|
|
قراءة لقصيدة – نابلس - من ديوان ترانيم الغروب للأستاذ الشاعر انور فريز القريوتي
طه دخل الله عبد الرحمن
الحوار المتمدن-العدد: 8703 - 2026 / 5 / 10 - 16:43
المحور:
الادب والفن
قراءة لقصيدة – نابلس - من ديوان ترانيم الغروب للأستاذ الشاعر انور فريز القريوتي القصيدة: نابلس قد جئتُ والذكرى الجميلةُ في القلوبْ ذكرى مضت لكنها ظلّت تُؤانس في الدّروبْ قالوا تذكر قلت من؟ هل تقصدون الأرض في الوطن السليبْ أم تقصدون الأهل والأمل القريبْ نابلسْ وقريوتٌ وجالودْ وتلفيتْ كلُّ القرىٰ حتى البيادر والسنابل والحبوبْ في القلب يحييها ترانيمُ الغروبْ نابلس غدت نقشًا على صدر الزمنْ وقلادةً كالماس في جيد الوطنْ وجبالها طلّت على الأردن تُقرؤها السلامْ وسفوحُها نزلت الى الأغوار تطلبها الوئام فاشتدّ غيظ الشر والأعداءُ جاءوا يقتلون الحُبَّ في قلب الخلائقْ يزرعون الموت في كل المناطقْ قطّعوا الأوصال واغتالوا الحقائقْ كذبوا فظنّ البعض أن الذئب صادق سأعود يومًا في يدي كلُّ الوثائقْ مفتاح جدّي في ولوج الباب ناطقْ هذي الروابطُ وحدّدت رؤيا الرجال من المشارقِ والمغاربْ أيضا تذكر رجلْ بنى من شارات الحلم بيتا كالحديدْ قد رغّب الدّاني وطاوعه البعيدْ ورفاقهُ نقشوا على الجدران حُبَّ بلادهم رسموا شباب الأرض والأقصى وسيلونَ فأثمرت قريوت بالشهداء واشتدّ الصمودْ إنا هتفنا والحناجرُ كالرعود إنا زحفنا والسماءُ لنا صعودْ إنا طردنا الخوف والأطفال كانوا يقتلون الشرَّ في جوف البنادق يزرعون الأرض جُبًا للخلائقْ ما انتهينا رغم هول الإنفجارْ ما انكسرنا رغم حجم الانكسار قد مشينا رافعين الرأس في وضح النهارْ ورغم طول الدرب ما تعب المهاجرْ قد بنىٰ علّا وعلّمَ والعيونُ السُّمرُ من خلف السواتر ْ تستقي عبق الجدودْ جئنا بهذا اليوم نلقاكم وأيدينا بأيديكم قبلتم رغم شدّتها الأمانهْ هل تربطون الأرض بالإنسانِ حتى ننتهي رغم السفرْ لنرسم الآتي وأحلام الصغيرْ إنّا هنا معكم وأيدينا بأيديكم. ******************** القراءة: تمهيد في جماليات البداية: الذكرى كائن حي "قد جئتُ والذكرى الجميلةُ في القلوب". هذا الافتتاح العظيم يحمل في طياته أسراراً بلاغية لا تُحصى. لنبدأ من أول حرف: "قد" التي تفيد التحقيق والتوكيد، فهي ليست حرفاً عادياً بل هي بمثابة قسم ضمني، إشارة إلى أن المجيء لم يكن مجرد حركة جسدية بل حدث وجودي مكتمل. ثم "جئتُ" والفعل في صيغة المتكلم، وفيه التفات إلى الذات الشاعرة، ولكن هذه الذات لا تقف وحدها، إنها تمثل أمة بأكملها. والفعل "جئتُ" ماضٍ لكنه يحمل زمن المضارع في دلالته، فهو ماضٍ في اللفظ حاضر في المعنى، كأن المجيء قد تم ويتم الآن وسيتم دائماً. جاء بعدها الواو للحال، و"الذكرى" منصوبة على أنها حال من فاعل "جئتُ"، أي جئتُ والحال أن الذكرى ملازمة لي. والذكرى هنا نكرة في سياق الإثبات، والغرض من التنكير هو التعظيم، أي ذكرى عظيمة لا توصف. ثم وصفها بـ"الجميلة"، وهي صفة مشبهة تدل على ثبوت الجمال في الذكرى. وأضافها إلى "القلوب" بصيغة الجمع، فالقلوب هنا ليست قلبه وحده بل قلوب الجماعة، وفيه إشارة إلى أن الذكرى مشتركة، ثم جعلها "في القلوب" لا في العقول، لأن القلب مقر العواطف والمشاعر، والعقل مقر المعلومات والأفكار، فالذكرى هنا ليست معلومة بل جرح وندبة ومجد. ثم يقول "ذكرى مضت لكنها ظلّت تؤانس في الدروب". تأمل جمال "مضت" و"ظلّت"، فهما فعلان متضادان في الظاهر متفقان في الباطن. "مضت" تفيد الانقضاء والذهاب، و"ظلّت" تفيد البقاء والاستمرار، فكيف تمضي وتبقى في آن واحد؟ هذا هو سر الذاكرة الوطنية: الماضي لا يموت بل يتحول إلى حضور دائم. والطباق بين "مضت" و"ظلّت" هو طباق إيجاب، يبرز المفارقة الجميلة. ثم "تؤانس" من الأنس، وهو ضد الوحشة، والفعل "تؤانس" يدل على المشاركة، أي الذكرى تؤانس صاحبها، وكأنها رفيقة درب. و"الدروب" جمع درب، والجمع هنا للكثرة والتنوع، وكأن كل درب في فلسطين له ذكراه وأنسه الخاص. الاستفهام الإنكاري: بلاغة السؤال الذي لا يحتاج جواباً "قالوا تذكر، قلت من؟". هذا المشهد الدرامي المصغر يحمل طاقة بلاغية هائلة. "قالوا" فعل ماضٍ مبني للمعلوم، والفاعل ضمير جمع، إنهم الناس، الجماعة، المجتمع، أو ربما هم أولئك الذين يختزلون القضية الفلس//طينية في ذكريات رسمية باهتة. "تذكر" فعل أمر يفيد الطلب، وهي صيغة التكرار من الذكر، أي استحضر الذكرى، تذكرها باستمرار. ثم يأتي الرد "قلت من؟"، وفيه حذف مفعول "تذكر" لدلالة السياق، والتقدير: قالوا تذكر كذا وكذا. واستفهام "من" هنا هو استفهام إنكاري، والغرض منه التوبيخ والتقريع، أي كيف تطلب مني أن أتذكر وأنا لم أنسَ أصلاً؟ أو كيف أتذكر هذه الذكرى الجزئية التي تقصدونها وهناك ذكرى أعظم؟ وفي هذا الاستفهام إبطال ضمني لسؤالهم. ثم يشرع الشاعر في تفصيل ما يجب تذكره حقاً: "هل تقصدون الأرض في الوطن السليب؟ أم تقصدون الأهل والأمل القريب؟". وهنا يأتي أسلوب التقسيم والتوزيع، وهو من أجمل الأساليب البلاغية، وفيه يطرح الشاعر احتمالين أو أكثر ثم يترك للمخاطب أن يختار. والاستفهام في "هل تقصدون" هو استفهام تصوري، أي أطلب منكم تصور المعنى، وليس استفهام حقيقياً. وتكررت كلمة "تقصدون" مرتين لتحقيق التوكيد، ولإبراز أن هناك فرقاً بين مقاصدهم ومقاصده. و"الأرض" نكرة في سياق الإثبات وهنا تفيد التعظيم، أرض معينة هي أرض فلس//طين. ووصفها بـ"الوطن السليب"، والسليب اسم مفعول من السلب، ووصف بذلك لأنه مسلوب، والوصف هنا كاشف لا مقيد، أي يظهر حقيقة هذه الأرض. و"السليب" يستوي فيه المذكر والمؤنث، وفيه إشارة إلى أن الوطن سلبه لا طائل من وصفه بالمذكر والمؤنث، إنه فوق ذلك. ثم "الأهل والأمل القريب". الأهل جمع أهل، وهو صلة الدم والحميمية. والأمل نكرة تفيد التعظيم أيضاً، ووصفه بـ"القريب" فيه تفاؤل، والأمل القريب هو الأمل الذي يمكن تحقيقه، وهو نقيض الأمل البعيد المستحيل. ولاحظ أن الشاعر عطف "الأمل" على "الأهل" بحرف العطف "الواو"، وكأن الأمل صار كالأهل في قيمته وأهميته. التعداد الإسمي: بلاغة الجغرافيا الحزينة "نابلس وقريوت وجالود وتلفيت. كل القرى، حتى البيادر والسنابل والحبوب". هذا المشهد من أروع ما في القصيدة. يبدأ الشاعر بأسماء المدن والقرى على نحو مفاجئ، بدون فعل يربطها بما قبلها، وكأنها تنهال من فضاء النص كالقصف، أو كأنها رصاصات من أسماء موغلة في الحضور. الأسماء كلها معرفة، لأنها أعلام، والتعريف يفيد التخصيص، لكنها هنا تفيد الحصر أيضاً، أي هذه هي نابلس وقريوت وجالود وتلفيت لا غيرها، إنها المدن والقرى التي تمثل كل فلس//طين. والعطف بينها بالواو وهو عطف الجمع، لا يفيد الترتيب ولا يفيد السببية، بل يفيد المجرد الجمع والتعداد. ثم "كل القرى"، وهنا أسلوب عموم ثم تخصيص، "كل" من ألفاظ العموم، وجاءت مضافة إلى "القرى" المعرفة بالإضافة، فتعم جميع القرى. ثم جاء الاستدراك بـ"حتى"، وحرف "حتى" في اللغة العربية له معان، والمعنى هنا هو التدرج والتصعيد، أي حتى البيادر والسنابل والحبوب التي قد يعتقد البعض أنها خارج دائرة التذكر، هي أيضاً داخل القلب. والبيادر جمع بيدر، وهو المكان الذي يُدرس فيه القمح. والسنابل جمع سنبلة، وهي رمز الخصب والغلال. والحبوب جمع حبة، وهي رمز الحياة والتكاثر. وهذا التسلسل من الكبير (القرى) إلى الصغير (الحبوب) هو تصعيد نازل، أي تصعيد في العمق والإحساس لا في الحجم. ويختم هذه الفقرة بـ"في القلب يحييها ترانيم الغروب". "يحييها" فعل مضارع يفيد الاستمرار، وفاعله مستتر يعود على شيء معين، والتقدير: كل ما سبق يحييه شيء ما. والمفعول به "ها" يعود على كل ما سبق من القرى والبيادر والسنابل والحبوب. ثم "ترانيم الغروب"، والترانيم جمع ترنيمة، وهي الأناشيد الحزينة، والغروب هو آخر النهار، وفيه إشارة إلى النهاية والإغلاق، لكن الترانيم تحيي الذكرى، فهي حياة بعد الموت، نهار بعد الغروب. التشبيهات المتتالية: نابلس زينة الوجود "نابلس غدت نقشاً على صدر الزمن"، هذا تشبيه بليغ حذفت فيه أداة التشبيه ووجه الشبه لشدة الوضوح، والتقدير: نابلس كالنقش. والنقش هو الكتابة المحفورة على الصخر أو المعدن، ولا تزول بمرور الزمن. "على صدر الزمن"، والزمن شخصوه، جعلوه كإنسان له صدر، فشبه الزمن بالإنسان في امتلاكه صدراً يحمل النقوش، وهذا من الاستعارة المكنية. ثم "وقلادة كالماس في جيد الوطن". هذا تشبيه ثان، وهو تشبيه تمثيلي مركب، لأن الشبه في هذه الصورة مركب من أمرين: الجوهر (قلادة) والمكان (جيد الوطن). والجيد هو العنق، وهو من أجمل أعضاء الإنسان، فجعل الوطن كإنسان له جيد، وهذه استعارة مكنية أخرى. والماس حجر كريم شديد الصلابة واللمعان، وفيه تشبيه ضمني لنابلس بالقيمة والخلود والجمال. وانتقل الشاعر بعد ذلك من تشبيهات السكون إلى تشبيهات الحركة: "وجبالها طلّت على الأردن تُقرؤها السلام". "طلّت" فعل من الطلول وهو الإشراف من عل، وفيه تشبيه للجبال بإنسان يطل من نافذة لينظر، وهذه استعارة مكنية. "على الأردن" يعني المملكة الأردنية، والجغرافيا هنا تتجاوز حدود الكيان إلى علاقات الجوار. ثم "تُقرؤها السلام"، وفيه إسناد فعل القراءة للجبال، وهو إسناد مجازي، والسلام هو تحية الإخاء والأمان. وفي هذه الآية إشارة إلى أن جبال نابلس تحمل رسالة سلام شفهية وليست مجرد مشهد طبيعي. "وسفوحُها نزلت إلى الأغوار تطلبها الوئام". وهذه مقابلة جميلة مع ما سبق: الجبال تطل من فوق، والسفوح تنزل من تحت. والسفوح جمع سفح، وهو منحدر الجبل. والأغوار جمع غور، وهو منطقة منخفضة في الأردن وفلس//طين. و"تطلبها الوئام"، أي تطلب السفوح من الأغوار أن يكون هناك وئام. والوئام ضد النزاع، وهو من أوثق الألفاظ في العلاقات الإنسانية والسياسية. واللافت أن الشاعر أسند الطلب إلى السفوح، والسفوح هي جزء من نابلس، وكأن نابلس بكل جبالها وسفوحها ترسل رسالتين: رسالة سلام من القمم، ورسالة طلب للوئام من القيعان. التحول الدرامي: المفارقة الصارمة "فاشتدّ غيظ الشر والأعداء جاءوا يقتلون الحب في قلب الخلائق". كلمة "فاشتدّ" تفيد التفريع والسببية، أي بسبب أن نابلس تفعل كل هذا السلام، اشتد غيظ الشر. و"الشر" نكرة في سياق الإثبات تفيد التعظيم، أي شر عظيم. وأسند الغيظ إلى الشر، والغيظ من صفات الأحياء، فشبه الشر بإنسان يغتاظ، وهذه استعارة مكنية بالغة. ثم "والأعداء جاءوا"، والأعداء في مقابل الأهل والأخوة، و"جاءوا" فعل ماضٍ يفيد التحقق، ثم أردف بـ"يقتلون الحب"، والحب ضد الشر، فهم يقتلون الحب، والحب لا يقتل إلا إذا قتل الحبيب، فأسندوا القتل إلى الحب نفسه، وهذه استعارة تصريحية. "في قلب الخلائق"، والخلائق جمع خليقة، وهي كناية عن البشر. وقلب الخلائق هو مركز حياتهم وعواطفهم، فكأنهم يريدون قتل الحب من منبعه، من قلوب الناس. ثم "يزرعون الموت في كل المناطق" وهذه مقابلة مع "يزرعون الحب": الزرع عادة يكون للحياة والغلال، أما هنا فالزرع للموت، وهذا من التضاد الخادع للعادة. و"كل المناطق" مقابل "قلب الخلائق"، أي ليس القلب فقط بل كل الأماكن. ثم "قطّعوا الأوصال واغتالوا الحقائق". تقطيع الأوصال هو أقصى درجات العنف الجسدي، واغتيال الحقائق هو أقصى درجات العنف المعنوي، وهما مرتبطان، لأن من يقطع الأوصال يريد أن يخفي الحقيقة. والحقائق جمع حقيقة، وهي ضد الأكاذيب. و"اغتالوا الحقائق" من الاستعارات التصريحية، فجعلوا الحقائق كائناً حياً يمكن اغتياله. ويأتي التعقيب المذهل: "كذبوا فظنّ البعض أن الذئب صادق". "كذبوا" نتيجة لما سبق، فهم كذبوا في كل شيء: في أنهم يزرعون الأمن، في أنهم يجلبون الحضارة، في أنهم يحاربون الإرهاب. والنتيجة: "فظنّ البعض"، والظن هنا هو الظن المخلوط بالوهم، و"البعض" في مقابل "الكل"، أي أن القلة هم الذين انخدعوا. و"الذئب" رمز الخبث والعدوانية والقسوة، وهذا من التمثيل الرمزي الأرسطي، فالذئب يرمز للمحتل الص//هيو//ني، وجعلوه "صادقاً"، وهو نقيض صفة الذئب الحقيقية، أي أنهم قلبوا الحقائق. الاسترجاع: المفتاح الناطق يأتي القسم الأعظم في القصيدة: "سأعود يومًا، في يدي كل الوثائق". "سأعود" فعل مضارع يفيد الاستقرار والتصميم، وهو وعد مؤكد، والسين للاستقبال الدال على التوكيد. "يومًا" منصوب على الظرفية، وهو نكرة تفيد هنا التحقق، أي سأعود في يوم لا محالة. ثم "في يدي كل الوثائق"، واليد هنا كناية عن القدرة والحيازة، و"كل الوثائق" من ألفاظ العموم، والوثائق جمع وثيقة، وهي ما يثبت الحق. ثم "مفتاح جدّي في ولوج الباب ناطق". المفتاح هو رمز العودة الأساسي في الثقافة الفلس//طينية، وهو كائن صامت، لكن الشاعر يجعله ناطقاً، وهذا من الاستعارة التصريحية حيث شبه المفتاح بإنسان ينطق. و"الولوج" من الولوج وهو الدخول، "الباب" كناية عن الوطن أو البيت، و"ناطق" خبر للمبتدأ "مفتاح"، أي أن المفتاح ينطق بإثبات الحق، أو ينطق بالشهادة. "هذي الروابط" مبتدأ مؤخر، والإشارة بـ"هذي" للقريب، أي الروابط القريبة الواضحة، والروابط هي الأنساب والعقود والعهود والأحلام. ثم "وحدّدت رؤيا الرجال من المشارق والمغارب"، الرؤيا هنا بمعنى الرؤية أو الحلم، وهي مفردة عامة شاملة، والرجال يعني البشر الأقوياء، و"المشارق والمغارب" يجمع الشرق والغرب، وهو من باب التغليب للكثرة، في إشارة إلى القضية الفلس//طينية كقضية إنسانية كونية. الحكاية الأسطورية: الرجل الذي بنى من شارات الحلم بيتًا "أيضا تذكر" هذا أمر آخر أو تذكير آخر، و"أيضا" للعطف على ما سبق ذكره من الأشياء التي يجب تذكرها. ثم "رجل بنى من شارات الحلم بيتًا كالحديد". الرجل هنا هو رمز الكفاح الفلس//طيني، أو هو شخص معين، لكنه يظل رمزاً. "بنى من شارات الحلم"، والشارات جمع شارة، وهي علامات الاشتراك في جماعة أو حزب، فالحلم يصير ملموساً له شارات، وهذا من التجسيد. و"بيتًا كالحديد"، البيت هو الكيان، والحياة، أو هو البيت الحقيقي، وشبهه بالحديد في الصلابة والمنعة. "قد رغّب الدّاني وطاوعه البعيد". "رغّب" فعل ماضٍ يفيد جعل الغير راغباً، و"الداني" هو القريب، و"طاوعه" بالطواعية، و"البعيد" هو القاصي الذي يصعب الوصول إليه. فهذا الرجل استطاع أن يجعل القريب يرغب والبعيد يطيعه، وهذا من التضاد، فهو قدرة تجمع بين التأثير القريب والبعيد. "ورفاقه نقشوا على الجدران حب بلادهم". النقش تخليد وتثبيت، والجدران هي جدران البيوت والمدارس والسجون. وحب بلادهم هو حب الأرض. ثم "رسموا شباب الأرض والأقصى وسيلون"، والرسم هنا ليس رسم ألوان بل تخيل وتصوير. وشباب الأرض هم الأجيال الجديدة، والأقصى هو المسجد الأقصى رمز القدس، وسيلون هي مدينة أثرية قديمة تقع في محافظة نابلس بالضفة الغربية فجمع بين الرمز الديني والرمز الطبيعي. "فأثمرت قريوت بالشهداء واشتدّ الصمود". "أثمرت" من الثمر، وشبه الشهداء بثمار الأرض، وهذا تشبيه بليغ لأن الثمار تخرج من الأرض بعد نضوب، والشهداء يخرجون من الوطن بعد احتلال، وفيه تغيير للنظرة إلى الموت. و"اشتدّ الصمود" إسناد الشدة إلى الصمود، والصمود صفة، فجعل شيئاً مجرداً ملموساً. الأسلوب التراكمي: الحناجر كالرعود "إنا هتفنا والحناجر كالرعود". "إنا" أداة توكيد وتأكيد، و"هتفنا" من الهتاف وهو الصوت العالي، والحناجر هي القصبات الهوائية، وفيها مجاز مرسل لأن الحناجر هي مكان الصوت، فذكرت المكان وأريد الصوت نفسه. وشبهت الحناجر بالرعود، وهذا تشبيه تمثيلي، والرعد صوت السماء المدوي، فشبه صوتهم بصوت السماء. ثم "إنا زحفنا والسماء لنا صعود". الزحف هو المشي ببطء وثبات، وهو نقيض الطيران السريع، و"السماء لنا صعود" يعني أن السماء هي طريقنا للصعود، أي أنهم يمشون على الأرض ويرتقون السماء، وهذا من التناقض المبدع. "إنا طردنا الخوف والأطفال كانوا يقتلون الشر في جوف البنادق". "طردنا الخوف" إسناد الطرد إلى الخوف، والطرد للأشياء المحسوسة، فالخوف شيء معنوي لكنهم جعلوه محسوساً يمكن طرده. ثم الأطفال، وهم الضعف في العادة، لكنهم هنا أقوياء. "يقتلون الشر في جوف البنادق"، جوف البنادق هو باطن السلاح، والشر هنا مصدر، أي أن الشر ليس في الإنسان بل في السلاح نفسه، والأطفال يقتلون هذا الشر، وهذا تصوير مقلوب للصورة النمطية عن الأطفال الأبرياء والسلاح القاتل. النفي والاستمرار: تحدٍّ على وقع الإيقاع "ما انتهينا رغم هول الإنفجار". "ما" النافية العاملة عمل ليس، وهي تفيد النفي التام، و"انتهينا" فعل يدعو إلى نهاية الحركة، والنفي يفيد الاستمرارية. و"رغم" حرف جر يدل على المصاحبة مع وجود المانع، و"هول الإنفجار" هو فظاعة الانفجار، والإنفجار قد يكون حقيقياً أو مجازياً. ثم "ما انكسرنا رغم حجم الانكسار"، والانكسار هو الكسر، لكنهم نفوا أن يكونوا انكسروا، رغم أن حجم الانكسار كبير، وهذا من التضاد، أي أنهم انكسروا لكن لم ينكسروا، لأن الانكسار الجسدي قد يكون موجوداً والانكسار الروحي غير موجود. "قد مشينا رافعين الرأس في وضح النهار". "قد" هنا للتحقيق، و"مشينا" مجدداً، والرأس جوارح الإنسان، ورفعه دليل العزة والكرامة، وفي "وضح النهار" إشارة إلى الجهر والوضوح، فهم لا يخفون أنفسهم. "ورغم طول الدرب ما تعب المهاجر"، المهاجر هو اللاجئ أو النازح، وهو ليس ضعيفاً بل قوياً، "ما تعب" فيها نفي للتعب. "قد بنى علّا وعلّمَ"، بنى أي شيد، و"علّا" نهر صغير في منطقة غور الأردن وهو وادي موسمي، أو هو الشرب الثاني، و"علّمَ" ينشر العلم، فالبناء والتعليم مقترنان. الختام: الأيدي المتشابكة "والعيون السمر من خلف السواتر تستقي عبق الجدود". العيون السمر هي عيون النساء أو عيون الشعب، والسمر صفة تدل على الجمال والقوة، و"السواتر" جمع ساترة، وهو ما يستر ويخفي، وقد تكون السواتر هي جدران البيوت أو جبال فلس//طين. "تستقي" من الاستقاء وهو شرب الماء، لكنهم يستقون "عبق الجدود"، والعبق هو الرائحة الطيبة العالقة، والجدود جمع جد، أي الأجداد، وهو استعارة حيث جعلوا عبق الأجداد شيئاً مائياً يمكن شربه وتناوله. "جئنا بهذا اليوم نلقاكم وأيدينا بأيديكم". "جئنا" تطابق بداية القصيدة، وهذا الرد على "قد جئتُ" الأول، ففي البدء كان "جئتُ" فردياً، أما الآن "جئنا" جماعياً. "بهذا اليوم" إشارة إلى يوم الوصول، و"نلقاكم" لقاء بعد غياب. و"أيدينا بأيديكم" كناية عن التلاحم والتعاضد والتضامن. "قبلتم رغم شدّتها الأمانة". الأمانة هي التكليف والمسؤولية، و"شدّتها" أي صعوبتها، وقبول الأمانة رغم الصعوبة هو الشرف بعينه. "هل تربطون الأرض بالإنسان حتى ننتهي رغم السفر". هذا الاستفهام التقريري الأخير هو خلاصة القصيدة، فالأرض والإنسان شيء واحد، لا ينفصلان، وإن انفصلا انتهت القضية، وإن ارتبطا استمرا رغم السفر ورغم الغياب. "لنرسم الآتي وأحلام الصغير". الرسم مرة أخرى، والآتي هو المستقبل، وأحلام الصغير رموز الأجيال القادمة. "إنّا هنا معكم وأيدينا بأيديكم". الخاتمة هي تكرار للبيعة، والأيدي بأيديكم تتكرر ثلاث مرات في القصيدة، وكأن الشاعر يعقد عقداً ثلاثياً مع القارئ: عقد الوطن وعقد التضحية وعقد المستقبل. خاتمة في كلية النص قصيدة "نابلس" للأستاذ الشاعر أنور فريز القريوتي ليست مجرد قصيدة، بل هي منظومة فكرية متكاملة تستخدم كل إمكانات اللغة العربية البلاغية، من الاستعارات والكنايات والتشبيهات والطباق والجناس والتكرار والتفريع والاستفهام الإنكاري، لتخلق نصاً فريداً في تاريخ الشعر الفلس//طيني، يجعل من الجرح نصاً، ومن النص جرحاً، ومن الحلم وثيقة، ومن الوثيقة حلماً. إنها قصيدة عن نابلس، لكن نابلس هنا ليست مدينة، بل هي الأيقونة، الأسطورة، الجرح الجميل، القلادة الغالية، المفتاح الناطق، والوطن الذي يسكن القلب قبل أن يسكنه الإنسان. البعنه == الجليل 27/04/2026
#طه_دخل_الله_عبد_الرحمن (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
النقدُ الأدبيُّ: إبداعٌ من رحمِ النصِّ، فمَن يستخفُّ به يستخ
...
-
خاطرة - نبض الابداع
-
بين الماضي والحاضر رؤية مستقبلية
-
خاطرة – الجسر -
-
قراءة لقصيدة – أيها الصامتون – للناقدة الشاعرة فوزية بن حوري
...
-
قراءة لقصيدة – تراتيل عشق أبدي – للأستاذ الشاعر منير راجي
-
قراءة لنص – منطقة الوشاح في وادي فلاح في ارض الطيرة – للكاتب
...
-
قراءة نقدية – لقصة حبات الفراولة المالحة – للدكتور محمد سليط
-
الوحدة في زمن الازدحام، مفارقة العصر الرقمي
-
الثقافة والاستدراك
-
قراءة لنص - إياك والكِبْرِ والكبرياء والتكبر – للأديب الأستا
...
-
أبي... غيابٌ لا يشيخ
-
الأم في عيدها
-
قراءة لقصة - سيدي جابر وبكاء بعد منتصف الليل – للأستاذ القاص
...
-
قراءة لنص - الغربة في زمن التكنولوجيا – للأستاذ الاديب صبحي
...
-
قراءة لقصة - سيدي قاسم وبكاء بعد منتصف الليل – للدكتور القاص
...
-
قراءة لنص – على روابي الأحلام - للأديبة نافلة مرزوق العامر
-
النقد الأدبي... إبداع وأي إبداع
-
جداريةُ الرسمِ بالريشة.. مقاربةٌ بالرسمِ بالكلمات
-
قراءة لقصيدة – إلى أمي - للشاعر محمود درويش
المزيد.....
-
انطلاق فعاليات الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كان السينما
...
-
تاريخ يرويه رئيس.. شكري القوتلي من القصر إلى السجن والمنفى
-
مهرجان كان السينمائي ينطلق بحضور نخبة من النجوم العالميين وس
...
-
فيلم لم يقصد تصويره.. كيف حول مخرج -الحياة بعد سهام- الفقد إ
...
-
محسن رضائي يوجه تحذيرا للعرب والمسلمين باللغة العربية
-
نجوم الفن السابع يلتقون في مهرجان كان السينمائي بدورته التاس
...
-
يحدث في اتحاد الكتاب العرب
-
توقيف مغني الراب Moewgli في تونس بتهمة التورط بقيادة شبكة “ف
...
-
مهرجان كان السينمائي 2026: تنافس 22 فيلما على جائزة السعفة ا
...
-
الغذامي.. رحلة سقوط الأصنام وانتصار التنوير
المزيد.....
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
-
طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة
/ احمد صالح سلوم
-
حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي
/ نايف سلوم
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
رواية هروب بين المضيقين
/ أمين أحمد ثابت
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا
...
/ السيد حافظ
-
تمارين أرذل العمر
/ مروة مروان أبو سمعان
-
اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية
/ أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
المزيد.....
|