أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - قراءة لمقالة - في الذكرى السنوية على وفاة الموسيقار محمد عبد الوهاب – للدكتور حاتم جوعيه















المزيد.....


قراءة لمقالة - في الذكرى السنوية على وفاة الموسيقار محمد عبد الوهاب – للدكتور حاتم جوعيه


طه دخل الله عبد الرحمن

الحوار المتمدن-العدد: 8709 - 2026 / 5 / 18 - 01:53
المحور: الادب والفن
    


المقالة:
التجديدُ في الغناءِ والموسيقى الشرقيّةِ وبعث المقاماتِ العربية/ الدكتور حاتم جوعيه
" في الذكرى السنوية على وفاة الموسيقار محمد عبد الوهاب "
(إختلفت المشكلات والمهام التاريخية بين عبده الحامولي (سي عبده ) ومحمد عبد الوهاب ، لكن الاساس الراسخ عندهما كان الحفاظ على الكيان العربي المستقل لهذا الفن )
إنَّ شهرَ أيار - مايو- هو شهر الرَّحيل عن الدنيا لِمُطربِ القرن العشرين محمد عبد الوهاب، ومطرب القرن التاسع عشر عبده الحامولي المعروف ب (سي عبده)، وإن باعدت بينهما تسعون سنة بالتمام. هذان العملاقان
ملآ الدنيا وشغلا الناس وتركا أعمقَ الأثار في الغناء ِالعربي المُتقن وبقيت
أصداءُ صوتهما لا تزاحمهما أصداء صوتٍ آخر. فالكاتبُ العربي الكبير نجيب محفوظ كتبَ على لسان بطل ثلاثيتهِ الرّوائية- (السيدأحمدعبدالجواد) – قوله: " إنَّ دولة َ الفنِّ قد انتهت بانتهاءِ " سي عبده ". أمَّا عبد
الوهاب فأنهكَ حياته المديدة في تجديدِ الغناء العربي على مراحل متعاقبةٍ توازي مراحله الصوتيّة فكانَ له ُ في العشرينات تجديد، وفي الثلاثينيات تجديد آخر، وفي كلِّ عقدٍ بين الأربعينبات والتسعينيات لون آخر متميز من التجديد. منذ ُ فجر تاريخ الغناء العربي محمد عبد الوهاب هو أوَّلُ ملحن ومطربٍ عربيٍّ صدرت عنه في مصر لوحدِها عشرة ُ كتبٍ قبل أن يمضي على رحيل عامان فقط. وشهر أيار - مايو - سنة 1901 وسنة 1991 يجمعُ بين عملين فنيين يَبْدُوَان مختلفين، لكنهما في الحقيقةِ متفقان فعبده الحامولي في الأدوار الغنائية يختلفُ عما َقدَّمَهُ عبد الوهاب وأبدعهُ في تجديداتهِ التلحينية ولكن يجمعُ بينهما إخلاصهما والتزامها لأصولِ الغناءِ العربي المُتقن والموسيقى الشرقي الكلاسيكية الرَّاقية والعمل على توسيعها وتطويرها وحمايتها من الهدم والتخريبِ والضياع. فالغناءُ العربي المُتقنُ يَتَّسِعُ لجميع ِ المذاهب والمُحاولات التجديديَّة ما دامت لا تستهدفُ إلغاءَ هذهِ الأصول العربيةِ وإحلال الموسيقى الأوروبية بدلا منه.
تتضَّنُ الموسيقى العربية ُ في بعض ٍ من مقاماتِها وايقاعاتِهَا جميعَ ما تحتويه ِ الموسيقى الأوروبية لأنَّ الموسيقى العربية بحرٌ كبير لا نهاية لهُ، أما الموسيقى الأوروبية فهي المقامان الكبير والصغير ويقابلهما في الموسيقى الشرقية مَقامَا النهاوند والعجم، وهما قطرة صغيرة من بحر الموسيقى العربية (هذه هي العلاقة والرابطة بين أصول الموسيقى العربية والشرقية).
إنَّ جميعَ ما دخل على الموسيقى الأوروبيه من الأعمال التركيبيّة من هارموني وكونتروبوينت الخ ... فكله يدورُ في إطار المقامين الذين ذكرتهما وهما (النهاوند والعجم أو المينور والماجير)، بالرُّغم ِ من اتساع هذين المقامين لا يستطيعان إستيعابَ الحشد الكبير الهائل من المقامات العربية. ولهذا يعجزُ المستمع ُالاوروبي والامريكي عن تذوِّق الموسيقى العربية وفهم تركيبها الذي يتهادى ويتسامى أمامَ عينيه وأذنيه. ولهذا أيضا يقول بعضهم: إنهُ يُفتقُرُ الى النظر العلمي من تطويع الأغنيةِ العربية للعالميةِ، ولكن هذا الرأي أو هذه الدعوة العقيمة لم تنجَحْ من حيث الاستغناء عن باقي المقاماتِ العربية والاكتفاء بالمقامين الكبير والصغير من أجل تطويع الاغنية العربية للعالميةِ كما يزعمُ البعضُ. وقد برهنت على زيفها وعدم صِحَّتِهَا هذه الدعوة عندما اصطدمت في السنواتِ الأخيرة بالموجةِ الغنائية الهابطةِ فانهزمت تلك الدعوة ُ المهجنة ُ الرخيصة على الرغم من تقدُّم ِ الدعوة ِ والموجةِ الهابطة قليلا.
وقد كان دعاة ُ تغريبِ الغناء ِ العربي والموسيقى العربية ومحو آثارهما وإحلال الموسيقى والغناء الاوروبي محلهما يعتقدون أنهما على وشك النصر النهائي.
إنَّ الموجة َ الهابطة (الأغاني المُهجَّنة - فرانكو آرب) حجبت حاليًّا
الغناء العربي المُتقن بعض الشيء ولم تقتصر على طردِ الموسيقى الأوروبية الرفيعة الراقية، ولكن احتجابَ الغناء العربي الاصيل المتقن أمر مؤقت وستنتهي قريبا تلك الموجة ُ الهابطة الساقطة ويعودُ الغناءُ العربي الاصيل في مرحلته الجديدة المقبلة أهمَّ مِمَّا كانَ عليهِ سابقا وسيتخذ ُ
طريقا مستقلا رائدًا في الحداثةِ والتطوير والابداع وسينتصرُ في نهايةِ المطاف على الفنِّ الهابطِ الساقط وعلى محاولاتِ التغريب التي ترفع شعارات (الموسيقى الرفيعة) واهدافها الحقيقية إزالة الموسيقى العربية من الوجود لأنها متطورة أكثر وأرقى وأوسع وأعذب وأجمل ومتميزة عن الموسيقى الأجنبية اذ أنها تخاطبُ الجانبَ الوجداني والروحاني في الإنسان فتأسرُ لبَّهُ وتهذبُ أحاسيسه وطباعه وتحدُو به إلى عالم ٍ رومانسيٍّ حالم رائع. إنَّ هذه القضايا التي نحن في صددِها قد تصدَّى لها محمد
عبد الوهاب ومعاصروه، أمثال: محمد القصبجي وزكريا أحمد ورياض السنباطي، وهم الرباعي الأعظم في التلحين. ثم تصدى لتلك الظاهرة التي ذكرتها الجيل الذي تتلمذ عليهم، أمثال: أحمد صدقي ومحمود الشريف وعبد العظيم عبد الحق ... ثم الجيل الثالث: كمال الطويل ومحمد الموجي وبليغ حمدي، وبعض المغنين الملحنين أمثال فريد الاطرش ومحمد فوزي. وقد اختفى فجأة معظم هذا الرعيل الأخير بعد رحيل ِ الرعيل الاول من العمالقةِ وجهابذة الفن وغصَّت الساحة وامتلات بعشرات بل مئات الملحِّنين من جيل (الدرابوكة) المصرية البلدية وايقاعات الديسكو والبوب والجاز والروك الخ...هنالك بعضُ الموهوبين من الذين استسلمُوا للموجةِ الغنائيةِ الهابطة ولكن الأكثرية من غير الموهوبين وهم يعتبرون انتهازيين متسلقين دخلاء على التلحين والفن كأصحابهم المغنيين الجدد الدخلاء على الغناء.
إنَّ تسعين عاما بين رحيل عبده الحامولي (سي عبده) سنة 1901 ورحيل محمد عبد الوهاب سنة 1991 قد أعادت رسم مشكلات الغناء العربي بحيث كادت تصبح مقطوعة َ الصلة ِبمشكلاتهِ في عهد عبد الحامولي وزميله محمد عثمان ومحمد المسلوب في أواخر القرن التاسع عشر فمهمة (سي عبده) ومعاصريه.. أي رسالتهم الفنية كانت نفض وإزالة التراب عن المقامات العربية وإحيائها من جديد ... هذه المقامات التي أخذت أسماءً فارسية وتركيّة في عصور الانحطاط السياسي والإجتماعي للأمةِ العربية بعد سقوط بغداد في قبضة هولاكو سنة 1258 م.
فمهمة ُهؤلاء الرواد الفنانين العمالقة هي إنطاق هذه المقامات العربيّة العائدة من غربتها الطويلةِ، بلغةٍ ولهجةٍ جديدة في الغناء، تختلفُ عن اللهجةِ (العثمانية) التي سادت أكثر من أربعمئة سنة على الأقطار العربية ... باختصار فالحامولي ومعاصروه من الفنانين عملوا على ردِّ وإرجاع فنّ الغناء في عصرهم الى تلك الاصول العربية الصحيحة ... وقد فعلوا كلَّ هذا بدقة واخلاص. قبل مجيء عبده الحامولي لم يكن متداولا في مصر حينذاك سوى مقامات السيكاه والبيات والراست وشذرات من مقامات أخرى بلهجات بدائية. ويبدو هذا الامر واضحا في البحوث العلمية التي أجراها علماء الحملة الفرنسية الاستعمارية التي قادها نابليون على مصر عام 1798م. وهذه البحوث مدونة ٌ ولا خفاء بها. إنَّ كتابَ "سفينة الملك" للشيخ شهاب الدين هو الذي لفتَ الانظار ونبَّه َ الحامولي ومن سبقوهُ ومن عاصروه في القرن التاسع عشر إلى ثراء المقامات العربية وكثرتها. وفي زيارةِ الحامولي لإسطنبول افتتحت له أبواب أخرى في التعرف الى مقامات عربية غير متداولة في مصر ومعروفة في اسطنبول ناطقة بلهجة غنائية عثمانية، مثل مقام حجاز كار وأجناسه، ومجموعة من المقامات التي تبدأ بكلمة "شوق " مثل: (شوق افزا) و (شوق انكيز) و (شوق طرب). وغيرها ... هذا فضلا عن الماهور والشاهيناز والستنيكار والدلنشين وراحة الارواح، وغيرها من المقامات العربية التي أطلق َ عليها الأتراكُ والفرس أسماء ً تركية وفارسية بعد سقوط البلدان العربية في ايديهم
إنَّ مهمة َ (سي عبده) كما ذكرتُ سابقا هي بعث وإحياء وإعادة الوجه العربي إلى المقامات التي استعجمت، فأدَّى (سي عبده) ومعاصروه هذه المهمة بنجاح كبير، وتركوا للذين جاؤوا بعدهم تراثا رائعا من الموشحات والقصائد والأدوار تجسدت وارتسمت فيه ملامحُ معركتِهم العنيفة ضدَّ عوامل الانقراض التي تجمعت وتآمرَتْ ضد َّ الغناءِ العربي خلال تلك الحقبة التاريخية الطويلة المظلمة.
كان لعبده الحامولي (سي عبده) صوتٌ رائع عظيم وقال عنه معاصروه إنهُ يحتوي على ثلاثة دواوين، أي أربعة وعشرين مقاما. وهذه المساحة ُالواسعة لم ُتتحْ لصوتٍ بعد صوت عبده الحامولي إلى يومنا هذا.
فأقصى ما بلغته مساحة ُصوت محمد عبد الوهاب الذهبي في العشرينيات لم تزد على خمسة عشر مقاما، وأقصى ما بلغه صوت أم كلثوم خلال العشرينيات سبعة عشر أو ثمانية عشر مقاما. لا يُقاسُ الصوتُ بمساحتهِ فقط بل بجمالهِ أيضا ومقدرته وندرةِ معدنه ِ وقد جمع الحامولي كما قال عنه النقاد الفنيون سعة المساحة إلى جمالها ومقدرة الأداء ونفاسة المعدن. لقد سيطر عبده الحامولي على الساحةِ الفنية بمذهب الغنائي المتطور الذي انبعثت فيه مقاماتُ الغناء العربي انبعاثا جديدا من خلال ألحانه وألحان معاصريه من عمالقة الفن مثل: محمد عثمان ومحمد المسلوب.
وأخيرًا: مهما اختلفت المشكلاتُ والمهام ُ التاريخية بين محمد عبد الوهاب وعبده الحامولي (سي عبده) فإن الأساسَ الراسخ المتين الذي بنى عليه كل منهما هو حلّ مشكلة الغناء في عصره والحفاظ على الكيان العربي المستقل لهذا الفن الأصيل، وانطاقه بلهجةِ عصرهِ، وتوسيع آفاقِهِ وطرد المغرضين والمتسلقين على الدوحة الفنية من المغنيين الساقطين المهجنين التعبين أعداء الأغنية والفن العربي الراقي العريق، ومن شتى أنواع الدخلاء والأدعياء.
***
مُوسِيقارُ الاْجْيَال
في رثاء الموسيقار الكبير " محمد عبد الوهاب " - (في الذكرى السنوية على وفاته) -
مُطربَ الجيلينِ هلْ أجدى العزاءْ كلُّ فنٍّ بعدَ مَثواكَ هَبَاءْ
هيكلُ الفنِّ لقدْ شيَّدتَهُ فوقَ هُدْبِ الشمسِ رَكّزتَ اللواءْ
صَوْتُكَ السَّاحرِ كم شاقَ الدُّنَى كانَ في الشرقِ منارًا وضياءْ
وعذارى الحُبِّ كم لوَّعَها شدوُكَ العذبُ وانغامُ الغناءْ
قبلة َ العُشَّاقِ، فيهِمْ قاضيًا لذوي العشقِ عزاءٌ ورجاءْ
"ودعاءُ الشرقِ " قد خلدتهُ كمْ شجَا الأحرارَ ..كلَّ الشُّرَفاءْ
نهُركَ الخالدُ ترنيمة ُ كلِّ محِبٍّ ... لهُ عيدٌ وَهناءْ
فدموعُ النيلِ طوفانٌ وكمْ هَزَّهُ فقدُكَ.. كم ذاقَ البلاءْ
كنتما أمسِ حبيبين وكمْ تُهْتَ شدوًا كلما يأتي المساءْ
مادَتِ الأهرامُ من هول الأسى وبكاكَ النجمُ واسْوَدَّ الفضاءْ
لم يُخَلدْ كائنٌ قبلك، لا، كلُّ حيٍّ سائرٌ نحوَ الفناءْ
إنها الدنيا خطوبٌ لم تزلْ إنما العيشُ صراعٌ وبقاء
أينَ " رمسيسُ" الذي جابَ المدَى اينَ " آمونُ " وكلُّ الاقوياءْ
أين "خوفو " أين "َحَتشَبْسُوت ُ" أينَ " أمنحوتُ " وأينَ العظماءْ
إنَّهُم زالوا ولم يَبقَ سوَى وجهُ ربِّ الكونِ عنوان البقاءْ
أيها الرَّاقدُ في جفنِ الثرى لعيونِ الحورِ كمْ يحلوُ الغناءْ
أيها الراحلُ هلْ من مُلتقًى جَفَّتِ الأعينُ من فرطِ البكاءْ
****
وردةٌ بيضاءُ في صمتِ الضُّحَى جادَها الحسنُ ورَّواهَا الحيَاءْ
يسكرُ الُعُشَّاقُ من نظرِتها منبعُ الذكرى وأحلامُ الصفاءْ
دَمعُهَا الذائبُ دُرٌّ ساحرٌ هَزَّهَا البينُ وقدْ عزَّ اللقاءْ
****
إنَّهُ الحُبُّ لذيذٌ سحرُهُ وظلالُ الفنِّ نورٌ وسناءْ
يا خَلِيَّ القلبِ من نارِ الهوى أجملُّ الحُبِّ عطاءٌ ووفاءْ
فالهوى عذبٌ وما أحلى الهوى ساعةُ الوصلِ ولا خُلدُ السماءْ
يا لقلبٍ برَّحَ الشوقُ بهِ وتلظَّى.. ذابَ من طولِ الجفاءْ
أنا والحبُّ صديقانِ الى يومِ أمضي وَيُوَافِيني القضاءْ
***
أنتَ للفنِّ سناءٌ وَسَنًا وأنا للشعرٍ ربُّ وسماءْ
فاملإ الدنيا عبيرًا وشذًى أترعِ الشرقَ عطاءً وسَخاءْ
صيتُكَ السَّاطعُ مِسكٌ أذفَرٌ وَشَذاهُ فاحَ في الغربِ رَخَاءْ
وأغاني "فرانكواراب " وما جدَّدُوهُ لجنونٌ وَهُرَاءْ
أنتَ موسيقارُ كلِّ الشرق ما زلتَ ربَّ الفنِّ من غير مِرَاءْ
أعشقُ الفنَّ الذي خلدتهُ فهو إلهامي، ووحيي، والعزاءْ
أنتَ "رُومُيو" يرقصُ النيلُ حَوا ليكَ والغيدُ ستشتاقُ الغناءْ
"مصرُ" مَنْ..؟ أنتَ الذي أترَعَهَا أملاً عذبًا وسحرًا وَرُوَاءْ
" كيليُبَترا " انتظرَتْ فارسَهَا فانطلِقْ للفجرِ قد آنَ اللقاءْ
**********************
القراءة:
في رحاب النغم الأصيل، تأمل في رؤية الدكتور حاتم جوعيه لتجديد الموسيقى العربية وبعث المقامات
عندما نُقبل على قراءة نص الدكتور حاتم جوعيه، ذلك النص الذي يفيض بالعمق التاريخي والحس النقدي المرهف، والذي ينسج خيوط الذكرى بين عملاقين فارق الزمن بينهما تسعون عاماً بالتمام، فإننا نقف أمام ظاهرة أدبية نقدية فريدة من نوعها، ظاهرة تجمع بين تأريخ الفن ودفاع المستميت عن هويته، بين رثاء الفقيد وبعث الرسالة الخالدة التي تركها خلفه. إن الكاتب هنا لا يكتب كباحث بارد يجمع المعلومات ويصف الوقائع، بل يكتب كناقد عضوي، كفنان يدرك أن الموسيقى العربية ليست مجرد ألحان ومقامات، بل هي كيان روحي وحضاري، وهي لسان الأمة الناطق بوجدانها، وهي السجل الحي لتاريخها العاطفي والفكري.
واللافت في افتتاحية المقال أن الدكتور جوعيه لم يختر شهر أيار عبثاً، بل جعله علامة فارقة، موعداً للرحيلين، موعد عبده الحامولي في 1901 ومحمد عبد الوهاب في 1991، وكأن الزمن نفسه أراد أن يقول كلمته: إن هذه الأرواح العظيمة لا ترحل إلا في مواسم تحمل في طياتها معاني البعث والتجدد، فصل الربيع الذي تموت فيه الأزهار لتنبثق من رحم موتها أزهار أكثر جمالاً. وهنا نلمح أولى معجزات الأسلوب البلاغي في النص، ذلك الأسلوب الذي يمزج بين الدقة التاريخية والتصوير الشاعري، فلا تجد تنافراً بين ذكر التواريخ والأسماء، وبين رسم اللوحات العاطفية التي تأسر القلب وتخاطب الوجدان.
يمضي الدكتور جوعيه ليرسم لنا صورة متقاطعة بين الرجلين، فيقرر أن مهمة الحامولي كانت بعث المقامات العربية من تحت رماد الانحطاط الطويل، تلك المقامات التي أخذت أسماء فارسية وتركية بعد سقوط بغداد عام 1258، والتي كانت قد استعجمت على الألسنة والقلوب. إنها معركة إحياء، معركة نفض الغبار عن كنوز دفينة، وإعادة الوجه العربي إلى مقامات تغربت عن أوطانها. أما محمد عبد الوهاب، فمهمته مختلفة شكلاً ولكنها متحدة روحاً، إنها مهمة التجديد المستمر، تلك التجديدات التي رافقت مراحل صوته المتعاقبة، من العشرينات حتى التسعينيات، كل عقد وله لون جديد، كل مرحلة وتجديد يليق بها، دون أن يفقد القبضة على الأصول العربية الراسخة.
وهنا تكمن عبقرية التحليل عند الدكتور جوعيه، فهو لا يرى تناقضاً بين التجديد والأصالة، بل يراهما وجهين لعملة واحدة. إن الغناء العربي المتقن، كما يقول الكاتب، يتسع لجميع المذاهب والمحاولات التجديدية ما دامت لا تستهدف إلغاء الأصول العربية وإحلال الموسيقى الأوروبية محلها. هذا شرط جامع ومانع، شرط يضع الحدود الفاصلة بين التجديد الخلاق والتبعية الذليلة، بين الابتكار الذي يثري الأصل والهدم الذي يمحو الهوية. وهنا نستحضر قول الدكتور جوعيه في مقارنته بين الموسيقى العربية والأوروبية، حيث يصف الأولى بالبحر الكبير الذي لا نهاية له، والثانية بالمقامين الكبير والصغير فقط، وهما قطرة صغيرة من ذلك البحر المتلاطم الأمواج. إنها مقارنة جريئة ولكنها دقيقة، فالموسيقى العربية تمتلك من المقامات والإيقاعات والتفاصيل الدقيقة ما يجعلها عالماً قائماً بذاته، عالماً لا يمكن اختزاله إلى ما يعرفه الغرب عن النهاوند والعجم.
ثم ينتقل الكاتب إلى معركة كبرى، معركة الدفاع عن المقامات العربية ضد دعوات التغريب التي رفعها بعضهم بحجة تطويع الأغنية العربية للعالمية. إنه يفضح هذه الدعوة ويبرهن على زيفها، ويرصد كيف اصطدمت في السنوات الأخيرة بالموجة الغنائية الهابطة فانهزمت أمامها، رغم تقدم تلك الموجة قليلاً. إنها سقطة مزدوجة، سقطة دعاة التغريب الذين راهنوا على محو الهوية فلم ينجحوا، وسقطة الموجة الهابطة التي أرادت أن تحل محل الغناء الأصيل فلم تستطع إلا أن تحتجبه مؤقتاً. وهنا نلمس ثقة الدكتور جوعيه المطلقة بعودة الغناء العربي الأصيل أقوى مما كان، فهو يرى في الموجة الهابطة مجرد عارض طارئ، غيمة صيف ستنقشع سريعاً، لتعود الشمس العربية ساطعة في مرحلتها الجديدة المقبلة.
ولا يغفل الدكتور جوعيه عن رصد العوامل البشرية في هذه المعركة، فيذكر أسماء الرعيل الأول من العمالقة، الرباعي الأعظم في التلحين: محمد عبد الوهاب نفسه، ومحمد القصبجي، وزكريا أحمد، ورياض السنباطي، ثم الجيل الثاني الذي تتلمذ عليهم كأحمد صدقي ومحمود الشريف، ثم الجيل الثالث ككمال الطويل ومحمد الموجي وبليغ حمدي. لقد كان هؤلاء جميعاً حراساً للأصالة، ساهرين على حماية الكيان العربي المستقل للفن. ولكن بعد رحيل هذا الرعيل، امتلأت الساحة بعشرات بل مئات الملحنين من جيل "الدرابوكة المصرية البلدية" وإيقاعات الديسكو والبوب والجاز والروك، انتهازيين متسلقين دخلاء على التلحين والفن، لا يمتلكون الموهبة ولا الإخلاص ولا الفهم الحقيقي لروح الموسيقى العربية.
إنها لحظة نقد لاذعة، لحظة يصبح فيها الدكتور جوعيه ليس ناقداً فحسب بل طبيباً يشخص الداء، وفاضحاً يزيح الستار عن وجع الساحة الفنية المعاصرة. إنه لا يخشى في الحق لومة لائم، بل يقول كلمته بكل وضوح وبكل جرأة، مميزاً بين الموهوبين الذين استسلموا للموجة الهابطة اضطراراً أو جهلاً، وبين الأكثرية من غير الموهوبين الذين هم دخلاء انتهازيون.
ثم يعود الدكتور جوعيه ليستكمل رحلته التاريخية، فيتحدث عن كتاب "سفينة الملك" للشيخ شهاب الدين، ذلك الكتاب الذي لفت أنظار الحامولي ومن سبقه إلى ثراء المقامات العربية وكثرتها، وكيف أن زيارة الحامولي لإسطنبول فتحت له أبواباً جديدة للتعرف إلى مقامات عربية غير متداولة في مصر، كانت ناطقة بلهجة غنائية عثمانية، مثل مقام حجاز كار، ومجموعة المقامات التي تبدأ بكلمة "شوق" كشوق افزا وشوق انكيز وشوق طرب، وغيرها من المقامات كالماهور والشاهيناز والستنيكار والدلنشين وراحة الأرواح. إنها مقامات عربية في جوهرها ولكنها ارتدت أسماء تركية وفارسية في عصور الانحطاط السياسي، وكانت مهمة الحامولي أن يردها إلى حضنها العربي، وأن ينطقها بلهجة عربية خالصة، خالية من العجمة والغربة.
وفي لفتة إحصائية دقيقة، يقارن الدكتور جوعيه بين مساحة أصوات العمالقة، فيذكر أن صوت عبده الحامولي كان يحتوي على ثلاثة دواوين، أي أربعة وعشرين مقاماً، وهي مساحة واسعة لم تتح لأي صوت بعده حتى يومنا هذا. أما محمد عبد الوهاب، فأقصى مساحة صوته الذهبي في العشرينات لم تزد على خمسة عشر مقاماً، وأم كلثوم على سبعة عشر أو ثمانية عشر مقاماً. وهنا لا يقصد الدكتور جوعيه المفاضلة بين العمالقة، بل يريد أن يبرز خصوصية كل منهم، وأن يبين كيف أن عبده الحامولي جمع بين سعة المساحة وجمال الصوت ومقدرة الأداء ونفاسة المعدن، فكان ظاهرة فريدة، ظاهرة جمعت بين الإرث التاريخي والموهبة الفذة.
وبعد كل هذا التحليل التاريخي والنقدي العميق، يأتي الختام الشعري حيث يتحول المقال إلى مرثية مؤثرة، يخاطب فيها الشاعر الموسيقار الراحل بأبيات تفيض بالحزن والأسى، ولكنها أيضاً تفيض بالفخر والعزة والثقة بالنفس الفنية. يقول الدكتور جوعيه على لسان الشاعر: "مطرب الجيلين هل أجدى العزاء.. كل فن بعد مثواك هباء". إنها لفتة عاطفية رائعة، تخرج النص من برود الأكاديمية إلى دفء الوجدان، وتجعل من التحليل النقدي لوحة تأبين خالدة، يشترك فيها النيل والأهرام والنجم، في حزن كوني على رحيل هذا العملاق.
ثم يمضي الشاعر في مرثيته ليقارن بين خلود الفن وفناء كل شيء، فيذكر عظماء التاريخ كرمسيس وآمون وخوفو وحتشبسوت وأمنحوت، وكأنه يقول: هؤلاء جميعاً زالوا ولم يبق سوى وجه رب الكون عنوان البقاء. ولكن في ثنايا هذا التساؤل المر، يبقى الفن خالداً، يبقى ما قدمه عبد الوهاب من جمال وسحر وإبداع يتردد في الأسماع والأفئدة، وكأن صوته لم يرحل، وكأن أنغامه لم تتوقف.
ويختتم الدكتور جوعيه قصيدته ببيت يؤكد فيه أن عبد الوهاب هو موسيقار كل الشرق، وأن أغاني الفرانكو آراب وما جددوه ليست سوى جنون وهُراء. ثم يضرب مثلاً من عالم الأدب الغربي، فيشبه عبد الوهاب بروميو، وكأن النيل يرقص حوله والغيد ستشتاق الغناء، وكأن كليوباترا تنتظر فارسها. إنها إشارة بارعة إلى عالمية الفن، إلى أن الموسيقى العربية الأصيلة قادرة أن تتجاوز حدودها الجغرافية والثقافية، وأن تخاطب الإنسان أينما كان، لأنها تخاطب الجانب الوجداني والروحي، وهذا الجانب مشترك بين جميع البشر مهما اختلفت لغاتهم وأصولهم.
إن ما كتبه الدكتور حاتم جوعيه في هذا المقال النقدي المتكامل هو أكثر من مجرد مقال بمناسبة ذكرى رحيل فنان، إنه بيان فكري جمالي، ومرافعة بلاغية بليغة، وتأريخ واعٍ لمسيرة الموسيقى العربية عبر قرن كامل، وهو دعوة مفتوحة إلى العودة إلى الينابيع، إلى إدراك أن التجديد لا يعني التخلي عن الأصالة، وأن العالمية لا تعني إذابة الهوية في بوتقة الآخر، بل تعني تقديم الأصيل والجميل والمتقن للعالم بكل ثقة واعتزاز. وإذ ننتهي من هذه القراءة المتأملة، نخرج بقناعة راسخة: أن الموسيقى العربية باقية، وأن أصوات العمالقة لن تموت، وأن الموجات الهابطة والدعوات المهجنة إلى زوال، بينما يبقى النغم الأصيل يتهادى في سماء الشرق، يملأ القلوب سكينة، ويروي النفوس عذوبة، ويهذب الأحاسيس والطباع، ويحدو بالإنسان إلى عالم رومانسي حالم رائع، كما يقول الدكتور جوعيه في خاتمة رؤيته النقدية الثاقبة.
البعنه == الجليل
16/05/2026



#طه_دخل_الله_عبد_الرحمن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة لقصة - الحق لا يحميه الصامتون – للأستاذ الكاتب صالح اس ...
- أنا والقلم
- قراءة لقصيدة – اجتمعت – للأديبة الناقدة نافلة مرزوق العامر ك ...
- قراءة لقصيدة – نابلس - من ديوان ترانيم الغروب للأستاذ الشاعر ...
- النقدُ الأدبيُّ: إبداعٌ من رحمِ النصِّ، فمَن يستخفُّ به يستخ ...
- خاطرة - نبض الابداع
- بين الماضي والحاضر رؤية مستقبلية
- خاطرة – الجسر -
- قراءة لقصيدة – أيها الصامتون – للناقدة الشاعرة فوزية بن حوري ...
- قراءة لقصيدة – تراتيل عشق أبدي – للأستاذ الشاعر منير راجي
- قراءة لنص – منطقة الوشاح في وادي فلاح في ارض الطيرة – للكاتب ...
- قراءة نقدية – لقصة حبات الفراولة المالحة – للدكتور محمد سليط
- الوحدة في زمن الازدحام، مفارقة العصر الرقمي
- الثقافة والاستدراك
- قراءة لنص - إياك والكِبْرِ والكبرياء والتكبر – للأديب الأستا ...
- أبي... غيابٌ لا يشيخ
- الأم في عيدها
- قراءة لقصة - سيدي جابر وبكاء بعد منتصف الليل – للأستاذ القاص ...
- قراءة لنص - الغربة في زمن التكنولوجيا – للأستاذ الاديب صبحي ...
- قراءة لقصة - سيدي قاسم وبكاء بعد منتصف الليل – للدكتور القاص ...


المزيد.....




- معركة -ذات الفنون- والمقدس الثقافي
- محمد رمضان يطالب وزيرة الثقافة بـ-اعتذار رسمي لصعيد مصر-
- -المفترس الأقوى-.. فيلم ناجح أم مجرد إعادة تدوير للإثارة؟
- من نص إلى فيديو بجودة سينمائية.. ثورة -فيدو كلو- الجديدة في ...
- آثار إدلب.. حضارات متعاقبة ومتحف معرة النعمان شاهد على ذاكرة ...
- محمد رمضان يلتقي الجمهور السعودي في العرض الخاص لفيلم -أسد- ...
- تعيين محمد باقر قاليباف الممثل الخاص لإيران لدى الصين
- هذا الموسيقي السوري الأمريكي يعيد تقديم الموسيقى العربية الك ...
- مناقشة رسالة ماجستير عن سخرية قصص سناء الشّعلان في جامعة عمر ...
- في -مذكرات طفلة لم تشهد الحرب-.. اليمن بعين الكاتبة رغدة جما ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - قراءة لمقالة - في الذكرى السنوية على وفاة الموسيقار محمد عبد الوهاب – للدكتور حاتم جوعيه