|
|
قراءة لقصيدة - وَرْدَتِي الْوَحِيدَة – للأستاذ الشاعر عبد المجيد بَطالي
طه دخل الله عبد الرحمن
الحوار المتمدن-العدد: 8724 - 2026 / 6 / 2 - 20:03
المحور:
الادب والفن
قراءة لقصيدة - وَرْدَتِي الْوَحِيدَة – للأستاذ الشاعر عبد المجيد بَطالي 31-05-2026 وَرْدَتِي الْوَحِيدَة وَرْدَتي الوَحيدَة...... .... أنَاخَتْ بِظِلٍّ ظَليل .....منْ كَثرة الخَجَلْ ..... ..............تهاوَى الْفَرَاشُ إليْها....... ...............يَهْمِي ..........علَى عَجَلْ ..... يُعانِقُها.............. يُداعِبُ عِطْرها..... يَزِّفُ إليها القُبَلْ..... ..... حتَّى الزَّنَابيرُ أتَتْ... ......تُلاَعِبُ جمَالَهَا ........وتَلْسَعُ أَحْيانا حيَاءَها............. ........فَيَشْتَدُّ الجَدَلْ ..... وَيَرْحلُ الظِّلُّ الظَّلِيل وَتَبْسَمُ الشَّمْسُ...... .........بِوجْه الأَمَلْ ..... فتَزْدَادُ وَرْدَتي..... اِحْمِرَارًا........... وَتَخْلَعُ عَلَيْهَا ........ثَوْبَ الْخَجَلْ ..... فَتَرْقُصُ الْفَرَاشَاتُ ............لِلشَّمْس وتُغَنِّي الزَّنَابِيرُ.... ..............لِلْأَمَلْ ..... وَتَصْحُو وَرْدَتي... ........مِنْ سُكْرِهَا ........مِنْ عِشْقِهَا تَفْرِكُ لَيْلَها........ .........عَلَى مَهَلْ ..... تَضْحَكُ لِلْفَجْرِ..... وَتَحْكِي لِلصُّبْحِ.... .............ذِكْرَى ....مُعَلَّقَاتِ الْغَزَلْ ..... وَقَدْ تَغْمِزُ النُّجُومَ.. بِسِحْرِهَا............ وَالطَّلُّ عَلَى مُحَيَّاهَا .......يَعْبَقُ بِالْحَنِينِ ...إِلَى ذَوَاتِ الطَّلَلْ ..... ............وَالنَّحْلُ أَفْوَاجاً تَهَادَى إِلَيْها ...........خِلْسِةً... .........يَرْوِي لَهَا .........أُقْصُوصَةَ مَنْ عَصَرُوا مَسَاءَهُمْ .............عَلْقَما... وَقَالُواْ لِلدُّنْيَا: هَكذَا.... ..........صُبْحُنَا عَسَلْ ......................... عبد المجيد بَطالي ******************* القراءة: في احمرار الخجل وانقلاب النقد غناءً: تأويلات متعددة لقصيدة "وَرْدَتِي الْوَحِيدَة" لعبد المجيد بَطالي تمهيد: لماذا لا تكفي القراءة الأولى؟ كلما أعاد القارئ المتمرس قراءة قصيدة "وَرْدَتِي الْوَحِيدَة"، وجد فيها ما لم يره أول مرة، ليس لأن النص خادع، بل لأنه ناضج كفاكهة استوائية: كل طبقة تقشرها تكشف عن طبقة أخرى أكثر غنى وعطراً. القصيدة التي تبدو للوهلة الأولى وكأنها لوحة طبيعية رومانسية (وردة، فراش، زنابير، شمس، ظل)، تتحول بعد التأمل إلى أطروحة فلسفية متكاملة عن علاقة الجمال بالخجل، والنقد بالأمل، والعشق بالتحول. يظن البعض أنها قصيدة غزل تقليدية، لكنها في العمق مرآة تعكس معركة الشعر العربي الحديث مع نقاده، ودفاع النص عن وجوده أمام من يريدون تفتيته إلى أجزاء. بل يمكن القول إن القصيدة تؤسس لنظرية جمالية خاصة: نظرية "الاحمرار التراكمي"، التي تنص على أن الجمال لا يُنقصه النقد، بل يزيده وهجا، كأن الوردة كلما لُسعت حياؤها ازدادت احمرارا. هذا النص يستحق أن يُقرأ عشر مرات، وفي كل مرة يُفتح على تأويل جديد. وسنحاول هنا أن نغوص إلى أعماق سحيقة لم تمس بعد، متتبعين كل إشارة، وكل سكتة، وكل تحول في المشهد الشعري. أولا: الخجل بوصفه طاقة كونية لا عيباً أخلاقياً العنوان نفسه - "وَرْدَتِي الْوَحِيدَة" - يحمل استراتيجية دفاعية ذكية: فبقول "الوحيدة"، ينفي الشاعر عن نصه أي تهمة بالتقليد. هي ليست واحدة من سرب، بل فرد لا يتكرر. هذا الحصر يمنح القصيدة حصانة ضد المقارنات الرخيصة. لكن المفاجأة الكبرى تأتي في البيت الافتتاحي: "أناخت بِظِلٍّ ظَليل من كثرة الخَجَل". الإضافة "من كثرة الخجل" تحدد العلاقة بين الظل والخجل: الخجل هو سبب الظل، لا مصاحبه فقط. أي أن الوردة تخلق ظلها الخاص من فرط خجلها. تشبيها خفيفا: كمن يغطي وجهه بيديه حين يُمدح، فتكون يداه هما الظل. فيزيائيا، هذا مستحيل: الظل يأتي من حجب الضوء، لكن الوردة هنا تحجب ضوؤها الخاص عن نفسها. إنها تمارس خجلاً قبل أن يراها أحد. هذا يعني أن خجل الوردة ليس رد فعل على النظرات، بل هو صفة ذاتية أصيلة. هي خجولة حتى في غياب أي متفرج. وهذا يصدم كل النظريات النفسية التي تجعل الخجل مرتبطا بوجود الآخر. خجل الوردة أنطولوجي، وجودي: الوردة تشعر بالخجل من كونها وردة، من جمالها الفائض الذي لا تستطيع تفسيره، من حمرتها التي لا مبرر لها في عالم رمادي. يمكن قراءة هذا على أنه استعارة للشاعر نفسه: النص الجيد يخجل من بلاغته، ويحاول أن يختبئ خلف تواضع مزعوم، لكنه في الحقيقة يخلق ظلاً يلفت الانتباه إليه أكثر مما يحجبه. ثانيا: الفراشات كنموذج للعشق الجاهل بالجوهر "تهاوى الفراش إليها... يهمي على عجل". الفعل "تهاوى" صيغة تفاعل، لكن مصدرها هو الهوى، وهو السقوط من علو. الفراشات تسقط على الوردة لا تطير إليها، كأن جاذبية الوردة جاذبية أرضية لا ضوئية. ثم "يهمى": يقال همى المطر إذا اشتد وتتابع. إذن الفراشات تتساقط كالمطر. لكن المطر يبلل، والفراشات تقبل وتداعب. هذا المشهد يذكرنا بأسطورة فراشة الليل التي تحترق في ضوء الشمعة، لكن هنا لا احتراق، بل عشق سطحي مرح. "يُعانقها... يُداعب عِطرها... يُزفُّ إليها القُبَلْ". سلسلة أفعال تصاعدية: من العناق الجسماني إلى مداعبة العطر (الذي هو جزء من جوهر الوردة غير المرئي) إلى تقديم القبل كهدية رسمية. "يُزفُّ" من الزفاف، أي يوصل العروس إلى العريس. لكن العروس هنا هي القبلات، والوردة هي العريس. انعكاس مدهش: الوردة مؤنثة لكنها تتسلم القبلات كعريس. هذا الالتباس الجنساني، المألوف في الشعر العربي (الوردة أنثى لكن المخاطب أحياناً مذكر)، يفتح بابا لتأويلات حول الهوية الجنسانية في النص. لكن الأهم أن كل هذه الأفعال تتم "على عجل"، أي بلا تأن ولا تعمق. الفراشات تعشق بسرعة، وستترك الوردة بسرعة حين تشرق الشمس. هذا هو عشق الجمهور السطحي: يندفع نحو النص الجيد دون أن يفهمه، ثم يهجره بمجرد ظهور نص آخر. ثالثا: الزنابير - النقاد الذين يلسعون من الإعجاب لا من الكراهية "حتَّى الزَّنَابيرُ أتَتْ... تُلاعِبُ جَمَالَها وتَلْسَعُ أَحْياناً حَياءَها... فَيَشْتَدُّ الجَدَلْ". الملاحظة الأولى: الزنابير لم تأت لتدمر الوردة، بل "أتت". حضور بسيط، غير عدائي في الظاهر. ثم "تُلاعِبُ جمالها": اللعب بالجمال فعل نقدي بامتياز، لأنه يفكك الجدية التي يحيط بها العشاق جمالهم. الناقد يلعب بالجمال، يفككه، يُظهر تناقضاته، يسأل: ما هذا الأحمر؟ ما هذا العطر؟ لماذا تعتقدين أنك جميلة؟ لكن ثم "تَلْسَعُ أحياناً حياءها". دقق: تلسع حياءها، لا جسدها، لا بتلاتها، لا لونها. أي أن لسعة الزنبور لا تؤذي جمال الوردة المادي، بل تؤذي شعورها بالخجل. الناقد الحقيقي لا يستطيع أن ينفي أن النص جميل، لكنه يستطيع أن يجعل الشاعر يخجل من جمعه أو لا يحمل جديدا حقيقيا. الوردة تستجيب لهذه اللسعات بـ"اشتداد الجدل". ليس صراخا، ولا حربا، بل جدلا. الوردة تصبح ساحة جدل بين الفراشات (المدافعين) والزنابير (الناقدين). وهذا هو هدف النقد الحقيقي: أن يجعل النص محورا للنقاش، لا قبرا صامتا. وهنا تكمن المفارقة: الزنابير إذن تخدم الوردة من حيث لا تدرون، لأنها تمنحها شهرة الجدل، وتجعلها حية في فضاء القراءات المختلفة. فهل الناقد إذن عدو أم صديق؟ الجواب: كلاهما وأكثر. رابعا: رحيل الظل وابتسامة الشمس - نظرية الفجر الجمالي "وَيَرْحَلُ الظِّلُّ الظَّلِيل وَتَبْسَمُ الشَّمْسُ بِوَجْه الأَمَل". الظل الظليل هو ظل الخجل، رحيله يعني انتهاء مرحلة الاستحياء. لكن رحيله ليس بفعل الوردة، بل بفعل الزمن: الظل الطبيعي يزول كل صباح. هذا يعني أن الخجل عند الوردة ليس أبديا، بل هو مرحلة ليلية تنتهي حتما بشروق الشمس. والسؤال: من هي الشمس؟ ليست عاشقا جديدا، بل "بوجه الأمل". الشمس تتجسد كأمل، والأمل له وجه تبتسم فيه الشمس. استعارة معقدة: الشمس هي الضوء الذي يخلق الأمل، لكن الأمل هنا يصبح جسما له وجه، والشمس تبتسم في ذلك الوجه. كأن الأمل والوجه والشمس وحدة واحدة. الوردة ترى الشمس فتراها أملا، والأمل يبتسم لها. لكن لماذا قيل "بوجه الأمل" وليس "لوجه الأمل"؟ حرف الباء هنا يفيد المصاحبة أو الأداة: الشمس تتبسم مصحوبة بوجه الأمل، أو تستخدم وجه الأمل كأداة للابتسام. هذا تشيئ غريب للغاية، لكنه جميل: الأمل يصبح قناعا تبتسم الشمس من خلاله. "فَتَزْدَادُ وَرْدَتي احْمِرَاراً وتَخْلَعُ عَلَيْها ثَوْبَ الخَجَل". فعل "تخلع" يتطلب مفعولين: المفعول الأول هو "عليها" (أي على نفسها)، والمفعول الثاني هو "ثوب الخجل". أي أنها تنزع عن نفسها ثوب الخجل. لكن الفعل "تخلع" يليق بالملوك والأمراء: تخلع ثوبها الملكي لتلبس ثوبا آخر. فالخجل كان ثوبا، والحمرة تصبح ثوبا جديدا. وهذه الحركة بالغة الأهمية: الحمرة لم تكن موجودة قبل؟ بلى، الوردة حمراء منذ البداية. لكنها الآن تزداد احمرارا. أي أن الحمرة تتضاعف بعد رحيل الخجل. وعليه فإن الخجل كان يخفف الحمرة (لأنه كان يحجبها بظله) أو كان يمنعها من الظهور بكامل شدتها. الآن، مع الشمس، تكشف الوردة عن حمرتها كاملة. وهذه عين نظرية الاحمرار التراكمي: الجمال الحقيقي لا يظهر إلا بعد زوال الخجل عنه، لكن الخجل هو الذي يحفظه من التلاشي المبكر. باختصار: الخجل حارس الحمرة ورحيل الحارس يطلق العنان للحمرة. خامسا: تحول الفراشات والزنابير - كيف يصبح النقد ابتهالا "فَتَرْقُصُ الفَرَاشَاتُ لِلشَّمْس وتُغَنِّي الزَّنَابِيرُ لِلأَمَل". هذا البيت هو قلب القصيدة النابض. الفراشات التي كانت تعشق الوردة وتتهاوى عليها صارت ترقص للشمس. معناه: الوردة لم تعد محط الأنظار، بل أصبحت نافذة على ما هو أكبر منها. إنها كالمرشد الروحي الذي يشير إلى الشمس، ثم يتنحى. والزنابير التي كانت تلسع حياء الوردة صارت تغني للأمل. تحول مدهش: الناقد الذي يلسع يتحول إلى مغني حين يجد أملا حقيقيا. ما هو الأمل هنا؟ هو الوجه الذي تبتسم فيه الشمس. إذن، الأمل هو نتيجة رؤية الشمس. الزنبور لما رأى الوردة وقد ازدادت احمرارا ورحل خجلها، شعر أن هناك أملا في هذا العالم، فغنى. النقد يتحول إلى غناء عندما يلمس الناقد جمالا صادقا لا يحتاج إلى دفاع. في تلك اللحظة، يسقط اللسع ويحل الابتهال. هذا درس لكل نقاد الشعر: إذا أردتم أن تكونوا زنابير، فكونوا زنابير تغني، لا تلسع فقط. أو بالأحرى، لسعكم إذا كان نابعا من حسد الجمال سينقلب غناء إذا رأيتم الجمال يتجاوزكم وينمو. سادسا: سكر الليل وصحو الفجر - جدل الوعي واللاوعي الجمالي "وَتَصْحُو وَرْدَتي مِن سُكْرِها مِن عِشْقِها". السكر والعشق حالتان: الأولى فقدان للوعي، والثانية فقدان للسيطرة. لكن الوردة تصحو من الاثنين معا. السكر والعشق كانا ليلاً، والآن الفجر جاء، فذهبا. "تَفْرِكُ لَيْلها عَلَى مَهَل". فرك الليل: حركة غريبة جدا. الليل ليس قميصا يُفرَك، لكن يمكن فهمه كناية عن التخلص من بقايا السكر والعشق، كمن يفرك عينيه بعد النوم. "على مهل" تعني بتؤدة ورفق، وكأن الوردة لا تريد أن تمزق الليل بل تنفضه بلطف. هذا يشي بأن الليل لم يكن عدوا، بل كان خادما أمينا. الوردة تشكر ليلها، وتمسح عليه برفق قبل أن تودعه. ثم "تَضْحَكُ لِلْفَجْرِ". الضحك للفجر بدل البكاء عليه، كأنها ترحب به. وتَحْكِي لِلصُّبْحِ ذِكْرَى مُعَلَّقاتِ الغَزَل. الصبح هو وقت الحكي، والضحى هو وقت البوح. الوردة تحكي للصباح ذكريات شعر الغزل العذري والمعلقات. هنا تخرج الوردة من ذاتيتها الفردية لتصبح جزءا من تاريخ الشعر العربي بأكمله. إنها لا تنافس المعلقات، بل تتذكرها وتستدعيها. الذكرى هنا مفرد جمع: ذكرى معلقات، أي أنها تحكي ذكرى واحدة جامعة لكل المعلقات. هذا يذكرنا بنظرية "التناص" عند جوليا كريستيفا: كل نص هو فسيفساء من اقتباسات من نصوص سابقة. الوردة هنا تعلن انتماءها لذلك التقليد، لكنها تعلنه بضحكة، لا برهبة. سابعا: غمز النجوم والحنين إلى الطلل - الجمال يتحدى الزمن "وَقَدْ تَغْمِزُ النُّجُومَ بِسِحْرِها". غمز النجوم: فعل مؤانسة ومرح. الوردة في علاقة خاصة مع النجوم، وكأن بينهما تواطئا سريا. النجوم بعيدة وباردة، لكن الوردة تغمزها كأنهما صديقتان حميمتان. السحر هنا هو سحر الوردة، أي قوتها الجاذبة غير المبررة. "والطَّلُّ عَلَى مُحَيَّاها يَعْبَقُ بِالحَنِينِ إِلَى ذَوَاتِ الطَّلَل". الطل ندى الصباح، والمُحَيَّا الوجه. الندى يعبق بالحنَين، أي يشبه رائحة الحنين. لكن الحنين هنا ليس إلى شخص، بل إلى "ذوات الطلل". الطلل في الشعر العربي هو بقايا الديار بعد رحيل الأحبة. "ذوات الطلل" جمع مؤنث، أي أشياء لها طلل، أو أنثى تملك طللاً. الوردة تحن إلى ما كان قبلها، إلى الأطلال التي كانت تقف عليها وردات أخريات، إلى الماضي الشعري الذي اندثر وبقيت آثاره. وهذا الحنين ليس حزنا، بل هو ما يمنح الندى عبقا خاصا. الوردة تحن إلى فنائها الخاص: ذات يوم ستصبح هي نفسها طللا، وسيحن إليها وردات أخريات. هذه النظرة الدائرية للزمن تجعل القصيدة تخرج من دائرة الغزل المباشر إلى دائرة التأمل الوجودي. الوردة ليست مجرد كائن جميل، بل هي كائن يعرف أنه سيموت، لكنه مع ذلك يغمز للنجوم. ثامنا: النحل والأقصوصة الأخيرة - هزيمة العلقم النهائية "والنَّحْلُ أَفْوَاجاً تَهَادَى إِلَيْها خِلْسَةً... يَرْوِي لَها أُقْصُوصَةَ مَنْ عَصَرُوا مَساءَهُمْ عَلْقَماً وَقالُوا لِلدُّنْيا: هَكَذا صُبْحُنا عَسَلْ". النحل يختلف عن الفراش والزنابير: النحل لا يعشق الجمال فقط، ولا يلسعه فقط، بل يحوله. النحلة تحول رحيق الزهر إلى عسل، وهي هنا لا تأتي لتمتص الرحيق، بل لتروي أقصوصة. النحل أفواجا: جماعات كثيفة، تهادى: تباطأت وتمايلت كالسكارى، خلسة: خفية خوفا من أحد يروي للوردة أقصوصة عن مجموعة من الناس عَصَروا مساءهم (أي زمن ألمهم وليلهم) علقما (مرارة شديدة)، ثم قالوا للدنيا متحدين: هكذا أصبحنا عسل. أقصوصتهم هي حكاية تحويل العلقم إلى عسل. والنحل الذي يحول الرحيق إلى عسل هو الجنس الأنسب لرواية هذه الأقصوصة. لكن السؤال: لماذا يروي النحل هذه الأقصوصة للوردة؟ لأن الوردة فعلت الشيء نفسه بالضبط. لقد عصروا مساءها علقما (زنابير تلسع، فراشات عابثة، ظل يزول) لكنها أصبحت في الصباح وردة أكثر احمرارا وأكثر حكمة وأكثر قدرة على الغمز والضحك. الوردة نفسها هي مثال حي على أن العلقم يمكن أن يصبح عسلا. النحل إذن يروي للوردة قصتها هي، لكن بصيغة الغائب. إنها لحظة مرآوية: الوردة تسمع قصة عن نفسها من لسان النحل، وكأنها ترى ذاتها من خارج، فتتعرف على بطولتها. تاسعا: بنية السكون والحركة - قراءة إيقاعية على المستوى الإيقاعي، القصيدة مبنية على تناوب بين المقاطع القصيرة جدا (مثل "تهاوى"، "يهمى") والمقاطع الطويلة المتدفقة (مثل الأبيات الأخيرة). هذا التناوب يحاكي تنفس الوردة: شهيق سريع (فراشات تهوي) وزفير طويل (النحل يحكي أقصوصته). علامات الحذف (النقاط) المتكررة لا ترمز فقط إلى استمرارية الصورة، بل إلى الدهشة التي يعجز الشاعر عن وصفها. كلما وصل إلى ذروة بلاغية، يترك فراغا من النقاط، كمن يلهث من فرط الجمال. مثلا: "وتَحْكِي لِلصُّبْحِ... ذِكْرَى / مُعَلَّقَاتِ الغَزَل" - النقاط قبل "ذكرى" توحي بأن الوردة تبحث عن الكلمة المناسبة، فتجدها أخيرا: ذكرى. هذا فن عالٍ في إدارة التوقفات. خاتمة: لماذا هذه القصيدة مهمة الآن؟ في زمن تكتظ فيه الساحة الشعرية بنصوص إما غارقة في تعقيد معتم، أو هزيلة في بساطتها، تأتي "وَرْدَتِي الْوَحِيدَة" كاستثناء مشرق. إنها تثبت أن الشعر يمكن أن يكون جميلا دون أن يكون ساذجا، عميقا دون أن يكون غامضا، ناقدا للنقد دون أن يكون دفاعيا. تدعونا القصيدة إلى إعادة النظر في علاقتنا بالجمال: هل نخجل منه حقا؟ هل نخاف من مدحه؟ هل نترك الزنابير تلسعنا فنزداد احمرارا، أم نذبل تحت لسعاتها؟ كما تدعو النقاد إلى أن يكونوا نحلا، يروون أقاصيص التحول، لا زنابير تلسع فقط. الناقد الحقيقي هو من يحول ما يراه إلى قصة، ومن يمنح النص بعدا جديدا، كما يمنح النحل الرحيق حياة ثانية. وإذا كان الشاعر قد نجح في أن يخلق من خجل وردته عالما متكاملا من الاستعارات والرموز والمواقف الدرامية، فإن على الناقد ألا يكتفي بالتصفيق، بل أن يصنع من إعجابه أقصوصة جديدة، كما فعل النحل بالضبط. ربما تكون هذه القصيدة هي الوردة الوحيدة التي لا تحتاج إلى دفاع، لأنها تدافع عن نفسها ببلاغة نادرة، وتجعل من كل من يقترب منها إما فراشة راقصة أو زنبورا مغنيا أو نحلا يحكي أقصوصة العلقم المحول إلى عسل. وهي، في النهاية، درس في الأمل: أن تصحو من سكرك وعشقك، وتفرك ليلك على مهل، وتضحك للفجر، وتغمز للنجوم، وتحكي للصباح ذكرى كل من قال للدنيا هكذا أصبحنا عسل، رغم أن مساءهم كان علقما. وهذا، بامتياز، هو ما يجب أن يفعله الشعر: أن يكون عسل الصباح الذي لا ينكر مرارة المساء، بل يحتويها.
#طه_دخل_الله_عبد_الرحمن (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
قراءتي للدراسة التحليلية - تمثّلات الخير والشر في الوعي الجم
...
-
قراءة لقصيدة – في غربتي – للأستاذة الشاعرة الدكتورة آمال بوح
...
-
الأستاذ صالح اسدي، قمة العطاء في محراب الحرف والتربية
-
نورانية الأستاذ سميح أسدي، حين يصير الوعي قضية والبصيرة وطنً
...
-
قراءة لنص - حين يصبح الشارع أرحم من العالم – للأستاذة الاديب
...
-
قراءة لقصيدة - أنت النبض والقلب يا وطني – للأستاذ الناقد وال
...
-
سيمفونية الحضور سليم ضو، عندما تُتَرجم القضية فلسطينيًا إلى
...
-
قراءة لقصيدة - نَشِيدُ الحُبِّ والكِفَاح – للأستاذ الشاعر ال
...
-
قراءة لقصيدة – جنة الغفران – للأستاذ الشاعر الدكتور فهد المح
...
-
قراءة لمقالة - في الذكرى السنوية على وفاة الموسيقار محمد عبد
...
-
قراءة لقصة - الحق لا يحميه الصامتون – للأستاذ الكاتب صالح اس
...
-
أنا والقلم
-
قراءة لقصيدة – اجتمعت – للأديبة الناقدة نافلة مرزوق العامر ك
...
-
قراءة لقصيدة – نابلس - من ديوان ترانيم الغروب للأستاذ الشاعر
...
-
النقدُ الأدبيُّ: إبداعٌ من رحمِ النصِّ، فمَن يستخفُّ به يستخ
...
-
خاطرة - نبض الابداع
-
بين الماضي والحاضر رؤية مستقبلية
-
خاطرة – الجسر -
-
قراءة لقصيدة – أيها الصامتون – للناقدة الشاعرة فوزية بن حوري
...
-
قراءة لقصيدة – تراتيل عشق أبدي – للأستاذ الشاعر منير راجي
المزيد.....
-
الكويت تخفض التمثيل الدبلوماسي الإيراني وتطلب مغادرة دبلوماس
...
-
مئوية إدريس الشرايبي.. سيرة روائي شرح أعطاب الاستعمار بالفرن
...
-
الشاعر السيريالى عبدالرؤوف بطيخ ضيفا على نادى أدب دمنهور برئ
...
-
منشأة -الكهف- العملاقة للفنان الفرنسي جي آر في باريس تبدو مت
...
-
بعد فوزها بجائزة دولية.. وجدان أبو شمالة: كتابي دعوة أخلاقية
...
-
مدعومة من ترامب.. فنانون ينسحبون من حفلات بمناسبة الذكرى الـ
...
-
من -موسكو الصغرى- إلى شاشة السينما..-باغي عينكاوة-.. مقهى يح
...
-
موجة من الموسيقى القاتمة تسيطر على إصدارات نجمات البوب هذا ا
...
-
-ليست مجرد مهنة-.. مكتبات الخرطوم تعاود نشاطها رغم ندوب الحر
...
-
وفاة الممثلة المصرية سهام جلال عن 54 عامًا
المزيد.....
-
جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال
/ كمال التاغوتي
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث
...
/ السيد حافظ
-
سِنّمار
/ كمال التاغوتي
-
مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد
...
/ عيسى بن ريمة
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
-
طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة
/ احمد صالح سلوم
-
حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي
/ نايف سلوم
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
رواية هروب بين المضيقين
/ أمين أحمد ثابت
المزيد.....
|