|
|
قراءة لقصة - الحق لا يحميه الصامتون – للأستاذ الكاتب صالح اسدي
طه دخل الله عبد الرحمن
الحوار المتمدن-العدد: 8708 - 2026 / 5 / 17 - 08:29
المحور:
الادب والفن
القصة: الحق لا يحميه الصامتون كان اسمُهُ ياسر، شابًّا من قريةٍ صغيرةٍ تُشبهُ سنابلَ القمح حين تميلُ للريح ولا تنكسر. نشأ على يدِ أبٍ فقيرٍ يعملُ نجّارًا بسيطًا، لكنّه كان يقول له دائمًا: — “يا بني، الإنسان قد يخسر مالَه، بيتَه، وحتى صحّتَه… لكن أخطر ما يخسره هو حقّه حين يصمت.” كبر ياسر وهو يظنّ أنّ الدنيا تسيرُ بالعدل، وأنّ القانون يشبهُ ميزانًا ذهبيًّا لا يميل. لكنّه اكتشف مع الأيام أنّ الحياة ليست دائمًا كما تُكتب في الكتب المدرسيّة. في أحد الأعوام، مات والدُه فجأةً إثر جلطةٍ حادّة، وترك خلفه قطعةَ أرضٍ صغيرةً عند طرف القرية، كانت مصدرَ رزق العائلة الوحيد. الأرض لم تكن كبيرة، لكنها كانت تحملُ رائحة الأب، وعرق السنين، وذكريات الطفولة. بعد انتهاء العزاء بأيام، جاء عمّه الأكبر “أبو ناصر”، رجلٌ يملك النفوذ والمال والعلاقات، وقال بلهجةٍ حاسمة: — “الأرض إلنا كلنا… وأبوك الله يرحمه كان يشتغل فيها بس.” تفاجأ ياسر. — “كيف؟! هاي الأرض مسجّلة باسم أبي.” ابتسم العمُّ ابتسامةً باردة وقال: — “الورق سهل يتغيّر يا ابن أخوي… والدنيا للقوي.” في البداية ظنّ ياسر أنّ الأمر سوء تفاهم، لكنّه اكتشف لاحقًا أنّ عمّه استغلّ علاقاته ليزوّر بعض الأوراق ويضغط على موظفين وشهود. وفجأة صار الحقّ الذي يعرفه الجميع غامضًا، وصار الباطل يرتدي ثوب الحقيقة. بدأ الناس ينصحونه بالصمت. — “عمّك قوي.” — “ما حدا بوقف بوجهه.” — “بدّك تخسر صحتك وآخرتها ما بتطلع بإشي.” — “خلّيك عاقل.” حتى أمّه قالت له وهي تمسح دموعها: — “يا ابني أنا بخاف عليك… الدنيا ما فيها عدل.” لكنّ شيئًا في داخله كان يرفض الاستسلام. لم يكن يقاتل من أجل التراب فقط، بل من أجل كرامة أبيه. في تلك الليلة، جلس وحده قرب نافذة البيت. كان المطر يهطل بهدوء، وصوت الريح يضرب الزجاج كأنّه يوقظ شيئًا نائمًا داخله. تذكّر كلمات أبيه: “الحق مثل النار… إذا تركتها تنطفئ مرة، ستعيش عمرك كله في البرد.” في الصباح، قرّر أن يبدأ المعركة. طرق أبواب المحامين، وجمع الوثائق القديمة، وذهب إلى دوائر التسجيل، وتحمل الإهانات والنظرات الساخرة. كثيرون رفضوا مساعدته خوفًا من عمّه. وبعضهم قال له مباشرة: — “العدل جميل بالكلام… لكن الواقع شيء آخر.” مرت شهور طويلة. كان يخرج قبل طلوع الشمس ويعود متعبًا آخر الليل. باع سيارته الصغيرة ليدفع أتعاب المحامي. وأحيانًا كان يشتهي أن يصرخ: “لماذا يجب على المظلوم أن يتعب أكثر من الظالم؟!” لكنّه كان يكمل الطريق. في إحدى الجلسات، وقف شاهدٌ كاذب ضدّه. رجلٌ يعرف الحقيقة تمامًا، لكنه باع ضميره مقابل المال. شعر ياسر يومها بانكسارٍ مرير. خرج من المحكمة وهو يرى الناس تمشي في الشوارع بشكل طبيعي، بينما عالمه كان ينهار. جلس على درجٍ حجري قرب المحكمة، وأحسّ لأول مرة أنّ التعب أكبر من قدرته. اقترب منه رجلٌ عجوز كان يبيع القهوة، وقال: — “شكلك مهموم يا ابني.” ابتسم ياسر بمرارة: — “الحق ضعيف يا عم.” هزّ العجوز رأسه وقال: — “لا… الحق مش ضعيف. الناس اللي تخاف تحميه هي الضعيفة.” صمت ياسر طويلًا. ثم سأله: — “بس ليش الطريق صعب؟” ضحك الرجل العجوز وقال: — “لأن الحق لو كان سهل، كان كل الناس شرفاء.” تسللت الكلمات إلى قلبه مثل ضوءٍ صغير في عتمةٍ كثيفة. عاد يقاتل من جديد. وبعد أشهر أخرى، ظهر موظفٌ متقاعد كان قد عمل قديمًا في دائرة الأراضي. كان يحتفظ بنسخةٍ أصلية من السجلات القديمة، تثبت ملكية والد ياسر للأرض. حين قُدمت الوثائق للمحكمة، انكشف التزوير أخيرًا. ساد الصمت القاعة. عمّه الذي كان يتكلم بثقةٍ دائمًا، بدا مرتبكًا لأول مرة. وبعد جلسات طويلة، صدر الحكم: الأرض حقٌّ كامل لياسر ووالدته. خرج الناس من المحكمة يهنئون ياسر، وبعض الذين نصحوه بالاستسلام قالوا: — “كنا نعرف إن الحق رح يرجع.” لكنه كان يعرف الحقيقة. الكثيرون لا يقفون مع الحق… بل يقفون مع المنتصر. عاد ياسر إلى الأرض عند الغروب. كانت الشمس تميل فوق التلال، والريح تحرك الأعشاب اليابسة كأنّها تهمس بشيءٍ قديم. ركع على التراب وأخذ حفنةً من الأرض بين يديه. لم يشعر بالنصر فقط… شعر أنّه أنقذ شيئًا أعمق من الأرض. أنقذ نفسه. فهم يومها أنّ العدالة لا تهبط دائمًا من السماء، ولا تأتي دائمًا من أصحاب المناصب والكلمات الكبيرة. أحيانًا يولد العدل من تعب إنسانٍ بسيط رفض أن يخاف. وفهم أيضًا أنّ حماية الحق ليست طريقًا مفروشًا بالورود، بل طريقٌ مليء بالخسارات والخذلان والوحدة. لكنّ الإنسان حين يدافع عن حقّه الشريف، حتى لو تعب أو تألم، يبقى واقفًا من الداخل. وفي المساء، وقف ياسر قرب قبر أبيه وقال بصوتٍ متهدّج: — “تعبت كثير يا أبي… لكني ما تركت حقّك.” مرّت نسمة خفيفة بين أشجار الزيتون، وكأنّ الأب الراحل يربّت على كتف ابنه من بعيد. حينها فقط ابتسم ياسر. لأنّه أدرك حقيقةً لن ينساها أبدًا: أنّ الحق لا يعيش وحده… بل يحتاج دائمًا إلى قلوبٍ شجاعة تحرسه، مهما كان الثمن. صالح أسدي *********************** القراءة: الحق لا يحميه الصامتون رحلة في متاهات النص والوجود واللغة أولا: تمهيد في منهج القراءة قبل أن نغوص في أعماق هذا النص الفريد الذي كتبه الأستاذ صالح أسدي، لا بد أن نعترف أننا أمام عمل ليس سهلاً كما يبدو. قصة ياسر، في ظاهرها، حكاية بسيطة عن شاب فقد أباه وأرضه ثم استردهما بعد كفاح. لكن في باطنها، هي رحلة في أغوار الفلسفة، وعلم الاجتماع، والنفس، والبلاغة، وحتى الميتافيزيقا. إنها تشبه تلك اللوحات التي تراها من بعيد فترى منظرًا طبيعيًا، ثم تقترب فترى عوالم لا متناهية من التفاصيل والأسرار. سأحاول هنا أن أكون قارئًا لا يكتفي بالسطح، بل يغوص حتى القاع، ولا يرضى بالمعنى الأول بل يبحث عن المعاني المتوارية، ولا يقف عند الجمال البلاغي بل يتأمل كيف يعمل هذا الجمال على تشكيل وعينا وتغيير نظرتنا إلى العالم. سأستخدم أدوات متعددة: من الفلسفة الوجودية إلى التحليل النفسي، ومن البلاغة العربية إلى النقد الثقافي، ومن علم السرديات إلى الأنثروبولوجيا الرمزية. ثانيا: النص كمرآة للوجود الإنساني لنبدأ من سؤال فلسفي كبير: لماذا يكتب الإنسان القصص؟ ولماذا يحتاج إلى أن يسمعها؟ الجواب – على الأقل كما يراه فلاسفة مثل بول ريكور – هو أن القصص ليست ترفًا فكريًا، بل هي طريقة الإنسان الأساسية لفهم وجوده في العالم. نحن لا نفهم حياتنا كسلسلة من الحقائق المجردة، بل كسرد، كحكاية لها بداية ووسط ونهاية. حين يكتب الأستاذ أسدي قصة ياسر، فهو يقدم لنا نموذجًا سرديًا يمكننا من خلاله تأمل علاقتنا بالحق والظلم والخوف والشجاعة. ياسر ليس شخصًا بعينه، بل هو "أي إنسان" في معنى الكلمة الوجودية. إنه هايدغر في "الوجود والزمان"، الإنسان الذي يُلقى في العالم ثم يضطر إلى أن يختار مصيره. لاحظوا كيف يبدأ النص: "كان اسمُهُ ياسر، شابًّا من قريةٍ صغيرةٍ تُشبهُ سنابلَ القمح حين تميلُ للريح ولا تنكسر." هنا يتشكل الإنسان قبل أي حدث، وهو جزء من طبيعة مرنة لكنها قوية. إنها استعارة جميلة تجمع بين الضعف الظاهري (سنابل القمح تميل) والقوة الجوهرية (لا تنكسر). هذا هو ياسر قبل الظلم، في حالة الوجود الطبيعي. لكن ثم يأتي الحدث: موت الأب ثم مؤامرة العم. وهنا ينتقل ياسر من الوجود الطبيعي إلى الوجود المأساوي، من حالة "الإنسان كجزء من الطبيعة" إلى حالة "الإنسان في مواجهة النظام". وهذا الانتقال هو ما يسمى في الفلسفة الوجودية "لحظة الانكشاف" حيث يرى الإنسان فجأة حقيقة العالم دون أقنعة. يقول النص: "كبر ياسر وهو يظنّ أنّ الدنيا تسيرُ بالعدل، وأنّ القانون يشبهُ ميزانًا ذهبيًّا لا يميل. لكنّه اكتشف مع الأيام أنّ الحياة ليست دائمًا كما تُكتب في الكتب المدرسيّة." هذه الجملة وحدها تحمل في طياتها نظرية كاملة عن أزمة التنشئة الاجتماعية في مجتمعاتنا. نربي أبناءنا على قيم ثم نرميهم في عالم لا يحترم تلك القيم. نعلمهم أن العدل أساس الملك، ثم نتركهم يواجهون الظلم في أول منعطف. هذا التناقض بين ما نتعلمه وما نعيشه ينتج إما الصدمة أو النضج. ياسر اختار النضج، لكن الثمن كان باهظًا. ثالثا: الأنطولوجيا السياسية للظلم إذا تعمقنا أكثر، سنكتشف أن النص لا يقدم فقط قصة عن ظلم فردي، بل عن "أنطولوجيا الظلم" كما يعيشها الإنسان في المجتمعات الأبوية السلطوية. ما هي أنطولوجيا الظلم؟ هي الطريقة التي يصبح بها الظلم جزءًا من نسيج الوجود اليومي، حتى يبدو طبيعيًا، بل حتميًا. انظر إلى ردود فعل الناس حين علموا بقصة ياسر: "عمّك قوي"، "ما حدا بوقف بوجهه"، "بدّك تخسر صحتك وآخرتها ما بتطلع بإشي"، "خلّيك عاقل". هذه العبارات ليست مجرد نصائح، بل هي تعبير عن "أيديولوجية العجز" التي تشل المجتمعات العربية. إنها تقول للإنسان: أنت ضعيف، والنظام أقوى منك، والقوي دائمًا على حق، والمقاومة عبثية لأنها ستؤدي فقط إلى خسائر أكبر. هذه الأيديولوجية تنتج ما يمكن تسميته "استبطان الهزيمة" – أي أن المظلوم يبدأ في تصديق أنه لا يستحق النصر، وأن الصمت هو الحكمة، وأن الدنيا "ما فيها عدل" كما تقول الأم. وهنا تكمن عبقرية النص: إنه يصور هذه الأيديولوجية في أكثر أشكالها إقناعًا – من خلال فم الأم، التي تحب ابنها وتخاف عليه. ليس الظلم فظيعًا فقط لأنه يسلب الحق، بل لأنه يجعل الحب نفسه أداة للاستسلام. الأم لا تشجع ابنها على الاستسلام لأنها شريرة، بل لأنها واقعية. وهذا هو الخطر الحقيقي، عندما يصبح الاستسلام هو "الواقعية"، والكفاح يصبح "سذاجة". النص يقلب هذا المنطق رأسًا على عقب، ويدعونا إلى إعادة تعريف "الواقعية". أليس من غير الواقعي أن تنتظر العدالة من نظام فاسد؟ أليس من غير الواقعي أن تصمت وحقك يضيع؟ أليس من غير الواقعي أن تسمي الصمت "حكمة" والخوف "عقلانية"؟ لنعد إلى العم "أبو ناصر". إنه نموذج للظالم في المجتمعات غير الديمقراطية. ليس ظالمًا لأنه شرير مجاني، بل لأنه يملك "النفوذ والمال والعلاقات". هذه ثلاثية السلطة في المجتمعات التقليدية: المال يشتري النفوذ، والنفوذ يبني العلاقات، والعلاقات تضمن استمرار المال. إنه مثلث لا يمكن اختراقه بسهولة. العم لا يحتاج حتى إلى الكذب صراحة، يقول: "الأرض إلنا كلنا… وأبوك الله يرحمه كان يشتغل فيها بس." لاحظوا الدقة الشيطانية: هو لا ينكر أن الأرض كانت باسم الأب، لكنه يعيد تفسير الملكية من منطلق "العرف" العشائري أو الأسري. هذا هو ظلم المجتمعات غير المدنية، حيث العرف أقوى من القانون، والنفوذ أقوى من الوثائق، والعلاقات أقوى من الحقائق. ثم يأتي الجزء الأكثر خطورة: "الورق سهل يتغيّر يا ابن أخوي… والدنيا للقوي." هذه العبارة هي جوهر الأنطولوجيا السياسية للنص. "الورق سهل يتغير" تعني أن القوانين والمؤسسات ليست ثابتة، بل هي قابلة للتلاعب. "والدنيا للقوي" تعني أن المعيار الأساسي ليس صوابًا ولا خطأً، بل قوة ولا قوة. إنها عودة إلى منطق الغاب قبل المدنية، منطق "من غلب فهو سيد". النص هنا يقدم نقدًا لاذعًا للحداثة الناقصة في عالمنا ومجتمعنا، حيث المؤسسات موجودة بشكلها لكنها لا تعمل بروحها، حيث القانون يُكتب ليُخترق، والعدالة تُنادى لتُغدر. رابعا: البلاغة العميقة والتشكيل الجمالي الآن دعنا ننتقل من الفلسفة إلى البلاغة، لكن ليس البلاغة كزينة لفظية، بل البلاغة كرؤية للعالم وكأداة لتشكيل الوعي. النص الذي بين أيدينا هو نص بلاغي بامتياز، لكن بلاغته ليست في التعقيد والإغراب، بل في القدرة على جعل اللغة شفافة حتى تصبح النافذة التي نرى من خلالها العالم بوضوح. لنبدأ بجملة الافتتاح: "كان اسمُهُ ياسر". ما أبسط هذه الجملة! ثلاثة كلمات فقط. لكنها تحمل في طياتها نبرة الحكاية التقليدية، حكاية "كان يا ما كان" لكن بدون الصيغة السحرية. الكاتب يختار أن يبدأ بالاسم، لأن القصة عن إنسان أولاً وأخيرًا. لو بدأ بـ "في قرية صغيرة" لكانت قصة مكان، لكنه بدأ بـ "كان اسمه ياسر" فهي قصة إنسان. هذا اختيار واعٍ وعميق. ثم تأتي الاستعارة المركزية الأولى: "قرية صغيرة تشبه سنابل القمح حين تميل للريح ولا تنكسر". هذه الاستعارة تعمل على عدة مستويات. أولاً، إنها تربط الإنسان بالطبيعة، والقرية بالزرع، والضعف بالقوة. ثانيًا، فيها إيحاء بالمجتمع التقليدي الذي يرتبط بالأرض ارتباطًا وجوديًا. ثالثًا، فيها تنبؤ خفي بمصير ياسر: سيميل كثيرًا، سينحني، سيتعب، لكنه لن ينكسر. بهذه الاستعارة الواحدة، ينجز الكاتب ما قد ينجزه فصل كامل في رواية. الاستعارة الثانية تأتي في وصف الأب النجار: "رائحة الأب، وعرق السنين، وذكريات الطفولة". هنا تتحول الأرض من مجرد تراب إلى "مكان بيوفيلي" في مفهوم إدوارد ريلف، أي مكان مشبع بالعلاقات الإنسانية والذكريات والحب. الأرض هنا ليست قيمة اقتصادية، بل هي قيمة وجودية ومعنوية. هذا يفسر لماذا يقاتل ياسر – ليس من أجل المال، بل من أجل ما تمثله الأرض من امتداد لوجوده وهويته. لنتأمل الحوار القصير بين ياسر وعمّه. إنه نموذج في الإيجاز والتكثيف. العم يقول: "الأرض إلنا كلنا… وأبوك الله يرحمه كان يشتغل فيها بس." ياسر يرد: "كيف؟! هاي الأرض مسجّلة باسم أبي." ثم العم: "الورق سهل يتغيّر يا ابن أخوي… والدنيا للقوي." هذا الحوار من 23 كلمة فقط يلخص صراعًا فلسفيًا بأكمله، صراع بين منطق القانون ومنطق القوة، بين التسجيل الرسمي والتزوير الممكن، بين العدالة المتخيلة والواقع الفعلي. إنه مثل لعبة الشطرنج في ثلاث حركات، حركة العم (الادعاء بالتشارك)، حركة ياسر (الاستناد إلى التوثيق)، حركة العم (تهديد التزوير). وفي هذه الحركة الثالثة، يسقط كل غطاء عن وجه الظلم. أما مشهد العجوز بائع القهوة، فهو معجزة بلاغية بكل المقاييس. رجل عجوز لا يملك إلا عربة قهوة، يصبح فجأة أعظم فلاسفة النص. يقول: "الحق مش ضعيف. الناس اللي تخاف تحميه هي الضعيفة." هذه العبارة تحتاج إلى تأويل طويل. الحق نفسه ليس كيانًا له قوة ذاتية – هذا ما قد نعتقده. لكن العجوز يقلب المعادلة: ليس الحق هو الضعيف، بل نحن الذين نخاف. الضعف ليس في الشيء، بل في علاقتنا به. هذه المقولة تحول ياسر من طفل يبكي على حقه المسلوب إلى رجل يدرك أن عليه أن يصنع قوة الحق بنفسه. إنها نفس الفكرة التي عبر عنها المفكر الهندي المهاتما غاندي بـ "قوة الحق" حيث الحق ليس مجرد فكرة، بل هو طاقة تتحرر عندما يلتزم بها الإنسان بشجاعة. لنلاحظ أيضًا كيف يستخدم الكاتب الطبيعة كمرآة للنفس. "المطر يهطل بهدوء، وصوت الريح يضرب الزجاج كأنّه يوقظ شيئًا نائمًا داخله." المطر هنا هو الحزن الهادئ، والريح هي الغضب الذي يحاول أن يستيقظ. الزجاج هو حاجز بين الداخل والخارج، بين النفس والعالم. الريح تضرب الزجاج محاولة كسره، وهذا هو الغضب الذي يحاول كسر حاجز الخوف والصمت. إنه مشهد سينمائي بالكلمات، حيث الطبيعة تؤدي دورها في الدراما النفسية. خامسا: تحليل الشخصيات كأنماط وجودية لننتقل إلى تحليل أعمق للشخصيات، ليس كأفراد بل كأنماط وجودية تمثل مواقف إنسانية مختلفة في مواجهة الظلم. أولا: ياسر – نموذج الإنسان الأصيل ياسر في بداية النص كان في حالة "السذاجة الأولى"، حيث يعتقد أن العالم يسير بالعدل. ثم يصدم بالواقع فينتقل إلى "الوعي المرير"، حيث يدرك أن العدل ليس تلقائيًا. ثم يختار ألا يبقى في هذه المرحلة، بل ينتقل إلى "الوعي المقاتل"، حيث يقرر أن يصنع العدل بنفسه. هذا المسار يشبه إلى حد كبير رحلة البطل في الأساطير (مثل رحلة جلجامش أو أوديسيوس) حيث يخرج البطل من عالم الأمان ليواجه الوحوش ثم يعود وقد تغير. لكن ياسر في النص ليس بطلاً خارقًا. إنه إنسان عادي يرتجف ويتعب ويكاد ينكسر. "أحيانًا كان يشتهي أن يصرخ: لماذا يجب على المظلوم أن يتعب أكثر من الظالم؟!" هذه العبارة هي أكثر اللحظات إنسانية في النص. الظالم ينام مرتاحًا، بينما المظلوم يسهر يتعب. الظالم لا يحتاج إلى دليل، بينما المظلوم يجمع الوثائق. الظالم يتكلم فيجاب، بينما المظلوم يطرق الأبواب فيُطرد. إنها مأساة مضاعفة: لا يكفي أن تكون مظلومًا، بل عليك أن تعمل أضعاف غيرك لاستعادة حقك. لكن ياسر يستمر. لماذا؟ لأنه اكتشف شيئًا أعمق، أن المعركة ليست فقط من أجل الأرض، بل من أجل "كرامة أبيه" ومن أجل "نفسه". يقول النص: "لم يكن يقاتل من أجل التراب فقط، بل من أجل كرامة أبيه." ثم في نهاية النص: "شعر أنّه أنقذ شيئًا أعمق من الأرض. أنقذ نفسه." هذا تحول جوهري في دافعية البطل. في البداية كان الدافع خارجيًا (استعادة الأرض)، ثم تحول إلى دافع داخلي وجودي (استعادة الكرامة، إنقاذ الذات). هذا هو الفرق بين النضال من أجل شيء والنضال من أجل معنى. الذي يناضل من أجل أشياء قد ييأس إذا خسرها، أما الذي يناضل من أجل معناه فيبقى مقاتلاً مهما كانت النتائج. ثانيًا: الأب – نموذج الند الغائب الأب يموت في بداية النص، لكن حضوره لا يغيب أبدًا. إنه يشبه "ند الشرف" في الميثولوجيا العربية، أو "صوت الضمير" في التحليل النفسي. كلماته ترافق ياسر: "الحق مثل النار… إذا تركتها تنطفئ مرة، ستعيش عمرك كله في البرد." هذه الاستعارة النارية تحمل في طياتها فكرة العمق، الحق ليس مجرد قيمة، بل هو مصدر دفء وجودي. من يصمت عن حقه يعيش في "البرد" – أي في فراغ عاطفي وروحي ومعنوي. لكن الأب ليس قديسًا. النص يقول عنه: "أب فقير يعمل نجارًا بسيطًا". لماذا نجارًا؟ هل هي مصادفة؟ النجار هو صانع الأشياء، من يقوم بتحويل الخام إلى منتج، من يبني البيوت ويصنع الأثاث. الأب النجار هو نموذج للإنسان المنتج، الذي يصنع حياته بيديه. وهذا يتناقض مع العم الذي يملك النفوذ والمال ولا يحتاج إلى أن يعمل بيديه. هناك هنا صراع طبقي خفي، صراع بين الطبقة المنتجة التي تعيش على عرق جبينها والطبقة التي تعيش على علاقاتها ونفوذها. ثالثًا: الأم – نموذج الواقعية الخائفة الأم هي أكثر الشخصيات تعقيدًا في النص. إنها تحب ياسر، لكن حبها يأخذ شكل الخوف. تقول له: "يا ابني أنا بخاف عليك… الدنيا ما فيها عدل." هذه الجملة تحمل مستويين: مستوى ظاهر هو الخوف على الابن، ومستوى باطن هو استسلام لليأس. الأم هنا تمثل جيلاً بأكمله تعلم ألا يثق بالعدالة، وأن الحكمة هي الانكماش وليس المواجهة. لكن هل الأم مخطئة؟ هذا هو السؤال المحرج الذي يطرحه النص. لو نظرنا إلى الواقع الاجتماعي العربي، كم قصة رأيناها لمظلومين ناضلوا فخسروا أكثر؟ كم ناشطًا دخل السجن؟ كم صحفيًا طرد من عمله؟ كم مواطنًا ضاع حقه رغم كفاحه؟ الأم ليست حمقاء، بل هي واقعية. لكن النص يدعونا إلى التساؤل: هل الواقعية التي تستسلم للظلم أفضل من "السذاجة" التي تقاتل؟ وهل اليأس شكل من أشكال الموت البطيء؟ المفارقة أن الأم تحب ياسر، لكن حبها بصورته الخائفة قد يكون أداة لاستمرار الظلم. هذا يشبه مقولة المفكر البرازيلي باولو فريري في "بيداغوجيا المضطهدين": أحيانًا يكون المضطهدون أنفسهم هم من يعيدون إنتاج منطق الاضطهاد في أبنائهم، ليس عن سوء نية بل عن خوف وتعلم للعجز. رابعًا: العم أبو ناصر – نموذج الظلم المؤسسي العم ليس شريرًا كرتونيًا. إنه إنسان لديه منطقه الخاص. "الدنيا للقوي" – هذا هو مذهبه. في هذا المذهب، ليس هناك صواب ولا خطأ، هناك فقط قوي وضعيف. من يستطع أن يأخذ أخذ، ومن يضعف ضاع حقه. هذا المنطق هو منطق الغاب، وهو منتشر بشكل واسع في ثقافاتنا، خاصة في الأوساط التي تخلت عن الأخلاق لصالح البراجماتية. لكن لاحظوا: العم لم يأخذ الأرض بالقوة المباشرة (لم يأت بجيش أو سلاح)، بل استخدم التزوير والنفوذ والعلاقات. إنه ظلم حديث، ظلم البيروقراطية الفاسدة، ظلم يلبس ثوب القانون. وهذا هو أخطر أنواع الظلم، لأنه يجعل الضحية تشك في إدراكها: هل أنا المجنون أم هم؟ لقد سجلوا الأرض باسمهم، وضغطوا على الشهود، وقدموا أوراقًا مزورة – لكنها تبدو حقيقية. عند هذه النقطة يشك ياسر في نفسه قبل أن يشك فيهم. خامسًا: العجوز بائع القهوة – نموذج الحكمة الشعبية العجوز يأتي من العدم، يبيع القهوة بثمن بخس، لكنه يقدم حكمة لا تقدر بثمن. إنه نموذج "الحكيم الجالس على قارعة الطريق" الذي نجده في العديد من القصص والتراث. لا يملك مالاً ولا نفوذًا، لكنه يملك كلمة تغير مسار الأحداث. "شكلك مهموم يا ابني" – بهذه البساطة يدخل إلى قلب ياسر. لا يعظه، لا يخبره بما يجب فعله، فقط يطرح سؤالاً ثم يقدم رأيًا متواضعًا. العجوز هنا يمثل "الضمير الجمعي" للمجتمع، أو "العقل العملي" الذي تراكم عبر السنين. إنه يعرف أن الحق موجود، لكنه يحتاج إلى من يحميه. وهو يعرف أن الطريق صعب، ويجيب على سؤال ياسر "بس ليش الطريق صعب؟" بعبارة مذهلة: "لأن الحق لو كان سهل، كان كل الناس شرفاء." هذه العبارة تحمل نظرية كاملة في الأخلاق: الصعوبة هي التي تميز الشريف من غيره. لو كان الحق سهلًا، لكان الكل شرفاء، وبالتالي لن يكون للشرف أي قيمة. الشرف هو أن تفعل الصواب رغم صعوبته، وليس لأنك لا تجد خيارًا آخر. سادسا: النقد الثقافي والمجتمع في النص لننظر الآن إلى النص كمادة سوسيولوجية تفضح أمراض المجتمع. وما هي الأمراض التي يكشفها النص؟ المرض الأول: أزمة الثقة في المؤسسات ياسر يتوجه إلى المحاكم، إلى دوائر التسجيل، إلى المحامين، إلى الشهود. في كل مرة يصطدم إما بالرفض أو بالخوف أو بالتزوير. المؤسسات التي يفترض أن تحمي الحق هي نفسها التي يخترقها النفوذ. هذا يعكس أزمة عميقة في دولة القانون في المجتمعات. القانون موجود على الورق، لكنه لا يُطبق بالتساوي على الجميع. هناك قانون للأقوياء وقانون للضعفاء. وهذا ينتج شعورًا عامًا بعدم الثقة، مما يدفع الناس إما إلى الصمت أو إلى البحث عن واسطة أو نفوذ خاص بهم. المرض الثاني: ثقافة العيب والخوف "ما حدا بوقف بوجهه." هذه العبارة تلخص حالة من التخلي الجماعي عن المسؤولية. المجتمع يمارس نوعًا من الضغط غير المباشر على الضحية كي يصمت، وكأن الصمت هو الواجب الأخلاقي، والكفاح هو نوع من العيب أو الحماقة. هذا يذكرنا بمفهوم "العيب الاجتماعي" في الأنثروبولوجيا العربية: أن يكون الإنسان "محترمًا" معناه ألا يسبب مشاكل، وألا يلفت الأنظار، وألا يصطدم مع الأقوياء. الصمت يصبح قيمة والمواجهة تصبح عيبًا. المرض الثالث: عبادة الناجح بعد أن ينتصر ياسر، يأتي الذين نصحوه بالاستسلام ليهنئوه ويقولوا: "كنا نعرف إن الحق رح يرجع." هذا الموقف هو خلاصة النفاق الاجتماعي. النص يحلل هذه الظاهرة بعبارة قاسية لكنها دقيقة: "الكثيرون لا يقفون مع الحق… بل يقفون مع المنتصر." هذه الجملة هي مفتاح فهم السياسة في كثير من المجتمعات. الناخبون والمؤيدون لا يبحثون عن البرامج أو المبادئ، بل يبحثون عن الفائز المحتمل. القبيلة تنحاز لمن يظنون أنه سيفوز. الأصدقاء يقفون مع من يبدو قويًا. وعندما يفوز الضعيف، يتذكر الجميع أنهم كانوا معه من البداية. هذا التحليل اللاذع يضرب جوهر الثقافة السياسية بشكل عام. المرض الرابع: انفصال الأخلاق عن الواقع الناس في النص يعرفون أن الحق مع ياسر. لكنهم لا يقفون معه. الأخلاق موجودة كمعرفة نظرية، لكنها لا تترجم إلى سلوك عملي. إحدى أعمق مشاكل المجتمعات هي هذه الفجوة بين ما نعرفه نظريًا وما نفعله فعليًا. نعرف أن الظلم خطأ، لكننا نصمت. نعرف أن الشهادة الكاذبة حرام، لكننا لا نشهد للحق. نعرف أن التزوير جريمة، لكننا نتغاضى. هذا الانفصال بين المعرفة والفعل هو ما يسميه علماء النفس "التنافر المعرفي وهو يؤدي إلى تآكل الشخصية الأخلاقية للأفراد والمجتمعات. سابعا: السرديات والزمن في النص الزمن في هذا النص ليس خطيًا بسيطًا. هناك عدة مستويات زمنية تتداخل: مستوى أول: زمن الطفولة والتربية هذا الزمن يمثله الأب وهو يعلم ياسر الدرس الأول عن الحق. إنه زمن تأسيسي، تشكل فيه وعي البطل بالقيم. رغم أن هذا الزمن انتهى بموت الأب، إلا أنه يظل حيًا كأثر في الذاكرة. النص يقول: "تذكّر كلمات أبيه." الذاكرة هنا ليست مجرد استرجاع، بل هي فعل مقاومة. البطل يستحضر الماضي ليمنحه القوة في الحاضر. مستوى ثان: زمن الصدمة والوعي هو لحظة موت الأب ثم مؤامرة العم. إنه زمن قصير لكنه كثيف، ينهار فيه عالم ياسر القديم، ويبدأ عالم جديد. هذا الزمن يشبه "اللحظة الأفقية" في فلسفة كيركيجور، حيث يواجه الإنسان خيارًا وجوديًا حاسمًا: إما اليأس وإما القفزة الإيمانية. ياسر يختار القفزة نحو النضال. مستوى ثالث: زمن الكفاح والتردد يمتد هذا الزمن لشهور طويلة. إنه زمن بطيء، زمن "التربص" في مفهوم برغسون. زمن لا يقاس بالساعات بل بدرجات التعب والألم والخسارة. النص يقول: "مرت شهور طويلة. كان يخرج قبل طلوع الشمس ويعود متعبًا آخر الليل." هذا التكرار اليومي للكفاح هو جوهر البطولة. البطولة ليست لحظة واحدة من الشجاعة، بل هي سلسلة طويلة من الأيام العادية التي يقرر فيها الإنسان ألا يستسلم. مستوى رابع: زمن النصر والتطهير هو لحظة صدور الحكم، ولحظة وقوف ياسر على قبر أبيه، ولحظة مرور النسمة بين أشجار الزيتون. هذا الزمن قصير لكنه محوري، إنه زمن التطهير "الكاثارسيس" كما في التراجيديا اليونانية، حيث يشعر البطل والمشاهد معًا بالتحرر من التوتر والانتصار على المأساة. النص يوفق بين هذه المستويات الزمنية بمهارة عالية، منتجًا إحساسًا بالعمق والامتداد التاريخي للحدث. قصة ياسر ليست حادثة عابرة، بل هي امتداد لتربية الأب، وصدمة الحاضر، وكفاح المستقبل، وتطهير الخاتمة. ثامنا: البلاغة بين السطح والعمق لنعد الآن إلى البلاغة بشكل أكثر منهجية. النص يستخدم مجموعة من الآليات البلاغية التي تعمل على مستويات متعددة: أولاً: الاستعارة الاستعارات في النص ليست تزيينًا، بل هي هيكل معرفي. "سنابل القمح" هي استعارة لياسر والمجتمع الريفي. "الميزان الذهبي" هو استعارة للعدالة المزعومة. "النار" هي استعارة للحق. "البرد" هو استعارة لحياة الصمت. هذه الاستعارات تشكل شبكة دلالية متكاملة: الحق نار، الصمت برد، المجتمع سنابل، العدالة ميزان. هذا التجانس الاستعاري يخلق عالمًا رمزيًا متماسكًا يمكن القارئ من التنقل فيه بسهولة. ثانيًا: الكناية الكنايات في النص كثيرة. "طرق أبواب المحامين" كناية عن البحث عن محامٍ. "جمع الوثائق القديمة" كناية عن البحث عن الأدلة. "باع سيارته الصغيرة" كناية عن التضحية المالية. كل هذه كنايات تحول الأفعال المجردة إلى صور حسية ملموسة. القارئ يرى ياسر وهو يطرق الأبواب، ويجمع الأوراق، ويبيع سيارته. هذا يجعل النص حيًا ومؤثرًا. ثالثًا: التضاد النص مبني على تضادات متكررة: الحق والباطل، القوي والضعيف، الصمت والكلام، النصر والهزيمة، الوحدة والجموع، الأب والعم، الحب والخوف. هذه التضادات تخلق توترًا دراميًا يدفع القصة إلى الأمام. وأحيانًا يقدم النص تضادًا داخل الشخصية الواحدة، كما في الأم التي تجمع بين الحب والخوف. رابعًا: التكرار التكرار في النص ليس عشوائيًا. تتكرر كلمات مثل "الحق"، "الصمت"، "الخوف"، "التعب". لكن التكرار الأكثر إتقانًا هو تكرار المشاهد الرمزية: مشهد ياسر وحده في الليل، مشهد المطر والريح، مشهد الجلوس على الدرج. هذا التكرار يخلق إيقاعًا موسيقيًا في النص، ويجعل هذه المشاهد تترسخ في ذاكرة القارئ. خامسًا: الحوار الداخلي النص يستخدم الحوار الداخلي بشكل فعال. "أحيانًا كان يشتهي أن يصرخ: لماذا يجب على المظلوم أن يتعب أكثر من الظالم؟!" هذا الصوت الداخلي هو صوت الإنسان الحقيقي، صوت الألم والغضب والحيرة. إنه يكسر أحادية السرد ويمنح القارئ نافذة على نفس البطل. تاسعا: النص في سياق الأدب العالمي قصة ياسر، رغم بساطتها الظاهرية، تندرج في سياق أدبي عالمي كبير. يمكننا قراءتها على ضوء نماذج أدبية متعددة: ** في سياق الأدب التراجيدي اليوناني: ياسر يشبه أنتيغون التي وقفت ضد السلطة دفاعًا عن حق أخيها في الدفن. كلاهما يواجه سلطة قوية، وكلاهما يدفع ثمنًا باهظًا، وكلاهما ينتصر أخلاقيًا حتى لو خسر ماديًا. أنتيغون تقول: "لقد جئت لأشارك في الحب، لا في الكراهية." وياسر يقول: "لم يكن يقاتل من أجل التراب فقط، بل من أجل كرامة أبيه." ** في سياق الأدب الروسي: النص يذكرنا بقصص دوستويفسكي حيث الإنسان العادي يواجه آلة البيروقراطية والقمع الاجتماعي. ويقول أيضا في "الجريمة والعقاب" يعاني من انفصاله عن المجتمع، وياسر يعاني من عزلة مناضل وحيد. لكن الاختلاف أن ياسر ينتصر بينما دوستويفسكي ينهار. ** في سياق الأدب العربي الحديث: النص يحمل نبرة يوسف إدريس في قصصه القصيرة، حيث البسطاء يواجهون الظلم بكبرياء وصبر. كما يحمل روح نجيب محفوظ في "الثلاثية" حيث الصراع بين الأجيال والقيم. لكن النص يتميز بقصر شديد وكثافة درامية عالية، مما يضعه في مصاف القصة القصيرة العربية المتميزة. عاشرا: قراءة نفسية – رحلة ياسر إلى ذاته لنقرأ النص الآن من منظور التحليل النفسي، خصوصًا في نسخته الوجودية واللاوعي الجمعي. ياسر في بداية النص يعاني مما يمكن تسميته "صدمة فقدان الأب". الأب ليس فقط مات بيولوجيًا، بل مات أيضًا كرمز للحماية والقوة والإرشاد. ثم تأتي صدمة ثانية: اكتشاف أن العالم ليس عادلاً. هنا يبدأ ياسر رحلة ما يمكن تسميته "الفردانية" في نظرية كارل يونغ، أي رحلة اكتشاف الذات الحقيقية خلف الأقنعة الاجتماعية. يمر ياسر بمراحل نفسية متعددة: مرحلة الإنكار: "في البداية ظنّ ياسر أنّ الأمر سوء تفاهم." هذه هي مرحلة الدفاع الأولى، حيث يرفض العقل قبول حقيقة الخيانة من أقرب الناس. مرحلة الغضب: يأتي الغضب بشكل غير مباشر، ليس كصراخ موجه، بل كتعب داخلي: "وأحيانًا كان يشتهي أن يصرخ." هذا الكبت للغضب جزء من الشخصية العربية التي تمنع التعبير المباشر عن المشاعر السلبية. مرحلة المساومة: ياسر يحاول مع عمه؟ لا، لكنه يحاول مع النظام. يذهب إلى المحاكم، إلى المحامين، إلى دوائر التسجيل. هذه محاولة لإيجاد حل دون صدام مباشر. مرحلة الاكتئاب: لحظة الجلوس على درج المحكمة، لحظة الشعور بأن التعب أكبر من القدرة. هذه هي اللحظة الأكثر خطرًا، حيث يمكن أن يستسلم الإنسان نهائيًا. مرحلة القبول: ليس قبول الهزيمة، بل قبول التحدي. تأتي هذه المرحلة مع لقاء العجوز. القبول هنا هو قبول أن الطريق صعب، وأنه قد يخسر، لكن عليه أن يحاول. لكن التحليل النفسي يضيف بعدًا آخر: علاقة ياسر بالظل، الظل في نظرية يونغ هو الجزء المكبوت من النفس، الجانب المظلم الذي نخفيه. مَن هو ظل ياسر؟ ربما هو عمه نفسه. العم يمثل ما يمكن أن يصبح عليه ياسر لو استسلم للفساد والطمع والنفوذ. مواجهة العم هي في العمق مواجهة لإمكانية الشر في النفس البشرية. عندما ينتصر ياسر على عمه، إنما ينتصر على شيطانه الداخلي أيضًا. وهذا يقودنا إلى نقطة جوهرية: النهاية حيث "أنقذ نفسه" أكثر من إنقاذه للأرض. هنا يتحقق التكامل النفسي، حيث يتعرف البطل على ظله، يواجهه، وينتصر عليه. هذا هو معنى "الفردانية" في أبسط صورها. حادي عشر: النص وخطاب المقاومة النص ليس مجرد قصة، بل هو خطاب مقاومة بامتياز. لكنه يختلف عن خطابات المقاومة المباشرة التي ترفع شعارات وتدعو إلى ثورات. إنه خطاب مقاومة ناعم، يعمل على مستوى الوعي والقيم، لا على مستوى الفعل المباشر. كيف يعمل هذا الخطاب؟ أولاً: بتقديم نموذج بديل للبطل في خطابات التبعية، البطل هو القوي، صاحب المال والنفوذ. أما هنا، فالبطل هو شاب فقير من قرية صغيرة، أبوه نجار بسيط، لا يملك من القوة إلا إرادته. هذا النموذج البديل يقول لنا: لست بحاجة لأن تكون قويًا لتكون بطلاً، بل بحاجة لأن تكون صادقًا مع مبادئك. ثانيًا: بتفكيك شرعية الصمت النص يكشف أن الصمت ليس حيادًا، بل هو موقف. من يصمت عن الظلم إنما يقوي الظالم. العبارات التي تنصح بالصمت (عمك قوي، ما حدا بوقف بوجهه) تُكشف على حقيقتها: ليست حكمة، بل جبن. النص هنا يقوم بعملية "إزالة الأقنعة" التي تحدث عنها الفيلسوف بول ريكور، حيث يتم كشف زيف الأيديولوجيات التي تبرر الظلم. ثالثًا: بإعادة تعريف النصر نحن معتادون على تعريف النصر بأنه استعادة الحق المادي. لكن النص يقدم نصرًا أعمق: النصر هو إنقاذ الذات، هو الحفاظ على الكرامة، هو الوقوف على قبر الأب دون خجل. هذا التعريف الجديد يحرر الإنسان من سطوة النتائج المادية. حتى لو خسر ياسر الأرض، سيكون قد انتصر لأنه لم يصمت. هذا هو مضمون مقولة غاندي: "الطريقة التي تخسر بها أهم من طريقة ربح الآخرين." ثاني عشر: النص والرهان على القارئ كل نص يحمل رهانًا على قارئه. ما هو رهان هذا النص؟ رهانه أن القارئ سيتوقف بعد قراءته ويسأل نفسه: كم مرة صمت عن حق؟ كم مرة نصحتُ آخر بالصمت بحجة "العقل" و"المصلحة"؟ كم مرة هنأت المنتصر دون أن أكون قد ساندته؟ النص لا يقدم حلولاً جاهزة، لكنه يطرح أسئلة محرجة. وهذا هو الفرق بين النص الدعوي (الذي يقول لك ماذا تفعل) والنص الأدبي (الذي يجعلك تفكر وتقرر بنفسك). الأستاذ أسدي يثق بقارئه، يترك له مساحة للاجتهاد والتأويل، لا يفرض عليه رأيًا، بل يضعه أمام مرآة قد لا تكون مريحة لكنها ضرورية. ثالث عشر: خاتمة في النهاية، لا يمكنني أن أقول إنني فهمت النص كله أو استنفدت أسراره. كل قراءة جديدة تكشف أبعادًا جديدة. قصة ياسر مثل النص الديني أو الأسطوري، كلما عدت إليه وجدت شيئًا جديدًا. ربما لأنها تمس أسئلة إنسانية جوهرية: ما هو الحق؟ ما هو العدل؟ متى نقاتل؟ متى نصمت؟ ما هو الثمن المقبول للكرامة؟ الأستاذ صالح أسدي كتب نصًا سيظل حيًا طالما هناك بشر يقرأون ويبحثون عن معنى في عالم قد يبدو أحيانًا خاليًا من المعنى. كتب عن رجل بسيط انتصر لأنه رفض أن يموت قبل أن يموت. وهذا هو الدرس الأعمق: الموت الحقيقي ليس موت الجسد، بل موت الضمير، موت الشجاعة، موت الأمل. من يحافظ على هذه، حتى لو خسر كل شيء، يظل حيًا.
#طه_دخل_الله_عبد_الرحمن (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
أنا والقلم
-
قراءة لقصيدة – اجتمعت – للأديبة الناقدة نافلة مرزوق العامر ك
...
-
قراءة لقصيدة – نابلس - من ديوان ترانيم الغروب للأستاذ الشاعر
...
-
النقدُ الأدبيُّ: إبداعٌ من رحمِ النصِّ، فمَن يستخفُّ به يستخ
...
-
خاطرة - نبض الابداع
-
بين الماضي والحاضر رؤية مستقبلية
-
خاطرة – الجسر -
-
قراءة لقصيدة – أيها الصامتون – للناقدة الشاعرة فوزية بن حوري
...
-
قراءة لقصيدة – تراتيل عشق أبدي – للأستاذ الشاعر منير راجي
-
قراءة لنص – منطقة الوشاح في وادي فلاح في ارض الطيرة – للكاتب
...
-
قراءة نقدية – لقصة حبات الفراولة المالحة – للدكتور محمد سليط
-
الوحدة في زمن الازدحام، مفارقة العصر الرقمي
-
الثقافة والاستدراك
-
قراءة لنص - إياك والكِبْرِ والكبرياء والتكبر – للأديب الأستا
...
-
أبي... غيابٌ لا يشيخ
-
الأم في عيدها
-
قراءة لقصة - سيدي جابر وبكاء بعد منتصف الليل – للأستاذ القاص
...
-
قراءة لنص - الغربة في زمن التكنولوجيا – للأستاذ الاديب صبحي
...
-
قراءة لقصة - سيدي قاسم وبكاء بعد منتصف الليل – للدكتور القاص
...
-
قراءة لنص – على روابي الأحلام - للأديبة نافلة مرزوق العامر
المزيد.....
-
مناقشة رسالة ماجستير عن سخرية قصص سناء الشّعلان في جامعة عمر
...
-
في -مذكرات طفلة لم تشهد الحرب-.. اليمن بعين الكاتبة رغدة جما
...
-
غموض يحيط بانفجار بيت شيمش.. والإعلام الإسرائيلي يشكك بالروا
...
-
معرض كتاب الرباط 31.. نجاح تنظيمي تخدشه حوادث -منع- وجدل حول
...
-
مهرجان كان السينمائي: حضور ياباني واسباني وأمريكي في أفلام م
...
-
مباراة -يد الله-... وثائقي في مهرجان كان السينمائي يعيد إحيا
...
-
-اللغة العربية هي لغتنا-: موقف حارس الجيش الملكي يشعل مواقع
...
-
من سيكون -جيمس بوند- القادم؟.. تجارب أداء نجم سلسلة أفلام 00
...
-
هشاشة الإنسان بين أمير تاج السر وهاروكي موراكامي
-
هالاند يستعد لدخول عالم السينما بشخصية -فايكنغ-
المزيد.....
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
-
طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة
/ احمد صالح سلوم
-
حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي
/ نايف سلوم
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
رواية هروب بين المضيقين
/ أمين أحمد ثابت
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا
...
/ السيد حافظ
-
تمارين أرذل العمر
/ مروة مروان أبو سمعان
-
اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية
/ أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
المزيد.....
|