أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - خاطرة - في وداع الأمس.. سيرة الذاكرة والأماكن














المزيد.....

خاطرة - في وداع الأمس.. سيرة الذاكرة والأماكن


طه دخل الله عبد الرحمن

الحوار المتمدن-العدد: 8725 - 2026 / 6 / 3 - 07:53
المحور: الادب والفن
    


ها أنا ذا، يا صاح على شرفة الغروب التي تطل على جُرح الكون، حيث الشمس تئنّ وهي تغيب، لا تغيب غروب الموت، بل غروب العاشق الذي يعلم أنه لن يعود. أترى تلك الخيوط الذهبية؟ إنها أشرعة سفينة الروح تمزقها رياح النسيان العاتية، فتتطاير أشلاءً من ضوء على جدران الذاكرة المهجورة.
الأمس... يا للضيف الذي ما استأذن حتى دخل، وما استأذن حتى خلف الجراح. ألقى بعبئه الثقيل على صدورنا الضيقة، ثم رحل في صمت، لا وداع، لا سلام، لا موعد. لكنه ترك خلفه شيئا غبار الذكرى يتطاير في كل نَفَس، ورنين خطًى لا تموت، بل تتعمق في دهاليزنا كلما حاولنا الهروب.
الذاكرة، تلك المرأة العجوز التي تنسج من خيوط العنكبوت أطلالاً لمدن كانت. لها نوافذ كثيرة، لكنها لا تفتح إلا على فصول مضت. فيها أدراج من صمت، ومفاتيح من لهب، وصور معلقة على جدران لا مرئية. أما الأماكن، فهي ليست صامتة كما يُظن بل هي شهود ناطقة بالبكاء. كل حجر فيها يئن، كل زقاق يتثاءب حزناً، كل شرفة تغمض عينيها كي لا تبكي.
أتدري لماذا نحن عشاق الأماكن؟ لأنها وحدها التي تتحملنا. تحمل أوجاعنا في جدرانها، تبلل دموعنا بلاطها، تخبئ أسرارنا في شقوقها. حين كنا صغاراً، كنا نركض في الحارات، نلمس الحكايات المدفونة بين الحجارة. كنا نظن أن الزمن طفل مثلكم، يركض خلف الفراشات. لكن الزمن ذئب عجوز، يتربص بنا خلف كل جدار.
المقاهي القديمة، آه يا لها من كنا نعشقها! كانت تضحك لنا حين كنا نبكي، وتبكي لنا حين كنا نضحك. الآن، حين أمر بها، أسمعها تتنهد: أين أولئك الذين كانوا يجلسون هنا؟ أين سوالفهم الطويلة، ودخان سجائرهم الذي كان يصعد كأنه دعاء؟ أين الضحكات التي كانت تملأ الزوايا، ثم تكسرت كالزجاج على أرضية النسيان؟
في وداع الأمس، يا صاحبي، يختلط كل شيء. لا تعُد تميز بين المكان الذي زرته والحلم الذي زرعته فيك الأماكن. تصبح الحجارة مرايا لأرواحنا المتعبة، وتصبح الذاكرة سجناً بلا قضبان. كل ركن في المدينة يرتجف حين تمر، كأنه يعرف أنك تودعه إلى الأبد. والشارع الذي كنت تركض فيه حافياً يبكي تحت أقدام العابرين الذين لا يعرفون أن كل خطوة على بلاطه تفتح جرحاً قديماً.
يا لليلٍ بتنا نراقب القمر، وهو يغزل خيوط الفضة على السطوح! كنا نظن أن القمر يحبنا، وأن الزمن سيوقف قطاره عند محطتنا الصغيرة. لكن القطار مضى، يا صاح، مضى يجر أذيال الغبار والغصة. حمل ضحكاتنا وبراءتنا، وبقينا نلملم شتات الذاكرة في ليل طويل، نرتّب صوراً شاحبة في ألبوم الحنين، نعطرها بورود حزينة لا تذبل، لأنها نمت على تراب الدمع.
ولكن في لحظة الوداع نفسها، يا صاحبي العزيز، ينكشف السر الأعظم الأمس لم يمت. الأمس يتنفس في زوايانا الداخلية، في نبرة صوت تعود إلينا فجأة كالصاعقة، في رائحة مطر اعتدناها في طفولتنا، في ومضة ضوء تأتينا من نجم مات قبل ألف عام. الأمس حي فينا، لكننا نحن من نموت عنه شيئاً فشيئاً.
نودّع الأماكن، لكنها لا تودّعنا. نغادر الذاكرة، لكنها تلاحقنا كالظل الطويل عند الأصيل، كالجرح الذي يفتح حين ننساه. الأماكن تظل واقفة على أرصفة الانتظار، تحمل صورنا في عيونها المطفأة، تهمس بأسمائنا للريح كي تبلغنا، لكن الريح تضيع في الطريق.
ورغم كل هذا، يبقى الرحيل فناً نبيلاً. أن نعرف كيف نطوي الصفحات بلا تمزيق، كيف نغلق الأبواب بهدوء خلف قلوب تعبت من الحنين. لسنا نبكي على الأمس، بل نبكي على أنفسنا التي كانت تعرف كيف تكون سعيدة بأشياء صغيرة بقطعة خبز، بظل شجرة، بصديق يمر من دون موعد.
في وداع الأمس، نكتب سيرتنا بأحرف من نور وظل، نمنح الأمس حقه في البقاء، ونمنح أنفسنا حريتها في العبور. لأننا، مهما طال الحنين، لن نعود إلى ما كنا. سنمضي، وسنحمل الجراح كالأوسمة، وسنبتسم أخيراً ونحن نقول: وداعاً أيها الأمس الجميل الثقيل. وداعاً أيتها الذاكرة التي كانت مملكتنا. وداعاً أيتها الأماكن التي كانت أوطاننا الصغيرة. سنلتقي في مكان آخر، في زمن آخر، ربما على شرفة غروب آخر، حيث لا حزن ولا رحيل.



#طه_دخل_الله_عبد_الرحمن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة لقصيدة - وَرْدَتِي الْوَحِيدَة – للأستاذ الشاعر عبد ال ...
- قراءتي للدراسة التحليلية - تمثّلات الخير والشر في الوعي الجم ...
- قراءة لقصيدة – في غربتي – للأستاذة الشاعرة الدكتورة آمال بوح ...
- الأستاذ صالح اسدي، قمة العطاء في محراب الحرف والتربية
- نورانية الأستاذ سميح أسدي، حين يصير الوعي قضية والبصيرة وطنً ...
- قراءة لنص - حين يصبح الشارع أرحم من العالم – للأستاذة الاديب ...
- قراءة لقصيدة - أنت النبض والقلب يا وطني – للأستاذ الناقد وال ...
- سيمفونية الحضور سليم ضو، عندما تُتَرجم القضية فلسطينيًا إلى ...
- قراءة لقصيدة - نَشِيدُ الحُبِّ والكِفَاح – للأستاذ الشاعر ال ...
- قراءة لقصيدة – جنة الغفران – للأستاذ الشاعر الدكتور فهد المح ...
- قراءة لمقالة - في الذكرى السنوية على وفاة الموسيقار محمد عبد ...
- قراءة لقصة - الحق لا يحميه الصامتون – للأستاذ الكاتب صالح اس ...
- أنا والقلم
- قراءة لقصيدة – اجتمعت – للأديبة الناقدة نافلة مرزوق العامر ك ...
- قراءة لقصيدة – نابلس - من ديوان ترانيم الغروب للأستاذ الشاعر ...
- النقدُ الأدبيُّ: إبداعٌ من رحمِ النصِّ، فمَن يستخفُّ به يستخ ...
- خاطرة - نبض الابداع
- بين الماضي والحاضر رؤية مستقبلية
- خاطرة – الجسر -
- قراءة لقصيدة – أيها الصامتون – للناقدة الشاعرة فوزية بن حوري ...


المزيد.....




- 5 أفلام كردية تسعى للعالمية بمهرجان في إسبانيا
- اتحاد الأدباء يستضيف مفكرين من تونس لمناقشة موضوع المواطنة و ...
- الفنان علي هاتف.. من حروف بابل الأثريةإلى صياغة اللون المعاص ...
- المخرج مراد مصطفى: -عائشة لا تستطيع الطيران- تتويج لثلاثية ع ...
- خرمشهر.. كيف تستخدم الموسيقى كسلاح في وقت الحرب؟
- رحيل الفنان صالح الفرزيط.. صوت الأغنية الشعبية التونسية يغيب ...
- بدائل السكر تحت المجهر.. دراسة تربطها باضطرابات التمثيل الغذ ...
- -مسألة وقت-.. آخر رسائل الفنان أحمد جلال عبد القوي قبل وفاته ...
- كريستوفر نولان مخرج فيلم -الأوديسة- يتحدث لـCNN عن تأثير الم ...
- الأردن ينفي الرواية الأمريكية ويؤكد استمرار العمل بمطار ومين ...


المزيد.....

- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - خاطرة - في وداع الأمس.. سيرة الذاكرة والأماكن