أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - الأستاذ صالح اسدي، قمة العطاء في محراب الحرف والتربية














المزيد.....

الأستاذ صالح اسدي، قمة العطاء في محراب الحرف والتربية


طه دخل الله عبد الرحمن

الحوار المتمدن-العدد: 8718 - 2026 / 5 / 27 - 17:04
المحور: الادب والفن
    


ليس كل من حمل قلما استحق أن يُكتب عنه وليس كل من وقف على منبرٍ استحق أن تُفتح له أبواب المجد، ولكن هناك من إذا ذكرتهم استحى الجمال من جمال أرواحهم، وإذا تحدثت عن عطائهم شعرت أن الكلمات تصبح لآلئ في فيضان لا يتوقف. إنه الأستاذ المربي الكاتب صالح أسدي قمة العطاء في محراب الحرف والتربية، ذلك الإنسان الذي حوّل حياته إلى درس مفتوح في كيف يكون الوجود جميلا رغم كل شيء.
لقد أدرك هذا الرجل الفريد سرا فلسفيا عميقا ظل معظمنا يبحث عنه طوال العمر، أن العطاء الحقيقي لا ينقص منك شيئا، بل هو وحده ما يبقى منك عندما يذوب كل شيء. قضى أكثر من ثلاثة عقود في رحاب السلم التعليمي، لم يكن فيها موظفا يؤدي واجبه، بل كان نهرا لا ينقطع، وشجرة ظليلة لا تعرف كيف تمنع فيئها عن عابر. كل صباح كان يخرج إلى مدرسته كمن يخرج إلى معركة مقدسة، لا ليقتل بل ليُحيي، لا ليدمر بل ليبني. كان يرى في كل تلميذ عالما لم يخلق بعد، وفي كل عين حائرة بذرة تنتظر من يسقيها بحب لا بغض وبصبر لا بعجلة. لقد فهم أن التلميذ ليس وعاءً فارغا نملؤه بالمعلومات، بل هو نار كامنة تحت الرماد، يحتاج فقط إلى من ينفخ فيها بروحه لتصير شعلة لا تنطفئ. وهكذا لم يعلّمهم المواد فقط، بل علّمهم أن الحياة أكبر من الكتب وأن الامتحان الحقيقي ليس في نهاية العام بل في كل لحظة يعيشونها.
ومثلما تخرج النخلة من النواة الصغيرة لتصبح ظلالا وتمورا، خرج صالح أسدي من جدران المدرسة إلى فضاء الأدب الواسع، كمن يدرك أن التربية لا تكتمل إلا إذا صارت ثقافة وأن الثقافة لا تثمر إلا إذا صارت حياة. أصدر المحلات الأدبية الثقافية، وجعل منها منارات في بحر عاصف، لا لترشد السفن إلى الموانئ الآمنة، بل لتعلمها كيف تبحر في العواصف دون أن تغرق. ثم أقدم على فعل الأقوى والأبقى، ألف كتبا تدور حول المجتمع بكل تشابكاته، لكنه لم يكتب كمن يملك الحقيقة المطلقة، بل كمن يبحث عنها بصحبة القارئ. كتب عن السلام، فلم يكن السلام لديه مجرد هدنة بين الحروب، بل كان حالة وجودية تبدأ من الداخل، أن تصالح نفسك أولاً، ثم تصالح الآخر، ثم تصالح الكون كله. إنه أن تدرك أن الحرب ليست بالفعل، بل بالفكرة التي تسبق الفعل فمن انتصر على فكرة العداوة في داخله، انتصر على كل أعدائه قبل أن يلقاهم.
وكتب عن التسامح، فجعله ليس فضيلة أخلاقية نمارسها بتكلف، بل حاجة إنسانية لا غنى عنها في زمن كثرت فيه القطيعة وتوحشت فيه النفوس. لقد فهم صالح أسدي أن التسامح ليس تنازلا عن حق، بل هو تحرر من سجن الغضب، إنه أن تطلق سراح الآخر من أخطائه فتطلق سراح نفسك من كبريائك. ومن منا لم يشعر بثقل الغيظ على صدره؟ ومن منا لم يحلم بأن يمحو إساءة من ذاكرته كما تمحى الكتابة عن السبورة؟ لكن التسامح الحقيقي كما علمنا هذا الرجل ليس محوا، بل هو تحويل، تحويل الجرح إلى حكمة وتحويل العدو إلى مرآة وتحويل الألم إلى درب نحو النضج.
وكتب عن التعلم من تجارب الأجداد، فكانت تلك الكلمات كالجسر الممتد بين زمنين، تثبت أن لا مستقبل لمن قطع جذوره وأن الحكمة القديمة ليست عبئا نحمله، بل هي عمق نستند إليه حين تهب العواصف. علّمنا أن الأجداد لم يكونوا أقل ذكاءً منا، بل كانوا أكثر حكمة في أشياء جوهرية، كيف يصبرون، كيف ينتظرون، كيف يعرفون أن الحب أسمى من المال، وأن السمعة أبقى من الثروة، وأن الإنسان بلا مبادئ كالنخلة بلا جذور، تسقط عند أول هبة ريح. وهكذا، جعل من تجارب الأجداد ليس سلسلة تعيق الحركة، بل جناحين تطير بهما الروح إلى آفاق أرحب.
وما زال هذا الرجل العظيم رغم أنه قدم ما يكفي لخلود بصمته وما زال يُفني جل وقته في الكتابة والتأليف، كأن الزمن أمامه يقف خائفا وكأن القلم لا يعرف كيف يتوقف وكأن الروح تجد في الحرف موطنها الأصلي الذي هجرته طويلا. إنه يكتب وكأنه يتنفس ويؤلف وكأنه يصلي وينشر الأدب والثقافة وكأنه يوزع الخبز على جياع لا يشتكون الجوع لأنهم لم يعرفوا طعم الشبع قط. هنا تبرز الفلسفة الأعمق في حياته، أن العطاء المستمر ليس تضحية، بل هو مكسب حقيقي لا يراه إلا من جرب لذة العطاء. فالذي يعطي يتلقى في صمت والذي يمنح يمتلك في الخفاء والذي يبذر الحب يجني أضعافه حين لا ينتظر.
أيها السادة، حين ننظر إلى قمة العطاء هذه، إلى هذا الرجل الذي جعل من التربية رسالة ومن الأدب سلاحا ومن الحياة حديقة لا تذبل، ندرك فجأة أننا لسنا أمام إنسان عادي. نحن أمام معجزة، معجزة إنسان اختار أن يكون عظيما بصمت، وبذلا دون ضجيج، وحضورا لا يعلن عن نفسه لكنه لا يُنسى. إنه يعلّمنا أن القمة ليست مكانا نصل إليه، بل هي حالة نعيشها وقمة العطاء ليست كمية ما نقدمه، بل هي نوعية ما نبقيه حيا في قلوب الآخرين.
فليبارك الله هذا القلم الذي لا يجف وهذه الروح التي لا تشيخ وهذا القلب الذي وسع الناس جميعا دون أن يضيق بأحد. وليكن هذا الثناء ـ مهما بلغ من جمال وعمق ـ مجرد ظل صغير لذاك الجبل الشامخ الذي يظللنا بعطائه دون أن يطلب منا سوى أن نكون أفضل قليلا مما كنا بالأمس. الأستاذ صالح أسدي ليس مجرد معلم أو كاتب، بل هو درس في كيف تكون إنسانا في زمن يصعب فيه أن تكون إنسانا. وكلنا مدينون له بحب لا ينتهي ودعاء لا ينقطع وعزم على أن نسير على دربه ولو خطوة واحدة.
البعنه == الجليل
26/05/2026



#طه_دخل_الله_عبد_الرحمن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نورانية الأستاذ سميح أسدي، حين يصير الوعي قضية والبصيرة وطنً ...
- قراءة لنص - حين يصبح الشارع أرحم من العالم – للأستاذة الاديب ...
- قراءة لقصيدة - أنت النبض والقلب يا وطني – للأستاذ الناقد وال ...
- سيمفونية الحضور سليم ضو، عندما تُتَرجم القضية فلسطينيًا إلى ...
- قراءة لقصيدة - نَشِيدُ الحُبِّ والكِفَاح – للأستاذ الشاعر ال ...
- قراءة لقصيدة – جنة الغفران – للأستاذ الشاعر الدكتور فهد المح ...
- قراءة لمقالة - في الذكرى السنوية على وفاة الموسيقار محمد عبد ...
- قراءة لقصة - الحق لا يحميه الصامتون – للأستاذ الكاتب صالح اس ...
- أنا والقلم
- قراءة لقصيدة – اجتمعت – للأديبة الناقدة نافلة مرزوق العامر ك ...
- قراءة لقصيدة – نابلس - من ديوان ترانيم الغروب للأستاذ الشاعر ...
- النقدُ الأدبيُّ: إبداعٌ من رحمِ النصِّ، فمَن يستخفُّ به يستخ ...
- خاطرة - نبض الابداع
- بين الماضي والحاضر رؤية مستقبلية
- خاطرة – الجسر -
- قراءة لقصيدة – أيها الصامتون – للناقدة الشاعرة فوزية بن حوري ...
- قراءة لقصيدة – تراتيل عشق أبدي – للأستاذ الشاعر منير راجي
- قراءة لنص – منطقة الوشاح في وادي فلاح في ارض الطيرة – للكاتب ...
- قراءة نقدية – لقصة حبات الفراولة المالحة – للدكتور محمد سليط
- الوحدة في زمن الازدحام، مفارقة العصر الرقمي


المزيد.....




-  فيلم وثائقي: حين يصبح حياد سويسرا مادة للكوميديا الساخرة
- المشتقات النفطية العراقية: محطات الوقود تعمل بشكل طبيعي في ب ...
- إسرائيل بين أسطورة -شعب الله المختار- وانهيار الرواية الصهيو ...
- ربطة عنق تستحضر ذكرى جون كينيدي في حفل توزيع جوائز الموسيقى ...
- مهدي المشاط: علينا تعزيز سلاح المقاطعة الاقتصادية والثقافية ...
- المعرفة والذاكرة والمقاومة.. قراءة تحليلية في كتاب -دروس الق ...
- -بي تي إس- تتربع على عرش جوائز الموسيقى الأمريكية للمرة الثا ...
- هل يواجه مسلمو كندا خطرا منظما يهدد سلامتهم الثقافية والجسدي ...
- تم تصويره على مسرح -الأوليمبيا- بباريس.. -عم جرّب- ستاند أب ...
- أزياء عربية تصدّرت مشهد الموضة في مهرجان كان السينمائي


المزيد.....

- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - الأستاذ صالح اسدي، قمة العطاء في محراب الحرف والتربية