|
|
قراءة لمقال - أمراء المنصات وفقراء الموهبة... عندما تتحول اللجان إلى غاية والفن إلى وسيلة – للدكتورة نور الهدى قرباز جامعة بسكرة الجزائر
طه دخل الله عبد الرحمن
الحوار المتمدن-العدد: 8745 - 2026 / 6 / 23 - 20:37
المحور:
قضايا ثقافية
قراءة لمقال - أمراء المنصات وفقراء الموهبة... عندما تتحول اللجان إلى غاية والفن إلى وسيلة – للدكتورة نور الهدى قرباز جامعة بسكرة الجزائر 23-06-2026 المقال: أمراء المنصات وفقراء الموهبة... عندما تتحول اللجان إلى غاية والفن إلى وسيلة من أكثر المشاهد إيلامًا في الحياة الثقافية أن ترى فنانًا أو أكاديميًا أو مثقفًا قضى سنوات طويلة في الدراسة والبحث والتكوين، ثم يختزل كل ذلك التاريخ في سؤال صغير: لماذا لم أكن في اللجنة؟ أيُّ مأساة هذه؟ كيف يمكن لإنسان يحمل شهادات عليا، أو يملك تجربة فنية طويلة، أو يقدّم نفسه بوصفه صاحب رسالة ثقافية، أن يقف أمام المرآة ذات يوم ويقيس قيمته بعدد الدعوات التي تصله، أو بعدد الصور التي يظهر فيها، أو باسم اللجنة التي جلس فيها؟ لقد أصبح بعض الناس يجمعون بطاقات الفنان كما يجمع الأطفال الطوابع البريدية، ويعدّون المناصب الثقافية كما يعدّ التجار أرباحهم اليومية، فإذا غابت أسماؤهم عن لجنة، أو لم ترد في قائمة، أو لم تظهر في صورة جماعية، تحولت الدنيا في أعينهم إلى مأتم شخصي، وكأن الفن مات لأن اسمه لم يُكتب في ورقة. وكأن الثقافة لم تعد مشروعًا معرفيًا، بل مقعدًا في الصف الأول. وكأن الموهبة لم تعد معيارًا، بل دعوة رسمية وختمًا إداريًا. المؤلم ليس أن يطمح الإنسان إلى التقدير، فذلك حق مشروع، بل أن يتحول التقدير إلى هوس، وأن يصبح الجلوس في اللجان أكبر من العمل نفسه. ما قيمة لجنة لا يسبقها منجز؟ وما قيمة صورة إذا لم يسندها أثر؟ وما قيمة لقب إذا كان صاحبه يعيش على ذكره أكثر مما يعيش على عطائه؟ الفنان الحقيقي لا يبكي على كرسي ضاع منه، لأنه مشغول بصناعة ما هو أكبر من الكرسي. والمبدع الحقيقي لا يفتش كل صباح عن اسمه في القوائم، لأنه يفتش عن نفسه في العمل الذي ينجزه. أما الذين جعلوا اللجان معيارًا للوجود، فإنهم يعلنون ـ من حيث لا يشعرون ـ إفلاسًا رمزيًا خطيرًا؛ فهم يطلبون من المؤسسة أن تمنحهم القيمة بدل أن يصنعوها بأنفسهم. لقد عاش الرسام الهولندي فان غوخ فقيرًا ومات مجهولًا تقريبًا، ولم يكن عضوًا في لجنة، ولم يلهث خلف الصور الرسمية، لكنه اليوم يملأ متاحف العالم. وغيّر بيكاسو وجه الفن الحديث بريشته لا بعضوية لجنة، وصنع شارلي شابلن مجده الإنساني بالكاميرا والموهبة لا ببطاقة اعتماد أو ختم إداري. وفي الأدب العربي، لم ينتظر نجيب محفوظ لجنة لتمنحه الخلود، ولم يكن أدونيس يسأل كل صباح عن قائمة المدعوين، ولم يحتج محمود درويش إلى صورة جماعية كي يصبح قصيدة أمة كاملة. لقد كتبوا، فأبقاهم التاريخ. أما غيرهم فقد جلسوا على آلاف الكراسي ثم غادروا دون أن يتركوا خلفهم سوى غبار المناسبة. وقديماً قال العرب: "الذهب يبقى ذهباً وإن علاه الغبار، والنحاس يبقى نحاساً وإن صُقل ألف مرة." وقال الشاعر: إذا غامَرْتَ في شرفٍ مرومِ فلا تَقنَعْ بما دونَ النجومِ ولم يقل: إذا أردت المجد فابحث عن لجنة، أو انتظر دعوة، أو نافس على صورة. ويكفي أن نتأمل قوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾. فالآية قالت: اعملوا، ولم تقل: تفاخروا، أو تزاحموا، أو تنافسوا على المقاعد. إن الكرامة الفنية أثمن من أن تُعلَّق على باب لجنة. وأغلى من أن تُربط بمقعد عابر. وأكبر من أن تُختزل في دعوة أو بطاقة أو صورة. الفنان الذي يسحق كرامته بنفسه بحثًا عن الاعتراف، لا يستطيع أن يلوم الآخرين إذا لم يعترفوا به. فالقيمة التي لا يراها صاحبها في نفسه، لن يصنعها له كرسي، ولن تمنحها له لجنة، ولن تكتبها له صورة جماعية. ولذلك فإن السؤال الذي سيبقى بعد سنوات ليس: من كان في اللجنة؟ ولا من جلس في الصف الأول؟ ولا من صافح المسؤولين؟ السؤال الوحيد الذي سيبقى هو: ماذا ترك وراءه؟ كم قصيدة بقيت؟ كم لوحة قاومت الزمن؟ كم لحن عبر الأجيال؟ كم كتابًا ظل يُقرأ بعد رحيل صاحبه؟ فالتاريخ الثقافي لا يحفظ أسماء أعضاء اللجان إلا في الأرشيفات المنسية، لكنه يحفظ أسماء المبدعين في ذاكرة الشعوب. وحين تُطفأ الأضواء، وتُطوى القوائم، وتبهت الصور، لن يبقى في ذاكرة الناس من جلس على الكرسي، بل من استحق أن يجلس في قلوبهم. أما اللجان فموسمية... وأما الموهبة فخلود. د.نور الهدى قرباز جامعة بسكرة . **************************** القراءة: مرايا الكراسي وانكسار الروح: حين يصبح الاعتراف لعنة والمبدع ظلَّ نفسه. في نصها الذي يقطر أسى نبيلاً وغضبًا مكتومًا يلتحف ثوب الحكمة، لا تكتفي الدكتورة نور الهدى قرباز من جامعة بسكرة بتشخيص ظاهرة عابرة، بل تنحتُ – بأدوات المحلل النفسي والفيلسوف الأخلاقي والشاعر الرائي – صورة بانورامية شاملة لانهيار رمزي عميق تعيشه الذات المثقفة في لحظة انزياح القيم عن مواضعها. إن ما تطرحه ليس مجرد نقد لظاهرة "التهافت على اللجان"، بل هو تفكيك جينيالوجي لمنظومة الاعتراف برمتها، وكشف عن الفراغ الوجودي المرعب الذي يسكن روح المثقف حين يغترب عن ذاته ويبحث عن صورته في عيون الآخرين. إن البنية العميقة لهذا النص تقوم على ما يمكن تسميته بـ"جدلية الغياب والحضور"، أو بالأحرى "مأساة الحضور عبر الغياب": حضور الجسد على الكرسي يقابله غياب الأثر في الضمير، وحضور الاسم في القائمة يقابله غياب الفعل في الواقع، وحضور الصورة في الألبوم يقابله غياب المعنى في التاريخ. هذه الجدلية المتوترة هي التي تمنح النص نبضه الدرامي، وتجعل منه مأساة صامتة تُعرض على خشبة الوعي. فحين تفتتح الدكتورة قرباز نصها بصورة ذلك "الإنسان الذي يحمل شهادات عليا، أو يملك تجربة فنية طويلة" ثم تقف به أمام المرآة ليسأل السؤال القاتل: "لماذا لم أكن في اللجنة؟"، فإنها لا ترسم مشهدًا فرديًا، بل تخلق ما يشبه "الأرخيتيب" أو النموذج البدئي للمثقف المغترب عن ماهيته، الذي تحول من كائن يصنع المعنى إلى كائن يطلب الإذن بالوجود. وهنا تكمن العبقرية التحليلية للنص: إن المثقف الذي يسأل هذا السؤال لا يسأل عن مكان فحسب، بل يسأل – دون أن يدري – عن "وجوده ذاته". إنه سؤال أنطولوجي مقنع بسؤال اجتماعي. اللجنة هنا ليست لجنة، والكرسي ليس كرسيًا، والصورة ليست صورة، بل كل ذلك أصبح ما يشبه "المرآة اللاكانية" التي يرى فيها المثقف ذاته، أو بالأحرى يرى اعتراف الآخر به، فينوجد عبر هذا الاعتراف، ويغدو عدم وجوده في اللجنة مساويًا لعدم وجوده في الوجود. أليست هذه مأساة كما تقول: "أيُّ مأساة هذه؟" بلى، وأي مأساة! إنها مأساة الذات التي تنهار حين تفقد الانعكاس، مأساة نرسيس الذي يموت إن لم ير وجهه في ماء الآخرين. وتتعمق الرؤية التحليلية حين تنتقل الكاتبة من التشخيص النفسي الفردي إلى رصد "الظاهرة" بوصفها نسقاً ثقافياً كاملاً، فتقول: "لقد أصبح بعض الناس يجمعون بطاقات الفنان كما يجمع الأطفال الطوابع البريدية". إن هذا التشبيه ليس مجازًا عابرًا، بل هو اختراق رمزي عميق لبنية الوعي الجمعي. الطابع البريدي – في دلالته الرمزية – هو قطعة صغيرة تحمل قيمة متفقاً عليها، لكنها لا تخلق هذه القيمة، بل تنقلها نيابة عن غيرها. وكذلك هو "فنان اللجان" أو "أكاديمي المنصات": يحمل قيمة مستعارة من المؤسسة، ويتنقل بها من سياق إلى سياق، لكنه لا ينتج قيمة ذاتية خاصة به. إنه يعيش "نيابة عن" لا "ذاته"، وهذه هي مأساة الاغتراب بعينها. والطفل في التشبيه ليس عابرًا أيضًا، فالطفل يجمع الطوابع بوعي البريء الذي لا يدرك الفرق بين الجوهر والعرض، وبين القيمة المتخيلة والقيمة الحقيقية. فكأن الكاتبة تقول إن المثقف الذي يلهث وراء اللجان قد ارتد إلى طفولة معرفية، وفقد رشده النقدي الذي يميز به بين ما يستحق وما لا يستحق. ثم تضيء الكاتبة بعدًا آخر من أبعاد هذه المأساة، وهو "تحول التقدير إلى هوس"، و"الجلوس في اللجان أكبر من العمل نفسه". وفي هذا التحليل ما يشبه تفكيكًا لآلية "الإزاحة" في التحليل النفسي: فحين يعجز المثقف عن تحقيق المتعة من خلال الإبداع ذاته، يزيح رغبته إلى بديل أسهل وأسرع، هو الاعتراف المؤسساتي. وهكذا تصبح اللجنة "موضوع رغبة" بديلًا عن النص، ويصبح الظهور على المنصة "نشوة" تعوض عن نشوة الكتابة، ويصبح الختم الإداري "تتويجاً" يغني عن تتويج الجمهور والنقاد والتاريخ. إنه انحراف في مسار الرغبة، أو بتعبير الكاتبة نفسها: "إفلاس رمزي خطير". وهنا نصل إلى واحدة من أعمق طبقات النص وأكثرها إثارة للتأمل: مصطلح "الإفلاس الرمزي". إنه مصطلح مركب تركيبًا عبقريًا، يزاوج بين الاقتصادي والرمزي، بين المادي والروحي، بين ما يُحس وما يُعقل. الإفلاس الاقتصادي يعني فقدان الرصيد المالي، والإفلاس الرمزي يعني فقدان رصيد المعنى. المثقف الذي يطلب من المؤسسة أن تمنحه القيمة – بدل أن يصنعها بنفسه – يكون قد أفلس رمزيًا، أي أنه أنفق رصيده الذاتي كله، وبقي خالي الوفاض، ينتظر الصدقة من المؤسسة. أليست صورة المثقف المتسول بليغة إلى هذا الحد؟ إن الكاتبة لا تقول "تسولاً" لكنها ترسمه بريشة المصطلح العلمي، فيصبح أشد إيلامًا. وبعد هذا التشريح النظري العميق، يأتي الاستدعاء التاريخي ليشكل لحظة "البرهان الحي" على صدق الرؤية. وحين تستحضر الدكتورة قرباز فان غوخ، فإنها تستحضر معه قصة كاملة من البؤس المادي والعظمة الروحية، ومن التجاهل الآني والخلود الأبدي. فان غوخ الذي لم يكن عضوًا في لجنة، ولم يلهث خلف الصور الرسمية، "يملأ متاحف العالم اليوم". إنها مفارقة وجودية مذهلة: أولئك الذين كانوا في اللجان في زمن فان غوخ، هل يذكرهم أحد اليوم؟ وهل تمتلئ بهم المتاحف؟ إن السؤال لا يحتاج إلى جواب، لأن الصمت هنا هو الجواب الأبلغ. وكذلك الشأن مع بيكاسو الذي "غيّر وجه الفن الحديث بريشته لا بعضوية لجنة"، وشابلن الذي "صنع مجده الإنساني بالكاميرا والموهبة لا ببطاقة اعتماد أو ختم إداري". وفي الانتقال إلى الأدب العربي، يحضر نجيب محفوظ، الذي "لم ينتظر لجنة لتمنحه الخلود" (رغم حصوله على نوبل، لكن الكاتبة تبرز أن خلوده سبق الجائزة ولم يصنع بها)، ويحضر أدونيس ودرويش، وهما صوتان شعريان عظيمان لم يحتاجا إلى قائمة مدعوين ليصيرا قصيدة أمة وحلماً شعريًا كونيًا. إن هؤلاء الشهود التاريخيين ليسوا مجرد أمثلة، بل هم "حجج وجودية" تقوم على منطق الزمن الطويل في مقابل الزمن القصير. الزمن الطويل هو زمن الموهبة والأثر، والزمن القصير هو زمن اللجنة والصورة. والزمن الطويل وحده هو الذي يبقى، لأنه مصنوع من مادة الخلود، أما الزمن القصير فمصنوع من مادة الغبار. ولهذا تستشهد الكاتبة بالمثل العربي البليغ: "الذهب يبقى ذهبًا وإن علاه الغبار، والنحاس يبقى نحاسًا وإن صُقل ألف مرة". هذا المثل ليس زخرفًا بلاغيًا، بل هو اختزال شعري للفلسفة الكامنة في النص بأكمله. إنه يقول ما تقوله الكاتبة بكل هذا الإسهاب في جملتين: الجوهر مستقل عن العرض، والقيمة متأصلة في الشيء لا فيما يُضاف إليه. الموهبة ذهب، حتى لو غطاها غبار التهميش والنسيان المؤقت. والادعاء نحاس، حتى لو صُقل بألف صورة وألف منصب وألف لجنة. إنها ثنائية الماهية والمظهر، وهي ثنائية فلسفية عريقة تعود إلى أفلاطون وأرسطو، وتتجسد هنا في صورة حسية بليغة من حكمة العرب. وإلى جانب الحكمة العربية، تستدعي الكاتبة بيت الشعر القائل: "إذا غامَرْتَ في شرفٍ مرومِ / فلا تَقنَعْ بما دونَ النجومِ" وتعلق عليه بذكاء لاذع: "ولم يقل: إذا أردت المجد فابحث عن لجنة، أو انتظر دعوة، أو نافس على صورة." إن هذا التعليق الذي يبدو بسيطًا هو في حقيقته تفكيك ساخر لتحولات العقلية الثقافية المعاصرة. فالشاعر العربي القديم يجعل الهمة متعلقة بالنجوم، أي بالمطلق واللامتناهي، بينما يجعلها المثقف المعاصر متعلقة بالكراسي والصور، أي بالنسبي والمحدود والزائل. لقد حدث انزياح كوني في سلم القيم: من النجوم إلى الكراسي، ومن المجد إلى المنصب، ومن الخلود إلى الموسمية. وهذا الانزياح هو جوهر المأساة التي يرثيها النص. ثم تأتي الذروة الروحية والبلاغية مع الاستشهاد القرآني: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾. إن توظيف هذه الآية في هذا السياق ليس استشهادًا تقليديًا، بل هو إعادة إنتاج للمعنى في سياق جديد. الآية تأمر بـ"العمل" لا بـ"الظهور"، وترتب الرؤية على العمل: "فسيرى الله عملكم". إنها تجعل من العمل جوهراً، ومن الرؤية (الإلهية والبشرية) نتيجة طبيعية له، لا غاية مقصودة لذاتها. إن الله يرى العمل، لا الصورة، والنبي يرى العمل، لا المنصب، والمؤمنون يرون العمل، لا اللجنة. وهكذا تتحول الآية إلى معيار وجودي: من كان عمله عظيمًا رُئيَ ولو لم يسع إلى الرؤية، ومن كان عمله هباءً خفي ولو جلس في ألف لجنة. وفي هذا التحويل للنص القرآني من سياقه التعبدي إلى سياق ثقافي قيمي، براعة تأويلية تنقل النص من النقد الاجتماعي إلى الموعظة الروحية دون أن تفقد شيئاً من حدته النقدية. أما البناء الأسلوبي للنص فيقوم على إيقاع بلاغي متصاعد، يبدأ بالأسئلة الإنكارية المتفجرة ألمًا، ويمر بالتشبيهات المحلقة، ثم يستقر في الجمل التقريرية الحاسمة التي تشبه الأحكام النهائية. والتكرار في النص ليس تكرارًا حرفيًا، بل هو تكرار تراكمي، كل جملة تضيف ظلاً جديداً للمعنى، وعمقاً جديداً للرؤية. تأمل مثلًا هذه السلسلة: "وما قيمة لجنة لا يسبقها منجز؟ وما قيمة صورة إذا لم يسندها أثر؟ وما قيمة لقب إذا كان صاحبه يعيش على ذكره أكثر مما يعيش على عطائه؟" إنها ثلاث جمل متوازية في بنيتها النحوية، متصاعدة في دلالتها. الأولى تنفي القيمة عن اللجنة التي تخلو من المنجز، والثانية تنفيها عن الصورة العارية عن الأثر، والثالثة تنفيها عن اللقب الذي يقوم على الذكرى لا العطاء. وهكذا ننتقل من "المنجز" (وهو ما ينجزه المرء) إلى "الأثر" (وهو ما يتركه في غيره) إلى "العطاء" (وهو ما يمنحه بلا مقابل). إنه تسلسل من الفعل الفردي إلى الأثر الجمعي إلى العطاء الإنساني، وكأن الكاتبة ترسم درجات الصعود من مجرد الفعل إلى معنى الحياة. وفي الخاتمة، يبلغ النص أوج شاعريته ونبوءته: "وحين تُطفأ الأضواء، وتُطوى القوائم، وتبهت الصور، لن يبقى في ذاكرة الناس من جلس على الكرسي، بل من استحق أن يجلس في قلوبهم." إنها صورة قيامة ثقافية مصغرة: الأضواء تنطفئ (وهي رمز البهرجة الإعلامية)، والقوائم تطوى (وهي رمز الإجراءات الإدارية)، والصور تبهت (وهي رمز التخليد المزيف)، ثم تبقى "القلوب" وحدها هي السجل الحقيقي. وفي الاستعارة العبقرية "يجلس في قلوبهم" يتم تفكيك مفهوم "الجلوس" وإعادة بنائه: الجلوس الحقيقي ليس على خشب المسارح، بل في أعماق الذاكرة الوجدانية. إن الكرسي الوحيد الذي يستحق أن يُجلس عليه المبدع هو كرسي القلب، وهو كرسي لا تصنعه لجنة، ولا تمنحه مؤسسة، ولا توثقه صورة، بل يصنعه الأثر الذي يتركه المبدع في نفوس الناس. ثم يأتي الختام المقتضب القاصم: "أما اللجان فموسمية... وأما الموهبة فخلود." إنها جملة كونية تكاد تكون تعريفًا فلسفيًا للوجود الثقافي. الموسمية مرتبطة بالدورة والتكرار والزوال، والخلود مرتبط بالدوام والاستمرار. اللجان تأتي وتذهب مثل الفصول، أما الموهبة فتبقى مثل الجوهر الذي لا يتغير. وفي هذا التقابل بين "الموسمية" و"الخلود" تكثيف لكل ما قاله النص، واختزال لجوهره في كلمتين، وختام لا يمكن أن يكون أبلغ منه ولا أوجز ولا أعمق. إن نص الدكتورة نور الهدى قرباز ليس مجرد مقال نقدي، بل هو "مانيفستو" ثقافي أخلاقي، وصيحة وجودية في برية الاعتراف المزيف. إنه نص يكتب بـ"روح" لا بـ"يد"، ويقرأ بـ"ضمير" لا بـ"عين". إنه يضع يده على الجرح النازف للحياة الثقافية العربية: جرح الاغتراب عن المعنى، وجرح استبدال الجوهر بالعرض، وجرح تحويل الفن من رسالة إلى وسيلة. وحين ننتهي من قراءته، نجد أنفسنا أمام مرآة نصية ضخمة، يرى فيها كل مثقف وجهه الحقيقي، إما وجه المبدع الذي يصنع ذهبه بنفسه، وإما وجه جامع الطوابع الذي ينتظر أن تمنحه المؤسسة قيمته. وأي المرآتين نختار، فهذا هو السؤال الذي يتركه النص مفتوحًا، مشتعلًا، يحرق الصمت من حولنا. البعنه == الجليل 23/06/2026
#طه_دخل_الله_عبد_الرحمن (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
دراسة تحليلية نقدية شاملة في نص - إنه بيتها وما زال يسكنني -
...
-
عندما يبكي القلب
-
قراءة لنثرية - أبحثُ عن وطنٍ – للدكتورة آمال بوحرب
-
قراءة لقصيدة – مشحوف وحلم – للأستاذ الناقد الدكتور عادل جوده
-
النقد الادبي لا ينتقص من شخص الكاتب بل إنصاتٌ عميقٌ لنبض الن
...
-
الأسرة بين التكنولوجيا ودفء العلاقات: العزلة الحديثة في زمن
...
-
دراسة أكاديمية - في وداع الأمس.. سيرة الذاكرة والأماكن - إعد
...
-
خاطرة - في وداع الأمس.. سيرة الذاكرة والأماكن
-
قراءة لقصيدة - وَرْدَتِي الْوَحِيدَة – للأستاذ الشاعر عبد ال
...
-
قراءتي للدراسة التحليلية - تمثّلات الخير والشر في الوعي الجم
...
-
قراءة لقصيدة – في غربتي – للأستاذة الشاعرة الدكتورة آمال بوح
...
-
الأستاذ صالح اسدي، قمة العطاء في محراب الحرف والتربية
-
نورانية الأستاذ سميح أسدي، حين يصير الوعي قضية والبصيرة وطنً
...
-
قراءة لنص - حين يصبح الشارع أرحم من العالم – للأستاذة الاديب
...
-
قراءة لقصيدة - أنت النبض والقلب يا وطني – للأستاذ الناقد وال
...
-
سيمفونية الحضور سليم ضو، عندما تُتَرجم القضية فلسطينيًا إلى
...
-
قراءة لقصيدة - نَشِيدُ الحُبِّ والكِفَاح – للأستاذ الشاعر ال
...
-
قراءة لقصيدة – جنة الغفران – للأستاذ الشاعر الدكتور فهد المح
...
-
قراءة لمقالة - في الذكرى السنوية على وفاة الموسيقار محمد عبد
...
-
قراءة لقصة - الحق لا يحميه الصامتون – للأستاذ الكاتب صالح اس
...
المزيد.....
-
أزياء جريئة للنجمات تخطف الأضواء في عرض -سان لوران- الرجالي
...
-
كبير مفاوضي إيران يبين الأساس لأي اتفاق مع دول الخليج والجير
...
-
تدشين نصب تذكاري للبحارة الروس في جزيرة موريشيوس بالمحيط اله
...
-
الإعلام العبري يشن هجوماً على اتفاق واشنطن وطهران: إسرائيل ت
...
-
إيران: هجوم سيبراني يضرب نظام البطاقات المصرفية ويعطل خدمات
...
-
الأمن المصري يوجه ضربة استباقية لبؤر شديدة الخطورة
-
مصر.. توفيق عكاشة يحدد سعرا بالدولار لظهوره في الإعلام
-
لبنان يسلم 128 محكوما سوريا إلى دمشق ضمن اتفاقية تبادل السجن
...
-
عون: التفاوض مع إسرائيل مستمر في واشنطن ومنفصل عن اجتماعات س
...
-
قاليباف: مذكرة التفاهم مع واشنطن إعلان هزيمة لها ولتل أبيب
المزيد.....
-
حرير فراشة الحكايات
/ ميرفت الخزاعي
-
الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين
/ فؤاد عايش
-
أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية
/ محمود الفرعوني
-
قواعد الأمة ووسائل الهمة
/ أحمد حيدر
-
علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة
/ منذر خدام
-
قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف
...
/ محمد اسماعيل السراي
-
الثقافة العربية الصفراء
/ د. خالد زغريت
-
الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية
/ د. خالد زغريت
-
الثقافة العربية الصفراء
/ د. خالد زغريت
-
الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|