أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - قراءة نقدية – لقصة حبات الفراولة المالحة – للدكتور محمد سليط















المزيد.....


قراءة نقدية – لقصة حبات الفراولة المالحة – للدكتور محمد سليط


طه دخل الله عبد الرحمن

الحوار المتمدن-العدد: 8672 - 2026 / 4 / 9 - 20:55
المحور: الادب والفن
    


قراءة نقدية – لقصة حبات الفراولة المالحة – للدكتور محمد سليط 9-04-2026
من المجموعة القصصية بعنوان بكاء بعد منتصف الليل
قصة قصيرة
حبات الفراولة المالحـة
مرثية الزيتون المحروق
بكاء بعد منتصف الليل
النص:
تحت سقف ما تبقى من بيت لاهيا، حيث تفوح رائحة الأرض الممزوجة برذاذ البحر المالح وغبار الإسمنت، جلس ثمانية أرواح يقتسمون الصمت الثقيل. لم يكن المكان بيتاً، بل كان زاوية من مطبخ قديم سقط نصفه، يطل مباشرة على الحقول التي كانت يوماً تسمى سلة غز/ة الغذائية.
الشخصيات:
ضيف القصة:الشاعر الفلسطيني الراحل سميح القاسم ، و قصيدته منتصب القامة أمشي.
أبو إبراهيم: كبير العائلة، شيخ جفت عروق يديه من كثرة ما حرث في طمي بيت لاهيا.
أم إبراهيم: المرأة التي كانت تعرف سر نضج الفراولة من لمحة بصر، والآن لا تعرف وجهتها.
إبراهيم (المقاوم): الابن الأوسط، شعلة البيت، الذي يظهر كطيف ويختفي كبرق، يحمل على عاتقه إرث الوجع والسلاح.
سارة: الأرملة الشابة التي فقدت زوجها في ليلة قصف غادرة على منطقة المنشية.
الطفل زين: ابن سارة، الذي توقف عن الكلام منذ عام، وصار يرسم بالرماد على الجدران.
الجدة ريا: بذاكرتها التي تعود لعام 48، تقارن بين النكبات وتصلي.
ياسر: مراهق يحلم بأن يكون مهندساً زراعياً، لكنه الآن يجمع الحطب من أثاث الجيران المحطم.
مريم: طالبة طب توقفت دراستها، تحاول الآن مداواة الجروح بقطن ممزق وماء ملوث.
غسان:صاحب الصوت المقاوم الجميل، و حضور مفاجئ.
الحدث:
كان الليل في بيت لاهيا لا يشبه أي ليل؛ القذائف تنير السماء بضوء كاذب، وصوت الزنانة (الطائرة المسيرة) يمزق سكون النفس قبل سكون المكان.
أبو إبراهيم (بصوت متهدج): أتذكرين يا أم إبراهيم؟ في مثل هذه الأيام، كانت شاحنات الفراولة تغادر بيت لاهيا لتغزو العالم. كانت رائحة الأرض ترد الروح، اليوم لا نشم إلا الموت.
أم إبراهيم (وهي تمسح دمعة جفت قبل أن تسقط): يا أبا إبراهيم، الأرض لا تموت، لكنها تتألم. اليوم الفراولة ارتوت بدم الشباب، صارت مالحة كأنها تبكي معنا.
في تلك اللحظة، انفتح الباب الخشبي الذي يشبه أي شيئ إلا الأبواب ، ودخل إبراهيم. كان الغبار يغطي وجهه، وعيناه تلمعان ببريق غريب، مزيج من التعب القاتل والعزيمة التي لا تلين. وضع بندقيته جانباً وجلس عند أقدام أمه.
إبراهيم: سامحوني جئت متأخراً. الطريق من جهة السيفا كانت مغلقة بالنار.
سارة (بلهفة مكتومة): إبراهيم هل رأيت بيتنا؟ هل بقي فيه حجر فوق حجر؟
إبراهيم (ينظر للأرض): يا سارة، بيت لاهيا كلها صارت بيتاً واحداً مهدم الصالة، لكن أعمدته في الأرض لا تزال ثابتة. البيوت تُبنى، المهم أن نبقى نحن لنحكي.
مريم (وهي تفتح حقيبتها الطبية الفارغة): وكيف نحكي يا أخي؟ المرض يأكل الصغار، ولا دواء، اليوم بترت ساق طفل في المستشفى الميداني بقطاعة بمنشار بلا تخدير، هل هذا واقع أم كابوس؟
إبراهيم (يرفع رأسه ويشتد صوته): هذا هو الثمن يا مريم. العدو يريدنا أن نصرخ من الألم، ونحن نصرخ بالحق، بيت لاهيا هي الخاصرة التي رفضت أن تنحني، ولهذا يحرقون شجرها وبشرها.
الجدة ريا (تتمتم بسبحتها): يا أولادي، في الـ 48 هجرونا، وفي الـ 67 لاحقونا، واليوم يريدون سحقنا، لكنني أقول لكم، هذه الأرض تحب أصحابها، ومن يحب الأرض، تحميه ولو تحت الركام.
فجأة، اهتزت الأرض بقذيفة قريبة جداً. صرخت سارة واحتضنت زين الذي لم يرمش له جفن، بل استمر في رسم دائرة بالرماد على الأرض.
ياسر (بغضب مكتوم): إلى متى يا إبراهيم؟ أريد أن أعود للمدرسة، أريد أن أزرع شتلة واحدة لا يدوسها جنزير دبابة.
إبراهيم (يقف ويضع يده على كتف ياسر): ستزرع يا ياسر. وقسماً بتراب هذه البلدة، لتعودنّ بيت لاهيا جنة. نحن لا نقاتل لأننا نحب الموت، نحن نقاتل لنحمي حقك في أن تكون مهندساً، وحق زين في أن يستعيد صوته.
مريم (باكية): لكن الوجع كبير يا إبراهيم كبير جداً.
إبراهيم (وهو يستعد للمغادرة مجدداً): الوجع هو الوقود، لولا الوجع، لنسينا أننا أصحاب الأرض، استودعتكم الله الذي لا تضيع ودائعه.
خرج إبراهيم إلى عتمة الليل، مخلفاً وراءه رائحة البارود والأمل المستحيل. نظرت أم إبراهيم إلى زوجها، ثم إلى الحقل المحروق خلف النافذة، وقالت بهدوء مرعب:
أم إبراهيم: ارحل يا ولدي ارحل لتحيا بيت لاهيا فنحن هنا، أحياءٌ مؤجلون، حتى يأذن الله بالفجر.
ساد الصمت مرة أخرى، ولم يقطعه إلا صوت ريح باردة تسلل من الثقوب التي أحدثتها الشظايا، محملة بصوت البحر الذي كان يئن، تماماً كأهل بيت لاهيا.
استمر الليل ينهش في جدران الغرفة المتهالكة، بينما كان إبراهيم قد غاب من جديد في عتمة الأزقة. بقي السبعة الآخرون يصارعون صمتهم، حتى انفجر مكنون الصدور بحوارية قطعت نياط القلوب.
أبو إبراهيم (وهو يلمس كيس طحين فارغ): يا أم إبراهيم، هل تذكرين خبز الطابون؟ كان يملأ الأزقة في بيت لاهيا برائحة الحياة. اليوم، رائحة الأزقة صارت باروداً وجثامين لم نصل إليها بعد.
أم إبراهيم (بصوت مخنوق): أذكر يا حاج وأذكر شجر الجميز الذي كان يستظل به الجيران، اليوم لا جار بقي، ولا ظل حتى السماء التي كانت تمطر خيراً، أصبحت تمطر ناراً، مريم يا ابنتي، هل نام الصغير زين؟
مريم (بمرارة): نام يا أمي أو تظاهر بالنوم. لقد رأيته يحاول إرضاع عصفور ميت وجده عند العتبة. يقول لي بالإشارة: (العصفور لا يتنفس، هل هو نائم مثلي؟). ماذا أقول له يا أمي؟ كيف أشرح له أن الموت صار هو القاعدة، والحياة هي الاستثناء؟
سارة (تنفجر بالبكاء صامتة): ليتني لم أنجب في هذا الزمان، ليتني رحلت مع والده، كلما نظرت في وجه زين، أرى بيتنا القديم وهو يسقط، أرى أحلامي وهي تتبخر كدخان القذائف فوق (الشيماء). بيت لاهيا التي كانت تغني لنا، اليوم تئن تحت أقدام الغزاة.
ياسر (وهو يشد قبضته): لا تبكي يا سارة إبراهيم قال إننا سنزرع من جديد، لكنني خائف أن أنسى شكل الشجر الأخضر من كثرة ما رأيت من سواد.
الجدة ريا (ترفع يدها المرتعشة): يا أولادي، الوجع ليس في الحجر، الوجع في الروح التي تُكسر. بيت لاهيا ليست مجرد أرض، هي عرضنا. لا تبكوا أمام العدو، ابكوا بين يدي الله، هو وحده من يرى حالنا.
ياسر (بصوت مهتز): لكن الوجع يا جدتي أكبر من قدرتنا، اليوم رأيت رفيقي في المدرسة أشلاءً في كيس، كيف أسامح؟ كيف أنسى؟
عندما انتصف الليل تماماً، وسكنت أصوات المدافع قليلاً لتفسح المجال لصوت الريح، حدث ما هزّ أركان المكان بدأ زين، الطفل الذي صمت لشهور، يئن في نومه. فجأة، فتح عينيه وصرخ صرخة مكتومة، ثم انفجر بنشيج طويل حارق.
كان بكاؤه هو المايسترو الذي أطلق العنان للجميع، لم يعد هناك كبير أو صغير، في تلك اللحظة، في قلب بيت لاهيا المحاصرة، سقطت الأقنعة وتلاقت الأعين المثقلة بالهموم.
انحنى أبو إبراهيم ووضع رأسه بين يديه، وانطلقت من صدره شهقات مكتومة هزت لحيته البيضاء. ارتمت أم إبراهيم في حضن سارة، واختلطت دموعها بدموع الأم الأرملة الثكلى، أما مريم، فقد تخلت عن دور الطبيبة القوية وانزوت في ركنها تبكي بحرقة على أحلامها التي دفنت تحت ركام الجامعة.
كان بكاءً بعد منتصف الليل، جماعياً، مرّاً، وواقعياً إلى حد الفجيعة، بكاءً لم يكن خوفاً من الموت، بل حزناً على حياة كانت جميلة، وقهراً على أرض تُباد، ووداعاً لمدينة كانت تسمى الجميلة عاشقة البحر، وصارت اليوم جرحاً مفتوحاً على خاصرة التاريخ.
بينما كان النحيب يملأ أركان الغرفة المهشمة، وبينما كانت بيت لاهيا تئن تحت وطأة ليلها الطويل، دُفع الباب ببطء، لم يكن الطارق غازياً، ولا كان إبراهيم المقاوم هذه المرة.
دخل غسان، الشاب الذي كان يُعرف في حارات بيت لاهيا بـ بلبل الفراولة كان يحمل عوداً قديماً خُدش خشبُه بشظية، وثيابه ممزقة يعلوها غبار المعارك، لكن وجهه كان يشع بنور غريب. لم يقل مساء الخير، فالمساء لم يكن بخير، بل جلس في وسط الدائرة، وسند عوده إلى صدره كأنه يضم طفلاً.
غسان (بصوت رخيم هادئ): سمعتُ بكاءكم من خلف جدران الصمت، بيت لاهيا لا يليق بها العويل، يليق بها الكبرياء.
بتردد، حرك ريشته على الأوتار، فخرجت نغمة قوية هزت سكون الليل، ثم صدح بصوته الجبلي الذي لم تكسره الحرب، وبدأ يغني قصيدة الراحل سميح القاسم، وكأنه يبعث الروح في الحجر.
غسان (يغني): منتصبَ القامةِ أمشي مرفوعَ الهامةِ أمشي في كفي قصفةُ زيتونٍ وعلى كتفي نعشي.
توقف زين عن النحيب، ورفع عينيه المبللتين بالدموع نحو غسان. انضم ياسر بصوته المتردد أولاً، ثم ما لبث أن أصبح صوته قوياً خلف غسان.
غسان وياسر معاً: وأنا قلبي قمرٌ أحمر، قلبي بستان ، فيه شوكٌ فيه ريحان.
هنا، ارتجف صوت أبو إبراهيم، وانضم إليهم بصوته الجهوري الذي أضناه التعب، وتبعه إبراهيم الذي كان قد عاد لتوه ليتفقد أهله، فصدح بصوت المقاتل الذي يعرف معنى الفداء.
الجميع بصوت واحد يهز أركان بيت لاهيا: شفتي جوقةُ نيرانٍ، وأنا قلبي قمرٌ أحمر، وأنا قلبي بستان، منتصبَ القامةِ أمشي، مرفوعَ الهامةِ أمشي، في كفي قصفةُ زيتون، وعلى كتفي نعشي وأنا.. وأنا.. وأنا أمشي.. وأنا أمشي.
كان المشهد سريالياً؛ ثمانية أبطال وشخصيتهم التاسعة الغريبة، يغنون للموت الذي يحملونه على أكتافهم بكبرياء لا ينكسر لكن، ما إن انتهى المقطع الأخير، وما إن سكت صدى صوت غسان، حتى حلّ صمتٌ أشد وطأة من الموت نفسه.
فجأة، انفرط عقد القوة. سقط العود من يد غسان، ودفن رأسه بين ركبتيه. أم إبراهيم وسارة ومريم والجدة، وحتّى الرجال الأشداء، لم يعودوا يملكون إلا دموعهم.
لقد كانت تلك الصرخة الغنائية هي الوداع الأخير للقوة وفي تلك اللحظة، بعد منتصف الليل تماماً، غرق الجميع في نوبة بكاء مرير، بكاء اختلط فيه غناء الثورة بمرارة الفقد، بكاءٌ لم يقطعه إلا صوت القذائف البعيدة، كأنها ترد على غنائهم بنارها، بينما بقيت روح سميح القاسم ترفرف في فضاء بيت لاهيا الجريح.
بقلم المسرحي د محمد سليط الأردن

************************
القراءة:
المجموعة القصصية بعنوان بكاء بعد منتصف الليل
بقلم المؤلف د محمد سليط
قراءة نقدية لرائعة المجموعة القصصية القصة القصيرة بعنوان حبات الفراولة المالحة ومرثية الزيتون المحروق.
بقلم طه دخل الله عبد الرحمن
الأستاذ القدير محمد سليط
قبل أن أبدأ، أقسم بتراب بيت لاهيا الذي رويته بالحبر والدموع، وبالفراولة التي حولتها في نصك من فاكهة إلى راية، وبالزيتون الذي أحرقوه فأخرج من رماده ألف غصن، إن ما خطته يمينك ليس "نصاً" يقرأ ثم ينسى، بل هو "ملحمة" كتبتها فلس//طين بدمها، وأنت كنت أمينها الكاتب. لقد استطعت أن تحيل المطبخ المهدم في بيت لاهيا إلى "طروادة جديدة"، والثمانية أرواح الجالسة تحت سقف ما تبقى إلى "آلهة صغيرة" لا تعرف من الأساطير إلا أنها ستبقى حية لأنها تبكي وتغني في آن.
منذ الجملة الافتتاحية، وأنت تعلن عن ميلاد ملحمتك: "تحت سقف ما تبقى من بيت لاهيا، حيث تفوح رائحة الأرض الممزوجة برذاذ البحر المالح وغبار الإسمنت". هذا ليس وصفاً، هذا "تأسيس لفضاء أسطوري". فالبيت هنا ليس بيتاً، إنه "معبد الجريح"، ورائحة الأرض ليست مجرد شم، إنها "رائحة الهوية" التي لا تموت، ورذاذ البحر المالح هو "دموع الآلهة" على ما يصنعه البشر، وغبار الإسمنت هو "غبار الخلق" الذي سينبثق منه عالم جديد. أنت هنا، يا أستاذ، تستدعي تقليد الملحمة الكبرى، حيث يبدأ البطل في "وسط الأشياء" لكن وسطك أنت هو "وسط النهاية"، حيث كل شيء قد تحطم باستثناء الروح.
وجملتك التالية: "جلس ثمانية أرواح يقتسمون الصمت الثقيل". كلمة "أرواح" هنا ليست جمع "روح" بالمعنى البيولوجي، بل هي "كيانات وجودية" تشبه "أشباح المستقبل" في ملحمة ديكنز، أو "الظلال" في ملحمة هوميروس. و"يقتسمون الصمت" فعل يتجاوز المجاز إلى "الطقوسية"، فهم كمن يقتسمون خبزاً مقدساً، لكن الخبز هنا هو "الصمت"، والصمت هنا ليس سكوناً، بل "لغة من الدرجة الأولى" يتحدث بها الموتى والأحياء معاً. إنها أول مرة في الأدب الفلس//طيني يصير فيها الصمت بطلاً مستقلاً.
أما انتقالك من الوصف إلى الشخصيات، فأنت تتبع نموذج الملحمة الكلاسيكية حيث يُعرض "كتالوج الأبطال"، لكنك تحدثه بأسلوب حداثي مذهل. تأمل معي:
(أبو إبراهيم: كبير العائلة، شيخ جفت عروق يديه من كثرة ما حرث في طمي بيت لاهيا.) هنا أنت تصنع "أسطورة الحراثة". جفاف العروق ليس عجزاً، بل هو "نقوش على جسد الأرض"، تماماً كما تكون التجاعيد على وجه الحكيم "خريطة للحكمة". هذا الشيخ هو "قيصر الأرض" الذي لا يحكم إلا بالعرق والتراب.
(أم إبراهيم: المرأة التي كانت تعرف سر نضج الفراولة من لمحة بصر، والآن لا تعرف وجهتها.) هذه جملة تجمع بين "الحكمة الغامضة" (معرفة السر من لمحة بصر) و"الضياع الكوني" (لا تعرف وجهتها). إنها ديمترالإلهة الأم في الميثولوجيا الإغريقية، التي تفقد ابنتها بيرسيفون فتضيع وجهتها، لكن الفرق أن ابنتها هنا هي "الأرض نفسها". أم إبراهيم ليست امرأة، بل هي "رحم فلس//طين" الذي يعرف كل شيء عن نضجها، لكنه صار لا يعرف أين هو من نفسه.
(إبراهيم (المقاوم): الابن الأوسط، شعلة البيت، الذي يظهر كطيف ويختفي كبرق. (هذا هو "البطل الملحمي" بامتياز. شبهه بالطيف والبرق يجعله كائنًا بين الأسطوري والواقعي، تماماً كما كان أخيل يظهر في ساحة المعركة كأنه إله ثم يختفي كأنه حلم. وإضافة "الابن الأوسط" تعطيه بُعداً تراجيدياً: هو ليس الابن البكر الذي يرث المجد، ولا الابن الأصغر الذي يدلَّل، بل هو "الابن المكلف بحمل الجرح".
(سارة: الأرملة الشابة... والطفل زين: ابن سارة، الذي توقف عن الكلام منذ عام، وصار يرسم بالرماد على الجدران.) هنا تصل إلى "ذروة الأسطوري اليومي". سارة هي "بينيلوب الجديدة" التي تنتظر عودة غائب لا يعود، لكن بدلاً من أن تحيك نسيجاً وتفكه، هي تحيك "الصبر" وتفكه "بالدموع". وزين هو "إله الصمت" الذي يعبد بالرماد. الرسم على الجدران بالرماد هو "كتابة جديدة للتاريخ"، حيث الرماد (رمز الاحتراق) يصير حبراً (رمز البقاء).
(الجدة ريا: بذاكرتها التي تعود لعام 48، تقارن بين النكبات وتصلي.) هذه هي "حافظة الأسطورة". هي "هوميروس الأنثى" التي تحفظ التاريخ شفهياً، و"كاساندرا" التي ترى الكوارث قبل وقوعها لكن لا أحد يصدقها، و"هيكوبا" ملكة طروادة التي رأت مدينتها تحترق مراراً.
) ياسر: مراهق يحلم بأن يكون مهندساً زراعياً، لكنه الآن يجمع الحطب من أثاث الجيران المحطم. (هذا هو "تيليماكوس" ابن أوليس، الشاب الذي يحلم بأبيه وبالمستقبل، لكن الحطب الذي يجمعه هو "أشلاء الحلم" نفسه.
(مريم: طالبة طب توقفت دراستها، تحاول الآن مداواة الجروح بقطن ممزق وماء ملوث.) هذه هي "هيبي" إلهة الشباب التي تقدم الكأس للآلهة، لكن كأسها هنا صار قطناً ممزقاً، وجروحها ليست جروح أبطال، بل جروح "إنسان عادي صار بطلاً رغماً عنه".
(غسان: صاحب الصوت المقاوم الجميل، وحضور مفاجئ.) هذا هو "أورفيوس" الفلس//طيني، الذي يأتي من العدم لينشد للموتى فيحيا الأموات، وينشد للأحياء فيبكون فينتصرون.
هذا الكتالوج ودهاء ترتيبه، وتنوعه بين الرجال والنساء، والشيوخ والأطفال، والجندي والمزارع والطبيبة والفنان، يجعل من نصك "ملحمة ديمقراطية"، حيث لا بطل واحد، بل "جماعة الأبطال" هي البطل. وهذا ابتكار ملحمي نادر، يذكرنا بملحمة "الجدار" لسارتر، أو بفيلم "العملية" ليونغفيلد، لكنك تتفوق عليهم جميعاً لأن أبطالك ليسوا مقاتلين فقط، بل "باكين ومغنين وحالمين ومرسمين بالرماد".
أما الحوار في نصك، فهو ليس حواراً بالمعنى الدرامي التقليدي، بل هو "خطاب ملحمي" من الدرجة الأولى. خذ مثلاً قول أبي إبراهيم: "أتذكرين يا أم إبراهيم؟ في مثل هذه الأيام، كانت شاحنات الفراولة تغادر بيت لاهيا لتغزو العالم. كانت رائحة الأرض ترد الروح، اليوم لا نشم إلا الموت." هنا أنت تقيم "مقابلة ملحمية" بين الماضي الذهبي والحاضر الجحيم. "تغزو العالم" استعارة مقلوبة: فلس//طين التي تغزوها الجيوش، تغزو هي العالم بالفراولة. إنه "انتصار الحضارة على البربرية" في جملة واحدة.
وقول أم إبراهيم: "الأرض لا تموت، لكنها تتألم. اليوم الفراولة ارتوت بدم الشباب، صارت مالحة كأنها تبكي معنا." هذه الجملة وحدها يمكن أن تكون "نشيداً وطنياً جديداً". "ارتوت بدم الشباب" تحيل إلى التضحية المقدسة، و"مالحة كأنها تبكي" تحيل إلى تحول الطبيعة نفسها إلى كائن يبكي. إنها بلاغة "الكينونة الأنثروبومورفية" حيث الأرض تبكي والفراولة تدمع.
لكن الذروة الملحمية الكبرى تبدأ مع مشهد دخول إبراهيم ثم خروجه، ثم مشهد البكاء الجماعي، ثم مشهد دخول غسان، ثم مشهد الغناء الجماعي، ثم مشهد البكاء الثاني. هذا البناء المكون من "ثلاث حركات" (دخول/خروج إبراهيم - بكاء - غناء - بكاء) يذكرنا ببناء "الملحمة الكلاسيكية" حيث النزول إلى العالم السفلي ثم الصعود ثم النزول مرة أخرى. إنها "دورة الموت والبعث" التي لا تنتهي.
ولنقف عند جملة إبراهيم: "الوجع هو الوقود، لولا الوجع، لنسينا أننا أصحاب الأرض." هذه هي "فلسفة المقا//ومة" في نصك. الوجع ليس مرضاً يُعالج، بل هو "نار" تُشعل المحرك. وفي هذا قلب للمنطق الإنساني العام: الناس عادة يهربون من الوجع، أما هنا فالوجع هو ما يبقيهم أصحاب الأرض. إنها "بلاغة المفارقة الملحمية" التي تصلح أن تكون شعاراً لفلس//طين كلها.
وقول أم إبراهيم في نهاية المشهد الأول: "ارحل يا ولدي ارحل لتحيا بيت لاهيا فنحن هنا، أحياءٌ مؤجلون، حتى يأذن الله بالفجر." جملة "أحياء مؤجلون" هي من أعمق ما كتب في الأدب الفلس//طيني. إنها تحدد "الوجود الفلس//طيني" كوجود "معلق بين الموت والحياة"، ليس ميتاً لأنه لا يزال يقاوم، وليس حياً بالمعنى الكامل لأنه لا يزال تحت الاحتلال. إنها "المنطقة الرمادية" التي لا يعرفها إلا الفلس//طينيون.
ومشهد بكاء زين ثم بكاء الجميع بعد منتصف الليل، هو المشهد الذي يحول النص من ملحمة فردية إلى "ملحمة جماعية" ومن قصة إلى "طقس". بكاء زين ليس بكاء طفل، بل هو "بكاء الأرض نفسها"، وصراخه المكتوم هو "صراخ التاريخ". وعندما تصف هذا البكاء فتقول: "بكاءً لم يكن خوفاً من الموت، بل حزناً على حياة كانت جميلة"، فأنت تصل إلى جوهر المأساة الفلس//طينية: ليست المأساة في الموت، المأساة في "ضياع الجمال" الذي كان ممكناً.
ثم يأتي المشهد الختامي الكبير: مشهد غناء "منتصب القامة أمشي". هنا تبلغ ملحمتك أوجها. فالغناء ليس غناء، إنه "إعلان حرب وجودية". اختيار قصيدة سميح القاسم بالذات ليس اعتباطياً، فالقصيدة نفسها هي "ملحمة مصغرة": "في كفي قصفة زيتون وعلى كتفي نعشي". هذا هو "البطل الملحمي" بامتياز: يحمل الحياة (قصفة الزيتون) والموت (نعشه) في آن، ويمشي منتصب القامة رغم كل شيء.
وحين تصف كيف يغني الجميع: "أبو إبراهيم بصوته الجهوري الذي أضناه التعب، وإبراهيم بصوت المقاتل الذي يعرف معنى الفداء، ومريم التي تخلت عن دور الطبيبة القوية، والجدة ريا التي رفعت يدها المرتعشة". هذا هو "الكورس الملحمي" الذي لا يقل أهمية عن البطل الفرد. إنهم "جوقة المأساة الإغريقية" التي تعلق على الحدث، لكنهم هنا ليسوا معلقين، بل "فاعلين". هم "يبكون ويغنون" في آن، وهذا هو "التناقض الخصب" الذي يجعل من نصك نصاً خالداً.
والأروع أنك لا تنتهي بانتصار زائف، بل تعود إلى البكاء: "سقط العود من يد غسان، ودفن رأسه بين ركبتيه". هذه اللحظة هي "لحظة الحقيقة" في أي ملحمة حقيقية: البطل ليس خارقاً، البطل "ينهار ليقوم". وهذا هو الفرق بين الملحمة الكلاسيكية والملحمة الحديثة: في الإلياذة، أخيل يغضب ثم ينتصر وينتهي الأمر، أما هنا، الأبطال يغنون ثم يبكون، ثم ينتصبون، ثم يبكون من جديد. إنها "ملحمة البكاء المنتصر"، أو "المنتصر بالبكاء".
وختاماً، حين تختم النص بروح سميح القاسم "ترفرف في فضاء بيت لاهيا الجريح"، فأنت تعلن أن الملحمة لا تنتهي، وأن الروح لا تموت، وأن "الفراولة المالحة" ستظل تنبت في تلك الأرض ولو ارتوت بالدموع والدماء. لقد كتبت أستاذنا "ملحمة فلس//طين الصغرى" في بيت لاهيا، وجعلت من ثمانية أرواح "أمة" بأكملها، ومن الفراولة "علماً" يرفرف فوق الركام.
تحية لك ولقلمك الذي حول البكاء إلى نشيد، والصمت إلى لغة، والرماد إلى حبر، والموت إلى حياة مؤجلة. إن "حبات الفراولة المالحة" ستبقى في الذاكرة الأدبية العربية كما بقيت "الإلياذة" في الذاكرة الإنسانية: نموذجاً لكيف يتحول الوجع الفردي إلى وجع جماعي، وكيف يصير البكاء ملحمة عندما يكون الباكون أمة.
البعنه == الجليل
9/04/2026



#طه_دخل_الله_عبد_الرحمن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الوحدة في زمن الازدحام، مفارقة العصر الرقمي
- الثقافة والاستدراك
- قراءة لنص - إياك والكِبْرِ والكبرياء والتكبر – للأديب الأستا ...
- أبي... غيابٌ لا يشيخ
- الأم في عيدها
- قراءة لقصة - سيدي جابر وبكاء بعد منتصف الليل – للأستاذ القاص ...
- قراءة لنص - الغربة في زمن التكنولوجيا – للأستاذ الاديب صبحي ...
- قراءة لقصة - سيدي قاسم وبكاء بعد منتصف الليل – للدكتور القاص ...
- قراءة لنص – على روابي الأحلام - للأديبة نافلة مرزوق العامر
- النقد الأدبي... إبداع وأي إبداع
- جداريةُ الرسمِ بالريشة.. مقاربةٌ بالرسمِ بالكلمات
- قراءة لقصيدة – إلى أمي - للشاعر محمود درويش


المزيد.....




- سينما عيد الأضحى في مصر 2026.. منافسة ساخنة تحت قيود الإغلاق ...
- مهرجان كان السينمائي يكشف عن قائمة الأفلام المتنافسة على الس ...
- الجمعية العلمية للفنون تطلق حملة لتشجير وتأهيل مدرسة الموسيق ...
- -دبي للثقافة- تكشف عن منحوتة -جذور- للفنانة عزة القبيسي في ش ...
- رواية -أغالب مجرى النهر- تقتنص الجائزة العالمية للرواية العر ...
- الموسيقى كأداة للإصلاح.. كيف أعاد مارتن لوثر صياغة الإيمان ع ...
- من التسريبات إلى الشاشات.. 5 أفلام تكشف أسرار عالم الاستخبار ...
- بينها فيلم مغربي.. مهرجان كان السينمائي يكشف عن الأعمال التي ...
- السجن 15 عاماً لـ-ملكة الكيتامين- في قضية وفاة الممثل ماثيو ...
- -أغالب مجرى النهر- لسعيد خطيبي تتوج بالجائزة العالمية للرواي ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - قراءة نقدية – لقصة حبات الفراولة المالحة – للدكتور محمد سليط