|
|
قراءة لقصيدة – مشحوف وحلم – للأستاذ الناقد الدكتور عادل جوده
طه دخل الله عبد الرحمن
الحوار المتمدن-العدد: 8730 - 2026 / 6 / 8 - 17:34
المحور:
الادب والفن
قراءة لقصيدة – مشحوف وحلم – للأستاذ الناقد الدكتور عادل جوده 6-06-2026 القصيدة: مشحوف وحلم على مشحوفِ أمِّ الودعْ طفلةٌ تمخرُ الماءَ طويلا تخطو فوقَ جُرحِ الأهوارِ تحملُ حُلْمَها المبلولَ بالأنواءِ كأنه نجمٌ يمدُّ على الضفافِ يداً يجلسُ في القواريرِ القديمةْ تقرأُ في ارتعاشِ القصبِ حروفا كأنها صلاةُ فقراءِ في ليلِ الكرومِ الجريحةْ يا نهرُ، لا تُطفئْ سراجَ يدَيْها إن الحقيبةَ مذ تركتْ على شطآنِ طفلكَ أصبحتْ كنايةً عن غيمةٍ تروي الصباحَ تمطرُ أحلامَا في زمنِ السيوفِ الذابلةْ تمضي الطفلةُ والريحُ العتيقةُ تصفدُ الموجَ في قفصِ الغيابْ والمعلمُ البعيدُ كأنه قنديلُ فجرٍ من بقايا قافلاتِ مندثرةْ تسألُ الماءَ عن سرِّ الحروفِ فلا يُجيبُ سوى صدىً يترنحُ في رئتيها كجَرَسِ معلَّقِ في قميصِ العاصفةْ هي وحدها تكافحُ بردَ أيلولَ الذي يتسلَّلُ في العروقِ تكتبُ بالمجاديفِ قصائدَ كلَّما ارتطمَ المجدافُ بالطينِ المُباركِ أنبتتْ نخلةً في كفِّها تهزأُ بالرياحِ الخانقةْ يا طفلةَ الجنوبِ التي تمشي على الماءِ القديمْ أنتِ الأغنيةُ التي لا تموتُ أنتِ القصيدةُ لا تُغني الرياحُ إلا لسواكِ حين يمرُّ غبارُ هذي الأرضِ من شفتيْكِ يعودُ مطراً يضيءُ القبَّةَ الزرقاءَ والأفقَ البعيدَ كأنه دربُ التباريحِ القديمةْ امضِي على صدرِ الفراتِ فكلُّ مجدافٍ بيدِكِ سوفَ يكتبُ في دمِ النهرِ اسمَكِ وسيغتدي الغدُ كالضفافِ التي تزهو بعطرِ الياسمينْ وكلُّ نجمٍ فوقَ ماءِ الليلِ سوف يُنادي: "أهلاً بمشحوفِ الصبايا العائداتِ من استواءِ الموجِ في أهوارِ أمِّ الودعِ الحزينهْ" فأنتِ حلمُ لا يغرقْ أنتِ صبرُ لا ينكسرْ أنتِ نخلةُ تعلو شامخة وإن خنقتْ جذورَها رياحِ أيدي العاصفينْ عادل جوده· *********************** القراءة: مشحوف وحلم: تأويل الماء والجسد في قصيدة عادل جوده تفتتح قصيدة "مشحوف وحلم" لعادل جوده بعتبة عنوانية تقوم على مفارقة تأسيسية، إذ يجمع الشاعر بين "المشحوف" – ذلك القارب الضيق الذي يشق مياه الأهوار في الجنوب العراقي – وبين "الحلم" بصفته فضاءً متعالياً على المادة. هذه الثنائية ليست ترفاً بلاغياً، بل هي البنية الجوهرية التي سينبني عليها النص كله: صراع بين الثقل والطفو، بين الجرح والنجاة، بين ما يغرق وما يبحر. والشاعر لا يخبرنا بهذا الصراع، بل يصنع عالماً شعرياً تعمل فيه اللغة كطاقة أولى، حيث تكون الحروف ذاتها موجهاً ومجدافاً في آن. تبدأ القصيدة بجملة اسمية مقطوعة: "على مشحوفِ أمِّ الودعْ" – فالمشحوف هنا ليس مجرد وسيلة، بل هو مكان وجودي، وكأن الطفلة لا تركب المشحوف بل هي عليه كأنها أيقونة فوق مذبح. و"أم الودع" كناية شعبية عن الأهوار التي تزخر بالمحار (الودع)، لكن الشاعر يحوّل هذه التسمية إلى أسطورة صغرى، فـ"أم الودع" تصير رمزاً للأمومة المائية التي تلد المحار والأصداف والأسرار. ثم تأتي الصورة التأسيسية الأعظم: "طفلةٌ تمخرُ الماءَ طويلا / تخطو فوقَ جُرحِ الأهوارِ". الفعل "تمخر" محمول من سياق السفن الكبيرة التي تشق البحار الهائجة، ولكنه يُسند هنا إلى طفلة، مما يحدث قفزة دلالية هائلة: صغر الجسد في مقابل عظمة الفعل، ورقّة الأنوثة في مواجهة قسوة الأمواج. لكن الأكثر إدهاشاً هو أن الطفلة لا تمخر الماء مباشرة، بل "تخطو فوق جرح الأهوار". وهنا يصير الماء جسداً، والأهوار كائناً مصاباً، والمشحوف ليس قارباً بل نعلاً يخطو على جرح كوني. هذا التجسيد للطبيعة يمنح القصيدة بُعداً أنثروبولوجيا، حيث لا فاصل بين الجسد البشري والجسد الجغرافي. "تحملُ حُلْمَها المبلولَ بالأنواءِ" – الحلم في هذه القصيدة ليس مجرد أمنية، بل هو شيء مادي يكاد يكون محسوساً. إنه "مبلول" بالأنواء، أي مشبع بالمطر والرياح العاتية، وكأن الحلم يتعرّق أو يبتل كجسد. الشاعر هنا يمارس استعارة مكنية عالية: يُشبّه الحلم بإنسان يبلله المطر، ثم يُصرّ على هذا التشبيه بذكر الأداة "الأنواء". لكنه لا يتوقف عند هذا الحد، بل يضيف "كأنه نجمٌ يمدُّ على الضفافِ يداً / يجلسُ في القواريرِ القديمةْ". التشبيه هنا مركب من ثلاث طبقات: الحلم كالنجم، والنجم نفسه يمد يداً (تشخيص للنجم)، ثم هذا النجم (أو الحلم) يجلس في القوارير القديمة. والقوارير القديمة تحيل إلى جرار الزيت التي تضيء الأكواخ في الأهوار، أو إلى القوارير الزجاجية التي تحفظ العطور والخلاصات، أو إلى المتاحف حيث تُحفظ الآثار. الحلم إذن محفوظ في زجاج شفاف هش، يُرى ولا يُمس، وهو جالس هناك كضيف أو كملك معزول. ثم تنتقل الطفلة إلى القراءة: "تقرأُ في ارتعاشِ القصبِ حروفا". القراءة هنا ليست قراءة كتاب، بل قراءة طبيعة متحركة. القصب يَرتعش، وهذه الارتعاشة تصير حروفاً. أية كتابة هذه التي تكتبها الريح على جسد القصب؟ وأية قراءة تلك التي تقوم بها طفلة على شاطئ العالم؟ ثم يشبّه الشاعر هذه الحروف بأنها "كأنها صلاةُ فقراءِ في ليلِ الكرومِ الجريحةْ". الصلاة هنا ليست طقساً جامداً، بل هي ارتعاش وضراعة وتضرع. والفقراء يصلّون في ليل الكروم الجريحة – الكروم (جمع كرمة) مجروحة، أي أن الطبيعة كلها مجروحة، ولكن الجرح لا يمنع الصلاة بل ربما كان سبباً لها. هذه النزعة التأملية تكاد تكون صوفية، حيث يصير الكون كله نصاً يُقرأ، والقصب كائناً يسبّح، والطفلة راهبة في معبد الأهوار. ثم يخرج الشاعر فجأة إلى أسلوب النداء: "يا نهرُ، لا تُطفئْ سراجَ يدَيْها". النداء للنهر مباشرة بصفته كائناً حياً قادراً على الإطفاء أو الإبقاء. "سراج يديها" – إضافة بديعة، فاليد ليست مجرد عضو، بل هي سراج، أي مصدر ضوء. وكأن الطفلة تحمل ضوءها الخاص في كفيها، وهما سراج لا يضيء لهما فقط بل لكل ما حولهما. وسبب هذا الدعاء هو أن "الحقيبةَ مذ تركتْ على شطآنِ طفلكَ / أصبحتْ كنايةً عن غيمةٍ تروي الصباحَ". الحقيبة – رمز النزوح والهجرة واللجوء – تركت على شطآن النهر، وهذا الترك ليس فقداناً بل تحولاً: لقد صارت الحقيبة غيمة. أية معجزة لغوية هذه؟ الشيء المادي الأكثر دنيوية (حقيبة لاجئ) يصير غيمة في السماء، وغيمة تروي الصباح، وتمطر "أحلامَا في زمنِ السيوفِ الذابلةْ". والسيوف الذابلة استعارة بارعة: السيوف لا تذبل، لكن الشاعر يسند إليها فعل الذبول كأنها نبات، ملمحاً إلى أن زمن العنف قد فقد حِدّته وإن بقي خطره. والسيوف هنا قد تكون رمزاً للديكتاتوريات أو الحروب أو القمع، وهي في حالة ذبول، لكنها ما زالت سيوفاً، أي ما زالت قادرة على الجرح. "تمضي الطفلةُ / والريحُ العتيقةُ تصفدُ الموجَ في قفصِ الغيابْ". الريح هنا ليست حديثة، بل "عتيقة"، أي قديمة قدم الزمن نفسه، وهي "تصفد الموج"، أي تكبله وتقيده كما يقيد السجين، وتضعه في "قفص الغياب". الموج، الذي كان رمزاً للحركة والتلاطم والحياة، يصير مسجوناً في قفص. من يفعل هذا؟ الريح العتيقة، أي قوى الزمن والقدر والتاريخ. وهنا نصل إلى مأساة كبرى: حتى البحر ليس حراً، حتى الماء مقيد. وفي هذا القفص تسير الطفلة. ثم يأتي ذكر "المعلمُ البعيدُ" – وهو غائب حاضر، حاضر في الذاكرة بعيد في المكان أو الزمان – يشبهه الشاعر بـ"قنديل فجرٍ / من بقايا قافلاتِ مندثرةْ". المعلم البعيد هو رمز المعرفة والتراث والتوجيه، لكنه قنديل فجر، أي نور في أول النهار قبل أن يشتد الضوء، وهو "من بقايا قافلات مندثرة" – قوافل الحضارة والعلم التي ولّت وبقي منها هذا القنديل الضعيف. ثم تسأل الطفلة "الماءَ عن سرِّ الحروفِ / فلا يُجيبُ سوى صدىً يترنحُ في رئتيها / كجَرَسِ معلَّقِ في قميصِ العاصفةْ". الماء يسأل عن سر الحروف التي تقرأها في القصب، والجواب لا يأتي إلا كصدى في رئتيها. الرئتان هنا تحلان محل الأذن، أي أن الصدى يُحسّ داخلها كأنه تنفسها أو كأنه شيء يملأ فراغ صدرها. والتشبيه "كجرس معلق في قميص العاصفة" فريد: الجرس عادة يعلق في أبراج الكنائس أو على أعناق الحيوانات، لكنه هنا معلق في "قميص العاصفة"، أي أن العاصفة تلبس هذا الجرس كأنه زينة أو قلادة، والجرس يرن في داخلها. الصدى إذن ليس خارجياً، بل هو محشو في جسد العاصفة، والعاصفة تلبسه، والطفلة تستنشقه. "هي وحدها / تكافحُ بردَ أيلولَ الذي يتسلَّلُ في العروقِ". أيلول هو شهر الخريف، شهر بداية البرد ونهاية الصيف، شهر ذبول الأوراق. وهذا البرد يتسلل في العروق كما يتسلل السم، أي أنه يصير داخلياً. لكنها تكافح – فعل يتطلب قوة وعضلات، وهي طفلة وحدها. ثم تصف "تكتبُ بالمجاديفِ قصائدَ / كلَّما ارتطمَ المجدافُ بالطينِ المُباركِ / أنبتتْ نخلةً في كفِّها / تهزأُ بالرياحِ الخانقةْ". هنا ذروة الصورة: الكتابة ليست بالقلم بل بالمجداف، والمجداف ليس يكتب على ورق بل على الطين، والطين ليس طيناً عادياً بل "مبارك" (أي فيه بركة وقداسة)، وكل ارتطام ينتج نخلة، والنخلة تنبت في كفّها، ثم هذه النخلة "تهزأ" بالرياح الخانقة. أية سلسلة تحولات؟ الفعل (الكفاح) يتحول إلى كتابة، والكتابة تتحول إلى زراعة، والزراعة تتحول إلى نخلة في كف، والنخلة لا تخاف الرياح بل تهزأ بها. الهزء هنا هو أعلى درجات التحدي، لأنه ليس قتالاً بل سخرية، وليس دفاعاً بل احتقاراً. والنخلة في كف الطفلة تعيد إنتاج أسطورة النخلة التي تنبت في المكان الأكثر قسوة، لكنها هنا تنبت في جسد طفلة، أي أن الجسد نفسه صار أرضاً مباركة. ثم يتحول النص فجأة إلى نشيد أو ترتيلة، بضمير المخاطبة المباشر: "يا طفلةَ الجنوبِ التي تمشي على الماءِ القديمْ". الماء ليس مجرد ماء، بل "قديم" – ماء الخليقة الأول، ماء الطوفان، ماء بدء العالم. والمشي على الماء هو معجزتي المسيح وسيدنا موسى والخضر، لكنها هنا طفلة وليست نبياً، أي أن المعجزة تأتي من البراءة لا من القداسة المفوضة. ثم يؤكد: "أنتِ الأغنيةُ التي لا تموتُ / أنتِ القصيدةُ لا تُغني الرياحُ إلا لسواكِ". الطفلة تصير الأغنية والقصيدة نفسيهما، والرياح التي كانت تصفد الموج وتخنق الآن تغني، لكنها لا تغني إلا لسواها، أي أنها تغني لغيرها؟ الجملة ملتبسة عمداً: "لا تُغني الرياحُ إلا لسواكِ" – ربما تعني أنها تغني للآخرين وليس لك؟ أو تغني في غيابك؟ لكن السياق يوحي بأنها تمجيد: أنت القصيدة التي لا تغني الرياح إلا من أجلك، ولولا وجودك لما غنت. ثم الصورة الأجمل: "حين يمرُّ غبارُ هذي الأرضِ من شفتيْكِ / يعودُ مطراً يضيءُ القبَّةَ الزرقاءَ / والأفقَ البعيدَ كأنه دربُ التباريحِ القديمةْ". الغبار – رمز الجفاف والموت والنسيان – يمر من شفتيها (أقرب عضو إلى النفس والكلام والقبلة) فيعود مطراً، والمطر لا يسقي فقط بل "يضيء" القبة الزرقاء (السماء) والأفق البعيد. الغبار يتحول إلى ضوء، والموت يتحول إلى حياة، والنسيان يتحول إلى ذكرى درب التباريح القديمة. "درب التباريح" هو طريق الآلام والمعاناة، لكنه "قديم"، أي أنه طريق معروف مسلوك، وكأن الألم له تاريخ وله جغرافيا. ثم يأتي الأمر المباشر: "امضِي على صدرِ الفراتِ / فكلُّ مجدافٍ بيدِكِ / سوفَ يكتبُ في دمِ النهرِ اسمَكِ". النهر هنا له "صدر" كالإنسان، وله "دم" كالجسد، والكتابة في دم النهر هي كتابة أبدية لا تمحى، لأن الدم هو جوهر الحياة. وماذا سيحدث؟ "وسيغتدي الغدُ / كالضفافِ التي تزهو بعطرِ الياسمينْ / وكلُّ نجمٍ فوقَ ماءِ الليلِ / سوف يُنادي: / "أهلاً بمشحوفِ الصبايا العائداتِ من استواءِ الموجِ / في أهوارِ أمِّ الودعِ الحزينهْ". الغد (المستقبل) سيكون كالضفاف التي تتفتح بالياسمين، وهذا تحول مذهل: المستقبل الذي كان مجهولاً أو مخيفاً يصير حديقة. والنجوم تنادي أهلاً بعودة "مشحوف الصبايا" – أي الفتيات العائدات على مشاحيفهن، عائدات من "استواء الموج" (أي بعد أن هدأت العاصفة واستوى البحر)، إلى الأهوار الحزينة. الأهوار هنا "حزينة" لكنها ترحب بالعائدين، والحزن ليس يأساً بل نضجاً. ويختم الشاعر بثلاث جمل اسمية قاطعة تعمل كتأكيد وختام صلاة: "فأنتِ حلمُ لا يغرقْ / أنتِ صبرُ لا ينكسرْ / أنتِ نخلةُ تعلو شامخة / وإن خنقتْ جذورَها رياحِ أيدي العاصفينْ". هذه الجمل الثلاث تشكل سلمًا تصاعديًا: الحلم أولاً (الفضاء المتعالي)، ثم الصبر (القوة الأخلاقية)، ثم النخلة (القوة المادية والبيولوجية). وكل واحدة منها مؤكدة بـ"لا" النافية التي تنفي عنها نقيضها: لا يغرق، لا ينكسر. ثم في النخلة يضيف "تعلو شامخة" كتأكيد إضافي، ثم يستثني بـ"وإن" – حرف شرط يفتح باب الاحتمال: وإن خنقت جذورها رياح أيدي العاصفين. فالنخلة تعلو "وإن" كانت جذورها مخنوقة. وهنا السر الأعظم: العلو ليس رغم الخنق بل مع الخنق، والجذور لا تموت لأنها مخنوقة بل تتحول إلى شيء آخر. و"أيدي العاصفين" بدلاً من "العواصف" تحوّل القوة الطبيعية إلى قوة بشرية ظالمة، فتصير القصيدة في لحظتها الأخيرة سياسية بامتياز، لكن دون أن تفقد طابعها الأسطوري. ما يفعله عادل جوده في هذه القصيدة هو تحويل الأهوار العراقية من مجرد مكان جغرافي إلى كون متكامل. الماء هنا ليس عنصراً طبيعياً فحسب، بل هو مادة أولى للكتابة والنمو والمعجزة. والطفلة ليست شخصاً بعينه بل هي الأهوار نفسها وقد تجسّدت، أو هي روح المكان الأنثوية التي تخرج من جرحه لكي تنجيه. والحلم ليس هروباً من الواقع بل هو واقع أكثر كثافة وأعمق وجوداً. كل صورة في القصيدة تحمل ثنائية الجرح والشفاء، الغرق والطفو، الحقيبة والغيمة، المجداف والنخلة، الغبار والمطر. وهذه الثنائيات لا تتناقض بل تتكامل: الجرح ينتج نخلة، والغبار يتحول إلى مطر، والحقيبة تصير غيمة. التحول هو قانون هذا العالم الشعري، حيث لا شيء يبقى على ما هو عليه، وحيث كل شيء في حالة أن تصير. بلاغياً، يعتمد الشاعر على الاستعارة المكنية بشكل مكثف: يجسّد المجردات (الحلم، الألم، الصبر) ويعطيها صفات الجسد، وفي المقابل يروح الجسد (الطفلة) فيصير أسطورياً. والتشبيهات عنده ليست تقريرية بل توليدية، أي أنها لا تقارن بين أمرين من أجل التوضيح بل من أجل خلق أمر ثالث لم يكن موجوداً (كالتشبيه الذي يحوّل الصدى إلى جرس معلق في قميص العاصفة). والإيقاع لا يعتمد على البحر الخليلي التقليدي بل على نبضات داخلية تتسارع وتتباطأ تبعاً لحركة المجاديف في الماء، وكأن وزن القصيدة هو وزن الموج نفسه. لكن الأعمق من كل ذلك هو النظرة الوجودية التي تطرحها القصيدة: كيف يمكن للإنسان أن يعيش في جرح جغرافي وتاريخي، ويحمل حلماً مبللاً بالأنواء، ويكتب بالمجداف في طين مبارك، وينبت نخلة في كفه، ويهزأ بالرياح الخانقة؟ الإجابة التي تقدمها القصيدة هي أن لا شيء من هذا ممكناً في عالم المنطق، لكنه ممكن في عالم الشعر. والشعر هنا ليس حلية أو زينة، بل هو فعل وجودي: كتابة القصيدة بالمجداف تعني أن الشعر ليس كلمات على ورق بل هو حركة في الطين، وارتطام بالأرض، ونبض في دم النهر. وقولها "أنتِ القصيدة" يعني أن الطفلة لا تكتب الشعر بل هي الشعر نفسه، أي أن الشعر كائن حي يتنفس ويمشي على الماء ويحتوي الرياح في قميصه. وفي النهاية، تترك القصيدة القارئ أمام سؤال لا يُجاب: هل هذه الطفلة موجودة حقاً؟ أم أنها حلم يركب مشحوفاً فوق جرح الأهوار؟ لكن القصيدة نفسها تجيب: الفرق بين الحلم والواقع في عالم عادل جوده ليس فرقاً جوهرياً، لأن الحلم هنا لا يغرق، والحقيقة وحدها هي التي تغرق. وإذا كان المشحوف يسير على الماء، فهذا يعني أن المستحيل هو السبيل الوحيد إلى الممكن، وأن النخلة التي تنبت في الكف هي النخلة الوحيدة التي لا تقتلعها الرياح. وقصيدة "مشحوف وحلم" نفسها هي ذلك المشحوف الذي يحمل فوق جرح الأهوار طفلة تكتب بالمجداف قصائد، وتقرأ في ارتعاش القصب حروفاً، وتهزأ بالنهاية لأنها تعرف أن النهاية ليست نهاية. ومن يقرأ هذه القصيدة حقاً، لن يخرج منها كما دخل إليها، لأنه سيكون قد ركب ذلك المشحوف لحظة من الزمن، وأبحر في دم النهر، واستنشق صدى الجرس المعلق في قميص العاصفة. وهذه هي بلاغة الشعر حين يكون صدقاً لا تزييناً، وحين يكون الماء نفسه هو الكاتب والحروف معاً. البعنه == الجليل 6/06/2026
#طه_دخل_الله_عبد_الرحمن (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
النقد الادبي لا ينتقص من شخص الكاتب بل إنصاتٌ عميقٌ لنبض الن
...
-
الأسرة بين التكنولوجيا ودفء العلاقات: العزلة الحديثة في زمن
...
-
دراسة أكاديمية - في وداع الأمس.. سيرة الذاكرة والأماكن - إعد
...
-
خاطرة - في وداع الأمس.. سيرة الذاكرة والأماكن
-
قراءة لقصيدة - وَرْدَتِي الْوَحِيدَة – للأستاذ الشاعر عبد ال
...
-
قراءتي للدراسة التحليلية - تمثّلات الخير والشر في الوعي الجم
...
-
قراءة لقصيدة – في غربتي – للأستاذة الشاعرة الدكتورة آمال بوح
...
-
الأستاذ صالح اسدي، قمة العطاء في محراب الحرف والتربية
-
نورانية الأستاذ سميح أسدي، حين يصير الوعي قضية والبصيرة وطنً
...
-
قراءة لنص - حين يصبح الشارع أرحم من العالم – للأستاذة الاديب
...
-
قراءة لقصيدة - أنت النبض والقلب يا وطني – للأستاذ الناقد وال
...
-
سيمفونية الحضور سليم ضو، عندما تُتَرجم القضية فلسطينيًا إلى
...
-
قراءة لقصيدة - نَشِيدُ الحُبِّ والكِفَاح – للأستاذ الشاعر ال
...
-
قراءة لقصيدة – جنة الغفران – للأستاذ الشاعر الدكتور فهد المح
...
-
قراءة لمقالة - في الذكرى السنوية على وفاة الموسيقار محمد عبد
...
-
قراءة لقصة - الحق لا يحميه الصامتون – للأستاذ الكاتب صالح اس
...
-
أنا والقلم
-
قراءة لقصيدة – اجتمعت – للأديبة الناقدة نافلة مرزوق العامر ك
...
-
قراءة لقصيدة – نابلس - من ديوان ترانيم الغروب للأستاذ الشاعر
...
-
النقدُ الأدبيُّ: إبداعٌ من رحمِ النصِّ، فمَن يستخفُّ به يستخ
...
المزيد.....
-
جينيفر أنيستون وليزا كودرو: نجوم السينما كانوا متوترين خلال
...
-
أحمد عثمان: الفنان الذي أنقذ معبد أبو سنبل
-
قصف إسرائيلي يُلحق -أكبر أذى- بموقع للتراث العالمي في صور
-
كيف تغيرت أفلام الرعب لتصبح قادرة على إثارة اهتمام الجيل -زد
...
-
المثقف العربي وصناعة التاريخ: قراءة في أدوار النخبة وسط التح
...
-
الإخفاق العربي.. تشريح لمأزق الدولة القُطرية وأوهام الإصلاح
...
-
-تسنيم-: لا يمكن للأميركيين التملص من وزر جرائم الكيان الصهي
...
-
القاهرة وبكين تحتفيان باليوم العالمي لحوار الحضارات في دار ا
...
-
الإخفاق العربي.. تشريح لمأزق الدولة القُطرية وأوهام الإصلاح
...
-
أطلال نظام مائي مملوكي قرب قلعة القاهرة تكشف كيف تسلّق الماء
...
المزيد.....
-
نافذة ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال
/ كمال التاغوتي
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث
...
/ السيد حافظ
-
سِنّمار
/ كمال التاغوتي
-
مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد
...
/ عيسى بن ريمة
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
-
طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة
/ احمد صالح سلوم
-
حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي
/ نايف سلوم
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
المزيد.....
|