أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - طه دخل الله عبد الرحمن - النقدُ الأدبيُّ: إبداعٌ من رحمِ النصِّ، فمَن يستخفُّ به يستخفُّ بالكتابةِ نفسها.















المزيد.....

النقدُ الأدبيُّ: إبداعٌ من رحمِ النصِّ، فمَن يستخفُّ به يستخفُّ بالكتابةِ نفسها.


طه دخل الله عبد الرحمن

الحوار المتمدن-العدد: 8695 - 2026 / 5 / 2 - 03:16
المحور: قضايا ثقافية
    


أيُعقَلُ أن يُقذَفَ النقدُ الأدبيُّ في مهاويَ الجحودِ، ويُنسَبُ إلى سِفاحِ القولِ وهَذَيانِ العبارةِ، ويُوصَمُ بأنه مجرَّدُ تابعٍ يَمشِي في رِكابِ الإبداعِ لا يَنعَقُ إلا بصوتِه، ولا يَرتَدِي إلا من أطيافِ ثيابِه؟ إنها لَعجَبٌ أيُّ عَجَب، أن تَغلُوَ يدُ الجفاءِ على هذا الفنِّ الأَشَمِّ، فتَجعلَه غِراسًا لا يُورِقُ، وظِلاًّ لا يُقيلُ، ونَغْمًا لا يُطربُ، مع أنه في حقيقةِ أمرِه سَرْجُ الأدبِ الذي لا يَستوي الفرسُ بدونه، ونُورُه الذي لا يُبصِرُ القارئُ دُرَرَ المعاني إلا به.
أيُساءُ إلى النقدِ هذا الإساءةَ العُظمى، فيُتَّهَمُ بأنه دخيلٌ على حِمَى الإبداعِ، مُقتحِمٌ على الشاعرِ عُزلَتَه، مُفسِدٌ على الروائِيِّ بهاءَ حكايَتِه؟ وهل كان النقدُ إلا فَنَّاً يَصقُلُ المرآةَ لترى الإبداعَ وجهَه، ويُقيمُ في رحابِ النصِّ قِبابًا من الضوءِ لتَنجليَ زواياه الخفيَّة؟ إن الناقدَ الأديبَ ليَسكُنُ في جوفِ النصِّ كما يَسكُنُ الرُّوحُ الجسدَ، لا يَقرَؤه قِراءةَ العابرِ الذي يَمُرُّ على الحروفِ مَرَّ السحابِ، بل يَغوصُ في مائه الغَزيرِ غَوصَ اللُّؤلُؤيِّ الذي لا يَرتاحُ حتى يَستخرِجَ الكُنوزَ من أعماقِ القرار. إنه يَنظُرُ إلى النصِّ بعينين اثنتين: عينِ الذائقةِ التي تَتذوَّقُ الجمالَ كما يتذوَّقُ الظمآنُ الماءَ الفُراتَ، وعينِ البصيرةِ التي تَرَى في البِنيةِ السطحيةِ عالَمًا من الإشاراتِ والإيحاءاتِ لا تَراه العينُ العاديةُ، بل لا تَراه حتى صانعُ النصِّ نفسه في كثيرٍ من الأحيان.
وما النقدُ في أَجلى تجلِّياته وأعلى مراتبه إلا خَلْقٌ من طرازٍ فريد، خَلْقٌ يَتَجَلَّى فيه ذاتُ الناقدِ في أسمى صورِه، حين يُحيلُ النصَّ الأولَ مادةً خامًا لِنصٍّ ثانٍ، لا يقلُّ عنه جمالاً وبهاءً، بل يَزيدُ عليه بَصيرةً وكَشْفًا. إن الناقدَ حين يَشرَحُ بيتًا من الشعرِ، إنما يَبسُطُ في شرحِه عوالمَ من المعاني لم تَكُنْ في حسبانِ الشاعرِ الأول، فيكونُ كالذي يَفُكُّ طَلاسِمَ كنزٍ دَفين، فإذا هو قد أخرَجَ من مَكامِنِه جواهرَ لا تُحصَى، ودررًا لا تُقدَّرُ بثمن. إنه ليُبدِعُ إبداعًا حقيقيًّا حين يَشقُّ في جسدِ النصِّ لسانًا يُنطِقُ ما كان صامتًا، ويُحيي ما كان ميتًا، ويُخرِجُ من خَفايا الدلالاتِ ما كان كامنًا في غَياهِبِ الإشارات.
أوَلَيسَ النقدُ في جوهرِه وفِطرتِه حوارًا وجوديًّا مع الإبداع؟ حوارًا لا يُقيمُ في سَطحِ الألفاظِ، بل يَنزِلُ إلى مَعينِ المعاني الأصيلة، فيَغتسِلُ من مائها ويتوضأُ بنورِها، ثم يَصدُرُ عنها ببيانٍ هو في رونقِه وبهائِه صورةٌ من رونقِ الأصلِ وبهائِه، بل هو الأصلُ بعينه في ثوبٍ جديد. وكما أن النارَ لا تَشتَعِلُ إلا من اصطِكاكِ حجرين، وكما أن النهرَ لا يَفيضُ إلا من نبعٍ أمين، فكذلك الإبداعُ النقديُّ لا يَتَوَلَّدُ إلا من احتكاكِ الناقدِ بالنصِّ احتكاكَ العاشقِ بمعشوقِه، احتكاكًا يولِّدُ من حرارةِ التلقِّي وذكاءِ التحليل ما هو أروعُ من النصِّ الأول في كثيرٍ من الأحيان.
أليس الناقدُ الأصيلُ هو الذي يَقرأُ النصَّ قراءةَ البصيرِ الذي لا يَكتفي بالنظرِ إلى الظواهر، بل يُحدِّقُ في الماهيات؟ يَقرؤه كما يَقرأُ المُنَجِّمُ النجومَ، لا ليُحصيَ عددَها، بل ليَستخرِجَ منها دلالاتِ الأقدارِ وأسرارَ المصائر. يَقرؤه كما يَقرأُ المُفسِّرُ آياتِ الكتابِ المُنَزَّلِ، لا ليَقِفَ عندَ حروفِه، بل ليَغوصَ في بحارِ تأويلِه التي لا ساحلَ لها. فإذا النصُّ وقد انطوى على أسرارِه، بَسَطَها الناقدُ بين يَدَيِ القارئِ بَسْطًا، وإذا المعاني كانت حبيسةَ الألفاظِ، أطْلَقَها الناقدُ من عِقالِها، وإذا الجمالُ كان مَخْفيًّا في ثنايا التراكيبِ، أظهَرَه الناقدُ في أبهى حُلَلِه.
وما النقدُ في حقيقته إلا ذاكرةُ الأدبِ الحيّةُ التي لا تَنسى، وبصيرتُه النافذةُ التي لا تَعمَى، وميزانُه العادِلُ الذي لا يَجور. به تُوزَنُ الأعمالُ فتُعرَفُ الغثُّ من السمين، والزائفُ من الصادق، والسَّقيمُ من السَّلِيم. وبه يُهدى القارئُ في متاهاتِ الإبداعِ إلى ينابيعِ الجمالِ الصافية، ويُجنَّبُ مَهاوي الرداءةِ المُضلَّة. وبه يُحفَزُ المبدعُ إلى مزيدٍ من العطاءِ والإتقان، إذ يَرَى في النقدِ مرآةً صافيةً تَعرِضُ عليه مواطنَ القوةِ والضعفِ في إبداعِه، فيَزْدَادَ من الأولِ اعتزازًا، ويُصلِحَ من الثاني اجتهادًا.
إن مَن يَستَخِفُّ بالنقدِ ويَحسَبُه خارجًا عن ساحةِ الإبداعِ، لَخليقٌ أن يُذكَّرَ بأن النقدَ هو الذي صَنَعَ عصورَ الأدبِ اللامعةَ، وأنه لولاه لَضاعَ جُلُّ ما نَعرِفُه اليومَ من جمالياتِ النصوصِ وأسرارِ بلاغتِها. أليستْ كتبُ النقدِ القديمةِ كـ"البيانِ والتبيينِ" و"الكاملِ" و"الأغاني" و"العمدةِ" و"الصناعتينِ" و"أسرارِ البلاغةِ" و"دلائلِ الإعجازِ" من أروعِ ما أُنتِجَ الفكرُ العربيُّ عبرَ تاريخِه؟ أليستْ هذه الكتبُ في جمالِ أسلوبِها وعمقِ رؤيتِها ودِقَّةِ تحليلِها إبداعًا لا يُمارَى فيه، ونصوصًا خالدةً تَتَهادَى على ألسنةِ الدارسينَ كما يَتَهادَى الشعرُ الجيِّدُ على ألسنةِ العاشقين؟
إن النقدَ إذًا ليس تَبَعًا للإبداعِ ولا خادمًا له فحسب، بل هو شريكٌ في الخَلْقِ وصِنوٌ في البِناءِ. إنه نَظيرُ الإبداعِ لا ظِلُّه، وصاحِبُه لا تابعُه. إنه النصفُ الآخرُ من دائرةِ الأدبِ التي لا تَتِمُّ إلا بهما معًا. فإذا كان الإبداعُ هو البَذْرَ، فالنقدُ هو التُّرْبَةُ التي تُنْبِتُه؛ وإذا كان الإبداعُ هو النارَ، فالنقدُ هو النَّفْخُ الذي يُذْكِيها؛ وإذا كان الإبداعُ هو الرِّيحَ، فالنقدُ هو الشِّراعُ الذي يَحمِلُها إلى موانئِ الخلودِ والانتشار.
فهل يُعقَلُ بعدَ هذا البيانِ أن يُرمى النقدُ بالجفافِ وهو يَنبُعُ من ينابيعِ العاطفةِ المتقدةِ والعقلِ المُنير؟ ويُتَّهَمُ بالقحولةِ وهو يُنْبِتُ في حقولِ الأدبِ أزهارَ المعاني المتفتحةَ، ويَسقِيها من ماءِ الذوقِ السَّلسِ والرؤيةِ العميقةِ ما يَجعلُها تَزْهُو وتَتَرَقرَقُ بالحياة؟ إنه لَخَطَرٌ عظيمٌ أن تَخلو الساحةُ الأدبيةُ من نقدٍ أصيلٍ، لأنه إذ ذاك تَصيرُ القراءةُ عَمياءَ لا تَهتدي، والإبداعُ متروكًا لرياحِ التأويلِ العابرةِ لا ضابطَ له ولا نظام، والأدبُ كله سائبًا في فَضَاءٍ لا حدودَ له، لا ميزانَ يُوزَنُ به، ولا بوصلةَ تُهدي إليه، ولا ناقدَ عاشقٍ مُتيمٍ يُفصِحُ عن أسرارِ افتتانِه به، فيُقرِّبَه إلى قلوبِ القراءِ كما يُقرِّبُ العاشقُ حبيبَه إلى قلوبِ الناسِ بشِعرِه وغزَلِه.



#طه_دخل_الله_عبد_الرحمن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خاطرة - نبض الابداع
- بين الماضي والحاضر رؤية مستقبلية
- خاطرة – الجسر -
- قراءة لقصيدة – أيها الصامتون – للناقدة الشاعرة فوزية بن حوري ...
- قراءة لقصيدة – تراتيل عشق أبدي – للأستاذ الشاعر منير راجي
- قراءة لنص – منطقة الوشاح في وادي فلاح في ارض الطيرة – للكاتب ...
- قراءة نقدية – لقصة حبات الفراولة المالحة – للدكتور محمد سليط
- الوحدة في زمن الازدحام، مفارقة العصر الرقمي
- الثقافة والاستدراك
- قراءة لنص - إياك والكِبْرِ والكبرياء والتكبر – للأديب الأستا ...
- أبي... غيابٌ لا يشيخ
- الأم في عيدها
- قراءة لقصة - سيدي جابر وبكاء بعد منتصف الليل – للأستاذ القاص ...
- قراءة لنص - الغربة في زمن التكنولوجيا – للأستاذ الاديب صبحي ...
- قراءة لقصة - سيدي قاسم وبكاء بعد منتصف الليل – للدكتور القاص ...
- قراءة لنص – على روابي الأحلام - للأديبة نافلة مرزوق العامر
- النقد الأدبي... إبداع وأي إبداع
- جداريةُ الرسمِ بالريشة.. مقاربةٌ بالرسمِ بالكلمات
- قراءة لقصيدة – إلى أمي - للشاعر محمود درويش


المزيد.....




- فيديو يوثّق إنقاذ رجل من منزل تلتهمه النيران في نيويورك
- -كالقراصنة-.. ترامب يصف استيلاء البحرية الأمريكية على سفينة ...
- 5 رابحين و5 خاسرين في الحرب على إيران.. إليكم التفاصيل
- أمريكا توافق على صفقات سلاح تتجاوز 8.6 مليار دولار لحلفائها ...
- مباشر: ترامب يقول في رسالة إلى الكونغرس إن الأعمال العدائية ...
- 81 سفينة تكسر قرار ترمب.. الأرقام تكشف فشل حصار هرمز
- -إما البقاء أو الموت-.. حكاية فلسطينيين يتمسكان بأرض الأجداد ...
- شركة طيران كبرى ستعلن تعليق كامل عملياتها لأول مرة منذ 25 عا ...
- وزير أمريكي يهاجم إيران ويعدد 5 أمور -لا تعلمها الجرذان داخل ...
- -خيانة عظمى-.. ترامب يهاجم من يشكك في -انتصار- أمريكا على إي ...


المزيد.....

- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - طه دخل الله عبد الرحمن - النقدُ الأدبيُّ: إبداعٌ من رحمِ النصِّ، فمَن يستخفُّ به يستخفُّ بالكتابةِ نفسها.