|
|
قراءة لقصيدة - نَشِيدُ الحُبِّ والكِفَاح – للأستاذ الشاعر الدكتور حاتم جوعيه 20-05-2026
طه دخل الله عبد الرحمن
الحوار المتمدن-العدد: 8712 - 2026 / 5 / 21 - 18:01
المحور:
الادب والفن
القصيدة: نَشِيدُ الحُبِّ والكِفَاح أغنّي نشيدَ الحبِّ رغمَ الجرائم ِ وأنثرُ وردَ الطهر ِ فوقَ العوالم ِ تضَوَّعْتُ سحرًا بالعبيرِ وَبالشذا ستوقظ ُ شمسي، في العُلا، كلَّ نائِم ِ سأبقى وفيًّا، للمَدى، لعقيدتي أذودُ عنِ المظلومِ تسمُو مَراحِمِي وكانت حقولي للعطاءِ وللجَنى ستبقى غلالا للجياع ِ مواسمِي أغنّي لأجلِ السلمِ والحبِّ دائمًا.. سلام الشعوبِ أنْ يظلَّ بدائم ِ يُجَسِّدُ شعري نورَ فكري وَمَطمَحِي ورِقّة َ إحساسِي وبُعْدَ مآلِمي وشعري لأجلِ الحقِّ يسطعُ نورُهُ لنُصْرَةِ شعبي... من دِمَاهُ ملاحِمي أسيرُ على شوكِ القتادِ وفي اللظى لنشرِ الهُدَى والنورِ وسْط َ الزَّمَازِم ِ وكمْ فَدْفَدٍ وحدي بليل ٍ قطعتهُ وخضتُ خضمَّاتِ الرَّدى المُتلاطم ِ وكمْ منْ مَلاكٍ فوق رأسيَ حائِمٌ يُشيِّعُ خطوي في الدروبِ العواتم ِ بَذلتُ حياتي كلها لقضيةٍ وما زلتُ قربانا هُنا.. لمْ أساوم ِ يموتُ الندى والجودُ إن ماتَ حاتمٌ وتبقى العذارى في ثيابِ المأتم ِ فلا كانَ شعرًا غيرُ شعري فإنهُ شعاعُ المنى دومًا لشعبٍ مُقاوم ِ ولا كان صوتاً غيرُ صوتيَ صادقاً تحدَّى طغاة َ العصرِ.. كلَّ المظالم ِ ولا كانَ فنًّا غيرُ فنّي مُخَلدًا بهِ تشرقُ الأمالُ فيِ كلِّ جاثم ِ وحاتمُ طيْءٍ كانَ بالجودِ سيِّدًا لقد فقتهُ بالجودِ بينَ العوالم ِ لإنْ جادَ بالأموالِ منْ كدِّ غيرهِ بمالي وروحي جُدْتُ...لستُ بنادم ِ بذلتُ شبابي ثمَّ عمري لأمَّتي لنصرةِ أهلِ الحقِّ... أغلى الحمائم ِ وإني لرَبُّ الفخرِ والمجدِ والعُلا وربُّ الإبا والجودِ.. ربُّ المكارم ِ وكمْ منْ فتاةٍ في غرامي تلوَّعَتْ تريدُ وصالي فهوَ أسْمَى الغنائم ِ تبادلُني أحلى الكلامِ عَنِ الهَوَى كلامًا يفوقُ الشّعرَ.. عذبَ النسائم ِ أراكَ فتى الأحلامِ قلبي وَمُهْجَتِي وَسيِّدَ روحي أنتَ.. إنّكَ عالمي على عرش ِ قلبي أنتَ دومًا مُحَكّمٌ وَعَرْشُكَ أنتَ الفنُّ أقوَى الدَّعَائِم ِ أليكَ سلامُ القلبِ والروح ِ والحَشا وإنكَ في جَوفِ الحَشَا المُتضَارِم ِ وكم ْ منْ فتاةٍ شيَّعتنِي بدمعِهَا وكانَ الوداع ُ بالدموع ِ السَّواجم ِ وَجُنّتْ جُنوناً في جَنَى جَنتي وكم جَنىً منْ جناني قد جَنَتْ في المواسم ِ وكم من نساءٍ تبتغيني حليلهَا وكم ْ حَضَنتني مِنْ زنودٍ نواعم ِ وكمْ منْ شِفَاهٍ أمطرتني بشهدِها وكانت رحيقَ الخلدِ...أحلى المَبَاسمِ وفقتُ أنا الأقرانَ عَزْمًا وَجُرأةً وكمْ كانَ بينهم هُنا منْ مُزَاحِم ِ ولي هِمّةٌ تأبَى الدنيّة َ والأذى ولي هيبةٌ مثلُ الأسودِ الضَرَاغِم ِ وإنِّي أنا الصوتُ الذي بَهَرَ الدُّنَىَ ويختالُ منْ أنغامِهِ كلُّ هائم ِ سأبقى بفنّي ثم شعريَ رائدًا وكمْ هامَ فيهِ منْ مُحِبٍّ وحالم ِ ستبقىَ صُروحي للدهورِ رواسيًا وغيريَ يبني المجدَ دونَ دَعائِم ِ وَصَلتُ بحُهدي...بالكفاحِ وبالإبَا وَما مِن نصيرٍ في حياتي وَدَاعِم ِ أماميَ سَدُّوا كلَّ بابٍ وَمَنفذٍ وكم من حقودٍ، في المخازي، وَهَادِم ِ وَيبغونَ قطعَ الرّزقِ عَنِّي نذالة ً وكم مُشعلٍ نار للخصامِ وَضارم ِ ولكنَّ ربِّي رازقي وَمُسَانِدي ويفتحُ بابَ الرِّزقَ رُغمَ طواغِم ِ سَمَوتُ بشعري...بالفنونِ جميعَها ولم أكترثْ يومًا لِوَغدٍ وَلائِم ِ وربِّيَ أغناني بمالٍ وَسُؤدُد ٍ بعلم ٍ سَمَا... بكلِّ حُسْن ٍ مدَاهِم ِ وغيري بأغلالِ الغوايةِ والغِوَى غَوِيٌّ ويَغوِي غيرَهُ في المزاعم ِ وَكم ناقدٍ وَغدٍ عَميلٍ وَنابح ٍ عدُوٌّ على أهلِ العُلا والمكارم ِ يبثُّ سُمُومَ الحقدِ دونَ رَوَادِع ٍ يُطيلُ بذيءَ القولِ ثمَّ الشتائم ِ فضحتُ دُروبَهُ الخسيسَة َ كلّهَا دَحَرْتُهُ مع أسيادِهِ في الرَّجَائِم ِ أطِلُّ على كونٍ تسَرْبَلَ بالأسَى وأُبصِرُ قومًا عيشهُمْ كالسَّوائم ِ سُقاةً وحطّابينَ صارُوا أذلَّة ً وللغير ِ من بعدِ العُلا والمَغانِم ِ وكم من ديارٍ أقفرَتْ مِن أهلِهَا وكم جنَّةٍ صارَتْ حُقولَ جَمَاجم ِ وفي ذمَّةِ الأجيالِ يقضةُ أمَّةٍ تموجُ بأسْمَالِ الأسَى المُترَاكم ِ شقينا سنينا في بلادٍ نُحِبُّهَا سعيرًا غدَتْ... بل َمسْرَحًا للجَرائم ِ كأنا وُلِدنا للعذابِ وللأسى ونشقىَ لأجلِ العيش مثلَ البهائم ِ وَللأرضِ جئنا نحنُ دونَ إرَادَةٍ وَنرحَلُ عنهَا... دونَ عِلمٍ لِعَالِم ِ وَأنّى نرُدُّ المَوتَ إن جاءَ زائرًا وَلو أثقِلتْ أجسادُنا بالتّمَائِم ِ بلادي هواها في فؤادي وفي دمي وكمْ في ثرَاهَا منْ بُدُور جَوَاثِم ِ سيحضنُ جسمي بعدَ موتي ترابُهَا ويُسقَىَ ضريحي منْ دموع ِ الغمَائم ِ وتدمَى عيوني أنْ أراها ذليلةً وتلتاعُ في ثوبِ الأسَى المُتفاقِم ِ تقرُّ عيوني أن أرَاهَا عزيزة ً وشعبي بعُرسِ مجدهِ المُتعَاظِم ِ شربتُ كوؤوسَ الحزنَ دهرًا ولم أزل وكم طال سُهدي في الدياجي الفوَاحِمِ سنينا ً أعاني من جراح ِ أحِبَّةٍ وما عِيلَ صبري من عذابٍ ملازم ِ وأرعىَ نجومَ الليلِ وحدِيَ شاردًا وأطوي الليالي والسهادُ مُنادِمي وإني ولا عِلمٌ - لأعلم ُ انني سأُسقىَ المنايا بعد طول ِتصادم ِ أسيرُ على شوكِ القَتادِ وفي اللظى أوَاكِبُ أحلامي ببيدٍ قوَاتِم ِ وهذا زمانٌ للنذالةِ والخَنا يسودُ بهِ الأنذالُ. كلُّ الأراقم ِ ولمْ أرضَ عيشَ الذلِّ مثلَ حُثالةٍ لأجلِ فُتاتٍ كمْ جَنوَا منْ مَآثِم ِ وإني لمقدامٌ بكلِّ مُلِمَّةٍ أخوضُ خِضمَّ الموتِ...لستُ بنادم ِ بقيتُ لبأسي صخرةً عربيَّةً تصدُّ الهوانَ.. كلَّ عاتٍ وظالم ِ لمُستنقع ِ التطبيع ِ مازلتُ رافضًا وكم غاصَ فيهِ الغيرُ دونَ لوائِم ِ وجائزةُ الإذلالِ كم نالهَا هُنا سَفيهٌ ومعتوهٌ ببَيْع ِ الذمائم ِ وكم من خسيسٍ صارَ سيِّدَ قومِهِ وكم من أبيٍّ دِيسَ تحتَ المَناسِم ِ وكم منْ عميلٍ صارَ شهماً مناضلا غدا وطنيًّا بعدَ طولِ مَآثِم ِ وأمقتُ هذا العصرَ تشقاهُ أمَّتي فيُرعِدُ برقي رُغمَ عارِ الهزائِم ِ وما كنتُ أرضَى العارَ مالا ومنصباً ولو أمطرُوني من كثيرِ الدراهم ِ وإني ولا عِلم ٌ- لأعْلمُ أنني عليَّ سلامٌ من إلهيَ حاكمي وإني ولا عِلم ٌ- لأعْلمُ أنني لأشرَفُ ما فوقَ الثرى في المكارم ِ وأنّى لِحَالٍ أن يَدُومَ بحالِهِ وَأنّى لِبَاغ ٍ أن يظلَّ بسالِم ِ وَهَيهات مَعْتُوهٌ يظلُّ مُرَأسًا وَأنّى لِظلمٍ أن يظلَّ بقائِم ِ وَهيهاتَ حُرٌّ أن ينالَ وظيفةً وَمالاً لدَى أهلِ الخنا والسَّخائِم ِ وأنَّى لِحُرٍّ جَهْبَذٍ يُسْقَى اللظى يظلُّ يُعاني في خِضَمِّ المَآتِم ِ فكم من خسيسٍ نالَ جاهًا وَمَركزًا وَلا بُدَّ يهوِي تحتَ حدِّ الصَّوَارم ِ وَما قيمَةُ الإنسانِ دونَ كرامةٍ وَدُونَ ضمير ٍ.. راتعٌ في النّمائِم ِ ويخدمُ أهلَ الجور ِ وَالغدر والخنا وَوَاشٍ على الأحرار. كلَّ الأكارم ِ وَفي مجمع ِالاوباشِ فالحقُّ ضائِعٌ وَأيامُنا سودٌ لنيرِ الغرائِم ِ لأنٍّي أبيٌّ لستُ نذلا وآفِكًا وَلستُ بفسَّادٍ وخيرُ مُسَالِم ِ لأنِّي أحِبُّ الخيرَ والناسَ دائمًا هُنا لم أوَظّفْ عندَ أهلِ المَظالِم ِ وإني إلهُ الشعرِ والفنِّ والعُلا وإني بداياتٌ وَمِسْكُ خَوَاتِم ِ وإني مسيحُ العصرِ تبقى رسالتي سلاماً وَحُبًّا دونَ شرطٍ لعالم ِ بذلتُ حياتي كلها لقضيتي وما زلتُ قربانا هنا.. لم أسَاوم ِ تكأكأ كلٌّ قربَ كلكلِ خيمتي وكانَ السبيلُ في سهوبِ مراسمي ولي حكمة ٌمن نورِهَا تنهلُ الدنى وكم فيلسوفٍ أعجزتهُ طلاسمي سَمَوْتُ إلى فوق النجومِ ولم ازلْ أحلقُ تيهًا كالنسورِ القشاعم أموتُ لأجلِ الحقٍّ لستُ بنادمٍ إذا ما أنا ضَحَّيْتُ دون َمغانم ِ سأبقى على دربِ الكرامةِ والإبا ترفعتُ عن دُنيا الخنا واللمَائم ِ وأرقى بجهدي...بالكفاح ِ لمنصبٍ وفي الخزي غيري يرتقي في السلالمِ وديني السلامُ والمحبة ُ والوفا ونصرة ُ أهلِ الحقِّ وسط الزمازم ِ وديني الكفاحُ، والنضالُ هويتي لأجلِ غدٍ يزهُو بأحلى المباسِم ِ سَمَوْتُ بفنّي ثمَّ شعري للعُلا وَكم هامَ فيهِ من مُحِبٍّ وَحَالِم ِ وإن تعهدِيني لا أزالُ مناضلا أبيًّا شريفاً لا أدينُ لظالم ِ وإن تسألي الأحرارَ عنّي فإنني مثالُ الإبا...لا ينكرونَ عزائمي كفاحي سيبقى للشعوبِ منارةً بجهدي وعزمي قد وصلتُ وصَارمي أحبُّ الحياة َ للشعوبِ جميعَها صفاءً نقاءً دونَ قسوةِ طاغم ِ أنا للسلام ِ رُؤيتي وتطلعي ولكن أبَيْتُ الظلمَ...سطوة غاشم ِ وفي مَجْمَعِ الأوباشِ فالنذلُ سيُّدٌ وأمَّا الكريمُ الحرُّ دُونَ دَعَائم ِ وما كنتُ أرضى أنْ أطأطِئَ هامَتِي وأرفضُ عيشَ الذلِّ تحتَ الردائم ِ ولا شيئَ يبقى غيرُ حُسنِ صنِيعِنا لنا المُرتجَى بالرَّبِّ مُحيِي الرَّمَائم ِ (شعر: الدكتور حاتم جوعيه - المغار - الجليل) ******************** القراءة: ملحمة الروح العربية: تأمل في "نشيد الحب والكفاح" للدكتور حاتم جوعيه حين تمتد الأبحر الشعرية على مدى يزيد عن المائة بيت، وتتسع رحاب الكلمة لتشمل الوجود بأكمله من أقصاه إلى أقصاه، فإن القارئ لا يمر أمام نص عابر، بل يقف إزاء كون قائم بذاته، كون أبدعه الشاعر الدكتور حاتم جوعيه ليؤثثه بالحب والجمال والكرامة والنضال، وليجعل منه مملكة لا تهاب الجبابرة، ولا تخشى تغيرات الزمن. قصيدة "نشيد الحب والكفاح" ليست مجرد ديوان مصغر، بل هي بيان شعري شامل، ووثيقة إنسانية خالدة، وملحمة ذاتية تتحول فيها حياة الشاعر إلى أسطورة، وتتجسد فيها القيم العربية الأصيلة بكل تجلياتها النبيلة. منذ البيت الأول، يعلن الشاعر عن مشروعه الشعري الأكبر، مشروع الغناء رغم كل شيء، الغناء الذي يتحدى الجرائم وينثر ورد الطهر فوق العوالم. إنها لحظة تأسيسية تضع القصيدة في سياق المواجهة، لا مواجهة الخصوم فقط، بل مواجهة الموت والنسيان والظلم. "تضوّعت سحرًا بالعبير وبالشذا" - هكذا يتحول الشاعر من مجرد ناثر للعطر إلى العطر ذاته، ومن مغنٍ إلى نغمة، ومن شاعر إلى قصيدة تمشي على الأرض. وهذا التحول الجوهري يمنح النص قدرة استثنائية على الإقناع، فالقارئ لا يقرأ عن الشاعر، بل يقرأ الشاعر نفسه في تجليه الأسمى. تتعدد المقاطع وتتنوع، ولكن خيطًا ناظمًا واحدًا يسري في جميع أرجاء القصيدة: إنها صرخة الوفاء في زمن الخيانة، ووثبة الكرامة في حضارة الذل، ونشيد الحب في برية الجرائم. "سأبقى وفيًا للمدى لعقيدتي" - هذا البيت يكاد يكون مفتاح القصيدة بأسرها، فكلمة "للمدى" تحمل زمنًا غير محدود، وامتدادًا لا يقف عند حدود الحياة ولا نهاية العالم. إنه وعد يتجاوز الزمن البشري التقليدي، ويصبح جزءًا من الدهر نفسه. وحين يضيف "أذود عن المظلوم تسمو مراحمي"، فإنه يؤسس لرابطة إنسانية كونية تضع الشاعر في قلب المعاناة الإنسانية، وتجعل من قلمه سيفًا، ومن كلماته درعًا. ومع استمرار الرحلة الشعرية، نجد الشاعر يبني لنفسه أسطرة متقنة، لا من باب التضخيم الذاتي، بل من باب المسؤولية التاريخية. إنه يعي أنه في زمن تاهت فيه القدوات، وتلاشت فيه النماذج، فإن عليه أن يكون هو القدوة والنموذج. "يموت الندى والجود إن مات حاتم" - هنا يتجاوز الشاعر اسمه الشخصي ليصبح رمزًا، وعلامة فارقة في تاريخ العطاء العربي. إنها مقارنة ضمنية مع حاتم الطائي، ولكنها مقارنة تتحول إلى تفوق وتجاوز، حين يقول: "بمالي وروحي جُدت لست بنادم". فالجود هنا ليس جود المال الذي قد يجود به الكريم، بل جود الحياة كلها، جود لا يعرف الندم لأنه لا يعرف التراجع. إن ما يميز هذه القصيدة بشكل لافت، هو قدرتها على جمع الأضداد في وحدة عضوية لا تنافر فيها. فالشاعر الذي يغني للحب هو نفسه الذي يخوض الردى، والذي ينشر الهدى والنور هو الذي يسير على شوك القتاد. إنها ثنائية الواقع والمثال، ثنائية المعاناة والأمل، ثنائية الأرض والسماء. وحين يخبرنا أنه "كم من ملاك فوق رأسي حائم يشيّع خطوي في الدروب العواتم"، فإنه يكشف عن علاقة خاصة مع العالم العلوي، عن عناية إلهية ترافقه في أصعب اللحظات، وتجعل من عزلته صحبة، ومن وحدته حضرة ملائكية. وليس غريبًا على شاعر بهذه الحساسية أن يكون محط إعجاب النساء، أن تكون الفتيات متيمات به، يتبادلنه أحلى الكلام، ويحضنه بأذرع ناعمة. إن وصف هذه العلاقات لا يأتي من باب التفاخر الزائل، بل من باب إثبات أن الجمال الحقيقي يجذب الجمال، وأن الشاعر الذي يفيض حبًا على العالم لا يمكن إلا أن يكون محبوبًا. "تبادلني أحلى الكلام عن الهوى كلامًا يفوق الشعر عذب النسائم" - هذا البيت يحمل في طياته اعترافًا ضمنيًا بأن هناك ما هو أسمى من الشعر، هناك لحظات الحب الخالص، وهناك كلمات العشق التي لا تستطيع القصائد أن تضاهيها. ولكن سرعان ما يعود الشاعر إلى قضيته الكبرى، إلى هموم أمته وآلام شعبه. وهنا يأخذ النص منعطفًا إنسانيًا عميقًا، يخرج فيه من دائرة الذات إلى فضاء الأمة الرحب. "أطِل على كون تسربل بالأسى" - هذه الرؤية البانورامية تكشف عن شاعر لا يكتب من برجه العاجي، بل يقف على قمة الجبل ليرى المأساة بأكملها. يرى سقاة وحطابين صاروا أذلة، ويرى ديارًا أقفرت من أهلها، وجنات تحولت إلى حقول جماجم. إنها لقطات سينمائية مؤثرة، تنتقل من الكلي إلى الجزئي، ومن العام إلى الخاص، لتخلق لدى القارئ إحساسًا بالكابوس الجماعي، بالحلم العربي الذي تحول إلى كابوس. ولعل أعمق ما في القصيدة هو تعامل الشاعر مع قضية الموت والوجود. "وللأرض جئنا نحن دون إرادة ونرحل عنها دون علم لعالم" - هنا يفكر الشاعر كفيلسوف قبل أن يكون شاعرًا، يتأمل الوجود الإنساني في هشاشته المطلقة، في عدميته التي تمنح الحياة قيمتها. إن المجيء إلى الدنيا كان قسريًا، والرحيل عنها سيكون قسريًا أيضًا، وما بينهما هو ميدان الاختيار، ميدان الفعل الإنساني الذي يصنع المعنى. وهكذا، يصبح الكفاح من أجل الكرامة، والحب من أجل الحياة، واجبًا وجوديًا لا مفر منه، لأن العدم ينتظرنا في النهايات، والعطاء وحده هو الذي يخلد الذكرى. إن ارتباط الشاعر بأرضه، ببلاده، ليس ارتباطًا عاطفيًا عابرًا، بل ارتباط وجودي يصل إلى درجة الذوبان. "بلادي هواها في فؤادي وفي دمي" - هذا البيت يحمل صورة التمازج الكامل بين الإنسان والوطن، بحيث يصبح الوطن جزءًا من التركيب البيولوجي للإنسان. وحين يتحدث عن موته ودفنه في ترابها، فإنه لا يعبر عن حنين عابر، بل عن وحدة أبدية، عن زواج لا ينتهي بالفراق، عن عرس يتم فيه تحول الجسد إلى تراب، وتحول التراب إلى جسد. إن نقد الشاعر لعصره، لزمان النذالة والخنا، ليس نقدًا متشائمًا أو هدامًا، بل هو نقد يصدر عن رؤية أخلاقية واضحة، وعن إيمان بقيم الخير والجمال. إنه يراقب انقلاب الموازين، صعود الأنذال وهبوط الأباة، بأسى الراهب وبغضب النبي، ولكن دون أن يفقد الأمل في التغيير. "وهيهات حُر أن ينال وظيفة ومالاً لدى أهل الخنا والسخائم" - هنا نصل إلى لب المأساة العربية، حيث أصبحت الكفاءات تضيع، وأصبحت الوظائف والمال حكرًا على أهل الفساد والانتهازية. إنها صرخة المبدعين العرب، الذين يجبرون على المنافسة في سوق لا تقدر الإبداع، ولا تكافئ سوى التزلف والنفاق. في مقابل هذا العالم المنحط، يقف الشاعر كالصخرة التي تصد الهوان، كالأسد الذي لا يهاب الموت. "بقيت لبأسي صخرة عربية تصد الهوان كل عات وظالم" - هذه الصورة ليست مجرد فخر، بل هي إعلان عن هوية، عن انتماء إلى جذور عربية تضرب في عمق التاريخ. إنها لحظة يتجسد فيها الماضي العربي المجيد في شخص الشاعر، وتصبح فيه ذاكرة الأجداد حاضرة نابضة، لا مجرد أطلال تزار في المناسبات. ومن أبرز ما في القصيدة، موقف الشاعر من قضية التطبيع، التي أصبحت في الأدب العربي المعاصر علامة فارقة بين الشعراء الأحرار وأدعياء الحرية. "لمستنقع التطبيع مازلت رافضًا" - هكذا يعلن موقفه بكل وضوح، دون مواربة أو تلفيق. وموقفه هذا ليس سياسيًا فقط، بل هو أخلاقي وإنساني، لأن التطبيع مع الظلم هو تطبيع مع الجريمة، وهو تطبيع مع قتل الأطفال وتدمير البيوت. وهنا تصبح القصيدة جزءًا من المقاومة، ليس مقاومة السلاح فقط، بل مقاومة القلم، مقاومة الكلمة التي لا تهاب الطغاة ولا تتزلف للحكام. إن تصوير الشاعر للعلاقة مع الذات الإلهية يمنح النص بعدًا روحانيًا عميقًا. " وإني ولا عِلم ٌ- لأعْلمُ أنني عليَّ سلامٌ من إلهيَ حاكمي " هذه العبارة تحمل في طياتها إحساسًا بالأمان الكوني، بوجود قوة أعلى تحمي الشاعر وتسانده، حتى لو تخلى عنه البشر جميعًا. وهنا يكمن سر قوته، سر صموده أمام كل التحديات. إنه ليس وحيدًا في ساحات النضال، فهناك يد إلهية تغمره بالسلام، وهناك رعاية سماوية تحرس خطواته. وحين يصل الشاعر إلى ذروة فخره، إلى إعلانه "إني إله الشعر والفن والعلا"، فإن القارئ قد يتوقف لحظة أمام هذه العبارة الجريئة. ولكن التأمل العميق يكشف عن أنها ليست إدعاء ألوهية، بل هي بلاغة شعرية تعبر عن التفوق المطلق، عن الرفعة التي تصل إلى درجة لا يمكن وصفها إلا بالكلمات المقدسة. إنه يستعير المفردات الدينية ليعبر عن عظمة التجربة الإبداعية، عن الشعور بالخلود الذي يمنحه الفن. "وإني مسيح العصر تبقى رسالتي سلامًا وحبًا دون شرط لعالم" - هنا تتكشف الرسالة الإنسانية الكبرى للشاعر: السلام والحب بلا شروط، محبة للبشرية جمعاء، سلام شامل لا يميز بين عرق أو دين أو لون. إنها رسالة عالمية تخرج من قلب المعاناة وتتجه إلى كل إنسان على وجه الأرض. ومع اقتراب القصيدة من نهايتها، يعود الشاعر ليؤكد على ثوابته، على إبائه وكرامته، على رفضه للذل والمساومة. "وديني السلام والمحبة والوفا" - هكذا يعيد تعريف الدين، لا كممارسات طقوسية، بل كقيم إنسانية نبيلة، كالسلام والمحبة والوفاء. إنه يقدم نموذجًا للتدين الإنساني، للإيمان الذي ينصهر في سلوك الإنسان وأخلاقه، لا في شعائره فقط. ونفس هذا الدين يجعله يقول "وديني الكفاح والنضال هويتي"، فالكفاح هنا ليس مجرد عمل سياسي، بل هو عبادة، هو الطريق إلى تحقيق العدالة في الأرض. إن تكرار الشاعر لعبارة "سموت بفني ثم شعري للعلا" في عدة مواضع يؤكد على ثنائية أساسية في رؤيته: الفن والشعر وجهان لعملة واحدة، هما الوسيلة والغاية، هما الطريق والهدف. والفن الذي يتحدث عنه ليس فنًا للذة العابرة، بل فنًا للخلود، فنًا يضيء الطريق للأجيال، ويجعل الآمال تشرق في كل نفس يائس. إنه يؤمن بأن الكلمة قادرة على تغيير العالم، وأن القصيدة يمكن أن تكون ثورة، وأن البيت الشعري قد يكون معركة بأكملها. ولعل أجمل ما في هذه القصيدة هو أنها، رغم طولها ورغم تعدد موضوعاتها، تبقى متماسكة البنيان، ثابتة الإيقاع، لا تشعر القارئ بالملل أو التعب. كل بيت يحمل فكرة متكاملة، وصورة مكتملة، وتجربة إنسانية نابضة بالحياة. إنها تحتاج إلى أكثر من قراءة، أكثر من تأمل، لأن في كل قراءة جديدة تفتح أفقًا جديدًا، ويكتشف القارئ معنى جديدًا لم ينتبه إليه من قبل. في نهاية هذا التأمل، يمكن القول إن "نشيد الحب والكفاح" ليس مجرد قصيدة، بل هو بيان شعري شامل، وملحمة ذاتية، ووثيقة نضالية، وإعلان قيم، وصلاة جمالية. إنه يضع الدكتور حاتم جوعيه في مصاف الشعراء الذين لا يكتبون للزينة أو المتعة، بل يكتبون للتغيير والخلود. إنه يذكرنا بأن الشعر يمكن أن يكون قوة تغيير، وأن الكلمة قد تكون أقوى من الرصاص، وأن القصيدة قد تبقى حية عندما تموت الإمبراطوريات. وهكذا، يظل هذا النشيد خالداً في سجل الأدب العربي، ينير دروب الباحثين عن الحب والكرامة والجمال، ويذكرنا جميعًا بأنه رغم كل الجرائم، يبقى النشيد مستمرًا، ورغم كل الظلم، يبقى الشعراء أوفياء، ورغم كل المحن، تبقى الكلمة حرة لا تُقهَر.
#طه_دخل_الله_عبد_الرحمن (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
قراءة لقصيدة – جنة الغفران – للأستاذ الشاعر الدكتور فهد المح
...
-
قراءة لمقالة - في الذكرى السنوية على وفاة الموسيقار محمد عبد
...
-
قراءة لقصة - الحق لا يحميه الصامتون – للأستاذ الكاتب صالح اس
...
-
أنا والقلم
-
قراءة لقصيدة – اجتمعت – للأديبة الناقدة نافلة مرزوق العامر ك
...
-
قراءة لقصيدة – نابلس - من ديوان ترانيم الغروب للأستاذ الشاعر
...
-
النقدُ الأدبيُّ: إبداعٌ من رحمِ النصِّ، فمَن يستخفُّ به يستخ
...
-
خاطرة - نبض الابداع
-
بين الماضي والحاضر رؤية مستقبلية
-
خاطرة – الجسر -
-
قراءة لقصيدة – أيها الصامتون – للناقدة الشاعرة فوزية بن حوري
...
-
قراءة لقصيدة – تراتيل عشق أبدي – للأستاذ الشاعر منير راجي
-
قراءة لنص – منطقة الوشاح في وادي فلاح في ارض الطيرة – للكاتب
...
-
قراءة نقدية – لقصة حبات الفراولة المالحة – للدكتور محمد سليط
-
الوحدة في زمن الازدحام، مفارقة العصر الرقمي
-
الثقافة والاستدراك
-
قراءة لنص - إياك والكِبْرِ والكبرياء والتكبر – للأديب الأستا
...
-
أبي... غيابٌ لا يشيخ
-
الأم في عيدها
-
قراءة لقصة - سيدي جابر وبكاء بعد منتصف الليل – للأستاذ القاص
...
المزيد.....
-
من مخطوطة في العشق
-
باريس تستضيف فعالية موسيقية فرنسية لبنانية لدعم الأزمة الإنس
...
-
معرض الدوحة للكتاب.. الكَمْلي يستحضر قرطبة وسمرقند ليُجيب عن
...
-
الممثلة التونسية درّة زروق تنشر صوراً لها -بين الماضي والحاض
...
-
-لا رقيب بعد اليوم-.. دلالات الخطاب الثقافي السوري الجديد من
...
-
الفنون والثقافة تنافسان الرياضة في إبطاء الشيخوخة
-
الصدر الرجالي المكشوف.. هل يصبح أكثر إثارة من الفساتين الجري
...
-
-2026 عامي الأخير-.. حسام السيلاوي يعلن اعتزال الغناء
-
الوجه المظلم للذكاء الاصطناعي.. لماذا لا تحصل على أفضل النتا
...
-
-فجأة- فيلم ياباني عن المسنين ينافس على السعفة الذهبية
المزيد.....
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
-
طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة
/ احمد صالح سلوم
-
حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي
/ نايف سلوم
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
رواية هروب بين المضيقين
/ أمين أحمد ثابت
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا
...
/ السيد حافظ
-
تمارين أرذل العمر
/ مروة مروان أبو سمعان
-
اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية
/ أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
المزيد.....
|