أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - قراءة لقصيدة – في غربتي – للأستاذة الشاعرة الدكتورة آمال بوحرب















المزيد.....


قراءة لقصيدة – في غربتي – للأستاذة الشاعرة الدكتورة آمال بوحرب


طه دخل الله عبد الرحمن

الحوار المتمدن-العدد: 8719 - 2026 / 5 / 28 - 06:37
المحور: الادب والفن
    


قراءة لقصيدة – في غربتي – للأستاذة الشاعرة الدكتورة آمال بوحرب 22-05-2026
القصيدة:
في غربتي
أتمدّدُ خريطةً بلا حدود
تُخطئني الجهات
وتدلّني عليّ الريحُ إن ضللتُ…
في غربتي
أُجزِّئ اسمي
أناديه فلا يلتفت
كأنّي كنتُه مرّةً
ثم انصرفْتُ…
أمشي
ولا أرضَ تُقِلُّ خطاي
الطريقُ يتبعني
والمدنُ تتبدّل في وجهي
كأنها وجوهٌ
لم أُحسنْ حفظها…
في غربتي
أحملُ بيتي على ظهري
فإذا استرحتُ تهدّم
وإذا بنيتُه في صدري
ضاق بي واتّسع …
أصادقُ ظلّي
أحيانا عند الغروب
يخذلني
وأحادثُ صوتي
فيرتدّ غريبًا
كأنّي لم أنطقه…
في غربتي
تتعدّدُ ملامحي
عينٌ تبكي
وأخرى تراقب
وثالثةٌ تبحث عني
في وجوه العابرين…
أزرعُ خطاي
فتنبتُ أسئلة
وأحصدُ صمتي
في سنابلَ من حنين…
في غربتي
الوقتُ يدور حولي
كذئبٍ أليف
يقتاتُ من ذاكرتي
ويتركني نصفَ حكاية…
أغنّي
فلا صوتَ لي
إلا صدى
يتعلّم اسمي
ببطءٍ…
وفي آخر الليل
حين ينامُ العالمُ
في لغاته
أستيقظُ وحدي
لغةً بلا أهل
وأكتبني قصيدة
قُدّت من المسكوت فيّ
فيتفجّر سيل الكلم
د. آمال بوحرب
**********************************
القراءة:
حين تطالعنا قصيدة "في غربتي" للدكتورة آمال بوحرب، لا نقف أمام نص شعري عابر في مدارج البوح العاطفي، بل نقف أمام كون شعري قائم بذاته، كون تتشظى فيه الذات على حدود الأنا والآخر، على تخوم المكان والزمان، في تلك المنطقة الرمادية حيث تفقد الأشياء أسماءها وتفقد الأسماء دلالاتها، حيث تصير الغربة ليست حالة تعيشها الذات بل الذات نفسها تصير هي الغربة متجسدة في كلماتها وأنفاسها وصمتها. إنها قصيدة تستحق أن نقف عندها طويلاً، أن نفتح نوافذها الواحدة تلو الأخرى، أن نتدبر استعاراتها، نتأمل كناياتها، نغوص في مجازاتها، لأنها ليست مجرد تعبير عن الغربة، بل هي الغربة تتكلم، الغربة تصير لغة، الغربة تصير شعراً، بل تصير شعراً يتجاوز الشعر إلى أفق أوسع حيث تنهار الحدود بين الذات والموضوع، بين الكلمة والمعنى، بين الصامت والناطق.
تبدأ الشاعرة بقولها "أتمدّدُ خريطةً بلا حدود"، وفي هذا البيت ما يكفي لأن يكون قصيدة قائمة بذاتها، بل ما يكفي ليكون تأسيساً لفلسفة كاملة في الاغتراب. فلنتأمل الفعل "أتمدّد" بصيغة المضارع الذي يشير إلى استمرارية الفعل وتجديده في كل لحظة، كما لو أن التمدد حالة دائمة لا تنقطع، وكأن الذات في الغربة في حالة امتداد أبدي، لا تعرف التوقف ولا الاستقرار. وإذا كانت الخريطة في ثقافتنا الإنسانية أداة للمعرفة والتوجيه والضبط، فإن هذه الخريطة "بلا حدود" تفقد وظيفتها الأولى، إنها خريطة فوضوية لا ترسم شيئاً أو ترسم كل شيء فترسم لا شيء، إنها خريطة للاغتراب نفسه، والاغتراب بطبيعته لا يخضع للتخطيط ولا للتحديد، إنه فضاء مفتوح على كل الاحتمالات ومغلق على كل اليقينيات. وهنا تظهر المفارقة البلاغية التأسيسية: خريطة للاغتراب، والاغتراب هو ما يجعل كل الخرائط عديمة الجدوى. ثم تأتي الجملة التالية "تُخطئني الجهات"، وحذف الفاعل هنا ليس مجرد تركيب لغوي بل هو إعلان عن حالة وجودية، فمن الذي يخطئ الجهات؟ هل هي الشاعرة التي لا تعرف اتجاهاتها في هذا الامتداد اللامحدود؟ أم أن الجهات نفسها هي التي تخطئها، كما لو أن الشمال والجنوب والشرق والغرب قد فقدت دقتها الأزلية، وأصبحت تعجز عن تحديد موقع هذه الذات الضائعة؟ إنه قلب جذري للعلاقة الطبيعية التي نعرفها: ففي المعتاد يخطئ الإنسان الجهات، أما هنا فالجهات هي التي تخطئ الإنسان، وكأن الغربة قد قلبت كل شيء رأساً على عقب، حطمت نظام الكون الدارج، وأعلنت فوضى جديدة لا يحكمها شيء سوى التيه نفسه. وتأتي الصورة الأبهى والأعمق في قولها "وتدلّني عليّ الريح إن ضللت"، فالريح هنا، وهي في البلاغة العربية القديمة رمز للتحول وعدم الثبات وللخفة والعبث، تتحول إلى هادية ودليل، إلى مرشد روحي يعرف الطرق التي لا تعرفها الذات. والمتأمل في الحرف "عليّ" بدلاً من "على" يجد دقة بلاغية لا يستهان بها: تدلني عليّ، أي تدلني على ذاتي، على مكان وجودي الحقيقي، على هويتي المفقودة، وكأن الذات قد أصبحت غائبة عن نفسها بحاجة إلى من يدل عليها، بحاجة إلى الريح التي لا تستقر لتدلها على أكثر ما يحتاج إلى استقرار: ذاتها. وفي هذه العبارة وحدها أعلى درجات الاغتراب وأعمقها: أن تبحث عن نفسك، وأن يحتاج الأمر إلى الريح، أضعف المخلوقات وأكثرها تقلباً، لترشدك إليك.
تنتقل الشاعرة إلى تفكيك هويتها من الداخل فتقول "في غربتي أجزّئ اسمي أناديه فلا يلتفت"، وهنا نلحظ كيف تتحول الغربة من مجرد حالة مكانية إلى إجراء وجودي، فالغربة هنا ليست خارج الذات بل هي فعل تمارسه الذات على ذاتها. جاء الفعل "أجزّئ" ليدل على عملية تقطيع منهجية، كما لو كان الاسم جسماً مادياً يمكن تقطيعه إلى أجزاء، وكل جزء يحمل شيئاً من الكل لكنه ليس الكل. والاسم في الثقافة العربية ليس مجرد تسمية بل هو امتداد للذات وعلامة حضورها ووجودها، وتجزيئه يعني تفتيت الذات نفسها إلى شظايا لا تلتئم. ثم إنها تنادي هذا الاسم المجزأ فلا يلتفت، وكأن الاسم قد انفصل عن مسماه وصار كياناً مستقلاً يعيش حياته الخاصة، يسمع النداء لكنه يتجاهله عن قصد أو عن عجز. والتجزئة ذاتها تحمل دلالة نفسية عميقة، فالإنسان في الغربة لا يفقد اسمه بشكل كامل بل يفقده مجزأً، تتوزع حروفه هنا وهناك، ولا أحد يستطيع أن يجمعها، ولا حتى صاحب الاسم نفسه. وتأتي الذروة البلاغية والوجودية في قولها "كأنّي كنتُه مرّةً ثم انصرفْت"، وهنا تتكثف المفارقة بأعلى درجاتها: الذات كانت يوماً ما مطابقة لذلك الاسم، كانت هي إياه في لحظة من التاريخ الشخصي، ثم حدث انفصام عميق، فانصرفت الذات عن اسمها واسمها عن ذاتها، وكأن بينهما قطيعة لم يعلنها أحد لكنها محسوسة في كل لحظة. وصيغة "انصرفْت" بفعلها الماضي القاطع تشير إلى أن هذا الانصراف قد حدث فعلاً وتم بشكل نهائي، إنها لحظة التحول الكبرى في حياة الشاعرة، لحظة الغربة التي لا تعوض، لحظة أصبح فيها الإنسان غريباً عن أكثر الأشياء حميمية وأقربها إلى روحه: اسمه الذي كان يرافقه منذ ولادته.
ثم تمضي في وصف مشيتها في هذا العالم المقلوب فتقول "أمشي ولا أرضَ تُقِلُّ خطاي"، وكم في هذه الجملة القصيرة من بلاغة مكثفة وإيحاءات وجودية هائلة. فالأرض في المعتاد وفي كل الثقافات الإنسانية هي ما تقل الناس وتحملهم، هي الأصل الثابت، الأم الحاضنة، الجسد الأمومي الذي يستقبل الأقدام بحنان. ولكن هنا، الأرض تنكر وظيفتها الأزلية وتتخلى عن دورها الكوني، فلا تحمل خطوات الشاعرة، وكأن الخطوات تعيش حالة من الطفو فوق الأرض بلا تماس حقيقي، وكأن المشي يتم في الفراغ أو على سطح غير مادي. هذا النفي "لا أرض تقل" يحمل أكثر من مجرد وصف فيزيائي، إنه إعلان عن خلل في نظام الوجود نفسه، إنه خرق لقوانين الجاذبية ليس في الفيزياء بل في الميتافيزيقا، وكأن الغربة قد ألغت العلاقة الطبيعية بين الإنسان والمكان التي يقوم عليها كل استقرار وكل سكنى. ثم تأتي المفارقة الأكبر والأكثر إدهاشاً "الطريق يتبعني"، فإذا كنا نعرف الطريق كشيء نسير عليه، كخط نرسمه بأقدامنا، كفضاء نختاره ونتحرك فيه بإرادتنا، فإن الطريق هنا ينقلب فاعلاً والذات مفعولاً به، الطريق هو الذي يسير خلفها ويطاردها ولا يتركها، وكأنها لم تعد تختار طريقها بل طرقها هو الذي يختارها ويلاحقها كظلها اللصيق، ولا مهرب منه مهما حاولت الإفلات. وهذا الانقلاب في الأدوار يحيل إلى حالة الاغتراب القصوى حيث يفقد الإنسان السيطرة حتى على أبسط أفعاله، فيصبح الماشي متبوعاً والطريق تابعاً، فيصبح المسير هو السير والطريق هو من يمشي على الإنسان. وتضيف "والمدن تتبدّل في وجهي كأنها وجوه لم أحسن حفظها"، وهنا تستعير الشاعرة من مجال الوجوه لتصف المدن، وتستعير من النسيان لتوصف العجز عن التعرف، وتأمل كيف أن المدن لا تتغير في ذاتها بل تتغير "في وجهي"، أي في مظهرها الذي يبدو للشاعرة، وكأن العلاقة معكوسة تماماً: عادة الإنسان هو الذي يتغير وهو ينتقل بين المدن فتتغير نظرته إليها، أما هنا فالمدن هي التي تتغير في وجه الإنسان، وكأن الغربة تجعل كل مكان يبدو غريباً، حتى الأماكن التي تعرفها من قبل وتعيش فيها، وكأن الوجوه التي لم تحسن حفظها هي وجوه المدن ذاتها التي تتعامى عنها الذاكرة أو تتنكر له.
ثم تصل الشاعرة إلى واحدة من أعمق الاستعارات في القصيدة كلها وأكثرها إيلاماً فتقول "في غربتي أحمل بيتي على ظهري"، وهذه الصورة تحيلنا مباشرة إلى أسطورة أطلس الذي يحمل العالم على كتفيه، لكن الفرق هنا أن أطلس كان يحمل عالماً خارجياً، أما الشاعرة فتحمل بيتها، أي تحمل أكثر ما هو حميمي وخاص وداخلي. كما تحيلنا الصورة إلى الحلزون الذي يحمل بيته أينما ذهب، لكن الفرق جوهري ومفارق: الحلزون خلقه الله ببيت يتناسب مع ظهره وخفيف عليه ومناسب لحجمه، أما بيت الشاعرة فهو ثقيل، ثقل كل الذكريات وكل الأماني وكل الخيبات، ثقل كل انتظار وكل حسرة. وجاء الفعل "أحمل" ليدل على الجهد والتعب والمشقة، وكأن حمل البيت أصبح عبئاً وجودياً لا فكاك منه. وتأتي الصدمة الكبرى في قولها "فإذا استرحتُ تهدّم"، وهنا ترتقي الشاعرة إلى مستوى فلسفي رفيع لا تصل إليه إلا القلائل، فالاستراحة التي هي غاية كل مسعى وأمل كل متعب، تصبح هنا سبباً للدمار والانهيار، وعكسياً تماماً، البناء والتعب والإرهاق هم ما يحافظ على وجود البيت. إنها معادلة وجودية صعبة ومركبة: بين الراحة والدمار، بين البناء والإرهاق، ولا أحد يستطيع أن يقرر أيهما أسوأ أو أيهما أقل سوءاً. وكأن الغربة لا تمنحك الخيار بين شيئين أحدهما خير من الآخر، بل تمنحك الاختيار بين كارثة وأخرى، بين ألم البناء وألم الانهيار. ثم تنقل الصورة إلى داخل الجسد لتجعل الغربة أكثر حميمية وإيلاماً "وإذا بنيتُه في صدري ضاق بي واتّسع"، فالبيت المبني في الصدر يصبح كائناً حياً يتنفس وينبض ويضيق ويتسع، وكأنه كائن عضوي يعذب صاحبه باضطرابه الدائم وعدم استقراره. والصدر هنا ليس مجرد عضو من أعضاء الجسد، بل هو فضاء الروح ومسرح المشاعر وميدان الذات، وهذا البيت المقام هناك لا يحقق الاستقرار المنشود بل يحقق ألماً مزدوجاً: ألم الضيق عندما يضيق بها، وألم الاتساع عندما يتسع فيملأها فراغاً لا تطيق.
تنتقل الشاعرة إلى ما هو أكثر خصوصية وإيلاماً، إلى علاقتها بأقرب الأشياء إليها وألصقها بها، فتقول "أصادق ظلّي أحيانا عند الغروب يخذلني"، فجاء الفعل "أصادق" ليشير إلى جهد كبير ومحاولة متكررة، فالصداقة شيء يحتاج إلى بذل وعطاء وإخلاص، وهي تبذل كل هذا لكي تصادق ظلها الذي يفترض أنه ألصق شيء بها وأقربه، والذي لا يحتاج إلى صداقة لأنه جزء منها، لكنها في الغربة وصلت إلى درجة أنها لم تعد متأكدة من علاقتها حتى بظلها، فتحتاج أن تصادقه وتستعطفه. وفي لحظة الغروب، تلك اللحظة الحدودية العجيبة التي تتوسط بين النهار والليل، بين الحضور والغياب، بين الوضوح والغموض، يخذلها ظلها ويتركها، والخيانة هنا ليست خيانة الآخرين أو الأحبة، بل خيانة أخص الخصوصيات وألصق الملتصقات، خيانة الظل الذي يفترض أنه وفيٌ للإنسان لأنه لا يستطيع أن يفارقه، ومع ذلك فقد تعلم الخيانة في الغرفة. ثم تضرب مثلاً آخر أعمق وأكثر قسوة "وأحادث صوتي فيرتد غريباً كأنّي لم أنطقه"، فصوت الإنسان هو أقرب ما يكون إلى هويته وأكثر ما يعبر عن ذاته، حين نسمع صوتنا في تسجيل نشعر أحياناً بغرابة لأن التسجيل ينزع منه روح الحضور، لكن أن يصبح الصوت في لحظة النطق به وفي لحظة خروجه من الحنجرة غريباً على صاحبه؟ هذه درجة من الانفصام لا توصف ولا تتخيل، إنها الاغتراب في أعلى مراحله، الاغتراب الذي يصل إلى منطقة الكلام نفسها، إلى المنطقة التي يفترض أنها آخر ما يبقى للإنسان بعد أن يفقد كل شيء. والمعنى البلاغي العميق هنا: لقد وصلت الغربة إلى درجة أن ما تصدره الذات من كلام يعود إليها كأنه كلام آخر صادر عن آخر، وكأن ثمّة حاجزاً لا مرئياً يفصل بينها وبين أبسط تعبيراتها وأكثرها حميمية، وكأن صوتها قد انقلب عليها وأصبح عدواً أو غريباً لا تعرفه.
وتتعمق الشاعرة في تصدع الهوية فتقول "في غربتي تتعدد ملامحي"، وكأن الغربة تعيد تشكيل الوجه وتجعله غير الوجه، وتزرع فيه ملامح جديدة أو ملامح متضاربة لا تلتئم ولا تتوحد في تعبير واحد. وهذه التعددية ليست ثراء أو غنى، بل هي تشتت وانقسام، فالوجه الواحد الطبيعي له تعبير واحد في كل لحظة، أما هنا فالوجه يصبح مشرّحاً إلى تعبيرات متضاربة. وتأتي التفصيلة البلاغية البديعة "عين تبكي وأخرى تراقب وثالثة تبحث عني في وجوه العابرين"، ثلاث عيون في وجه واحد، وكل عين تقوم بوظيفة مختلفة تماماً، العين الباكية تعيش الحزن والألم، والعين المراقبة تحاول أن تفهم ما يحدث وتستوعبه، والعين الثالثة تبحث عن الذات الضائعة في وجوه الغرباء الذين لا تعرفهم ولا يعرفونها. وفي هذه الصورة المدهشة ترتسم كل معاني الاغتراب في آن واحد: الانقسام الداخلي، فقدان المركز، البحث عن الذات في الآخر، العجز عن البكاء وحدها أو المراقبة وحدها، والحاجة إلى عين ثالثة تبحث في غير مكانها عما لا يمكن أن يوجد إلا في داخلها. إنها دراما نفسية متكاملة في صورة بصرية واحدة.
ثم تصل إلى منطقة الزراعة والحصاد، ذلك المجال الأنثوي الأصلي، فتقول "أزرع خطاي فتنبت أسئلة"، وهنا نصل إلى صورة مركزية وخلاقة في القصيدة، فالخطى في الشعر العربي القديم كانت رمزاً للسعي والطلب والجهد، وزراعة الخطى تعني أن الشاعرة تزرع ما سعت إليه وما بذلته من جهد، أي أن حركتها ومسيرها يصبحان بذوراً تلقى في الأرض. ولكن هذه البذور لا تنبت ثماراً يانعة ولا زهوراً عطرة، بل تنبت أسئلة، وكأن كل خطوة تخطوها في الغربة بدلاً من أن تقربها من إجابة تبعدها إلى سؤال، وبدلاً من أن تزيدها يقيناً تزيدها شكاً. إنها مفارقة مؤلمة: في الغربة، كلما سعيت أكثر ضللت أكثر، وكلما تحركت أكثر ازددت أسئلة. وتأتي المقابلة "وأحصد صمتي في سنابل من حنين"، فالصمت الذي هو علامة العجز عن الكلام ورمز الفراغ والتوقف يصبح محصولاً يقطف ويجمع، والسنابل التي هي رمز الخير والبركة والعطاء تصير ممتلئة بالحنين لا بالقمح. إنها معادلة غريبة ومقلوبة: كلما زرعت خطى حصدت أسئلة، وكلما زدت صمتاً زاد حنينك. الغربة إذن ليست حالة سلبية جامدة، بل هي حالة نشطة منتجة، لكنها تنتج أسئلة وحنيناً بدلاً من إجابات وأمان، تنتج ألماً معنى بدلاً من راحة فارغة.
ثم تنتقل إلى الزمن، ذلك البعد الذي يبدو ثابتاً لكنه في الغربة يتحول إلى كائن مفترس، فتقول "في غربتي الوقت يدور حولي كذئب أليف"، وهذا تشخيح خطير ومذهل للوقت، فالذئب في الثقافة العربية وفي الأساطير العالمية رمز للخطر والقسوة والافتراس والليل، لكن الشاعرة تضيف إليه صفة "أليف" لتحدث مفارقة مذهلة ومركبة، إنه ذئب مستأنس ومروض، لكنه مع ذلك يبقى ذئباً، له أنيابه ومخالبه وشراسته الكامنة. إنه يطوف حولها في شكل دائري متكرر، لا تخرج منه ولا تفلت، ينتظر لحظة الضعف لينقض عليها، أو يقتات منها بصمت وأناة. والوقت يدور حولها لا تملكه ولا تسيطر عليه ولا حتى تؤثر فيه، بل هو الذي يسيطر على مجالها كله ويحدد مساراتها. ثم تضيف الجملة المرعبة "يقتات من ذاكرتي ويتركني نصف حكاية"، فتأمل فعل "يقتات"، إنه يتغذى على ذاكرتها ببطء، يمتصها، يأكل منها شيئاً فشيئاً، وذاكرة المغترب هي كل ما تبقى له من الوطن، هي بيته الحقيقي وأرضه الصلبة وأهله الحنونين. وعندما ينهش الذئب في ذاكرتها ويقتات عليها، لا يبقى منها سوى نصف حكاية، قصة ناقصة مبتورة، رواية لا أول لها ولا آخر، حياة نصف مكتملة. وهذه صورة قاسية جداً: أن تكون نصف قصة، لا بداية واضحة ولا نهاية مرضية، أن تكون في المنتصف دائماً بلا طرفين، أن تكون معلقاً بين ما كنت عليه وما ستصير إليه.
وتصل الشاعرة إلى منطقة الصوت والغناء، ذلك الفضاء الذي يفترض أنه ملكها وحدها، فتقول "أغنّي فلا صوت لي إلا صدى يتعلم اسمي ببطء"، فالغناء هو أرقى أشكال التعبير الصوتي وأكثرها إنسانية، لكن صوت الشاعرة لا يصل إلى أحد، ولا يصل حتى إليها، كل ما تسمعه هو صدى يرتد إليها من الجدران الفارغة. وهذا الصدى ليس صدى صوتها العادي المألوف، بل هو كائن مستقل له حياته الخاصة ووعيه المستقل، فهو "يتعلم اسمي ببطء"، وكأن الاسم يحتاج إلى تعلم من جديد، كأن الذات تحتاج إلى تقديم نفسها للصدى قبل أن تقدمها لأي أحد آخر، وكأن الغربة ألغت المعرفة البديهية التي يفترض أن تكون بين الإنسان وصوته وصداه. وبطء التعلم هذا يحيل إلى ثقل الاغتراب ووطأته، فكل شيء في المنفى بطيء ومضجر ومتعب، حتى الأصداء التي يفترض أن تكون سريعة كالبرق تحتاج إلى وقت طويل لكي تتعلم أدق الأشياء: الاسم.
ثم تبلغ القصيدة ذروتها البلاغية والفلسفية والوجودية في المقطع الذي لا يضاهى "وفي آخر الليل حين ينام العالم في لغاته، أستيقظ وحدي لغةً بلا أهل"، وهنا يتكثف المعنى ويتجمع الإيقاع وتتحد كل الاستعارات السابقة في صورة واحدة خالدة. فجاء التوقيت "آخر الليل" ليكون لحظة السكون التام والصمت المطلق، لحظة نام فيها كل إنسان على وجه الأرض، ولكن ليس نام فقط، بل نام "في لغاته"، أي نام في وطنه وفي بيته وفي ثقافته وفي حميمية كيانه اللغوي الذي هو عنوان وجوده. والتفاتة عبقرية هنا: النوم في اللغة يعني السكن إليها والأمن فيها، يعني أن اللغة أصبحت فراشاً ووسادة وغطاء، يعني أن الإنسان في لغته كالجنين في رحم أمه. أما الشاعرة فتحل فيها اليقظة لا النوم، والوحدة لا الأنس، والغربة لا الاستقرار، وتتحول نفسها إلى "لغة بلا أهل"، أي أنها تصير وسيلة تعبير وإفصاح وخطاباً لا تجد من يخاطبه ولا من يفهمه، تصير كلاماً حبيساً في داخلها لا يخرج إلى العالم لأنه لا عالم يستقبله. وهذه الصورة تمثل قمة الاغتراب الإنساني الممكنة: أن تكون لغة دون أن يكون لك من يستعملها أو يفهمها أو يحبها، أن تكون غنية بالمعاني دون أن تجد من يلتقطها، أن تكون فيضاً بلا شاطئ، أن تكون نداءً بلا مجيب. إنها حالة العقم التام في زمن الخصوبة الشاملة، والصمت الكامل في زمن الكلام العميم، والعزلة المطلقة في زمن التواصل المفرط.
ثم تنتهي القصيدة بما يشبه المعجزة، بما يشبه الولادة الثانية، بما يشبه الخلاص من كل هذا العذاب عبر العذاب نفسه، فتقول "وأكتبني قصيدة قدّت من المسكوت فيّ فيتفجّر سيل الكلم"، وهنا تتحقق المفارقة النهائية والعظمى: من قلب العقم يولد الخصب الأعظم، ومن صميم الصمت يتفجر الكلام الأغزر، ومن أعماق الغربة وأحشائها تولد الكتابة كطفل ينقذ أمه من موتها. والفعل "قدّت" يحمل معنى القطع والتشكيل والصياغة، وكأن القصيدة ليست مجرد كلمات ترتب على سطر، بل هي شيء مقطوع من جوهر الذات الداخلي، من منطقتها الصامتة، من لا وعيها الذي لا تنطق به العادة، إنها قطعة من الروح قدت منها كما يقد الثوب من القماش. وتأتي كلمة "سيل" لتنقلنا من الجفاف واليباس والعطش إلى الفيضان والغزارة والارتواء، من القطرة إلى النهر، من الهمس إلى الصخب، من الصمت إلى الطوفان. والغربة إذن لم تكن عدوة للشعر، بل كانت أمه الحقيقية، لم تكن سقوطاً بل كانت نهوضاً من نوع خاص، لم تكن نهاية بل كانت بداية لكل شيء، لم تكن موتاً بل كانت ولادة عسيرة لكنها مباركة.
إن قصيدة "في غربتي" للدكتورة آمال بوحرب ليست مجرد نص عن الغربة، بل هي نص الغربة نفسها، مكتوب بلغة تتسامى فوق لغة التعبير العادي لتصل إلى لغة الوجود والتكوين، حيث كل كلمة تحمل ألف معنى وكل صورة تفتح ألف نافذة على ألف عالم. إنها تجعلنا نعيش الغربة لا نفكر فيها فقط، تجعلنا نشعر بثقل البيت على الظهر وبخذلان الظل عند الغروب وبصمت الأصوات وبتعدد العيون في وجه واحد وبالوقت الذئب الذي يقتات من الذاكرة. وتبقى هذه القصيدة في الذاكرة كواحدة من أعمق ما كتب في الشعر العربي المعاصر عن ذلك الإحساس الكوني المدمر والخلاق في آن واحد: الإحساس بأن تكون في مكان ولست فيه، بأن تكون مع نفسك ولست معها، بأن تكون لغة لا تجد من ينطق بها، بأن تكون غربة تمشي على قدمين وتكتب قصائد بأصابع مرتجفة.
البعنه == الجليل
22/05/2026



#طه_دخل_الله_عبد_الرحمن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأستاذ صالح اسدي، قمة العطاء في محراب الحرف والتربية
- نورانية الأستاذ سميح أسدي، حين يصير الوعي قضية والبصيرة وطنً ...
- قراءة لنص - حين يصبح الشارع أرحم من العالم – للأستاذة الاديب ...
- قراءة لقصيدة - أنت النبض والقلب يا وطني – للأستاذ الناقد وال ...
- سيمفونية الحضور سليم ضو، عندما تُتَرجم القضية فلسطينيًا إلى ...
- قراءة لقصيدة - نَشِيدُ الحُبِّ والكِفَاح – للأستاذ الشاعر ال ...
- قراءة لقصيدة – جنة الغفران – للأستاذ الشاعر الدكتور فهد المح ...
- قراءة لمقالة - في الذكرى السنوية على وفاة الموسيقار محمد عبد ...
- قراءة لقصة - الحق لا يحميه الصامتون – للأستاذ الكاتب صالح اس ...
- أنا والقلم
- قراءة لقصيدة – اجتمعت – للأديبة الناقدة نافلة مرزوق العامر ك ...
- قراءة لقصيدة – نابلس - من ديوان ترانيم الغروب للأستاذ الشاعر ...
- النقدُ الأدبيُّ: إبداعٌ من رحمِ النصِّ، فمَن يستخفُّ به يستخ ...
- خاطرة - نبض الابداع
- بين الماضي والحاضر رؤية مستقبلية
- خاطرة – الجسر -
- قراءة لقصيدة – أيها الصامتون – للناقدة الشاعرة فوزية بن حوري ...
- قراءة لقصيدة – تراتيل عشق أبدي – للأستاذ الشاعر منير راجي
- قراءة لنص – منطقة الوشاح في وادي فلاح في ارض الطيرة – للكاتب ...
- قراءة نقدية – لقصة حبات الفراولة المالحة – للدكتور محمد سليط


المزيد.....




- السجن لمساعد الممثل ماثيو بيري بعد حقنه بجرعة كيتامين قاتلة ...
-  فيلم وثائقي: حين يصبح حياد سويسرا مادة للكوميديا الساخرة
- المشتقات النفطية العراقية: محطات الوقود تعمل بشكل طبيعي في ب ...
- إسرائيل بين أسطورة -شعب الله المختار- وانهيار الرواية الصهيو ...
- ربطة عنق تستحضر ذكرى جون كينيدي في حفل توزيع جوائز الموسيقى ...
- مهدي المشاط: علينا تعزيز سلاح المقاطعة الاقتصادية والثقافية ...
- المعرفة والذاكرة والمقاومة.. قراءة تحليلية في كتاب -دروس الق ...
- -بي تي إس- تتربع على عرش جوائز الموسيقى الأمريكية للمرة الثا ...
- هل يواجه مسلمو كندا خطرا منظما يهدد سلامتهم الثقافية والجسدي ...
- تم تصويره على مسرح -الأوليمبيا- بباريس.. -عم جرّب- ستاند أب ...


المزيد.....

- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - قراءة لقصيدة – في غربتي – للأستاذة الشاعرة الدكتورة آمال بوحرب