أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - خاطرة – الجسر -














المزيد.....

خاطرة – الجسر -


طه دخل الله عبد الرحمن

الحوار المتمدن-العدد: 8680 - 2026 / 4 / 17 - 09:25
المحور: الادب والفن
    


يا صاحِ، هل وقفتَ على جسرٍ في ليلةٍ قمراءَ، حين تختلطُ ظلالُ الحديدِ بضياءِ النجمِ، وتصبحُ الأرضُ سماءً والسماءُ أرضًا؟ هل أحسستَ بنبضِ الخشبِ تحت قدميكَ، كأنه قلبُ الدنيا يخفقُ حبًا ولوعةً؟ تعالَ نقفْ هنيهةً على هذا الجسرِ العتيقِ، نقرأُ على جبينِ الحجارةِ سفرَ الزمانِ المفتوح.
هو قوسُ اللهِ الممدودُ بين ضفتين، يتنفسُ من فمِ النهرِ رائحةَ البدءِ ووشوشةَ الختام. تعلو قناطرُه كحاجبَي عاشقٍ يحني ظهرَه للريحِ طاعةً للقدر. تمتدُّ أذرعُه الحديديةُ في الفضاءِ كأنها تريدُ معانقةَ الغيم، وأقدامُه الحجريةُ تغوصُ في الماءِ كأنها تتشبثُ بسرِّ الكائنات.
من فوقه، تُبحرُ الروحُ بين زمانين: زمانٍ مضى كالحلمِ لا يردُّه بكاء، وزمانٍ سيأتي كالوعدِ لا يُسدلُ له ستار. والجسرُ – وحده – هو الشاهدُ الأبديُّ على هذا اللقاءِ المقدسِ بين ما فاتَ وما يُنتظر. هو صدرُ الحنينِ المنشورِ على ماءِ الأملِ الجاري.
كم عبرَهُ في الفجرِ ناسكٌ يجرُّ عباءتَه، فصارت خطواتُه تسبيحاتٍ خفيةً تُذيبُ الجليدَ عن قلوبِ الحجارة. وكم عبرَهُ في المساءِ عاشقانِ تهامسا تحت وهجِ القمرِ، فتبسمتِ الأمواجُ لهما وألقتْ عليهما عقودَ اللؤلؤِ من رغوتِها. وكم عبرَهُ طفلٌ يحملُ أمنيةً في كفِّه الصغيرة، ألقاها في الماءِ ظنًّا منه أن تصل إلى ربِّ العباد.
أما أنا، فكم وقفتُ على متنهِ وحدي، أتأملُ انعكاسَ النجومِ على صفحةِ الماءِ المضطرب، فتخيلتُ أن السماءَ تنظرُ إلى الأرضِ في مرآةٍ صافيةٍ لا يعكرُ صفوَها إلا غبارُ القلب. وتخيلتُ أن الجسرَ هو السبحةُ الطويلةُ التي تصلُ بين العالمَين، فسبحةٌ منها في يمينِ الغيبِ، وأخرى في شمالِ الشهادة.
هو ليس مجرد حجارةٍ تُرصُّ، ولا حديدٍ يُطرق، بل شاهدٌ صامتٌ على عهودٍ لا تُخلف، ويدٌ ممدودةٌ تمسحُ دموعَ الفراقِ عن وجوهِ المسافرين. هو نبضُ مدينةٍ لا تنام، وصرخةُ وادٍ لا يصمت. يعبرُ فوقه الناسُ مسرعين، كلٌ يظنُّ أن الجسرَ طريقٌ إلى غايته، والجسرُ يعلمُ أنه هو الغايةُ والطريقُ معًا.
يمرُّ الفقيرُ حافيَ القدمين، فلا يشعرُ ببرودةِ الحديدِ لشغلِه بالرغيف. ويمرُّ الغنيُّ منثورَ الأزرارِ، فلا يرى جمالَ القمرِ لانشغاله بالحساب. ويمرُّ العاشقُ خافقَ الفؤاد، فيحسبُ أن كلَّ ضوءٍ على الماءِ ابتسامةُ حبيبِه. ويمرُّ الثكلى حزينةَ الخطى، فتصيرُ عليها خطواتُه كأنها رثاءٌ طويل.
وفي العتمةِ الماطرة، حين يخلو الجسرُ من المارة، يتحدثُ إلى الماءِ بصمتٍ حزينٍ ولسانٍ لا يُرى. يسأله عن أسرارِ العمقِ المخبوء، وعن ضفافٍ بعيدةٍ لم تطأها قدمُ بشر. والماءُ يجيبُه بتمايلِ موجٍ خفيف، وكأنه يهمسُ في أذنِ الحجر: "كم من جسورٍ بنيتَها الأماني فانهارتْ عند أولِ عاصفة، وكم من جسورٍ بنيتَها العيونُ فذابتْ كالثلجِ عند أولِ شمس."
أما هو فيبسمُ بصمتِ الحجرِ المقدس، ويقول: "لا يهمُ أن تعبرني الأقدامُ أم لا. المهمُ أن أظلَّ هنا، شاهقًا بين الضفتين، أذكرُ العالمَ أن الوصلَ أبقى من القطيعة، وأن الجسورَ تُبنى بالحبِّ لا بالحديد، وبالدموعِ لا بالأسمنت، وبالروحِ لا بالحجارة."
ثم يهبطُ الليلُ ثقيلًا، فيغفو النهرُ على همسِ الموج، وتنامُ المدينةُ على صدرِ التلال. ويبقى الجسرُ وحيدًا حارسًا للحلمِ الخفي، يشدو بصوتِ الخشبِ القديم: "أنا جسرُ العاشقين، أنا ممرُّ الأحلام، أنا قبلةُ الضفتين. من عبرني إلى الأبدِ لا يعود، ومن توقفَ عليَّ يجدني بيتًا من ضوءٍ ووطنًا من سكون."
يا صاحِ، هل تعرفُ أننا كلنا جسورٌ معلقةٌ بين ضفتين: ضفةُ الميلادِ وضفةُ الممات؟ وأن حياتنا ليست إلا عبورًا على متونِ الأيام، لا نستقرُّ إلا في قلبِ الجسرِ حيث تلتقي السماءُ والأرضُ، وحيث يذوبُ الفراقُ في عناقِ الأبد.



#طه_دخل_الله_عبد_الرحمن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة لقصيدة – أيها الصامتون – للناقدة الشاعرة فوزية بن حوري ...
- قراءة لقصيدة – تراتيل عشق أبدي – للأستاذ الشاعر منير راجي
- قراءة لنص – منطقة الوشاح في وادي فلاح في ارض الطيرة – للكاتب ...
- قراءة نقدية – لقصة حبات الفراولة المالحة – للدكتور محمد سليط
- الوحدة في زمن الازدحام، مفارقة العصر الرقمي
- الثقافة والاستدراك
- قراءة لنص - إياك والكِبْرِ والكبرياء والتكبر – للأديب الأستا ...
- أبي... غيابٌ لا يشيخ
- الأم في عيدها
- قراءة لقصة - سيدي جابر وبكاء بعد منتصف الليل – للأستاذ القاص ...
- قراءة لنص - الغربة في زمن التكنولوجيا – للأستاذ الاديب صبحي ...
- قراءة لقصة - سيدي قاسم وبكاء بعد منتصف الليل – للدكتور القاص ...
- قراءة لنص – على روابي الأحلام - للأديبة نافلة مرزوق العامر
- النقد الأدبي... إبداع وأي إبداع
- جداريةُ الرسمِ بالريشة.. مقاربةٌ بالرسمِ بالكلمات
- قراءة لقصيدة – إلى أمي - للشاعر محمود درويش


المزيد.....




- الاحتلال يفرض سيادة بصرية.. 300 علم ورمز ديني تعيد تشكيل هوي ...
- أموت فارسا ولا أعيش -بندقية-.. كيف أنهى البارود دولة الممالي ...
- تحت ظل الشيخوخة
- قراءة مبسطة لديوان(النُوتِيلَا الْحمرَاء)للكاتب أسامة فرج:بق ...
- هل توقف قلبه؟ ومتى؟.. توضيح حول الحالة الصحية للفنان هاني شا ...
- الضيق في الرؤيا السؤال!
- الأرجنتين: بوينس آيرس تمزج الإيمان بموسيقى التكنو تكريما للب ...
- العائلة الملكية البريطانية تختار مؤرخة لكتابة سيرة الملكة ال ...
- ضمن فعاليات مهرجان زهرة المدائن التاسع عشر... ملتقى المثقفين ...
- قراءة في رواية(غريب ولكن..)للكاتب: أسامة فرج .بقلم: عادل الت ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - خاطرة – الجسر -