طه دخل الله عبد الرحمن
الحوار المتمدن-العدد: 8705 - 2026 / 5 / 14 - 00:52
المحور:
الادب والفن
كيف أُخبرك عن قلمي؟! إنه ليس قلمًا. إنه نَسَمَةٌ من نَفَخِ الله في آدمَ الثاني، حين عَلَّمَ الإنسانَ ما لم يعلمْ، فانطلقَ البيانُ مِن فَيضِ الجنانِ إلى أرضِ العَجَب. هو ما بَقِيَ مِن شجرةِ الخلدِ في كفي، فكلَّما كتبتُ به تذوَّقتُ طعمَ الأزل، وكلَّما مسحتُ به دمعةً سقطتْ من عيني على الورق، تحوَّلتِ الدمعةُ نجمًا يضيءُ ليلَ القارئ الحزين.
أنا والقلم... قصةٌ قديمةٌ كقصةِ النارِ مع موسى، وكقصةِ الطينِ مع عيسى، وكقصةِ الحرفِ مع محمدٍ صلى الله عليه وسلم، حين انبثقَ القرآنُ من صَمتِ الجبالِ فَأَسْمَعَ الصخرَ، وأَبْكَى القمرَ، وأَسْكَرَ العقلاءَ بغيرِ خمرٍ ولا جَنون. هل تتصورُ أيها السامعُ العزيزُ كم بين أصابعي من أسرارٍ لم تُقَل؟! كم في رأسِ قلمي من رؤوسِ أقلامٍ أخرى تنتظرُ أن تولدَ؟! إنني كلَّما كتبتُ كلمةً، رأيتُ خَلْفَها ألفَ كلمةٍ تتصارعُ على أبوابِ البياض، كالفراشاتِ التي تزاحمُ على ضوءِ قنديلٍ في ليلةٍ دَجوجية. فأختارُ واحدةً، وأتركُ ألفًا. وتلكَ الألفُ تبكي خلفَ الستارِ لأنها لم تُولَدْ، وأنا أبكي معها لأني لم أستطعْ أن أُنجبَها جميعًا.
انظرْ معي إلى هذه النقطةِ السوداءِ على رأسِ القلم. إنها كالنطفةِ في رحمِ الأم. فيها تتلخصُ الحياةُ كلُّها. منها ينبثقُ الجبلُ الشامخُ، والبحرُ الزاخرُ، والطفلُ الباكي، والعاشقُ المتيمُ، والشهيدُ الذي يضحكُ والرمحُ في صدره. من هذه النقطةِ الصغيرةِ تنطلقُ جيوشُ المعاني، وتُفتحُ فتوحاتُ البلاغة، وتُسقطُ مملكةُ الصمتِ بعدَ أن ظنَّتْ نفسَها أبديةً. سبحانَ مَن جعلَ في هذا الحبرِ دَمِي! فكلُّ حرفٍ أكتبُه ينزفُ من شريانٍ في قلبي. وكلُّ سطرٍ أمدُّه يخرجُ من رئةٍ كنتُ أحسبُها ميتةً. وكلُّ قصيدةٍ أُنهيها أجدُني أتحسسُ نبضي لأتأكدَ أني ما زلتُ حيًّا.
أنا والقلم... نصنعُ السحرَ الأبيضَ الذي لا يُباعُ في الأسواق. نأخذُ حزنًا فنصوغُه فرحًا. نأخذُ جرحًا فننسجُه وردةً. نأخذُ دمعةً فنقطرُها عطرًا. نأخذُ صمتًا فَنُنْطِقُه حكمةً. هذه هي كيمياءُ القلمِ التي عجزَت عنها معاملُ الدنيا. لأنها كيمياءُ الروح، والروحُ لا تُجَرَّبُ في أنابيبَ زجاجية، ولا تُوزنُ بميزانٍ ذي كفتين. هل تدرون ماذا يصنعُ العاشقُ بقلمه حين يخلو بنفسه؟! إنه يُحدِّثُ القمرَ في لغةٍ لا يفهمها إلا القمرُ وحده. ثم يكتبُ على جبينِ الليلِ: "أحبكِ". فتستيقظُ الشمسُ في الصباحِ فاتحةً عينيها مذعورةً، وتسألُ الريحَ: "مَن الذي خطَّ هذه الكلماتِ على صدري؟" فتجيبُ الريحُ: "عاشقٌ مجنونٌ وقلمُه الأجمل."
القلمُ - وأقسمُ بما يخطُّ وبما يُملى - ليس واحدًا، بل هو ألفُ قلمٍ في جسدِ قلمٍ واحد. فهو سيفٌ حين تَحِقُ الحقائقُ كما هي، لا تخافُ في اللهِ لومةَ لائم. أتذكرُ سيفَ المتنبي حين قال: "أنا الذي نظرَ الأعمى إلى أدبي ... وأسمعتْ كلماتي من به صممُ"؟ ذاك هو قلمي وأنا. نمضي مجنونين في طريقِ الحقِّ، نَهِرُّ ولا نُبالي، ونصرخُ ولا نهابُ، فإما أن يسمعَ الصمُّ، وإما أن يبقى الصمُّ في غَيَاباتِ صمته. وهو نايٌ حين يشتاقُ القلبُ إلى نبضِ الحبيبِ الغائب. عندها يتحولُ القلمُ إلى قصبةِ راعٍ حزينٍ على ضفافِ نهرِ بابل، يبكي مملكتَه الضائعةَ التي كانت بين ضلوعِه. فتصيرُ الكلماتُ ألحانًا، وتصيرُ الألحانُ دموعًا، وتصيرُ الدموعُ مطرًا يُحيي صحراءَ الروحِ التي أجدبتْ سنين. وهو شمعةٌ في ليلةِ العمرِ الباردة. أجلسُ وحدي تحتَ سقفِ الغربةِ المهترئ، وخطَّافاتُ الثلجِ تنقُّرُ على زجاجِ النافذةِ كطيورٍ غريبةٍ تبحثُ عن دفءِ الكلمات. فأُضيءُ بقلبي وقلمي تلكَ الشمعةَ التي لا تُطفئُها الرياح، لأنها شمعةُ الروح، والروحُ إذا اشتعلتْ، أحرَقَتِ الدنيا كلَّها قبلَ أن تنطفئ. وهو مِحْرابٌ حين يطوفُ بي الشوقُ إلى الله. فأكتبُ اسمَه على ورقِ العمرِ بِحِبْرٍ من نورٍ غيبِيٍّ لا تراه العيونُ، ولكن تراه القلوبُ. عندها تصيرُ القصيدةُ صلاةً، وتصيرُ الصلاةُ نَجْوَى، وتصيرُ النَّجْوَى سجودًا بلا ركوع، وبلا جباهٍ تلامسُ الأرض، بل بقلوبٍ تلامسُ السماء.
يا عجبًا! كيف نكتبُ بجرأةِ الآلهةِ ونحنُ بشرٌ ننامُ ونصحو، نأكلُ ونشربُ، نموتُ قليلاً كلَّ ليلةٍ ثم نُبعثُ في الصباحِ ضحكةَ طفلٍ لا يدري لماذا يضحك؟! إن أروعَ ما في القلمِ أنه يعرفُ متى يصمت. أجل، يصمتُ القلمُ أحيانًا. يرفضُ أن يتحركَ، كالحصانِ الأصيلِ الذي يشعرُ بالفارسِ غيرِ الجدير. في تلكَ اللحظاتِ أتعلمُ أعظمَ دروسِ البلاغة: أن أحترمَ صمتَ القلمِ كما أحترمُ نطقَه. لأن الصمتَ أحيانًا أبلغُ من ألفِ قصيدة. لأن الكلمةَ إذا لم تأتِ في وقتِها كانت كالرصاصةِ التي تصيبُ الصديقَ قبلَ العدو. أتدري أيها القلمُ الحكيمُ كم من المراتِ ندمتُ فيها على كلمةٍ كتبتُها؟! وكم من المراتِ بكيتُ على حرفٍ أطلقْتُه فطارَ ولم يَعُدْ، وعادَ إليَّ طائرًا جريحًا يسألني: "لماذا أخرجتَني إلى هذا العالمِ القاسي؟! ألم يكُنْ بطني في جوفِ القلمِ أدفأَ لي من صقيعِ الدنيا؟!" نعم، نعم ندمتُ. وتعلمتُ أن البلاغةَ الحقيقيةَ ليست في كثرةِ الكلام، بل في جودةِ الاصطفاء. وأن السحرَ البيانيَّ الحقيقيَّ ليس في الزخرفِ اللفظيِّ والتراكيبِ المتكلفة، بل في الصدقِ الذي يخترقُ جدارَ الصدرِ ليصلَ إلى القلبِ حيثُ لا حجاب.
ما أجملكَ أيها القلمُ حين تَمْتَدُّ على الورقِ كأنكَ ضفيرةُ نيلٍ تجري في صحراءِ الصمت، تُحْيي ما ماتَ من الحقولِ، وتُخْضِرُ ما يَبِسَ من النخيلِ. أنتَ الذي تملكُ وحدَكَ سرَّ التحولِ من حالٍ إلى حالٍ بلمحِ البصر. قلمي يَرْتَجِلُ كما يرتجِلُ المطربُ الشجيُّ على نايه. لا يخطِّطُ طويلاً، بل ينطلقُ كالنهرِ الذي لا يسألُ عن مصبِّه لأنه يعلمُ أن البحرَ في انتظاره. يكتبُني وأكتبُه، فنصيرُ نحن الاثنانِ واحدًا. يكتبُني في لحظاتِ ضعفي فأجدني قويًّا بالحروفِ التي يمنحني إياها. وأكتبُه في لحظاتِ جفافه فأُعيدُ له رونقَه بإغراقِه في دموعي. العجبُ كله أننا لا نملُّ أبدًا. نملُّ من الناسِ بعدَ ساعة. نملُّ من الأكلِ بعدَ وجبة. نملُّ من النومِ بعدَ ليلة. نملُّ من السفرِ بعدَ شهر. أما أنا والقلمُ، فكلما طالَ بنا العمرُ في هذه الصحبةِ المقدسة، ازددنا حبًّا، وازددنا شغفًا، وازددنا جنونًا. كأنَّ الوقتَ ليس موجودًا بيننا، وكأنَّ الأبديةَ هي بيتُنا الصغيرُ الذي نعيشُ فيه بلا أثاثٍ سوى الحبرِ والورق.
لكنني - ولن أتظاهرَ بالبراءة - أعرفُ أنك أيها القلمُ قاسٍ أحيانًا. بل أنت قاسٍ جدًا. إنك تستدرجُني إلى الكتابةِ في منتصفِ الليلِ وأنا منهكُ الجسدِ مرهقُ العينين. تهمسُ في أذني: "اكتب... اكتب... فإن متَّ الآن، ماذا ستتركُ خلفك؟ مالاً؟ لا تملك. عقارًا؟ لا تسكنُ إلا في غرفةٍ مستأجرة. جاهاً؟ الناسُ لا تعرفُ وجهك في الشارع. لكن... لكن... إن كتبتَ، ستبقى كلماتُك تبكي وتضحكُ وتُجنِّنُ الناسَ بعدَ أن ترحل. فاكتب... بطلْ هذا الكسلَ... قم... فالموتُ يأتي فجأة." فأقومُ وأنا أتثاءبُ وألعنُ ساعتي التي ولدتني في هذا الزمنِ الذي لا يقرأ. أفتحُ الدفترَ وأُمسكُ بكَ، ويبدأُ السهرُ. تنهشُني الكلماتُ كما تنهشُ الذئابُ جسدَ المسافرِ الضائع. أقولُ: "حسبي"، فتقولُ أنتَ: "لا، لم يكفِ بعدُ". أقولُ: "أريدُ النومَ"، فتقولُ: "الموتُ خيرٌ من النوم. اكتبْ عن الموتِ إذا شئتَ، لكن لا تنم." ثم عندما أصحو في الصباحِ منهكًا، أقرأُ ما كتبتُه في الليلِ فأندهشُ. أتساءلُ: "هل أنا الذي كتبتُ هذا؟ أم أنتَ الذي كتبتَني؟" ثم أكتشفُ أن السطورَ التي أتعبَتني في الليلِ هي وحدَها التي ستُخلِّدُني في النهار. وأكتشفُ أن تعبَ الأمسِ هو راحةُ الغد. وأن شقاءَ الكتابةِ هو سعادةُ الخلود.
أجلسُ الآنَ والقمرُ ينظرُ إليَّ من خلفِ الزجاجِ المكسور. الريحُ تعزفُ على أوتارِ النافذةِ لحنًا حزينًا. الدنيا نائمةٌ إلا أنا وأنتَ أيها القلمُ العزيزُ. نتبادلُ النظراتِ الصامتةَ كما يتبادلُ العشاقُ النظراتِ قبلَ القُبلةِ الأولى. أريدُ أن أقطعَ معكَ عهدًا أبديًّا. عهدًا أننا سنبقى معًا حتى لو انقلبتِ السماواتُ والأرضُ. حتى لو جفَّ الحبرُ في الدنيا كلِّها، سأخطُّك بأُصبعي المدمَّى على صدرِ الريح. حتى لو تمزَّقَ الورقُ وانتهى، سأكتبُ على قلبي ما دام القلبُ ينبضُ. حتى لو نسيَ الناسُ كيف يُقرأ، سأخلقُ لغةً جديدةً لا يفهمها إلا أنا وأنتَ، لغةً من الإشاراتِ والهمساتِ والدموعِ والضحكاتِ المختنقة.
وعدني أيها القلمُ أنك إذا سبقتني إلى العالمِ الآخرِ - وأظنُّكَ ستفعلُ لأنكَ أصلبُ عودًا مني - أعدني أن تنتظرني على بوابةِ الجنةِ أو النار، لا يهمُّ أين. المهمُّ أنني سأبحثُ عنكَ هناك كما أبحثُ عن ظلِّي في يومٍ مشمس. وعندما أجدُكَ - وسأجدُكَ حتمًا - سأمسكُ بكَ للمرةِ الألفِ والمليون، وسأكتبُ على جدارِ الأبديةِ بأحرفٍ من نورٍ وظلامٍ معًا: "هنا عاشَ رجلٌ وقلمُه. لم يُنجبا أولادًا ولم يبنيا بيوتًا. لكنهما بنيا مملكةً لا تسقطُ أسوارُها، مملكةَ الكلمةِ التي لا تموتُ. فمن دخلها آمَنَ من الوحشةِ ومن الخوفِ ومن الموتِ الأبيضِ الصامت. ومن خرجَ منها، خرجَ إلى صحراءٍ لا ماءَ فيها ولا ظلَّ ولا حكاية." ثم سأضعُكَ برفقٍ على قلبي - حيثُ كنتَ دائمًا - وسأغمضُ عينيَّ وأنا ابتسمُ ابتسامةَ الطفلِ الذي وجدَ لعبتَه الضائعةَ تحت السرير. وسأقولُ لنفسي: "أحسنتَ أيها العاشقُ المجنون. لقد كتبتَ حتى النهاية. والآن... نامْ. نامْ بسلامٍ يا صاحبي. فقد آنَ أوانُ الراحةِ بعدَ هذا التعبِ الطويل. نام... فقد خَلَّدَكَ القلمُ قبلَ أن يُخَلِّدَكَ الناسُ. وأيُّ خلودٍ أروعُ من أن يكونَ الخلودُ بينَ دفَّتَيْ كتابٍ يقرؤه طفلٌ بعدَ مئةِ عامٍ، فيبتسمُ ويقولُ: هذا رجلٌ أحبَّ الكلماتِ حتى صارَ كلمةً. وهذا قلمٌ أحبَّ الرجلَ حتى صارَ رجلاً. فتباركا... وتباركَتِ الدنيا بهما. "
ونعم... لقد أطنبتُ. وأسهرتُ القارئَ معي في هذه الليلةِ الطويلة. وربما قال قائلٌ: "كان يمكنُ أن تقولَ في سطرين ما قلتَ في صحائفَ." فأجيبُه: نعم، كان يمكنُ. لكنَّ القلمَ إذا تحدَّثَ عن نفسه، لا يعرفُ كيفَ يختصرُ. لأنَّ الحديثَ عن الروحِ لا يختصرُ، والغريقَ في بحرِ الحبِّ لا يقولُ: "سأنجو بسرعة"، بل يقولُ: "دعني أغرقُ على مَهْلٍ، لأتذوَّقَ كلَّ قطراتِ الغرق." فإن كنتَ تحبُّ البلاغةَ حقًّا، فلا تخفْ من الإسهاب. فليس البلاغةُ في القصرِ، كما يظنُّ بعضُ المتعجِّلين. بل البلاغةُ في أن تصلَ إلى القلبِ مهما طالَ الطريقُ. وقلمي - وأقسمُ بمن علَّمَ بالقلمِ - إنه يصلُ إلى القلبِ ولو سارَ ألفَ عامٍ في صحراءِ الجملةِ الواحدة.
والسلامُ على القلمِ يومَ وُلِدَ، ويومَ يكتبُ، ويومَ يُبعَثُ شاهدًا على صاحبه. والحمدُ للهِ ربِّ الحروفِ والكلماتِ والمعاني التي لا تنتهي. وآخرُ دعوانا أنِ اكتبْ وقلمُكَ معك، فإنَّ الحياةَ قصيرةٌ، والخلودَ في السطرِ أطولُ منه في الحجر.
فإذا أخطأتُ في حرفٍ، فالقلمُ بريءٌ، والعاشقُ هو المذنب.
وإذا أصبتُ في معنىً، فالقلمُ هو الأستاذُ وأنا التلميذُ المُقرُّ بالعجزِ في حضرةِ البيان.
البعنه == الجليل
11/05/2026
#طه_دخل_الله_عبد_الرحمن (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟