أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - قراءة لقصيدة – جنة الغفران – للأستاذ الشاعر الدكتور فهد المحمد الثاني















المزيد.....


قراءة لقصيدة – جنة الغفران – للأستاذ الشاعر الدكتور فهد المحمد الثاني


طه دخل الله عبد الرحمن

الحوار المتمدن-العدد: 8711 - 2026 / 5 / 20 - 02:47
المحور: الادب والفن
    


قراءة لقصيدة – جنة الغفران – للأستاذ الشاعر الدكتور فهد المحمد الثاني 18-5-2026
القصيدة:
الشاعر د. فهد المحمد الثاني سفير المحبة والسلام
قصيدة تحت عنوان
[ جنة الغفران ]
ونّ القلب ونّات ليه رعود وتحاسيف
وخيبات وخبايا الروح وجروحه
الأذين يعنّ، البطين يجود بالعبرات
العيون جمر بنيران القلب ونحيبه
الخفوق ارتوى بحنظل مرارة الخذلان
يروي قصص غدر العرب نسى تاريخه
بالأمس فرسان بعدد النجوم تصول
الخيول تصهل في المرابط بسروجه
الفرسان سباق على صهواة الخيل
بطولات قصص وروايات وسيرّة
فرسان تشق صفوف العدى، الكون
يسمع زمجرات نمور، ما تهاب المنيّة
العم عنترة، فرسان عشائر ليها جذور
النعمان جد العرب محمد نبي ورسوله
شنو اسولف جد الجدود، تاريخ العز
بالكراس على الرفرفوف طعام العتة
هملان تصول بميادين العز والمجد
الأنساب هبة الفرس والغرب غنيمة
هافي رأس المال بشت العرب بلسان
صعاليك المجوس شرود جياع ملتمة
باع الثرى والأهل والناموس بهلاهيل
غش وخدّاع، المسكنة ورث والتقية
يعبد الفلس والدينار، الشرف مفقود
سكان أهل دار، الوجدان تراييح علة
العار كسا الربوع من الصدر للأطناب
شقران الغرب ليهم ذيول، وسطوة
تلدّ شمال ويمين مخاتير تسوس أحياء
تبوق الأهل والخلّان عبيد تجمع الغلّة
باع المياء بقروش، لأهل الحي سجان
أن نطق الحق برهان بآيات قصار يدينه
كتائب عشائر بجيوش مجيشة بأديان
فتاوي قلوب سواد العقل غسول كهينة
المهام جور وتشريد وبتر أنامل وأقلام
ضرب هذا بذاك، بني موسى الفتنة دينة
مخاتير تحشد حشود بطبول ومزمار
شعب ملجوم الفم الحبال علاج وديّة
العدل بقانون الغلمان صمت وخنوع
الأجر قوت فتات رغفان وماء صنه
الحي للغربان تراحيب بحراس وأمان
العصب ابن العم بجواز مختوم وفيزة
جمعيات الأمم بعدد الأرامل والأيتام
تصوير وإعلام، بأكفان تجود وسلة
الدين بزنس وفلوس على هوا المختار
الورع ثوب الأجر رز وشاي عدس حفنة
غدت الأرواح بالحراب بين هذا وذاك
الكل عايل، مافي حساب المذاهب علّة
على الدروب ياكثر القبور والغيلان
جموع ناس بديار الصليب منتشرة
هروب للمجهول من الذئاب والحيتان
ثعالب تروغ تبق الشرف والدار والدلة
زهور في مدارس الغرب للدين غراب
العلام شذوذ وتنصير وخطف وذلة
شيّابّ تجاعد بعد الأيام، أمام الدار
تبكي الهموم، واوجاع فراق العيلّة
أحياء بعدد النجوم، السكان أحباب
أصحاب الرزق بجود، تكاتف ورحمة
كان المختار يجمع القلوب سند عزوة
المجالس تعج ناس نبل وحب واخوّة
سهيل سهران بالدروب لمجلس النخوة
قاضي يقضي سموح الغاية رضا وجنّة
الضيف صاحب بيت، بالصدر مجلاس
سلطان معزوز، الراعي بشوش، بدلة
الجود والكرم في بيوت العز ضيوف
نحن للحرابّة رماح سيوف وشهامة
الضيم في الصدور والربوع ما نعوف
العيون نواطير ما يلفاها نعاس شيلّة
الجد عنترة بن شداد وعلي وحمزة
خالد الجسم صد رماح، صلاح غزوة
حرر القدس برجال عز، الشرف منصان
رفع الراية راعي سيط السموحة يقيّنة
الشيطان ليه وساويس واعوان ونفوذ
أياك مجلسه تلوز يلهي الناسك عن دينّه
لابارك الله بالصعلوك عميل خوان جبان
ترك الصف يغسل ويقبل الثوب وحدوّة
نحن وراء قادة الشرف صفوف شجعان
قادة لهم بالميدان جولات نفوس رضيّة
خلفهم إنشاء الرحمن ظهر حزام وعزوة
قلوب بالرضا مكللة والروح للعين فدوة
سدد الله خطا فرسان العز والمجد غيّار
رجال نمور أعلام ونساء قدوة ونخوة
البلدان في مهب الريح، النخوة تحتاج
اهل الهمم والعدل والمرؤة والحكمة
أن كنت للأعراض صوان، أنخي رجال
ترى سباع اولاد سباع للحدود حراسه
ننفض تراب الذل والخنوع والخذلان
يد بيد الغربان نزول المجد يعود منازله
يفرح قلب اليتم والأم والأب المحروم
من العزوة والسند والبيت وسكانه
نرفع رايات فخر الجدود، نبيض الفال
القلب ابيض بياض الخام العدل ميزانه
تقرع أجراس الكنيسة، نرتفع الأذان
يعم السلام بالميدان والدار وربوعّة
الحياة مواقف رجال وأفعال ما هي
أقاويل بصمة بالتاريخ وذكر وغنيمة
يارب الغمامة تزول، كفا آهات واحزان
بالتسامح تعمر الدار، يرجع ليها غيّابه
بالختام الدنيا صلاة وإحسان وصيام
أفلح من زرع الخير وصلى على رسوله
سفير المحبة والسلام
الشاعر د. فهد المحمد الثاني
حلب / سورية الأبية
***********************
القراءة:
جنة الغفران: تفكيك الملحمة في ضوء النقد الثقافي والبلاغي والتاريخي
تمهيد: القصيدة بوصفها خطابا وجوديا مضادا
إن مقاربة قصيدة "جنة الغفران" للدكتور فهد المحمد الثاني لا يمكن أن تكتفي بالقراءة الانطباعية أو التذوق العابر، بل تستدعي أدوات نقدية متعددة المستويات: بلاغية، وأسلوبية، ونفسية، وتاريخية، وثقافية، وسوسيولوجية. فالقصيدة تقدم نفسها كنص مفتوح يتسع لتأويلات متعددة، ويحمل في طياته أبعاداً إيديولوجية وسياسية واضحة، إلى جانب حمولته الجمالية والعاطفية. هي ليست مجرد قصيدة رثاء أو بكائية، بل هي خطاب وجودي مضاد، ومشروع نهضوي ضمني، وتفكيك لخطاب الهزيمة الذاتي، وإعادة تأسيس لميثاق أخلاقي عربي مفقود.
أولاً: التحليل البلاغي والأسلوبي – تشريح الجماليات اللغوية
1. المستوى الصوتي والإيقاعي: موسيقى الوجع الداخلي
تعتمد القصيدة على البحر الطويل، ذلك البحر الذي ارتبط في التراث العربي بالقصائد الملحمية والفخر والرثاء، وهو اختيار واعٍ من الشاعر لاستحضار هالة البطولات القديمة. غير أن الجديد هنا هو طريقة توظيف هذا الإيقاع. فالشفافية الصوتية التي يخلقها تكرار حرف النون (ونّ، ونّات، ويعنّ) يمنح النص نبرة أنين مستمرة، أشبه بالنحيب الداخلي الذي لا يتوقف. وهذه ظاهرة صوتية تستحق التوقف عندها، فحرف النون من الحروف الأنفية التي تخرج من الخيشوم، مما يعطيها طابعاً شجيًا حزينًا بطبيعته الفيزيولوجية.
كما نلاحظ هيمنة حرف الراء (رعود، جروحه، عبرات، جمر) وهو حرف شديد التكرير، يخلق إحساساً بالخشونة والاضطراب، ويوحي بالرجّة الداخلية والاهتزاز العاطفي. هذا التزاوج بين نعومة النون وخشونة الراء يعكس ثنائية الحساسية المرهفة والعنف الواقعي، وهي ثنائية تسكن قلب القصيدة بأسرها.
2. الاستعارة والتشبيه: شبكة من التصوير المركب
يتفنن الشاعر في بناء استعاراته المركبة التي تجمع بين حقول دلالية متباعدة، فمثلاً في قوله: "الخفوق ارتوى بحنظل مرارة الخذلان" نجد استعارة مكنية حيث شبه الخفوق (القلب) بإنسان يرتوي، ثم جمع بين حاسة الذوق (مرارة) وعاطفة الخذلان، في تركيب يسمى في البلاغة العربية "الاستعارة التمثيلية" لأنها تصور حالة نفسية معقدة من خلال مشهد حسّي بسيط.
ومن أبرع ما في القصيدة استعارتها الكبرى: تشبيه الأمة العربية بجسد يحتضر، أعضاؤه متنافرة. فالقلب (الخفوق) يرتوي بالحنظل، والعيون تشتعل جمراً، والروح تجرح، والأذن تعنّ (أي تصاب بالصمم)، وكأن الشاعر يرسم بورتريهاً تشريحياً للألم، يجعل من الجسد الفردي استعارة للجسد الجمعي.
3. التضاد والمفارقة: صراع الأضداد كبنية درامية
تقوم القصيدة على تضادات كبرى تشكل عمودها الفقري:
· الماضي مقابل الحاضر: "بالأمس فرسان" مقابل "اليوم صعاليك"
· العز مقابل الذل: "تاريخ العز" مقابل "تراب الذل والخنوع"
· الغنى الأخلاقي مقابل الفقر الروحي: "الجود والكرم" مقابل "يعبد الفلس والدينار"
· الوحدة مقابل التشرذم: "سند عزوة" مقابل "ضرب هذا بذاك"
هذه التقابلية ليست مجرد أداة بلاغية، بل هي بنية درامية تحول القصيدة إلى صراع مسرحي بين قوتين متضاربتين. الشاعر لا يصف الحاضر فقط، بل يقيمه باستمرار عبر منصة الماضي. والمفارقة الأعمق أن هذا الماضي نفسه، الذي يُستحضر كفضاء مثالي، كان يحمل في طياته بذور الصراعات التي أدت إلى الحاضر، والشاعر يدرك ذلك لكنه يختار التغاضي عنه في سبيل بناء خطاب نهضوي فاعل.
4. التكرار الدلالي: استراتيجية التثبيت العاطفي
يلجأ الشاعر إلى تكرار بعض الدوال العاطفية بقصد التأكيد والتثبيت، كتكرار كلمة "الخذلان" في مواضع متفرقة، وتكرار الصور المرتبطة بالفرسان والخيل، وتكرار دلالات الماء: "ارتوى"، "باع المياء"، "ماء صنه". هذا التكرار يخلق إحساساً بالدوران حول فكرة مركزية، وكأن الشاعر يحاول ترسيخها في وجدان المتلقي بالإلحاح الفني. وقد أجاد الشاعر في توزيع هذا التكرار بشكل لا يخل بالجدة ولا يوقع في الرتابة.
ثانياً: النقد الثقافي – تفكيك خطاب الهزيمة وإعادة تشكيل الهوية
1. الأزمة بين الذات والآخر: صورة العربي والغربي في القصيدة
تقدم القصيدة بنية ثنائية واضحة في تصوير العلاقة مع الغرب. فالغرب يظهر في عدة صور متباينة:
· كقوة سطوة وذيل: "شقران الغرب ليهم ذيول وسطوة"
· كفضاء مهاجر إليه: "جموع ناس بديار الصليب منتشرة"
· كمجال للتنصير والتغريب: "زهور في مدارس الغرب للدين غراب // العلام شذوذ و تنصير"
لكن الملفت أن النقد لا يوجه إلى الغرب بوصفه عدواً متعالياً، بل إلى التابع العربي الذي اختار الطواعية: "باع الثرى والأهل والناموس بهلاهيل". أي أن الهم الأساسي هو نقد الذات، وليس خلق عداوة خارجية وهمية. وهذا يعكس وعياً نقدياً متقدماً، إذ يتحول الغرب في هذه المعادلة إلى مجرد ظرف أو سياق، أما الفاعل الحقيقي للمأساة فهو العربي نفسه الذي تخلى عن قيمه.
2. نقد النخبة والسلطة: من المخاتير إلى المفتين
يشن الشاعر هجوماً لاذعاً على النخب العربية التقليدية، سواء السياسية (المخاتير) أو الدينية (أصحاب الفتاوي): "فتاوي قلوب سواد، العقل غسول كهينة". وفي هذا نقد لاهوتي وسياسي معاً، إذ يتهم الشاعر المؤسسة الدينية بتسييس الإيمان وإخضاعه للأهواء، في قوله: "الدين بزنس وفلوس على هوا المختار". إنها رؤية تتعامل مع الدين كخطاب سلطة وليس كقيم عليا، وهذا مستوى نادر من الجرأة في الشعر العربي المعاصر.
كما يقدم الشاعر صورة كاريكاتورية للمخاتير الذين "تحشد حشود بطبول ومزمار // شعب ملجوم الفم، الحبال علاج وديّة". إنها صورة تختزل علاقة السلطة بالشعب في المجتمعات العربية: سلطة تلهي وتُسكت، وشعب يُكبت ويُخنق، وحلول تُقدم عبر "الحبال" و"العلاج الودي" الفارغ. هذا البعد السياسي يمنح القصيدة بعداً ثورياً، ويجعلها أقرب إلى قصيدة الاحتجاج منها إلى القصيدة الرثائية البحتة.
3. المرأة في القصيدة: حضور محدود ووظيفي
لعل من أبرز ملامح القصيدة غياب الصوت النسوي أو حضوره الهامشي. تظهر المرأة في قليل من المواضع: "نساء قدوة ونخوة"، و"يفرح قلب اليتم والأم والأب المحروم". هذا الحضور الوظيفي (كرموز للقدوة أو كضحايا) يعكس غياباً لاهوتياً ومعرفياً للمرأة بوصفها فاعلاً تاريخياً في خطاب النهضة. وهو نقد يمكن توجيهه للقصيدة، إذ أن أي مشروع نهضوي عربي معاصر لا يمكن أن ينجح دون إدماج المرأة كشريك أساسي في صناعة التغيير. هذا التحفظ النقدي لا ينتقص من جماليات القصيدة، لكنه يكشف عن أفق ثقافي لا يزال أسيراً لتصورات تقليدية حول أدوار الجنسين.
ثالثاً: النقد التاريخي – الذاكرة المنتقاة ومشكلة المثالية الرجعية
1. أي تاريخ يستدعيه الشاعر؟
يختار الشاعر لحظات معينة من التاريخ العربي: عنترة، النعمان، محمد الرسول، علي بن أبي طالب، حمزة، خالد بن الوليد، صلاح الدين الأيوبي، تحرير القدس. هذه اللحظات كلها تنتمي إلى فترات القوة والنصر والعزة. لكن السؤال الذي يطرحه النقد التاريخي: أين المآزق التاريخية؟ أين فترات الضعف والانكسار والصراعات الداخلية التي شهدها التاريخ العربي أيضاً؟ إن استدعاء التاريخ كفضاء مثالي خالص هو "مثالية رجعية" قد تخفي أكثر مما تكشف.
إن المشكلة ليست في استدعاء الأمجاد، بل في تحويل الماضي إلى أسطورة معصومة، وكأن انكسار الحاضر جاء من فراغ. في الواقع، بذور الضعف العربي كانت موجودة في فترات القوة نفسها: الصراعات القبلية، والانقلابات، والاستبداد السياسي، والانغلاق المعرفي. القصيدة لا تتعامل مع هذه الحقيقة، مما يجعل رؤيتها للتاريخ أحادية ومبسطة. وهذا ليس عيباً في الشعر بقدر ما هو ملمح أيديولوجي، يضع القصيدة ضمن خطاب الحنين الذي يبحث عن عصر ذهبي وهمي.
2. مفهوم "العروبة" في القصيدة: عرق أم ثقافة؟
يظل خطاب القصيدة أسيراً لمفهوم عرقي (قومي) للعروبة، حيث تبرز مفردات مثل "الأنساب هبة الفرس والغرب غنيمة"، و"الأصل العربي" مقابل "صعاليك المجوس". هذا الطرح يعكس إشكالية كبيرة في الفكر القومي العربي الكلاسيكي، الذي يخلط بين العرق والثقافة. فهل العروبة مسألة نسب أم قيم وسلوكيات؟ الشاعر حين يصف الخيانة بأنها "غش وخداع" مرتبط بفقدان "أصل عربي" فهو يقع في فخ التفكير العرقي الذي طالما انتقده المفكرون التنويريون العرب، وعلى رأسهم أدونيس ومحمد عابد الجابري.
النقد الثقافي المعاصر يرى أن العروبة الصالحة للحاضر والمستقبل هي عروبة قائمة على القيم واللغة والتاريخ المشترك، وليس على فكرة "النقاء العرقي" التي هي نفسها فكرة أوروبية استعمارية دخلت الفكر العربي في القرن العشرين. القصيدة هنا تتبنى موقفاً متحفظاً، لكن هذا لا يلغي قوتها التعبيرية في نقد واقع الخيانة والتخلي عن القيم.
رابعاً: النقد النفسي – الذات المنقسمة وجدلية الفخر والعار
1. الذات الجمعية المشروخة: تحليل نفسي للشخصية القومية
على المستوى النفسي، تقدم القصيدة تشريحاً دقيقاً للشخصية القومية العربية في لحظة أزمتها. إنها ذات منقسمة بين:
· الفخر بالماضي (نحن فرسان، نحن أبناء عنترة)
· الاشمئزاز من الحاضر (نحن صعاليك، نحن خونة)
· الرغبة في التغيير (ننفض تراب الذل)
· التردد والخوف (أياك مجلسه تلوز)
هذا الانقسام يكشف عن شخصية قومية تعاني مما يسميه علم النفس "الاضطراب النرجسي" حيث يتم تضخيم الأنا الماضية بينما يتم إهانة الأنا الحاضرة، مما يخلق حالة من العجز عن بناء صورة ذاتية متوازنة. الشاعر يعكس هذا الاضطراب بدقة فنية عالية، لكنه لا يخرج منه، بل يكرسه باستمراره في ثنائية المدح والقدح. العملية العلاجية نفسياً تقتضي تجاوز هذه الثنائية إلى قبول التاريخ بكل تناقضاته، والبدء من حيث نحن الآن، لا من حيث كنا.
2. آليات الدفاع النفسي في القصيدة
يمكن قراءة القصيدة كمجموعة من آليات الدفاع النفسي الجماعي:
· الإسقاط: إسقاط أسباب الأزمة على "الغرب" و"المجوس" و"العملاء"
· التفارق: الفصل التام بين الماضي الجيد والحاضر السيئ
· التعويض: استدعاء صور البطولة الماضية لتعويض عجز الحاضر
· التسامي: تحويل الطاقة العدوانية والاكتئابية إلى عمل فني رفيع
هذه الآليات ليست سلبية بالكامل، ففي علم النفس، التسامي يعتبر آلية دفاع ناضجة وإيجابية. القصيدة إذن تقوم بوظيفة علاجية نفسية للجماعة، تسمح لها بتفريغ مكبوتاتها وطاقاتها العدوانية في قالب فني آمن. وهذا أحد الأسباب التي تجعل القصيدة تلقى قبولاً واسعاً، لأنها تقدم متنفساً رمزياً لأوجاع لا يمكن التعبير عنها في الواقع السياسي القمعي.
خامساً: النقد السياسي والاجتماعي – سوسيولوجيا التخلف في البنية الشعرية
1. نقد الدولة والمؤسسات
تتضمن القصيدة نقداً صريحاً للمؤسسات الرسمية العربية:
· جمعيات الأمم: "بعدد الأرامل والأيتام // تصوير وإعلام ، بأكفان تجود وسلة" – نقد للمساعدات الدولية التي تحول الفقراء إلى مشهد إعلامي.
· القضاء: "العدل بقانون الغلمان صمت وخنوع" – نقد لانعدام العدالة الحقيقية.
· الإعلام: "تصوير وإعلام" كأدوات للاستغلال الإنساني.
هذا النقد المؤسساتي نادر في الشعر العربي المعاصر، حيث يفضل معظم الشعراء النقد العام غير المحدد. الشاعر هنا يسمي الأشياء بأسمائها، مما يعطي قصيدته بعداً سياسياً مباشراً وخطيراً في سياقات عربية لا تسمح بانتقاد المؤسسات.
2. نقد البنى الاقتصادية: ماركسية عفوية
يحتوي النص على بعد اقتصادي واضح، يكاد يكون ماركسياً في تحليله للعلاقة بين البنية التحتية والبنية الفوقية. نقرأ: "يعبد الفلس والدينار، الشرف مفقود"، "باع المياء بقروش"، "الأجر قوت فتات رغفان وماء صنه". هناك وعي بأن الأزمة العربية ليست مجرد أزمة قيم وأخلاق، بل هي أزمة إنتاج وتوزيع للثروة.
لكن الماركسية العفوية هذه لا تكتمل، لأن الشاعر لا يقدم تحليلاً طبقيًا واضحًا، ولا يحدد الجهات الاجتماعية التي يمكن أن تقوم بالتغيير (هل هم الفقراء؟ المثقفون؟ الجيش؟). الحل يظل في منطقة القيم والمبادئ ("النخوة"، "العدل"، "المرؤة")، وليس في تغيير علاقات الإنتاج. وهذا يجعل النقد السياسي في القصيدة ناقصاً، لأنه يشخص الداء بدقة لكنه يصف دواءً أخلاقياً للداء البنيوي.
سادساً: النقد الجمالي - مستويات الإبداع والضعف الفني
1. نقاط القوة الفنية
· الصدق العاطفي: لا يمكن إنكار الصدق الانفعالي الذي يخرج من تجربة ذاتية عميقة، وهذا يمنح القصيدة قوة إقناع وإمتاع.
· ثراء الصور: تنوع الصور بين البصرية (العيون جمر)، والسمعية (زمجرات نمور)، واللمسية (ننفض تراب الذل)، يخلق عالماً حسيًا متكاملاً.
· الوحدة العضوية: رغم طول القصيدة، هناك وحدة موضوعية واضحة تربط بدايتها بنهايتها، وكل صورة تخدم الهدف المركزي.
· الأصالة اللغوية: التزام الشاعر بالفصحى المعاصرة دون تكلف أو غموض، مع تجنب السقوط في العامية أو الركاكة.
2. نقاط الضعف الفني
· الاستطراد أحياناً: بعض المقاطع تطول في تعداد المظاهر السلبية بشكل يخل بالإيقاع الدرامي.
· الصراحة المفرطة: في مواضع قليلة، يتحول الشعر إلى خطاب مباشر يفتقر إلى الإيحاء، مثل "لابارك الله بالصعلوك عميل خوان جبان".
· ندرة المفاجأة: بعد فترة، يصبح المتلقي قادراً على توقع البيت التالي، لأن النمط الثنائي (سيئ/جيد) يتكرر باستمرار.
· غياب الرمز: كل شيء مكشوف ومعلن، والقليل من الرموز التي تحفز المتلقي على التأويل.
خلاصة نقدية: بين المرثية والملحمة والبيان السياسي
في النهاية، تظل قصيدة "جنة الغفران" عملاً فنياً كبيراً، رغم كل التحفظات النقدية، لأنها تجمع في طياتها مستويات متعددة:
· كقصيدة: تنجح في خلق عالم لغوي وشعوري خاص بها.
· كشهادة تاريخية: توثق لحظة عربية حرجة بأمانة وجرأة.
· كخطاب نقدي: تشخص الأمراض الاجتماعية والسياسية بحدة.
· كرؤيا نهضوية: تقدم نموذجاً قيمياً يمكن البناء عليه.
لكن القصيدة تظل أسيرة رؤيتها الرومانسية للتاريخ، وثنائيتها المبسطة بين الخير والشر، ونرجسيتها الجمعية التي تجعل من الصعب تجاوز مرحلة البكاء إلى مرحلة البناء الفعلي. يمكن القول إن الشاعر نجح في أن يكون "صوت الألم"، لكنه لم ينجح تماماً في أن يكون "صوت المستقبل". وهذا ليس نقصاً في عبقريته، بل هو انعكاس لحالة أمة لا تزال عالقة بين ماضيها المجيد وحاضرها المهين، تبحث عن مخرج لكنها لم تجده بعد.
تبقى القصيدة، بكل ما فيها من قوة وضعف، إضافة حقيقية للأدب العربي المعاصر، ونموذجاً نادراً للشعر الذي يخوض في السياسة والتاريخ والنفس بجرأة واقتدار، دون أن يفقد رونقه الفني أو صدقه الإنساني. وهي تستحق أن تدرّس وأن تحلل في الندوات وأن تُناقش من كل زاوية نقدية ممكنة، لأنها نص مفتوح يتسع لكل هذه المقاربات، وهذه وحدها علامة على خلودها الأدبي.
البعنه == الجليل
18/05/2026



#طه_دخل_الله_عبد_الرحمن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة لمقالة - في الذكرى السنوية على وفاة الموسيقار محمد عبد ...
- قراءة لقصة - الحق لا يحميه الصامتون – للأستاذ الكاتب صالح اس ...
- أنا والقلم
- قراءة لقصيدة – اجتمعت – للأديبة الناقدة نافلة مرزوق العامر ك ...
- قراءة لقصيدة – نابلس - من ديوان ترانيم الغروب للأستاذ الشاعر ...
- النقدُ الأدبيُّ: إبداعٌ من رحمِ النصِّ، فمَن يستخفُّ به يستخ ...
- خاطرة - نبض الابداع
- بين الماضي والحاضر رؤية مستقبلية
- خاطرة – الجسر -
- قراءة لقصيدة – أيها الصامتون – للناقدة الشاعرة فوزية بن حوري ...
- قراءة لقصيدة – تراتيل عشق أبدي – للأستاذ الشاعر منير راجي
- قراءة لنص – منطقة الوشاح في وادي فلاح في ارض الطيرة – للكاتب ...
- قراءة نقدية – لقصة حبات الفراولة المالحة – للدكتور محمد سليط
- الوحدة في زمن الازدحام، مفارقة العصر الرقمي
- الثقافة والاستدراك
- قراءة لنص - إياك والكِبْرِ والكبرياء والتكبر – للأديب الأستا ...
- أبي... غيابٌ لا يشيخ
- الأم في عيدها
- قراءة لقصة - سيدي جابر وبكاء بعد منتصف الليل – للأستاذ القاص ...
- قراءة لنص - الغربة في زمن التكنولوجيا – للأستاذ الاديب صبحي ...


المزيد.....




- رحيل حارس الضاد.. أكاديميون ومثقفون يودعون الدكتور خالد فهمي ...
- يولاندا حديد أم ابنتها بيلا.. من الأكثر أناقة في مهرجان كان ...
- محمد رمضان يكتسح شباك التذاكر بفيلم -أسد- وتعثر حاد لمحمد سع ...
- الفنان فارس الحلو: -عودتي للكوميديا صعبة ودموع أمهات سوريا ل ...
- مهرجان كان السينمائي-بيدرو ألمودوفار يعود إلى الكروازيت مع ف ...
- -الأمل-.. خيال علمي كوري سريالي يُبهر مهرجان كان السينمائي
- مواجهة شرسة بين -كانال بلوس- ومعارضي نفوذ الملياردير بولوريه ...
- في عالم بوليوود الشهير.. السينما تنصف فئات اجتماعية وثقافات ...
- -المحطة- أوّل فيلم يمني يعرض في مهرجان كان السينمائي
- فريق من ذوي الأطراف المبتورة يبحر بقارب من غزة إلى مهرجان كا ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - قراءة لقصيدة – جنة الغفران – للأستاذ الشاعر الدكتور فهد المحمد الثاني