أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - نورانية الأستاذ سميح أسدي، حين يصير الوعي قضية والبصيرة وطنًا















المزيد.....

نورانية الأستاذ سميح أسدي، حين يصير الوعي قضية والبصيرة وطنًا


طه دخل الله عبد الرحمن

الحوار المتمدن-العدد: 8718 - 2026 / 5 / 27 - 08:16
المحور: الادب والفن
    


في زمن تاهت فيه البوصلة بين مروج السراب وحقول الضباب، وكثرت الخطابات فقلّ المعنى، وتعدّدت الأصوات فاختنقت الحقيقة تحت وطأة الصخب، يظل الرجل الحقيقي كمنارة شامخة على صخر واعٍ، لا تعبث به أمواج العابثين، ولا توهنه رياح المتربصين. ومن أولئك النوادر الذين يصطفي الزمن سيرتهم كما يصطفي النهر أحجاره الصقيلة، يأتي الأستاذ سميح أسدي، ذلك المربي الذي حوّل الفصول إلى ضفاف للوعي، والناشط الذي جعل من نبض المجتمع قيثارة لا تنقطع أنفاسها، والفكر النير الذي أضاء دروبا كانت تغفو في دهاليز اليأس والجمود.
ليس مديحنا للأستاذ سميح أسدي من باب المجاملة التي تقال ثم تموت، ولا من باب الترضية التي تقدم ثم تنسى، بل هو واجب الضمير أمام استثناء إنساني فريد، وأمام ظاهرة تربوية واجتماعية قلّما أنجبتها الأيام. إنه ذلك الإنسان الذي أدرك باكرا أن العلم بلا روح أشبه بجسد بلا نبض، وأن النشاط الاجتماعي دون فكر أصيل هو كصوت في وادٍ غير ذي زرع. فجمع في مسيرته بين قوة الأسد في المواقف، ورقة السماحة في التعامل، وبصيرة الحكيم في التحليل، وشجاعة الثائر في التغيير.
أما موقعه كمربٍّ، فلن نبالغ إن قلنا إنه أعاد تعريف معنى التعليم ذاته. فالتعليم في نظر الكثيرين مجرد نقل معلومات من ذاكرة إلى أخرى، أو إنجاز منهج ثم شهادة ثم نسيان. أما عنده فكان التعليم ولادة روحية وكانت المدرسة مختبرا للحياة وكان الأستاذ قابلا للأفكار قبل أن يكون باذرا للمعرفة. كان يجلس إلى طلبته لا كمن يلقي عليهم وصايا من فوق جبل، بل كمن يغوص معهم في أعماق أسئلتهم ليستخرج لآلئ الحقيقة. كم من تلميذ شارد أعاد إليه الثقة بنفسه، وكم من موهوب خجول أخرجه من قوقعة الصمت إلى فضاءات الإبداع، وكم من متمرد طائش حوّل طيشه إلى شغف بالمعرفة والنقد البناء. لقد أدرك الاستاذ سميح أن التغيير الحقيقي يبدأ من طفل يُسأل عن رأيه ومن عقل يُدرّب على التساؤل لا على التلقين ومن ضمير يُربى على قيم العدل والجمال والحرية. يقول تلاميذه: "لم نتعلم منه مواد دراسية فقط، بل تعلمنا منه كيف نحلم وكيف نخطط وكيف نخطئ بلا خوف وكيف نقوم من السقوط بلا خزي". وهل هناك أبلغ من هذا في وصف المربي؟
وإذا انتقلنا من فضاء المدرسة إلى ساحة المجتمع، فإن الأستاذ سميح أسدي يتحول هنا إلى ظاهرة أخرى لا تقل إدهاشا. إنه الناشط الاجتماعي الذي لا ينتظر أن يُنادى، بل يسبق النداء إلى مواطن الحاجة. تراه في قاعات المؤتمرات متحدثاً بلسان المهمشين كأنه يترجم وجعهم وفي ميادين الاحتجاج السلمي واقفا في الصفوف الأولى لا يخاف سوى الله وضميره. إنه لا يرى في العمل الاجتماعي ترفا أو هواية، بل يراه واجبا وجوديا لا يستقيم إيمانه بدونه ولا تكتمل إنسانيته إلا به. كأنما خلق ليسمع من لا يسمعهم أحد، وليُبصر من لا يبصرهم أحد، وليتحدث باسم من استعليت عليهم الدنيا فأصموا آذانهم عن صراخهم.
ومن أعجب ما في هذا الرجل أنه لا يكترث بالحجم، فقضيته كبيرة كقضية الإنسانية كلها، لكنه يعرف أن الطريق إليها يمر عبر تفاصيل صغيرة: كلمة طيبة، وابتسامة صادقة، وسؤال عن مريض، إنه يعرف الحكمة القديمة التي تقول: "من أعان على تفاحة فقد أعان على خبز أمة"، فيترجمها واقعا حيا في كل يوم.
أما فكره النير، فذلك هو الكنز الحقيقي الذي يميز سميح أسدي فكر ليس مستوردا من بطون الكتب الغربية ولا منقولا عن فحول الماضي نقلا أعمى، بل هو فكر نماه المخاض اليومي مع الواقع، ونضجته التجربة المريرة مع المعاناة، وصقلته الحوارات الطويلة مع البسطاء والعلماء، والجهلة والحكماء. فكر يجمع بين الأصالة والمعاصرة، وبين الجذور الراسخة والآفاق المفتوحة. إنه فكر نير بكل معنى الكلمة: نير لأنه يستضيء بالعلم في مجاهل الجهل، ونير لأنه يضيء دروب الآخرين دون أن يحترق هو، ونير لأنه يحمل في طياته نور الأمل في أحلك الليالي.
يمتاز فكره بأنه فكر تفكيكي وتركيبي معا: يفكك الإشكاليات الاجتماعية والسياسية والتربوية إلى مكوناتها الأولية، ثم يعيد تركيبها بشكل يبين العلاقات الخفية بين الظواهر المختلفة. يدرك أن الفقر ليس مجرد نقص في المال، بل هو نتاج لتعطل التعليم، وضعف الحوكمة، وتفشي الفساد، وغياب العدالة، وتهميش الفئات الضعيفة. ويدرك أن التطرف ليس مجرد انحراف أيديولوجي، بل هو ابن اليأس والجهل والشعور بالظلم والبحث عن هوية في عالم متلاطم. لذلك فهو لا يعالج الأعراض بالمسكنات، بل ينقب في الأعماق بحثا عن الجذور، ثم يقدم حلولا هيكلية قد لا تؤتي ثمارها في سنة أو سنتين، لكنها تغير المسار على المدى البعيد.
أما قضيته الكبرى التي جعل منها فكره الثاقب وروحه المتوثبة، فهي قضية السلام والعيش الكريم. لكن السلام في قاموسه ليس ذلك السلام الهش الذي يُفرض بالقوة، ولا ذلك الهدوء المريب الذي يخفي تحت رماده جمرا يتأجج. سلامه هو السلام الإيجابي، سلام العدل والمساواة والاعتراف بحقوق الآخر، سلام الحوار الذي لا يقطع لسانا، والتعدد الذي لا يلغي اختلافا، والتعايش الذي لا يعني ذوبان الهوية بل احترام التنوع. يرى أن السلام الحقيقي يبدأ في المدرسة حيث يتعلم الطفل أن الآخر ليس عدوا بل شريكا، وفي الشارع حيث يتعلم المواطن أن حريته تنتهي عند بداية حرية غيره، وفي البيت حيث يتعلم الفرد أن الحب أقوى من الكراهية، والحوار أقوى من العنف.
أما العيش الكريم، فذلك هو الحلم الذي يراوده ليل نهار، ويسعى لتحقيقه بلا كلل. لا يريد لمجتمعه أن يأكل فقط، بل يريد له أن يأكل بكرامة، وأن يسكن بأمان، وأن يعمل بعدالة، وأن يتعالج بإنسانية، وأن يتعلم بحرية، وأن يموت باحترام. إنه يرى أن الكرامة ليست ترفا ترفضه المجتمعات الفقيرة، بل هي حق أصيل من حقوق الإنسان، لا تتنازل عنه الشعوب مهما كان جوعها أو عريها أو وجعها. ولأنه آمن بذلك، ناضل من أجله بكل الوسائل السلمية الممكنة، وكتب، وخطب، وشارك، وتعرض للمضايقات أحيانا أخرى، لكنه لم يتراجع قيد أنملة، لأن "الذين يخافون لا يصنعون التاريخ، والذين يصنعون التاريخ لا يخافون".
ولعل ما يزيد إعجابنا بهذا الرجل أنه ليس فكرا باردا ولا عملا جافا، بل هو إنسان بكل ما تحمله الكلمة من معنى. يبكي حين يرى طفلا حافيا في الشارع، ويغضب حين يشهد ظلما، ويضحك من القلب حين يرى فرحة صادقة، ويحزن حين يخذله صديق. هو في كل هذا صادق مع نفسه قبل أن يكون صادقا مع الناس، شفاف كقطرة ماء، نقي كنسيم الصباح، قوي كالصخر لكنه رقيق كالحرير.
أيها القارئ الكريم، لو جمعنا حروف اللغة، ونسجنا منها أجمل العبارات، ما استطعنا أن نعطي سميح أسدي شيئا مما يستحق. لأنه أعطى ما لا يثمن: أعطى وقته الثمين لمن لا يملكون سوى الوقت، وأعطى فكره النير لمن يعيشون في ظلام الجهل، وأعطى قلبه الكبير لمن جرحتهم الحياة، وأعطى روحه لمن فقدوا الأمل. إنه لم ينتظر من أحد شيئا، ولم يسعَ إلى شهرة أو منصب أو مال، بل يسعى إلى شيء واحد فقط: أن يترك الدنيا أفضل مما وجدها. وهل هناك أبلغ من هذا الوصف؟
سلاماً لك أيها الأستاذ، أيها الرجل الذي جعل من اسمه مشروع حب، ومن فكره منهاج نور، ومن حياته درسا خالدا. سلاما لكل لحظة سهرتها من أجل الآخرين، وكل كلمة كتبتها تنير درب حائر، وكل خطوة خطوتها نحو تخفيف ألم مكلوم. وإن كنا لا نملك إلا الدعاء والثناء، فأسأل الله أن يمد في عمرك، ويزيدك قوة إلى قوتك، وعطاء إلى عطائك، وأن يوفقنا لنكون ولو جزءا بسيطا مما أنت عليه. فأنت عندنا نعم الأستاذ، ونعم المربي، ونعم الناشط، ونعم النموذج، ونعم الإنسان الذي يجعلنا نفتخر بأننا من هذا الجنس البشري الذي لا يخلو من ملائكة تمشي على الأرض.



#طه_دخل_الله_عبد_الرحمن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة لنص - حين يصبح الشارع أرحم من العالم – للأستاذة الاديب ...
- قراءة لقصيدة - أنت النبض والقلب يا وطني – للأستاذ الناقد وال ...
- سيمفونية الحضور سليم ضو، عندما تُتَرجم القضية فلسطينيًا إلى ...
- قراءة لقصيدة - نَشِيدُ الحُبِّ والكِفَاح – للأستاذ الشاعر ال ...
- قراءة لقصيدة – جنة الغفران – للأستاذ الشاعر الدكتور فهد المح ...
- قراءة لمقالة - في الذكرى السنوية على وفاة الموسيقار محمد عبد ...
- قراءة لقصة - الحق لا يحميه الصامتون – للأستاذ الكاتب صالح اس ...
- أنا والقلم
- قراءة لقصيدة – اجتمعت – للأديبة الناقدة نافلة مرزوق العامر ك ...
- قراءة لقصيدة – نابلس - من ديوان ترانيم الغروب للأستاذ الشاعر ...
- النقدُ الأدبيُّ: إبداعٌ من رحمِ النصِّ، فمَن يستخفُّ به يستخ ...
- خاطرة - نبض الابداع
- بين الماضي والحاضر رؤية مستقبلية
- خاطرة – الجسر -
- قراءة لقصيدة – أيها الصامتون – للناقدة الشاعرة فوزية بن حوري ...
- قراءة لقصيدة – تراتيل عشق أبدي – للأستاذ الشاعر منير راجي
- قراءة لنص – منطقة الوشاح في وادي فلاح في ارض الطيرة – للكاتب ...
- قراءة نقدية – لقصة حبات الفراولة المالحة – للدكتور محمد سليط
- الوحدة في زمن الازدحام، مفارقة العصر الرقمي
- الثقافة والاستدراك


المزيد.....




- إسرائيل بين أسطورة -شعب الله المختار- وانهيار الرواية الصهيو ...
- ربطة عنق تستحضر ذكرى جون كينيدي في حفل توزيع جوائز الموسيقى ...
- مهدي المشاط: علينا تعزيز سلاح المقاطعة الاقتصادية والثقافية ...
- المعرفة والذاكرة والمقاومة.. قراءة تحليلية في كتاب -دروس الق ...
- -بي تي إس- تتربع على عرش جوائز الموسيقى الأمريكية للمرة الثا ...
- هل يواجه مسلمو كندا خطرا منظما يهدد سلامتهم الثقافية والجسدي ...
- تم تصويره على مسرح -الأوليمبيا- بباريس.. -عم جرّب- ستاند أب ...
- أزياء عربية تصدّرت مشهد الموضة في مهرجان كان السينمائي
- قراءات أدبية: لديوان حصاد العصافير: الشاعر يتأمل حصاد حياته ...
- الجزيرة تحصد 12 جائزة في مهرجان نيويورك للتلفزيون والأفلام 2 ...


المزيد.....

- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - نورانية الأستاذ سميح أسدي، حين يصير الوعي قضية والبصيرة وطنًا