أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - قراءة لقصيدة – تراتيل عشق أبدي – للأستاذ الشاعر منير راجي















المزيد.....

قراءة لقصيدة – تراتيل عشق أبدي – للأستاذ الشاعر منير راجي


طه دخل الله عبد الرحمن

الحوار المتمدن-العدد: 8675 - 2026 / 4 / 12 - 15:36
المحور: الادب والفن
    


قراءة لقصيدة – تراتيل عشق أبدي – للأستاذ الشاعر منير راجي 10-04-2026
القصيدة:
تراتيل عشق أبدي ...
منذ آلاف السنين
وأنتِ تقيمين هناك
تقيمين بين ضريح _ أنطونيو _
وأساور _ كليوبترا _ ...
فترحل ذاكرتي المعتوهة
عبر أحجار _ أبي الهول _
ودروب الجيزة ...
تبحث عن مكان.. عن زمان ...
تبحث عن قطعة حبّ
وقطرة عشق ...
داخل أغوار التاريخ
يتعالى صوت _ أنطونيو _
هاتفا.. مناديا.. مناجيا
لتجد الأهرام
شامخة.. صامتة
و _ كليوبترا _
عشيقة.. نائمة.. مطيعة..
تغوص ذاكرتي مرة أخرى
في أحقاب الزمن
لتجد _ كليوبترا _ ترتل تسابيح
عشق أبدي..
نافضة غُبار المُلك
وأساطيرها الرومانية ...
لتبقى أسطورة _ أنطونيو _!!
وليبقى العشق أبدي..
تعود ذاكرتي.. مثقلة
بعد رحلة مُتعبة ...
لأجد نفسي حجرا جامدا
ترمي به الرياح حيثما هَوَت
فأصرخ.. أصرخ.. أصرخ..
بلا حدود.. بلا ضوابط.
أنزف دما ساخنا
على ضريحي المنتظر ...
أتقيأ شعرا _ أحمرا _
لتبقى روحي مصلوبة
بين الأرض والسماء
أبحروا في أعقاب الزمن
ستجدونها حتما ... تنتظر.
قالوا:
إنّها تُقيم هناك
لا.. لا.. لا..
إنّها تقيم بين ضلوعي
وستبقى مُقيمة أبد الدهر
ستحمل
إمبراطورية حبّ جديدة
وستحملني بإحدى يديها
_ كراية_ لإمبراطوريتها
التي لا تفنى..
وستكون _ أسطورة _
حبّ أزلي
تردد خلالها
تراتيل عشق أبدي.
بقلم / منير راجي / وهران / الجزائر
****************************
القراءة:
تراتيل العشق الأبدي في أسطورة الذات والزمن عند منير راجي
تمهيد: حين يصير الزمن امرأة
لا يبدأ النص من نقطة، بل من هاوية. "منذ آلاف السنين" جملة تفتح على لا متناهٍ، لا على تأريخ. إنها ليست صيغة تعداد زمني، بل هي إيقاع أسطوري يضرب في عمق الوعي الجمعي. الشاعر منير راجي لا يروي حكاية حب، بل يؤسس ديانة عشق، حيث المعبودة ليست كليوبترا التاريخية، بل كليوبترا الأسطورة، كليوبترا الفكرة، كليوبترا التي لا تسكن متحفا أو ضريحا، بل "تقيم بين ضلوعي".
إن أعظم ما في هذه القصيدة أنها تنقل العشق من خانة المشاعر إلى خانة الوجود. إنه ليس حباً يحدث، بل حبٌ يُقام، يُبنى، يُشيد مثل الأهرام. والأهرام هنا ليست مشهداً سياحياً، بل رمزية الصمود والصمت، رمزية الشهادة على الزمن دون أن تنطق.
القصيدة ككائن حي
حين نقترب من نص "تراتيل عشق أبدي" للشاعر منير راجي، لا ينبغي أن نقرأه كمجرد قصيدة، بل ككائن حي يتنفس، يصرخ، ينزف، ويتقيأ. إنه نص لا يكتفي بوصف العشق، بل يؤديه، لا يحكيه، بل يعيشه. ومن هنا تأتي صعوبته وجماله معا: إنه نص يتطلب قارئا ليس مستهلكا للجمال، بل شريكا في الألم.
الفرضية المركزية التي ستنبني عليها هذه القراءة هي أن القصيدة تقدم نظرية خاصة في الزمن والعشق: العشق الأبدي ليس استمرارا في الزمن، بل هو انفجار للزمن من داخله. إنه ليس مدى طويلا، بل لحظة مشبعة إلى درجة التشظي. كليوبترا في هذه القصيدة ليست ملكة ماتت منذ ألفي سنة، بل هي حضور لا يقبل الماضي ولا المستقبل، لأنه يقيم في "الآن" المطلق، الآن الضلوع الذي لا تقاسه الساعات.
أولا: بلاغة الاستهلال: الزمن بوصفه امرأة
"منذ آلاف السنين". هذه العبارة، في أي نص عادي، تكون بداية لسرد تاريخي. لكنها هنا بداية لانهيار التاريخ نفسه. فالقصيدة لا تخبرنا أن شيئاً حدث منذ آلاف السنين، بل تخبرنا أن شيئا ما لا يزال يحدث منذ آلاف السنين. الفعل المضارع "تقيمين" هو مفتاح العبقرية هنا. إنه ليس "أقمتِ" في الماضي، ولا "ستقيمين" في المستقبل، بل "تقيمين" الآن، في هذه اللحظة التي نقرأ فيها. الزمن التاريخي ينهار داخل زمن القصيدة، وتصبح كليوبترا معاصرة للقارئ بقدر معاصرتها لأنطونيو.
"بين ضريح أنطونيو وأساور كليوبترا". هذه الجملة تحمل سرا بلاغيا عظيما: لماذا "أساور" بالجمع؟ لماذا ليست أسورة واحدة؟ الأساور هنا ليست مجرد حُلي، بل هي علامات التكرار، والإضافة، والتراكم. كليوبترا التاريخية كانت ترتدي أساور متعددة، وكل أسورة تحكي قصة عاشق أو حرب أو مملكة. لكن الشاعر يختزل كل ذلك في "أساور" مفتوحة على التأويل.
أما "ضريح أنطونيو" فمفرد، لأنه لا يوجد إلا موت واحد. بين الموت المفرد والزينة المتعددة، بين النهاية الواحدة والبدايات التي لا تنتهي، هناك تقيم هذه الأنثى. إنها تقيم في الفضاء البينيّ، الفضاء الذي لا هو بالتاريخ ولا هو بالخيال، الذي لا هو بالحضور ولا هو بالغياب. هذا الفضاء هو القصيدة نفسها.
"ذاكرتي المعتوهة": وصف يقلب كل المفاهيم. الذاكرة في الثقافة العربية عادة ما تكون واعية، حكيمة، مجربة. لكن هنا الذاكرة "معتوهة" أي مجنونة، أي لا تتبع منطق التذكر السليم. إنها ذاكرة تبحث عن قطرة عشق في دروب الجيزة وأحجار أبي الهول، وهذا بحد ذاته جنون. فمن يبحث عن قطرة في الصحراء؟ من يبحث عن العشق في الأحجار؟
لكن هذا هو بالضبط منطق القصيدة: العشق الأبدي لا يوجد في الأماكن المتوقعة، ولا في الذكريات المرتبة. إنه يحتاج إلى ذاكرة معتوهة، إلى جنون يخترق الزمن، إلى عاشق لا يعرف كيف يتذكر إلا بالتيه.
ثانيا: بلاغة الصوت والجسد
"يتعالى صوت أنطونيو". الفعل "يتعالى" ليس "يعلو" فقط، بل هو يعلو بشكل تدريجي، متصاعد، وكأن الصوت يخرج من عمق الزمن ويصعد إلى السطح. أنطونيو هنا ليس شخصية تاريخية، بل صوت نقي، صوت عشق نقي، صوت لا يحمل أي شيء سوى النداء نفسه: "هاتفا مناديا مناجيا". ثلاث صفات على وزن فاعل، ثلاث حروف مشتركة في المد، وكأن الصوت يمد نفسه ليلامس مسامع الزمن كله.
وهذا الصوت يصطدم بـ "الأهرام شامخة صامتة". هذه هي المعادلة البلاغية المركزية في القسم الأول من القصيدة: الصوت الذكوري المتمدّد، يقابل الصمت الأنثوي الشامخ. الأهرام هنا مؤنثة في اللغة العربية، وهي "شامخة" أي عالية، و"صامتة" أي لا تنطق. صمتها ليس عجزا، بل هو اختيار. إنها تشهد، لكنها لا تروي. إنها تحمل الأسرار، لكنها لا تفشيها.
ثم تأتي كليوبترا: "عشيقة نائمة مطيعة". هذه الصفات الثلاث تبدو للوهلة الأولى مهينة، لكن القراءة المتعمقة تكشف العكس. "عشيقة" تعني أنها حرة، خارج مؤسسة الزواج، غير مملوكة. "نائمة" تعني أنها في باطن الزمن، لا تعبأ بمروره، ولا تنتظره، ولا تخاف منه. "مطيعة" تعني أنها لا تقاوم العشق، لا تصارعه، لا تتفاوض معه. إنها تنصهر فيه تماما. هذه ليست صفات الضعف، بل صفات القوة التي تجاوزت الحاجة إلى إظهار القوة.
ثالثا: الترتيل والتسبيح: العشق كدين
"ترتل تسابيح عشق أبدي". الترتيل قراءة بطيئة، موقعة، مرتلة. إنه ليس قراءة عادية، بل قراءة تعبدية. والتسابيح جمع تسبيحة، والتسبيح تنزيه الله. هنا تُنزَّه كليوبترا؟ أم يُنزَّه العشق؟ أم تُنزَّه الذات العاشقة؟ العبارة تحتمل كل الاحتمالات.
"نافضة غبار المُلك وأساطيرها الرومانية". "نافضة" فعل أنثوي جميل، فيه معنى التخلص من شيء عالق. الغبار هنا ليس مجرد أوساخ، بل هو ترسبات السلطة، ما تبقى من الملك بعد زواله. والأساطير الرومانية ليست أساطير كليوبترا الأصلية، بل هي الأساطير التي صنعها الرومان عنها، أي الصورة التي رسمها المنتصرون. كليوبترا هنا تنفض كل ذلك، تعود إلى جوهرها العاري، جوهر العشق فقط.
"لتبقى أسطورة أنطونيو وليبقي العشق أبديا". هذه جملة صغيرة لكنها عميقة جدا. أسطورة أنطونيو تبقى، وكليوبترا؟ لم يقل "لتبقى أسطورة كليوبترا". هي تضحى بأسطورتها لتبقى أسطورته، أو بالأحرى، أسطورتهما معا تحت مسمى "العشق الأبدي". هذا هو الفرق بين العاشق والمعشوق: العاشق يصير أسطورة، والمعشوق يصير العشق نفسه.
رابعا: التحول الوجودي: من البحث إلى الكينونة
"تعود ذاكرتي مثقلة بعد رحلة متعبة". العودة هنا مثقلة، وليست خفيفة. الذاكرة لم تعد كما ذهبت، لقد حملت من الزمن أكثر مما تستطيع. "لأجد نفسي حجرا جامدا". هذا هو المشهد المرعب. لقد ذهب يبحث عن قطرة عشق فوجد نفسه حجراً. لم يجد كليوبترا، وجد نفسه. لم يمس أسطورة، بل صار أثرا.
"ترمي به الرياح حيثما هوت". الرياح هنا ليست عاصفة، بل مجرد رياح، أي أن الحجر خفيف لدرجة أن الرياح العادية ترمي به. هو حجر لكنه لا يزن شيئا. هو جامد لكنه طائر. هذه المفارقة هي صورة العاشق الحديث: يريد أن يكون حجرا راسخا مثل الأهرام، لكنه يكتشف أنه لا يزن أكثر من غبار.
ثم الصرخة: "فأصرخ أصرخ أصرخ". التكرار ثلاث مرات ليس للمبالغة، بل هو تفريغ للصوت. الصرخة الأولى تخرج من الحلق، الثانية من الصدر، الثالثة من الحجاب الحاجز. إنها تصعيد داخلي، لا يسمعه أحد لأن الحجر لا صوت له في الحقيقة، لكن القصيدة تسمعه.
"بلا حدود بلا ضوابط". هذا وصف للصرخة، لكنه وصف للعشق أيضا. العشق الأبدي هو ما لا حدود له ولا ضوابط. إنه يتجاوز الأدب، يتجاوز اللياقة، يتجاوز الجمال التقليدي. ولهذا سيأتي بعده مباشرة: "أنزف دما ساخنا على ضريحي المنتظر". النزيف هنا ليس جريحا، بل هو نزيف إرادي. "على ضريحي المنتظر" أي أن الضريح ليس موجودا بعد، لكنه ينتظر الجثة. هو يسبق جسده إلى القبر. يعيش وكأنه مات، يكتب وكأنه يقرأ نعيه.
خامسا: "أتقيأ شعرا أحمر": الجملة الأكثر جرأة
لا يمكن المرور على هذه الجملة بسرعة. "أتقيأ شعراً أحمر" هي جملة تهدم كل ما نعرفه عن الشعر. الشعر في التقليد العربي إلهام، هبة، نسمة، وحي. لكن هنا الشعر قيء، فعل جسدي قذر، لا إرادي، مؤلم. إنه خروج من الجوف، لا من الروح. إنه رد فعل للجسم على تسممه بالعشق.
ولماذا "أحمر"؟ الأحمر لون الدم، لون الحياة المنسكبة، لون الثورة والغضب والعنف. هذا ليس شعرا للتسلية، ولا للمسابقات الشعرية، ولا للمناسبات. إنه شعر يُتقيأ لأن الجسد لم يعد يحتمل. إنه شعر العاشق الذي صار العشق مراً في جوفه، فلم يبق إلا أن يتخلص منه بهذه الطريقة.
"لتبقى روحي مصلوبة بين الأرض والسماء". الصلب هنا ليس عقابا فقط، بل هو تعليق. الروح معلقة، لا تستقر في الأرض ولا تصعد إلى السماء. هذه هي حالة العاشق الأبدي: لا يموت تماما لأنه سيظل يكتب، ولا يحيا تماما لأنه يعيش على حافة قبره. إنه معلق بين الأمل واليأس، بين الذكرى والنسيان، بين أنطونيو وكليوبترا.
سادسا: حوار النفي والإثبات
"أبحروا في أعماق الزمن ستجدونها حتما تنتظر". هذه دعوة للقارئ، دعوة للبحث الجماعي. كليوبترا ليست ملكة خاصة بالشاعر، بل هي ملكة كل من يبحث. "قالوا إنها تقيم هناك". من هم "قالوا"؟ المؤرخون؟ الشعراء السابقون؟ الأساطير؟ لا يهم. المهم أنهم أجمعوا على "هناك"، في مكان بعيد، في التاريخ، في المتاحف، في الكتب.
لكن الشاعر يهتف: "لا لا لا". ثلاث نافيات قاطعة، بلا تفسير، بلا حجة. إنها نفي وجودي، نفي لكل الروايات السابقة. "إنها تقيم بين ضلوعي". هذا هو الاكتشاف الأعظم. كليوبترا ليست في الإسكندرية، ولا في القاهرة، ولا في روما. إنها بين ضلوع عاشق جزائري في وهران. لقد انتقلت الأسطورة من الجغرافيا إلى الجسد، من المكان الخارجي إلى المكان الداخلي.
"وستبقى مقيمة أبد الدهر". الإقامة هنا دائمة، وليست زيارة. إنها احتلال حلو، استيطان عذب، استعمار رحيم. كليوبترا لم تأت لتزور، بل لتستقر. ولن ترحل أبدا.
سابعا: إمبراطورية الحب الجديدة
"ستحمل إمبراطورية حب جديدة". لاحظ الفعل "ستحمل" في المستقبل. لم تحمل بعد، لكنها ستحمل. القصيدة تتحدث عن شيء آت، عن مملكة لم تقم بعد، لكنها مؤكدة. هذه الإمبراطورية ليست روما ولا مصر، بل هي مملكة بين الضلوع. عاصمتها قلب الشاعر، وشعبها كلماته، ودستورها دمه.
"وستحملني بإحدى يديها كراية لإمبراطوريتها". هنا يتحول الشاعر من عاشق إلى رمز، من موضوع حب إلى أداة دعاية، من شخص إلى راية تُرفع. هل هذا خفض لمقامه؟ أم هو رفع؟ الراية لا تختار ما تكتب عليها، لكنها لا تسقط أبدا. الراية ترفرف في الأعالي، ويراها الجميع. لقد صار الشاعر مرئيا بعد أن كان خفيا، صار مرفوعاً بعد أن كان حجرا ترمي به الرياح.
"التي لا تفنى". هذه صفة الإمبراطورية. إنها خالدة، لا تموت، لا تنتهي. ومثلها "أسطورة حب أزلي". الأسطورة هنا هي هوية جديدة لكليوبترا، هي هوية جديدة للشاعر، هي هوية جديدة للقصيدة.
"تردد خلالها تراتيل عشق أبدي". نعود إلى الترتيل، إلى التسابيح، إلى العشق الأبدي. القصيدة دائريّة، تبدأ بالتراتيل وتنتهي بها. وكأنها تقول: لا بداية ولا نهاية، فقط دوران حول نفس الجوهر، فقط تكرار للاسم نفسه، فقط دم يسيل ثم يتقيأ ثم يسيل.
ثامنا: في بلاغة الأسماء والعلامات
لنقف عند الأسماء العلم في النص: أنطونيو، كليوبترا، أبي الهول، الجيزة، الأهرام. كلها أسماء مصرية (ورومانية) في قصيدة لشاعر جزائري. لماذا هذه الإحالات البعيدة؟ هل هي مجرد زخرفة؟ أم أن الجزائر ليست وحدها من يملك أساطير العشق؟
أبي الهول: مخلوق نصفه أسد ونصفه إنسان، نصفه حيوان ونصفه عاقل. إنه رمز الغموض، رمز السؤال بلا جواب. عندما ترحل الذاكرة عبر أحجاره، فهي تبحث في الغموض نفسه، في السؤال الذي لا إجابة له.
الأهرام: مثلثات كاملة، لا تحتوي على زوايا حادة في قممها؟ قممها مدببة لكنها مستديرة قليلاً. إنها تشبه إلى حد ما شكل القلب. هل الأهرام رموز للحب الأبدي؟ هل الحب الأبدي هو هرم يعلو ويعلو حتى يخترق السماء؟
كليوبترا: اسمها يعني "مجد أبيها" باليونانية. إنها تحمل مجد الأب، لكنها في القصيدة تنفض غبار المُلك. إنها تتخلص من معنى اسمها لتصنع اسماً جديداً: اسم العشق.
أنطونيو: اسم روماني يعني "الذي لا يقدر بثمن". هو ثمين، لكنه مات. كليوبترا لا تقدر بثمن أيضاً، لكنها لم تمت. إنها تقيم بين ضلوع شاعر في وهران.
تاسعا: الضلوع والراية: تشريح الجسد الأسطوري
"بين ضلوعي": لماذا الضلوع تحديدا؟ لماذا ليست بين أضلاعي أو في قلبي أو في روحي؟ الضلوع هي القفص الذي يحمي القلب. إنها العظام التي تحيط بالعضو الأهم. كليوبترا ليست في القلب، بل بين الضلوع. إنها تحيط بالقلب من الخارج، تحميه من الداخل؟ إنها في المنطقة الحدودية بين الذات والآخر، بين الداخل والخارج، بين ما هو أنا وما هو ليس أنا.
"كراية": الراية قطعة قماش ترفرف، خفيفة، غير ثابتة، تتغير مع اتجاه الريح. الشاعر الذي صار حجرا صار راية. من الجمود إلى الخفة، من الثقل إلى الطيران، من السقوط إلى الرفرفة. هذا هو التحول الأعظم في القصيدة.
عاشرا: في بلاغة الألوان: لماذا الأحمر؟
لقد تحدثنا عن "الشعر الأحمر"، لكن هناك ألوانا أخرى غائبة. أين الأبيض؟ أين الأسود؟ أين الأزرق؟ غيابها دال بقدر حضور الأحمر. الأحمر هو لون الحياة والموت معاً. هو لون الشرايين والدماء، ولون الحب والثورة، ولون النار والغضب. إنه اللون الذي لا يقبل الحياد.
الشعر الأحمر هو شعر لا يمكن تجاهله. إنه يصرخ قبل أن يقرأ. إنه يدمي قبل أن يكتب. إنه يقتل قبل أن يحيي.
حادي عشر: النبرة العامة: بين التراجيديا والملهاة
لنختم هذه القراءة بسؤال: هل هذه القصيدة تراجيدية أم ميلودرامية أم ساخرة؟ الجواب: إنها كل ذلك معا. التراجيديا في الدم المسفوح والضريح المنتظر. الميلودراما في التكرار العاطفي والصرخات. والسخرية في أن عاشقا يبحث عن كليوبترا في الجيزة فيجدها بين ضلوعه.
لكن السخرية هنا ليست استهزاء، بل هي وعي بالمفارقة. الشاعر يعرف أن بحثه جنون، لكنه يواصل. يعرف أن كليوبترا أسطورة، لكنه يؤمن بها. يعرف أنه حجر ترمي به الرياح، لكنه يصرخ. هذا هو العشق الأبدي: أن تعرف كل شيء وتستمر.
خاتمة مفتوحة: القصيدة لا تنتهي
تنتهي القصيدة بـ "تراتيل عشق أبدي"، وكأنها تعود إلى بدايتها. إنها دائرة مغلقة ومفتوحة في آن. مغلقة لأنها تكرر نفسها، مفتوحة لأن كل تكرار هو اختلاف.
منير راجي، الشاعر الجزائري من وهران، يكتب قصيدة لا تنتمي إلى زمان أو مكان. إنها قصيدة الضلوع التي تحمل كليوبترا، وقصيدة الراية التي ترفرف فوق إمبراطورية لا تفنى، وقصيدة الدم الأحمر الذي يُتقيأ شعرا.
من يقرأ هذه القصيدة مرة واحدة، يقرأ حكاية حب. من يقرأها مرتين، يقرأ تأملا في الزمن. من يعيشها بين ضلوعه، يقرأ نفسه.
وهل القراءة الحقيقية إلا أن نجد أنفسنا حجرا يصرخ وراية ترفرف وضريحا ينتظر وشعرا أحمر يتقيأ من جوف العشق الأبدي؟
البعنه == الجليل
12/04/2026



#طه_دخل_الله_عبد_الرحمن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة لنص – منطقة الوشاح في وادي فلاح في ارض الطيرة – للكاتب ...
- قراءة نقدية – لقصة حبات الفراولة المالحة – للدكتور محمد سليط
- الوحدة في زمن الازدحام، مفارقة العصر الرقمي
- الثقافة والاستدراك
- قراءة لنص - إياك والكِبْرِ والكبرياء والتكبر – للأديب الأستا ...
- أبي... غيابٌ لا يشيخ
- الأم في عيدها
- قراءة لقصة - سيدي جابر وبكاء بعد منتصف الليل – للأستاذ القاص ...
- قراءة لنص - الغربة في زمن التكنولوجيا – للأستاذ الاديب صبحي ...
- قراءة لقصة - سيدي قاسم وبكاء بعد منتصف الليل – للدكتور القاص ...
- قراءة لنص – على روابي الأحلام - للأديبة نافلة مرزوق العامر
- النقد الأدبي... إبداع وأي إبداع
- جداريةُ الرسمِ بالريشة.. مقاربةٌ بالرسمِ بالكلمات
- قراءة لقصيدة – إلى أمي - للشاعر محمود درويش


المزيد.....




- وفاة أيقونة موسيقى الأفلام الهندية بعد مسيرة حافلة بأكثر من ...
- تقديرات إسرائيلية: الجولة القادمة مع إيران مسألة وقت وفشل في ...
- جامعة غزة المؤقتة: محاولة لإحياء المسيرة الأكاديمية من وسط ا ...
- الرباط.. إطلاق سلسلة دورات تكوينية حول -الطرق الخلاقة لإيصال ...
- ترامب يحتفل بعيد ميلاده الـ80 بنزال للفنون القتالية
- أدب الموانع.. -معلق- يوثق رحلة فلسطيني لاستعادة -الروح- بجوا ...
- نص سيريالى (زمن يَرتَدِي وَجهِي وَيهدِم أوْطاني) محمد أبوالح ...
- أزمة -الجناح الروسي- تعصف ببينالي البندقية 2026
- أمين المجلس الإعلامي للحكومة الإيرانية محمد كلزاري: الفرق ا ...
- الجمعية العلمية للفنون تطلق حملة لتشجير وتأهيل مدرسة الموسيق ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - قراءة لقصيدة – تراتيل عشق أبدي – للأستاذ الشاعر منير راجي