أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - طه دخل الله عبد الرحمن - قراءتي للدراسة التحليلية - تمثّلات الخير والشر في الوعي الجمعي – للمستشار محمد فادي زين العابدين















المزيد.....

قراءتي للدراسة التحليلية - تمثّلات الخير والشر في الوعي الجمعي – للمستشار محمد فادي زين العابدين


طه دخل الله عبد الرحمن

الحوار المتمدن-العدد: 8723 - 2026 / 6 / 1 - 22:15
المحور: قضايا ثقافية
    


قراءتي للدراسة التحليلية - تمثّلات الخير والشر في الوعي الجمعي – للمستشار محمد فادي زين العابدين 31-05-2026
تمثّلات الخير والشر في الوعي الجمعي
دراسة تحليلية في البنية الخطابية والدلالة الأدبية
المستشار محمد فادي زين العابدين
المقدمة
تُعدّ ثنائية الخير والشر من أكثر الثنائيات حضورًا في الوعي الإنساني، إذ شكّلت عبر التاريخ أحد أبرز المفاهيم المؤسسة للتفكير الأخلاقي والثقافي والاجتماعي. غير أن هذه الثنائية، رغم شيوعها، لا تتخذ شكلًا ثابتًا أو تعريفًا واحدًا، بل تتبدّى بوصفها بنية متحركة تتشكل داخل السياقات الدينية والفكرية والاجتماعية، وتُعاد صياغتها باستمرار داخل الخطابات المختلفة.
فما يُدرك بوصفه “خيرًا” أو “شرًا” لا ينفصل عن السياق الذي ينتجه، ولا عن اللغة التي تصفه، ولا عن الوعي الجمعي الذي يعيد إنتاجه عبر التكرار والتمثيل الرمزي. ومن هنا، فإن دراسة هذه الثنائية لا تهدف إلى إصدار أحكام قيمية، بل إلى فهم كيفية تشكّلها داخل البنية الخطابية للإنسان.
وتكمن إشكالية هذا البحث في كيفية تمثّل الخير والشر داخل الوعي الجمعي، وكيف تُسهم الخطابات الدينية والاجتماعية والأدبية في إنتاج هذه الثنائية وإعادة تشكيلها بوصفها نظامًا رمزيًا ودلاليًا، لا مجرد معطى أخلاقي ثابت.
وفي هذا الإطار، يعتمد البحث مقاربة محددة الزاوية تقوم على ضبط التحليل ضمن مقصدية معرفية واضحة، تتمثل في الكشف عن آليات تشكّل تمثّلات الخير والشر داخل الوعي الجمعي، دون الانزلاق إلى أي تقييم قيمي أو تأويل أيديولوجي أو سياسي، بحيث يقتصر العمل على دراسة البنية الخطابية والتمثيلية للمفاهيم كما تتجسد في الخطاب الإنساني.
وانطلاقًا من ذلك، يسعى هذا البحث إلى تحليل آليات تشكّل مفهومي الخير والشر داخل الخطاب الإنساني، مع التركيز على التمثّل الأدبي بوصفه أحد أهم الفضاءات التي يُعاد فيها إنتاج هذه المفاهيم جماليًا ورمزيًا.
الإطار النظري والمنهجي
ينطلق هذا البحث من مقاربة تحليلية–وصفية تهدف إلى دراسة تمثّلات الخير والشر بوصفها بنى دلالية تتشكل داخل الخطاب، وليس بوصفها قيمًا معيارية مستقلة. ويُعتمد مفهوم “التمثّل” باعتباره آلية لإعادة إنتاج الواقع داخل اللغة، حيث تتحول المفاهيم الأخلاقية إلى صور ورموز داخل الوعي الجمعي.
كما يستند البحث إلى رؤية تعتبر أن الوعي الجمعي لا يعكس الواقع بشكل مباشر، بل يعيد إنتاجه عبر منظومات من الخطابات الدينية والاجتماعية والأدبية، التي تُسهم في تثبيت أو إعادة تشكيل المعاني الأخلاقية.
ويعتمد البحث المنهج الوصفي التحليلي، مع توظيف مقاربة تمثيلية للخطاب، تسمح بفهم البنية الداخلية للنصوص دون الانزلاق إلى التفسيرات الأيديولوجية أو المواقف القيمية، ضمن حدود معرفية مضبوطة تضمن بقاء التحليل في إطار وظيفته التفسيرية لا التقريرية.
الفصل الأول: الإطار المفاهيمي للخير والشر
المبحث الأول: البعد المفاهيمي
تُطرح ثنائية الخير والشر بوصفها إحدى الثنائيات الأساسية في الفكر الإنساني، غير أن هذا الطرح لا يستقر على تعريف واحد، إذ يتبدل وفق السياقات الثقافية والمعرفية. فالخير قد يُفهم بوصفه قيمة أخلاقية، وقد يُفهم بوصفه توافقًا اجتماعيًا، وقد يُعاد تأويله داخل أنظمة فكرية مختلفة، وكذلك الأمر بالنسبة لمفهوم الشر.
المبحث الثاني: الجذور الرمزية والتاريخية
تظهر في السرديات الدينية والرمزية الأولى نماذج تأسيسية للصراع الأخلاقي، حيث يتم تقديم الفعل الإنساني بوصفه حقلًا لتجلي الخير والشر. هذه السرديات لا تُقرأ بوصفها وقائع تاريخية، بل بوصفها بنى رمزية أسهمت في تشكيل الوعي الأخلاقي المبكر.
المبحث الثالث: الوعي الجمعي
يتشكل الوعي الجمعي من خلال تراكم الخبرات والخطابات، حيث يتم تداول مفاهيم الخير والشر عبر اللغة اليومية، والأمثال، والسلوك الاجتماعي، بما يجعلها مفاهيم متغيرة وليست ثابتة.
الفصل الثاني: التمثّلات الخطابية للخير والشر
المبحث الأول: الخطاب الديني والرمزي
يسهم الخطاب الديني في تشكيل بنية رمزية لمفاهيم الخير والشر، حيث يتم تقديمها عبر السرد والتجربة الرمزية، بما يسمح بإعادة إنتاجها داخل الوعي الجمعي.
المبحث الثاني: الخطاب الاجتماعي والإعلامي
يعيد الخطاب الاجتماعي والإعلامي إنتاج الثنائية الأخلاقية عبر التكرار والتصنيف، ما يؤدي إلى تكوين صور نمطية حول الخير والشر تتغير بتغير السياقات الاجتماعية.
المبحث الثالث: اللغة اليومية
تُعد اللغة اليومية مجالًا حيًا لإعادة إنتاج المفاهيم الأخلاقية، حيث تتجسد ثنائية الخير والشر في الأمثال والتعبيرات والتقييمات اليومية للسلوك الإنساني.
الفصل الثالث: التمثّل الأدبي للخير والشر
المبحث الأول: الشعر بوصفه تمثيلًا رمزيًا
يقدّم الشعر الخير والشر بوصفهما صورًا رمزية، حيث يتحول الخير إلى نور وحضور وحب، بينما يُمثّل الشر بالغياب والظلام والفقد.
المبحث الثاني: الرواية والصراع الداخلي
في السرد الروائي، لا يظهر الخير والشر كطرفين خارجيين، بل كصراع داخلي داخل الذات الإنسانية، بما يعكس تعقيد التجربة الأخلاقية.
ومن أبرز النماذج المؤسسة لهذا التصور، رواية فيودور دوستويفسكي، التي تقدم بنية سردية فلسفية معقدة تعيد تفكيك ثنائية الخير والشر داخل النفس البشرية.
ففي هذه الرواية، لا يُقدَّم الخير بوصفه قيمة مطلقة، ولا الشر بوصفه انحرافًا بسيطًا، بل يظهر الإنسان كحقل صراع داخلي بين العقل الشكّاك، والضمير الروحي، والنزعات الغرائزية، إضافة إلى تمثّل الشر بوصفه فكرة مبررة ذهنيًا وليست مجرد فعل مباشر.
وبذلك تصبح الرواية نموذجًا تأسيسيًا لفهم تمثلات الخير والشر باعتبارها بنى نفسية داخل الوعي الفردي، لا تصنيفات أخلاقية خارجية.
المبحث الثالث: الأدب وإعادة إنتاج الوعي
يسهم الأدب في إعادة تشكيل الوعي الجمعي من خلال تحويل المفاهيم الأخلاقية إلى صور سردية وجمالية، ما يجعل القارئ يعيد التفكير في معنى الخير والشر خارج التصنيفات الجاهزة.
الفصل الرابع: مقاربة تطبيقية تمثيلية
المبحث الأول: التمثّل الشعري
يكشف التحليل الشعري أن الخير والشر يتجسدان كصور وجدانية ورمزية داخل النص، لا كمفاهيم مباشرة، بل كثنائيات لغوية مثل الضوء/الظلام والحضور/الغياب.
المبحث الثاني: التمثّل الروائي
تُقدَّم الشخصيات الروائية بوصفها كيانات مركبة تتجاوز التقسيم الأخلاقي الثنائي، لتعكس تعقيد التجربة الإنسانية.
المبحث الثالث: التمثّل الجمعي
يتقاطع الأدب مع الوعي الجمعي في إنتاج صور متغيرة للخير والشر، تتبدل بحسب السياقات الثقافية والتاريخية.
الخاتمة
خلص هذا البحث إلى أن ثنائية الخير والشر لا تُفهم بوصفها قيمة مطلقة، بل بوصفها تمثّلًا خطابيًا يتشكل داخل الوعي الجمعي عبر اللغة والثقافة والخطاب.
كما تبين أن الخطاب الديني والاجتماعي والأدبي يسهم في إعادة إنتاج هذه الثنائية بصور متعددة، وأن الأدب على وجه الخصوص يمثل فضاءً أساسيًا لإعادة تشكيلها رمزيًا وجماليًا.
وبذلك، لا يقدّم البحث حكمًا على الخير والشر، بل يدرس آليات تشكّلهما داخل البنية الخطابية للوعي الإنساني، ضمن مقصدية معرفية تحليلية محددة الزاوية.
المستشار محمد فادي زين العابدين
*********************
القراءة:
في مرايا اللغة وحدائق الوعي: تأمل في تمثّلات الخير والشر كبناء خطابي لا أخلاقي مطلق
حين نقرأ دراسة المستشار محمد فادي زين العابدين الموسومة بـ"تمثّلات الخير والشر في الوعي الجمعي: دراسة تحليلية في البنية الخطابية والدلالة الأدبية"، لا نقف أمام بحث أكاديمي تقليدي يجترح تصنيفات أخلاقية جامدة، بل أمام مشروع معرفي طموح يسعى إلى تفكيك أحد أكثر الثنائيات رسوخا في الوعي الإنساني، ليس من أجل هدمها أو نفيها، بل من أجل إعادة وضعها داخل سياقها الطبيعي: اللغة، الخطاب، التمثّل، والتاريخ. إن ما يميز هذه المقاربة، منذ الصفحات الأولى، هو الإصرار على تحويل السؤال من "ما هو الخير وما هو الشر؟" إلى "كيف يتم إنتاج الخير والشر داخل الخطاب؟ وكيف يعاد تمثيلهما في الوعي الجمعي؟". هذا التحول الإبستمولوجي ليس ترفًا فلسفيًا، بل هو ضرورة منهجية لأي باحث يريد أن يتعامل مع القيم الأخلاقية بوصفها كائنات حية تتغير بتغير ظروف إنتاجها، لا بوصفها لوحات ثابتة معلقة على جدار الميتافيزيقا.
تأتي المقدمة لتؤسس لهذه الرؤية بعبارة محورية: "ما يُدرك بوصفه خيراً أو شراً لا ينفصل عن السياق الذي ينتجه، ولا عن اللغة التي تصفه، ولا عن الوعي الجمعي الذي يعيد إنتاجه عبر التكرار والتمثيل الرمزي". في هذه الجملة وحدها يكمن خلاصة مشروع فكري كامل: الخير والشر ليسا جوهرين أفلاطونيين يصارعان منذ الأزل، بل هما نتاج سياقات، ونتاج لغات، ونتاج وعي جمعي متحرك. هذا التصوّر يضع البحث في مصاف الدراسات البنيوية وما بعد البنيوية التي تنظر إلى المعنى بوصفه بناءً لا انعكاسًا، وتجعل من اللغة ساحة الصراع الأهم، لا ساحة القتال بين قوى الخير والشر الخيالية. وإذ يعلن المستشار زين العابدين أن إشكالية البحث تكمن في "كيفية تمثّل الخير والشر داخل الوعي الجمعي"، فإنه يختار عن وعي طريقاً مغايراً للطريق الأخلاقي التقليدي، طريق التحليل لا الوعظ، طريق التفكيك لا التبشير. وهذا وحده يستحق الإشادة، فالقليلون هم من يقتربون من القيم الأخلاقية ببرودة الجراح لا بحماسة الواعظ.
ينتقل البحث إلى الإطار النظري والمنهجي، وهنا نلمح دقة بالغة في ضبط المقاربة: "مقاربة تحليلية–وصفية تهدف إلى دراسة تمثّلات الخير والشر بوصفها بنى دلالية تتشكل داخل الخطاب، وليس بوصفها قيمًا معيارية مستقلة". هذا الفصل بين "البني الدلالية" و"القيم المعيارية المستقلة" هو جوهر المنهج. البحث لا يقول لنا: هذا خير وهذا شر، بل يقول: كيف يتم جعل شيء ما خيراً وشيء آخر شرا داخل هذه الخطابات؟ إنه يدرس آلية الإنتاج، لا المنتج النهائي. والتمسك بـ"المنهج الوصفي التحليلي" مع "توظيف مقاربة تمثيلية للخطاب" يضمن للبحث ألا ينزلق إلى أيديولوجيا خفية، وألا يتحول إلى خطاب قيمي مقنع بثياب موضوعية. الحدود المعرفية المضبوطة التي يتحدث عنها الباحث هي التي تحمي الدراسة من فخاخ التقييم، وتجعلها أداة لفهم البنية لا أداة لإصدار الأحكام.
ثم يأتي الفصل الأول: الإطار المفاهيمي. يضع الباحث يده على نقطة حساسة حين يؤكد أن "ثنائية الخير والشر تُطرح بوصفها إحدى الثنائيات الأساسية في الفكر الإنساني، غير أن هذا الطرح لا يستقر على تعريف واحد". نعم، وكأنما يردّ على كل من يعتقد أن الخير والشر مفهومان واضحان بديهيان، فيفاجئهم بأنهما من أكثر المفاهيم إشكالية وتاريخية وسياقية. والمبحث الثاني يتناول "الجذور الرمزية والتاريخية"، ليؤكد أن السرديات الدينية الأولى "لا تُقرأ بوصفها وقائع تاريخية، بل بوصفها بنى رمزية أسهمت في تشكيل الوعي الأخلاقي المبكر". هنا يضرب البحث في عمق الأنثروبولوجيا الرمزية، فالسرديات المؤسسة مثل قصة الخروج من الجنة أو صراع النور والظلمة في الميثولوجيا الإيرانية ليست تقارير تاريخية، بل هي بنى لغوية ورموز جماعية ساهمت في تشكيل عقل أخلاقي معين. أما المبحث الثالث فيتناول الوعي الجمعي باعتباره وعياً متشكلا "من خلال تراكم الخبرات والخطابات"، حيث يتم تداول مفاهيم الخير والشر عبر اللغة اليومية والأمثال والسلوك الاجتماعي، مما يجعلها مفاهيم متغيرة، لا ثابتة. وهذا يؤكد ما ذهب إليه إميل دوركايم من أن الوعي الجمعي ليس مجموع وعي الأفراد، بل هو كيان قائم بذاته، يتشكل من خلال التفاعلات والخطابات، ويعاد إنتاجه جيلاً بعد جيل.
الفصل الثاني يتناول "التمثّلات الخطابية للخير والشر"، وينقسم إلى ثلاثة مباحث: الخطاب الديني والرمزي، الخطاب الاجتماعي والإعلامي، اللغة اليومية. في المبحث الأول، يذهب الباحث إلى أن الخطاب الديني "يسهم في تشكيل بنية رمزية لمفاهيم الخير والشر، حيث يتم تقديمها عبر السرد والتجربة الرمزية، بما يسمح بإعادة إنتاجها داخل الوعي الجمعي". ما يلفت النظر هنا هو كلمة "التجربة الرمزية" بدل "التجربة الواقعية". فالخطاب الديني لا يقدم الخير والشر كتجارب يومية مباشرة، بل كتجارب رمزية تحتاج إلى تأويل. الجنة ليست حديقة يمكن زيارتها، والنار ليست مكانًا يمكن قياس حرارته، بل هما رموز للجزاء والثواب، لكن من كثرة التداول تحولتا في الوعي الجمعي إلى حقائق مادية. هذا التحول من الرمز إلى الحقيقة هو بالضبط ما يدرسه التحليل الخطابي. والمبحث الثاني يتناول الخطاب الاجتماعي والإعلامي، الذي "يعيد إنتاج الثنائية الأخلاقية عبر التكرار والتصنيف، ما يؤدي إلى تكوين صور نمطية حول الخير والشر تتغير بتغير السياقات الاجتماعية". وهنا نجد بؤرة حساسة: الإعلام والسياسة اليوم يعيدان إنتاج الخير والشر بصور نمطية قد تكون مضللة، كجعل الخصم السياسي "شرا مطلقا" والصديق "خيرا محضا". لكن البحث يرفض أن يدخل في هذه التفاصيل التطبيقية السياسية، مكتفيا بالإشارة إلى الآلية العامة، حفاظاً على مقصديته المعرفية المحايدة. والمبحث الثالث يتناول اللغة اليومية بوصفها "مجالا حيا لإعادة إنتاج المفاهيم الأخلاقية"، حيث تتجسد الثنائية في الأمثال مثل "يد الله مع الجماعة" (خير) و"الشيطان في التفاصيل" (شر)، وفي التعبيرات اليومية مثل "فلان طيب القلب" أو "فلان ما فيه خير".
لكن الفصل الثالث هو روح البحث بلا شك، حيث يتناول "التمثّل الأدبي للخير والشر". هنا يجد الباحث في الأدب فضاءً متميزا لإعادة إنتاج هذه الثنائية، ليس كمواعظ مباشرة، بل كصور جمالية ورمزية. المبحث الأول: الشعر بوصفه تمثيلا رمزيا، حيث "يتحول الخير إلى نور وحضور وحب، بينما يُمثّل الشر بالغياب والظلام والفقد". هذا الترميز ليس اعتباطيا، بل له جذوره في التاريخ الرمزي للإنسان: النور دائما اقترن بالخير والمعرفة، والظلام بالشر والجهل. لكن البحث يتجاوز هذه السطحية ليغوص في قضية أعمق في المبحث الثاني: الرواية والصراع الداخلي. وهنا يختار الباحث نموذجًا مؤسسًا، بل لعله النموذج الأهم في تاريخ الرواية الغربية: فيودور دوستويفسكي. يقول البحث: "في هذه الرواية، لا يُقدَّم الخير بوصفه قيمة مطلقة، ولا الشر بوصفه انحرافا بسيطا، بل يظهر الإنسان كحقل صراع داخلي بين العقل الشكّاك، والضمير الروحي، والنزعات الغرائزية، إضافة إلى تمثّل الشر بوصفه فكرة مبررة ذهنيًا وليست مجرد فعل مباشر". هذا الكثيف يحيل ضمنا إلى روايات دوستويفسكي الكبرى كـ"الجريمة والعقاب" و"الإخوة كارامازوف" و"الشياطين"، حيث لا يوجد أشرار بالمعنى التقليدي، بل شخصيات تعاني من شرها وتحاول تبريره، أو تريد الخير فتنتج الشر. راسكولنيكوف مثلا يقتل امرأة عجوز ليس لكراهيته لها، بل لفكرة مجردة عن "الإنسان الخارق" الذي يسمح له بدم يسير من أجل خير البشرية. الشر هنا ليس نقيضاً بسيطا للخير، بل هو فكرة خير منحرفة، أو رغبة في الخير تجاوزت حدودها. وهذا ما يجعل دوستويفسكي عبقريا حقيقيا، وما يجعله النموذج الأمثل لدراسة تمثّلات الخير والشر في الأدب. ويختم المبحث الثالث بأن الأدب "يسهم في إعادة تشكيل الوعي الجمعي من خلال تحويل المفاهيم الأخلاقية إلى صور سردية وجمالية، ما يجعل القارئ يعيد التفكير في معنى الخير والشر خارج التصنيفات الجاهزة". وهذا هو الدور الأسمى للأدب: ألا يقدم أجوبة جاهزة، بل أن يطرح أسئلة معقدة، وأن يُخرج القارئ من راحة التصنيفات الثنائية إلى متاهة التجربة الحية.
الفصل الرابع: "مقاربة تطبيقية تمثيلية" يكتفي بالإشارات المجردة دون تطبيقات فعلية على نصوص محددة، ربما لأن البحث في صيغته الحالية هو إطار نظري أكثر منه دراسة تطبيقية. لكن يمكن للمرء أن يتصور كيف يمكن تطبيق هذه المنهجية على نصوص عربية معروفة مثل "رسالة الغفران" لأبي العلاء المعري، حيث يتصارع الخير والشر في رحلة روحية ساخرة، أو "حي بن يقظان" لابن طفيل، حيث يتجلى الخير في العزلة والتأمل والشر في المجتمع الفاسد. كما يمكن تطبيقها على أعمال نجيب محفوظ، مثل "أولاد حارتنا" حيث تجسّد الشخصيات صراع الخير والشر في قالب رمزي، أو "اللص والكلاب" حيث يتحول البطل من ضحية إلى جاني دون أن يفقد تعاطف القارئ.
وتأتي الخاتمة لتلخص النتائج بعبارات حازمة: "خلص هذا البحث إلى أن ثنائية الخير والشر لا تُفهم بوصفها قيمة مطلقة، بل بوصفها تمثّلا خطابيا يتشكل داخل الوعي الجمعي عبر اللغة والثقافة والخطاب". وهذا الاستنتاج، على بساطته الظاهرية، هو ثورة معرفية ضد كل أشكال الأخلاق المطلقة والأحادية. إنه يدعونا إلى أن نكون متواضعين أمام التعقيد الأخلاقي، وألا نسرع بإصدار الأحكام على أفعال الآخرين أو نصوصهم قبل أن ندرس السياقات والخطابات التي أنتجتها. وبذلك، يقدم المستشار محمد فادي زين العابدين بحثا ليس فقط في الخير والشر، بل في طريقة تفكيرنا في الخير والشر. إنه يعلّمنا أن نقرأ الأخلاق كخطاب، وأن نفهم القيم كتمثلات، وأن نتعامل مع الوعي الجمعي ككائن حي يتنفس ويتغير. وربما تكون هذه هي أعظم خدمة يمكن أن يقدمها باحث للفكر الإنساني: ألا يعطينا أجوبة، بل أن يعلّمنا كيف نطرح الأسئلة بشكل أفضل، وكيف نرى ما وراء التصنيفات المألوفة، وكيف ندرك أن الخير والشر ليسا في السماء ينتظران من ينزلهما، بل هما هنا، في لغتنا، في خطاباتنا، في رواياتنا، وفي أعماق وعينا الجمعي الذي لا يتوقف عن تشكيل نفسه وتفكيكه وإعادة تشكيله. بحث يستحق أن يُقرأ، بل يستحق أن يُعاد قراءته، كلما شعرنا أننا على وشك أن نطلق حكما مطلقا على شيء اسمه خير أو شر.
البعنه == الجليل
31/05/2026



#طه_دخل_الله_عبد_الرحمن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة لقصيدة – في غربتي – للأستاذة الشاعرة الدكتورة آمال بوح ...
- الأستاذ صالح اسدي، قمة العطاء في محراب الحرف والتربية
- نورانية الأستاذ سميح أسدي، حين يصير الوعي قضية والبصيرة وطنً ...
- قراءة لنص - حين يصبح الشارع أرحم من العالم – للأستاذة الاديب ...
- قراءة لقصيدة - أنت النبض والقلب يا وطني – للأستاذ الناقد وال ...
- سيمفونية الحضور سليم ضو، عندما تُتَرجم القضية فلسطينيًا إلى ...
- قراءة لقصيدة - نَشِيدُ الحُبِّ والكِفَاح – للأستاذ الشاعر ال ...
- قراءة لقصيدة – جنة الغفران – للأستاذ الشاعر الدكتور فهد المح ...
- قراءة لمقالة - في الذكرى السنوية على وفاة الموسيقار محمد عبد ...
- قراءة لقصة - الحق لا يحميه الصامتون – للأستاذ الكاتب صالح اس ...
- أنا والقلم
- قراءة لقصيدة – اجتمعت – للأديبة الناقدة نافلة مرزوق العامر ك ...
- قراءة لقصيدة – نابلس - من ديوان ترانيم الغروب للأستاذ الشاعر ...
- النقدُ الأدبيُّ: إبداعٌ من رحمِ النصِّ، فمَن يستخفُّ به يستخ ...
- خاطرة - نبض الابداع
- بين الماضي والحاضر رؤية مستقبلية
- خاطرة – الجسر -
- قراءة لقصيدة – أيها الصامتون – للناقدة الشاعرة فوزية بن حوري ...
- قراءة لقصيدة – تراتيل عشق أبدي – للأستاذ الشاعر منير راجي
- قراءة لنص – منطقة الوشاح في وادي فلاح في ارض الطيرة – للكاتب ...


المزيد.....




- إسرائيل تعلن تكثيف ضرباتها في لبنان وسط إدانات عربية وأوروبي ...
- -صمتها سيكون جيدًا جدًا-.. ترامب حول ما أثير عن تعليق إيران ...
- إعلام إيراني: طهران علّقت المسار التفاوضي مع واشنطن إلى حين ...
- رغم انتقاداته للحلف.. ترامب يبلغ أردوغان عزمه حضور قمة النات ...
- شاهد: 7000 لاعب يتنافسون في مهرجان ضخم لتنس الطاولة في موسكو ...
- المدعي العسكري الإسرائيلي: نواجه تصاعداً في عدد الدعاوى والت ...
- دير الزور تتجاوز أخطر مراحل فيضان الفرات بعد فتح تركيا بوابا ...
- استهداف -سد القرعون-.. الاحتلال يهدد شريان الحياة الأخير في ...
- الذكاء الاصطناعي بين واشنطن وبكين.. تعاون معلن وحرب خفية
- هل تفجر معادلة -الضاحية مقابل الشمال- مواجهة جديدة بين إيران ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - طه دخل الله عبد الرحمن - قراءتي للدراسة التحليلية - تمثّلات الخير والشر في الوعي الجمعي – للمستشار محمد فادي زين العابدين