طه دخل الله عبد الرحمن
الحوار المتمدن-العدد: 8704 - 2026 / 5 / 11 - 21:03
المحور:
الادب والفن
اجتمعت
اجتمعت
في خفايا
عيونك الجميلة
عناصرُ القصيد
وركائزُ الجمال
ومرافئ الثّمالة والتّنهيد
واستوى
عند قسوةِ أسوارها
سهمُ القتل
الواهنِ والشّديد
وتكسّر
على هيكلِ عبقها
حديثُ
التّوسّل والوعيد
وسكِر
ذراعُ المهادنةِ
والمصالحةِ
من ممتدٍّ
مخذولٍ ومعيدٍ
ويسألون
حمقًا
"كيف تتهاوى على
عتبات العيونِ
روحُ الشّعر
من عالمٍ ومريد!؟"
نافلة مرزوق العامر
******************
القراءة:
في متاهات الشعر حيث تتداخل الألفاظ بالمعاني، وتتنازع الرموزُ الدلالاتِ، تبرز قصيدة "اجتمعت" للأديبة نافلة مرزوق العامر بوصفها نصّاً يستنطق حدسَ الجمال ويُخضع غوايةَ اللغة لسلطة الإيحاء. فهي ليست مجرد أبيات تتراصف على سُلّم الوزن، بل هي مرآة شفيفة تعكس سؤالَ الشعر الأزلي عن مولد القصيدة في عتمة العيون، وعن تلك اللحظة الأثيرية التي تسقط فيها أحجارُ المعنى في بركة الروح، فترتطم الحروف لتُخرج نقراً بلاغياً يبعث الحياة في الرماد.
وبكلّ ما تحملُ اللغةُ من عبقٍ قديم، وكلّ ما تسكبهُ البلاغةُ من عسلٍ مصفّى، أقفُ أمامَ قصيدة "اجتمعت" للأديبة نافلة مرزوق العامر وقوفَ العاشقِ على أطلالِ حبيبته، لا ليبكي، بل لينقشَ حروفَها على جبينِ الزمان. إنها قصيدة تُخرجُ العينَ من غمدها المادي إلى أفقٍ أسطوري، حيثُ تُصبحُ العيونُ لا أعضاءً للرؤية، بل عوالمَ تلتقي فيها أقطابُ الوجود.
وقبلَ أن أبدأَ في فتحِ أبوابِ هذه القصيدةِ الواحدةِ التي تطوي ألفَ قصيدة، لا بدَّ أن أسجّلَ حقيقةً هامّة، القصيدةُ هنا ليستْ كلاماً بل هي حالةٌ من الحالاتِ التي يُصبحُ فيها المتلقي - أي أنا وأنتَ - جزءا من نحتها، فكأنّ الشاعرةَ لم تكتبْها، بل استنطقتْ عيونَها فتكلمتْ أو استنطقتِ العيونُ الشاعرةَ فترجمتْ ما لا يُترجم.
فقولُها: "اجتمعتْ / في خفايا / عيونكِ الجميلةِ / عناصرُ القصيدِ وركائزُ الجمالِ" هذا افتتاحٌ يضاهي "كن" الكونية، فالاجتماعُ هنا ليس لقاءً عابراً، بل هو حَشرٌ لمتفرقاتِ الجمالِ التي تاهتْ في سهولِ اللغةِ ووديانِ المعاني. والتعبير بـ "خفايا" دون "ظاهر" أو "سطح" يُنبئُ بأنّ الجوهرَ لا يُدركُ بالحواسِ الجافة، بل بالغوصِ في تلكَ الكهوفِ المظلمةِ داخلَ الحدقةِ حيثُ تنامُ حقائقُ الشعرِ نومَ الجنينِ في الرحم. أمّا "عناصر القصيد" فهي كحروفِ الأبجديةِ عندَ الخليل، أو كالنارِ والماءِ والترابِ عندَ القدماء وكأنّ العينَ هي اللوحُ المحفوظُ الذي سُطّرتْ فيه مقاديرُ الجمالِ منذُ الأزل.
ثمَّ تتمادى الشاعرةُ في سدلِ ستائرِ البيانِ، فتُضيفُ "ومرافئُ الثمالةِ والتنهيدِ". وهنا تكمنُ المفارقةُ الكبرى فالثمالةُ تأتي عادةً من الخمرِ المادي، والتنهيدُ يأتي من الحزنِ أو الكمدِ، ولكنَّ الشاعرةَ تجعلُ منهما شيئينِ مرسومينِ في خرائطِ العينِ كمرافئَ بحريةٍ. والتشبيهُ البليغُ هنا هو في جعلِ العينِ ميناءً آمناً لهاتينِ الحالتينِ المتناقضتينِ ظاهرياً فالثمالةُ تحتاجُ سكراً، والتنهيدُ يحتاجُ صَحواً، ولكنَّ العينَ تسعُهما معاً، وكأنَّ من ينظرُ إليها يغرقُ في سكرِ الصحو، ويصحو في سكرِ الغرق.
ونصلُ إلى جرحِ النصِّ: "واستوى / عند قسوةِ أسوارِها / سهمُ القتلِ الواهنِ والشديدِ". كيف يستوي سهمانِ متناقضانِ تمامَ التناقضِ عندَ نقطةٍ واحدةٍ هي "قسوة الأسوار"؟ هذا هو سرُّ الجمالِ المميتِ الذي تتحدثُ عنه جميعُ الحضاراتِ من "هيلين" الطرواديةِ إلى "ليلى" المجنون. فالواهنُ من السهامِ هو الذي لا يكادُ يخترقُ جلداً، والشديدُ هو الذي يخرقُ الصخرَ، ولكنَّ قسوةَ تلكَ الأسوارِ تجعلُهما متساويينِ في الأثرِ فكلاهما قاتل. وهنا تتجلى براعةُ التعبيرِ القرآنيّ الموحى به في قولهِ تعالى "لا يستوي أصحابُ النارِ وأصحابُ الجنةِ" فقلبَتِ الشاعرةُ الموازينَ لكي تُقرِّرَ حقيقةً وجوديةً أمامَ جمالِ العيونِ، يسقطُ مبدأُ التفاوتِ في القوةِ، ويصبحُ الضعيفُ كالقويِّ في الهلاك إنه هلاكٌ حلوٌ أو حلاوةٌ هالكةٌ.
بل إنَّ الفعلَ "استوى" الذي اقترنَ بـ "قسوة الأسوار" يحملُ في طياتِهِ معنى الاعتدالِ والاستقامةِ، فكأنّ القسوةَ هي الميزانُ الذي يعدلُ بينَ السهمينِ، وكأنَّ العدلَ المطلقَ لا يكونُ إلا في قسوةِ الجمالِ المطلقِ. ونحنُ هنا أمامَ صورةٍ تعجزُ عن تفسيرها بالمنطقُ، وتزهقُ فيها الحكمةُ المؤسسةُ على النفعِ والضرر. وإذا استعرنا لغةَ المنمنماتِ الفارسيةِ، يمكننا أن نتخيّلَ فارساً رمى بسهمينِ مختلفينِ، فإذا بهما يصيبانِ قلبَ الفتى في الآنِ نفسِهِ، وتسقطُ جميعُ قوانينِ الفيزياءِ أمامَ سلطانِ العيونِ.
ثمَّ يتصاعدُ التكسيرُ: "وتكسّر / على هيكلِ عبقها / حديثُ التوسّلِ والوعيدِ". ما أعجبَ هذا الهيكلَ الذي لا يُرى بالعينِ ويُشمُّ بالأنفِ، ثمَّ يُفاجئُنا بأنَّه صلبٌ كالعظمِ يُحطّمُ الأحاديثَ! والكلمةُ المفتاحُ هنا هي "عبقها"، حيثُ حذفتِ الشاعرةُ الموصوفَ لتبقيَ الصفةَ موصوفةً، فصارتِ الرائحةُ جسماً، وصارَ الجسدُ رائحةً. والتكسيرُ الإسناديُّ - أي أن "حديثَ التوسلِ والوعيد" هو الذي يتكسّرُ وليس شيئاً آخرَ - يُخرجُ اللغةَ من سجنِ الحروفِ إلى فضاءِ الجُسومِ المتكلمةِ. فكأنّ المتحاورينَ الذينَ يتوسلونَ أو يتوعدونَ، لا يعودونَ يملكونَ خطاباً، لأنَّ خطابَ العيونِ قاهرٌ للخطابِ اللسانيِّ. هذا إبطالٌ لكلِّ منطقِ الإقناعِ والصراعِ، فأيُّ توسّلٍ يُقدّمُ لمن لا يُبالي؟ وأيُّ وعيدٍ يُراقبُ لمن لا يخافُ؟ الهيكلُ العبقريُّ، إذا جازَ التعبيرُ، هو الذي يهدِمُ كلَّ استراتيجياتِ التخاطُبِ البشريِّ.
والجملةُ التاليةُ لا تقلُّ دهشةً بل تزيدُ: "وسكِر / ذراعُ المهادنةِ والمصالحةِ / من ممتدٍّ مخذولٍ ومعيدٍ". لقد ذكرتِ الشاعرةُ الذراعَ دونَ الرأسِ أو القلبِ أو اللسانِ، لأنَّ الذراعَ هو مَنْ يمدُّ للمصافحةِ، وهو الذي يعانقُ، وهو الذي يحملُ رايةَ الصلحِ. فإذا سكرتِ الذراعُ، معنى ذلكَ أنَّ كلَّ محاولاتِ التقاربِ الحسّيةِ قد فشلتْ. والسكرُ هنا إسنادٌ مجازيٌّ يتجاوزُ الاستعارةَ الميتافيزيقيةَ إلى الاستعارةِ التشخيصيةِ حيثُ تُعاملُ الذراعُ ككائنٍ حيٍّ يثملُ. والأبلغُ من ذلكَ هو استعمالُ "من ممتدٍّ مخذولٍ ومعيدٍ" في تعليلِ السكرِ. فالذراعُ التي تُمَدُّ للصلحِ هي ذراعٌ "ممتدّةٌ" ولكنَّها مع ذلك "مخذولةٌ" لأنَّها لا تلقى امتداداً مماثلاً، وهي كذلك "معيدٌ" لأنَّها تحاولُ مراراً وتكراراً. والسكرُ هنا ليس سببُه الخمرَ، بل هو عينُ الخمرِ المتولدِ من الإحباطِ المستمرِّ أمامَ جمالٍ لا يُهادنُ.
وفي هذا الموضعِ تحديداً تتجسّدُ فلسفةُ القصيدةِ كلها، الجمالُ ليسَ شيئاً لإرضائِهِ أو لاسترضائِهِ، الجمالُ هو القوةُ التي تُسكرُ كلَّ مقوماتِ السلمِ الأهليِّ الداخليِّ. فليسَ الأمرُ مجردَ هزيمةٍ في حربٍ، بل هو هزيمةٌ في صلحٍ، فضيعةٌ في وئامٍ. وكأنَّ الشاعرةَ تقولُ لنا: لا تحاولوا أن تتصالحوا مع العيونِ الجميلةِ، لأنَّ الذراعَ التي تحاولُ الصلحَ ستظلُّ سكرى إلى الأبد.
وبعدَ كلِّ هذا البناءِ المهيبِ، تأتي الصرخةُ الخاتمةُ على لسانِ السائلينَ "حمقاً": "كيف تتهاوى على عتباتِ العيونِ روحُ الشِّعرِ من عالمٍ ومريدٍ؟". إنَّ وصفَ السؤالِ بالحُمْقِ ليسَ إهانةً، بل هو رثاءٌ للعقلِ الذي يُريدُ تفسيرَ المعجزاتِ بالقياساتِ. فالمفارقةُ في السؤالِ نفسه أنَّهُ يصفُ "روحَ الشعرِ" وهي ألطفُ ما في الوجودِ من المعاني، ثمَّ يصفُ "تساقطها" على "عتباتِ العيونِ" وهي أقسى ما في الوجودِ من العتباتِ التي يُداسُ عليها. وكيفَ لروحٍ أنْ تتساقطَ؟ أليستِ الأرواحُ تصعدُ ولا تنزلُ؟ وكيفَ لشاعرٍ "عالمٍ مريدٍ" أنْ يتهاوى؟ أليسَ العالمُ هو الذي يعرفُ الطريقَ، والمريدُ هو الذي يخطو بثباتٍ نحوَ الحقيقةِ؟
الجوابُ الذي تفصحُ عنه القصيدةُ في صمتها المُدوّي هو: لأنَّ العيونَ هنا هي الأزلُ، والجمالُ هو اللهُ الذي تجلّى للجبلِ فجعلهُ دكّاً. فإذا كانَ الجبلُ يتهاوى أمامَ الجمالِ الإلهيِّ، فكيفَ بروحِ الشعرِ التي هي من نسيمِ ذلكَ الجمالِ؟ إنَّ "عالمٍ مريدٍ" في تاريخِ التصوفِ ليسَ هو من بلغَ الذروةَ، بل هو من بدأَ الخطوةَ الأولى. وعندَ عتباتِ العيونِ، التي هي أقربُ إلى الحقيقةِ من كلِّ الصوامعِ والبِيَعِ، يسقطُ كلُّ مريدٍ وكلُّ عالمٍ، ليسَ هزيمةً بل صلاةً على الوجهِ الساجدِ.
إنَّ القصيدةَ إذن ليستْ مجردَ مديحٍ للعيونِ، بل هي نقضٌ حداثيٌّ لكلِّ نصوصِ المديحِ التقليديّةِ التي كانتْ تمدحُ العيونَ بالتنعّمِ واللينِ. هنا العيونُ قاسيةٌ، أسوارٌ، هيكلٌ عظميٌّ عبقريٌّ، مكانُ تكسّرٍ وسكرٍ. إنها معمارُ الجمالِ الإلهيِّ الذي لا يُقهرُ، والذي يجعلُ كلَّ أدواتِ الإنسانِ - من السهامِ والكلامِ والأحضانِ - عديمةَ الجدوى.
ومِنْ بابِ الإسهابِ البلاغيِّ المطلوبِ، أتوقفُ مليّاً عندَ صيغةِ الفعلِ "اجتمعت" في صدرِ القصيدةِ فهي فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمعلومِ، مؤنثٌ. فما الذي اجتمع؟ خفايا العيونِ هي الأمورُ المجتمعةُ فيها. وهذا الأسلوبُ من تقديمِ الفعلِ على الفاعلِ يُفيدُ الحصرَ والتخصيصَ، كأنَّها تقولُ: لا شيءَ اجتمعَ غيرَ تلكَ الخفايا وحدها. وهذه اللفتةُ النحويةُ تُضفي على القصيدةِ شرعيةً كونيةً، فالخفايا هي الأصلُ والعناصرُ تبعٌ لها. كذلك، فإنَّ استخدامَ الجمعِ في "عناصر" و"ركائز" و"مرافئ" يكسرُ إيقاعَ الإفرادِ المتوقعَ، ويُشيرُ إلى وحدانيةِ العينِ رغمَ تعددِ ما تحويهِ. فالعينُ الواحدةُ تحوي كلَّ تلكَ الكثراتِ، وكأنَّنا أمامَ وحدةِ الوجودِ الجماليَّةِ.
ليسَ المقالُ ليطولَ أكثرَ من ذلكَ، ولكنَّ القصيدةَ تأبى أن تُختزلَ فهي كالغيمةِ التي كلما شربتَ منها ازددتَ عطشاً. وما تقدَّمَ إنما هو قطرةٌ من بحرِ البلاغةِ التي فاضتْ بهذا النصِّ الصغيرِ حجمُهُ، الكبيرُ عمقُهُ. إنَّ نافلة مرزوق العامر لم تكتبْ شعراً، بل كتبتْ نظريةً كاملةً في جمالياتِ التلقي، موقّعةً باسمَها على كشفٍ بلاغيٍّ نادرٍ يليقُ بحضارةِ العربِ وببلاغةِ القرآنِ الذي ألهمَ تلكَ العيونَ التي قالتْ فيهِ القصيدةَ. فتحيةً للعيون التي ألهمتْها، وتحيتينِ لروحِها التي سبحتْ في سماواتِ البيانِ حتى رأتْ ما لا يراهُ سواها.
البعنه == الجليل
10/05/2026
#طه_دخل_الله_عبد_الرحمن (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟