، الرجل الذي لم تدمع عيناه طوال ثمانين عاماً، حتى عند وفاة أبنائه، ها هو ينهار باكياً. يونس، المقاتل الشرس الذي فجر السكك الحديدية وقاتل في حيفا، يضع رأسه على كتف المختار وينفجر بالبكاء. النساء اللواتي كن يزغردن للشهداء، يبكين بحرقة. هؤلاء ليسوا ضعفاء، بل هم أقوياء وصلوا إلى نقطة الانهيار بعد طول صمود.
وهذا هو سر عبقرية المشهد: إنه يصور انكسار الأقوياء، انهيار الجبال، سقوط الصنم. وإذا كان الأقوياء يبكون، فما بالك بالضعفاء؟ إذا كان الشيخ صالح ينهار، فمن ذا الذي سيصمد؟ هذا البكاء الجماعي هو اعتراف بأن الفاجعة أكبر من أن تحتمل، وأن الخسارة أعظم من أن توصف.
دلالات البكاء: بين العجز والوعد
يحرص الكاتب على نفي صفة الضعف عن هذا البكاء، فيؤكد أنه "لم يكن بكاء خوف، بل كان بكاء العجز". وهذه التفرقة دقيقة وعميقة: فالعجز ليس ضعفاً، بل هو إدراك أن قوى الشر تفوق قدرة الخير أحياناً، وأن الظلم قد ينتصر في معركة لكنه لن ينتصر في الحرب كلها. إنه اعتراف بواقع الهزيمة دون قبول بها، إقرار بالخسارة دون استسلام لها.
وبكاء يونس بالتحديد يحمل دلالة خاصة: "بعنا السوار لنجلب الرصاص.. ولم يكفِ الرصاص!" هذه الصرخة المكتومة تختزل مأساة جيل بأكمله، جيل ضحى بكل شيء من أجل المقاومة، ثم وجد أن التضحية لم تكن كافية. إنها صرخة الغضب من قوانين العالم التي لا تحكمها العدالة دائماً، صرخة الاحتجاج على الظلم الذي ينتصر رغم كل التضحيات.
التراب المقدس: حفنة العودة
في لحظة الذروة هذه، يقوم الشيخ صالح بفعل رمزي عميق: يقبض حفنة من تراب الأرض ويضعها في صرته. هذه الحفنة تتحول إلى أيقونة دينية، إلى قربان مقدس، إلى جواز سفر حقيقي لا يزيف. فتراب الوطن هو الجنسية الحقيقية، هو وثيقة الملكية التي لا تبطل، هو الذاكرة المادية التي ستبقى شاهداً على الحق رغم كل شيء.
وهذا الفعل يذكرنا بالطقوس الدينية في الحج والعمرة، حيث يحجاج بيت الله الحرام يأخذون معهم ماء زمزم وتراب المدينة. صار تراب خبيزة بهذا الفعل مقدساً مثل تراب مكة والمدينة، وصار العودة إليه فريضة مثل فريضة الحج.
الفصل الخامس: البعد الوجودي - تأملات في الجذر والمعنى والمصير
الأرض ككائن حي لا يموت
تقدم القصة رؤية وجودية عميقة للأرض، تجعل منها كائناً حياً لا يموت حتى لو غاب عنها أهلها. عبارة الحاجة أم السعد: "الأرض لا تموت، نحن الذين نغادرها لتعود إلينا" تختزل هذه الرؤية في قالب بلاغي بديع. فالأرض تبقى شامخة، تنتظر، تتنفس، تحلم. إنها الأم التي تفقد أبناءها لكنها لا تيأس من عودتهم. إنها الحبيبة التي تظل وفية لعشاقها حتى لو طال الغياب.
وهذه الرؤية تنفي عن الهزيمة صفة النهائية، وتجعل من النكبة مجرد فصل في مسلسل طويل سينتهي حتماً بعودة الأبطال. إنها رؤية تمنح الأمل وتجدد الطاقة، وتحول اللاجئين من ضحايا إلى أبطال ينتظرون دورهم في المسرحية الكونية الكبرى.
الذاكرة كملاذ أخير
في غياب الأرض، تصبح الذاكرة هي الملاذ الأخير. والشخصيات في القصة تحافظ على ذاكرتها بوسائل متعددة: الشيخ صالح يحفظ التراب في صرته، مريم تحيك خريطة القرية في ثوبها، الحاجة أم السعد تحفظ الأهازيج في قلبها، يونس يحفظ صورة مريم في عينيه. كل هذه الوسائل تشكل نسيجاً متكاملاً من الذاكرة التي ستنتقل عبر الأجيال.
وحين يقول الكاتب إن المهجرين "حفظوا رائحة خبيزة في جفونهم قبل أن يرحلوا"، فإنه يخلق استعارة بصرية شمية بديعة. حفظ الرائحة في الجفون، أي مزج الحاسة البصرية بالحاسة الشمية، ليخلق ذكرى مركبة لا تزول. فمن يرى بعينيه ويشم بأنفه، لا يمكن أن ينسى أبداً. وهكذا يصبح اللاجئون شهوداً على جمال ما فقدوا، وحافظين لصورته في أعماقهم.
المنفى كحالة وجودية
تقدم القصة رؤية عميقة للمنفى، ليس كمجرد انتقال مكاني، بل كحالة وجودية شاملة. فالمنفى هنا هو فقدان الجذور، والانقطاع عن المصدر، والعيش في عالم لا يعترف بك ولا بوجودك. إنه حالة من الاغتراب الوجودي، حيث يصبح الإنسان غريباً حتى عن نفسه، حيث يشعر بأنه نبتة مقتلعة من تربتها تذبل تحت شمس لا تعرفها.
ولعل أعمق تعبير عن هذا المنفى الوجودي هو مشهد المقام المحطم في نهاية القصة: "أما مقام سيدي قاسم، فقد ظل هناك، وحيداً، تسكنه الريح، بانتظار أصحاب الأرض الذين حفظوا رائحة خبيزة في جفونهم قبل أن يرحلوا". هذا المقام هو نموذج مصغر للوطن نفسه: وحيد، مهمل، لكنه ينتظر. إنه رمز للصمود والتحدي والأمل.
الفصل السادس: التقنيات البلاغية - لغة تتسامى بالواقع
الصورة الشعرية كأداة للرؤيا
يعتمد الدكتور سليط في قصته على تقنية الصورة الشعرية، فيخلق عالماً من الاستعارات والكنايات التي تنقل القارئ إلى مستوى آخر من الإدراك. فحين يصف أضواء حيفا بأنها "بدت كدموع متناثرة على خد الشاطئ"، فإنه لا يصف منظراً فقط، بل يحوله إلى حالة وجدانية، إلى لوحة حزينة تعكس مأساة المدينة الساقطة. وحين يقول إن "الدخان الأسود يعانق قبة سيدي قاسم التي بدت في الظلام كشاهد قبر عملاق"، فإنه يخلق صورة مركبة تجمع بين عناق الدخان للقبة، وتحول القبة إلى شاهد قبر، في مشهد بلاغي يختزل مأساة المكان كله.
التناص الديني والأسطوري
يمتلئ النص بتناصات دينية وأسطورية تمنحه بعداً روحياً عميقاً. فمشهد البكاء بعد منتصف الليل يحيل إلى بكاء الأنبياء والأولياء في محنهم، كما أن مشهد الخروج من القرية يحيل إلى الخروج من الجنة في النص الديني. وحفنة التراب التي يأخذها الشيخ صالح تذكرنا بقصة الخليل إبراهيم عليه السلام، وحنينه إلى تراب وطنه. هذه التناصات لا تخدم النص من الناحية الجمالية فقط، بل تضفي عليه قدسية خاصة، وتجعله جزءاً من السردية الكبرى للإنسانية المتألمة.
المفارقة كأداة نقدية
يستخدم الكاتب تقنية المفارقة بمهارة عالية، فيخلق مواقف تثير التأمل والدهشة. ثوب العرس المطرز يتحول إلى ضمادات للجرحى، أفران الخبز تبقى دافئة ولا يأكل منها أحد، القهوة المرة تبقى على النار دون شاربيها. هذه المفارقات تخلق إحساساً بالمرارة، وتجعل القارئ يدرك عمق الخسارة التي لا تعوض. إنها تذكرنا بأن الحياة كانت يمكن أن تكون جميلة لولا هذا الاحتلال الغاشم، وأن الأحلام كانت يمكن أن تتحقق لولا هذه النكبة المدمرة.
الإيقاع اللغوي والموسيقى الداخلية
تمتاز لغة الدكتور سليط بإيقاعها الداخلي المتموج، الذي ينتقل بين السرعة والبطء تبعاً لطبيعة المشهد. ففي مشاهد المعارك، تتسارع الجمل وتتقاطع، لتعكس فوضى القتال ورعب اللحظة. وفي مشاهد التأمل، تبطئ الجمل وتتمهل، لتمنح القارئ فرصة للتفكر والتأمل. هذا التنوع الإيقاعي يخلق موسيقى داخلية تزيد من تأثير النص وجماليته.
الفصل السابع: الرسالة الإنسانية - نداء من أجل العدالة والذاكرة
فلسطين كقضية إنسانية كونية
ترتقي القصة بقضية فلسطين من المستوى السياسي المحلي إلى المستوى الإنساني الكوني. فلسطين هنا ليست مجرد أرض محتلة، بل هي نموذج لكل أرض مغتصبة، ولكل شعب مقهور، ولكل إنسان مسلوب الحق في وطنه. إنها رمز للعدالة المغيبة، وللإنسانية المهانة، وللحلم المؤجل.
والشخصيات في القصة، رغم خصوصيتها الفلسطينية، تحمل أبعاداً إنسانية عامة تجعل القارئ من أي ثقافة أو خلفية يتعاطف معها ويشعر بآلامها. فالشيخ صالح هو كل شيخ فقد مسجده، ويونس هو كل شاب حلم بالحرية فقُتل حلمه، ومريم هي كل عروس سرق الاحتلال فرحتها. هذه العالمية هي سر خلود النصوص الأدبية الكبرى.
الذاكرة كواجب أخلاقي
تقدم القصة الذاكرة كواجب أخلاقي على الأحياء تجاه الأموات، وعلى الأجيال الحالية تجاه الأجيال القادمة. فحفظ تفاصيل الحياة في خبيزة، وتخليد أسماء الشهداء، وتوثيق لحظات الألم والفرح، كلها أفعال مقاومة للنسيان الذي هو شكل من أشكال الموت. النسيان هو قتل ثانٍ للشهداء، وهو خيانة للتاريخ، وهو استسلام للاحتلال.
ولهذا فإن شخصيات القصة تبذل قصارى جهدها لحفظ الذاكرة بكل الوسائل الممكنة: التطريز، الأهازيج، التراب، الدموع. كل هذه وسائل لمقاومة النسيان، ولتأكيد أن ما حدث سيظل حياً في الوجدان حتى تتحقق العودة.
العودة كقدر وجودي
تختتم القصة برسالة أمل قوية: العودة ليست مجرد أمنية، بل هي قدر وجودي، هي سنة الحياة، هي نهاية حتمية لهذه المأساة. عبارة "بكاء بعد منتصف الليل" نفسها تحمل وعداً بفجر جديد، فبعد منتصف الليل يأتي الفجر، وبعد الظلام يأتي النور، وبعد الشتاء يأتي الربيع.
والمقام الذي ظل وحيداً تسكنه الريح، ينتظر عودة أصحابه، كما ينتظر العارفون موعد اللقاء مع من يحبون. هذا الانتظار ليس سلبياً، بل هو انتظار ناشط، انتظار المتأهب، انتظار من يعلم أن ما ضاع سيعود، وأن ما أخذ سيرد، وأن الحق سينتصر في النهاية.
الخاتمة: القصة كملحمة ومرثية ووعد
في النهاية، تبقى قصة "بكاء بعد منتصف الليل" للدكتور محمد سليط واحدة من أبدع ما كتب عن النكبة الفلسطينية، ليس لأنها تسجل الأحداث بدقة، بل لأنها تنقل الروح الفلسطينية بصدق، وتخلد المشاعر الإنسانية بعمق، وتحول المأساة إلى ملحمة خالدة في الذاكرة الجمعية. إنها تلك النصوص القليلة التي تنجح في الجمع بين التوثيق التاريخي والتأمل الفلسفي، بين البكاء على الماضي والأمل في المستقبل، بين خصوصية التجربة الفلسطينية وعمقها الإنساني.
لقد استطاع الدكتور محمد سليط بهذه القصة أن يخلق عالماً فنياً متكاملاً، يجمع بين دقة الملاحظة وعمق الرؤيا، بين جمال اللغة وصدق العاطفة، بين التزام القضية وانفتاح التأويل. إنه عالم يمكن للقارئ أن يعيش فيه، وأن يتنفس هواءه، وأن يبكي مع أبطاله، وأن يأمل معهم في عودة لا محالة آتية.
وستظل هذه القصة حية في الذاكرة العربية، كما بقي مقام سيدي قاسم حياً في ذاكرة أهل خبيزة، تتناقلها الأجيال، وتتغنى بها الأفواه، وتستلهم منها الأرواح معنى الصمود وجمال التضحية وحتمية العودة. لأن ما كتب بالدمع الصادق يبقى، وما سُطر بالدم الحقيقي لا يمحوه الزمن، وما خُلد في القلوب لا تذيبه السنون.
"بكاء بعد منتصف الليل" ليست مجرد قصة، بل هي نشيد وطني طويل، ومرثية حزينة، وقصيدة حب، ووعد بالعودة. إنها خلاصة تجربة شعب كامل، وعبق تاريخ طويل، وبذرة مستقبل مشرق. وحين نقرأها، لا نقرأ كلمات على ورق، بل نقرأ وجعاً فلس//طينياً مقيماً، وأملاً عربياً متجدداً، وإنسانية كونية لا تموت.
البعنه == الجليل
17/03/2026






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة لنص – على روابي الأحلام - للأديبة نافلة مرزوق العامر
- النقد الأدبي... إبداع وأي إبداع
- جداريةُ الرسمِ بالريشة.. مقاربةٌ بالرسمِ بالكلمات
- قراءة لقصيدة – إلى أمي - للشاعر محمود درويش


المزيد.....




- يعرض في صالات السينما السعودية بعيد الفطر.. -شباب البومب 3- ...
- لودريان: التفاوض هو المخرج الوحيد للحرب في لبنان وإسرائيل فش ...
- نازحون على خشبة مسرح صور.. قصة ملجأ ثقافي في زمن الحرب
- -لا للحرب-... -الحرية لفلسطين-. كيف تحول حفل الأوسكار الـ98 ...
- أزياء لمصممين عرب تخطف الأنظار في حفلي الأوسكار و-فانيتي فير ...
- 29 رمضان.. يوم وُلدت القيروان وارتسمت ملامح الأمة
- في مسلسل بأربعة مخرجين.. مغني الراب المغربي -ديزي دروس- يقتح ...
- بعد 40 يوما من الغيبوبة.. وفاة الفنانة نهال القاضي متأثرة بح ...
- هل يجب أن تكون الموسيقى صاخبة جدًا لنحرق سعرات أكثر؟
- الليبي محمد الوافي يحصد لقب جائزة كتارا للتلاوة لعام 2026


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - قراءة لقصة - سيدي قاسم وبكاء بعد منتصف الليل – للدكتور القاص والناقد محمد سليط