أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - تأمل في ميتافيزيقا الحب، نحن الذين لا يحوينا زمان – الحب – للدكتور مايكل حمدان















المزيد.....


تأمل في ميتافيزيقا الحب، نحن الذين لا يحوينا زمان – الحب – للدكتور مايكل حمدان


طه دخل الله عبد الرحمن

الحوار المتمدن-العدد: 8756 - 2026 / 7 / 4 - 23:03
المحور: الادب والفن
    


تأمل في ميتافيزيقا الحب، نحن الذين لا يحوينا زمان – الحب – للدكتور مايكل حمدان 3-7-2026
* الحب *
اليوم
او غدا
هنا
أو هناك
في كل مكان ...
قد نجد الحب
ونسعد
او نعاني من القهر
والحرمان ...
قد نفرح
قد نضيع
قد نهيم
وقد يقسو الزمان ...
إعجابي بك
وإعجابك بي
ما كان يوما
في الحسبان ...
قد نلام
إن نحن نمنا
في قصر
أو
على قارعة النسيان ...
ونلام أكثر
إن جعلنا دنيانا
جحيما"
أو قطعة
من الجنان ...
فلنتابع حبيبي
ولنعش الحب
والعشق
بسلام
وأمان ...
لا نحاولن الهروب
والابتعاد
والانعزال في قلعة
او في بستان ...
فالحب
لا يطرق الأبواب
الحب
يا من أحبك
في كل مكان ...!
** د. مايكل حمدان
******************
تأمل في ميتافيزيقا الحب، نحن الذين لا يحوينا زمان
تمهيد: في البدء كان الحب
في البدء، قبل أن تتشكل الكلمات، وقبل أن تنبثق العوالم من رحم العدم، كان الحب. كان كامنًا في سرّ الوجود، نابضًا في ذرات الغيب، ساريًا في شرايين الكون قبل أن يُخلق القلب ليحتويه. الحب هو النَفَس الأول للإله حين همّ بالخلق، هو العلة الأولى التي لا تُعلل، والغاية القصوى التي لا تُسأل عن وجهتها. كل ما في الوجود من جمال وجلال، من ألم وأمل، من فراق ولقاء، ليس إلا تجليات متعددة لحقيقة واحدة أزلية: الحب.
ثم جاء الشعراء والفلاسفة والمتصوفة، كلٌ يحاول أن يقبض على طرف من رداء هذه الحقيقة، فيعود خائبًا منتشيًا، خائبًا لأن الحب عصيّ على الاحتواء، ومنتشيًا لأن مجرد محاولة الاقتراب منه تمنح الروح نشوة لا توصف. ومن بين هؤلاء، يأتي الدكتور مايكل حمدان، لا ليفسر الحب، بل ليشهد عليه شهادة عارف، لا ليعرّفه، بل لينحني أمامه انحناءة العابد في محراب الأبدية.
الفصل الأول: الزمان والمكان – سجنان وعاشق
"اليوم أو غدًا، هنا أو هناك، في كل مكان... قد نجد الحب"
تأمل هذه الكلمات بعمق، وسترى أنها ليست مجرد افتتاحية قصيدة، بل هي إعلان ميتافيزيقي عن طبيعة الحب المتعالية على الزمان والمكان. الزمان والمكان، هذان السجانان اللذان يأسران كل كائن حي، هما بالنسبة للحب مجرد حجابين شفافين، قد يخترقهما في أي لحظة. الحب لا يعترف بـ"اليوم" لأن اليوم فكرة صنعها العقل ليقيس بها الفناء، أما الحب فأبدي بالجوهر. الحب لا يلتزم بـ"هنا" لأن "هنا" حدود رسمها الجسد، أما الحب فطليق لا يحده جسد ولا يحصره مكان.
انظر كيف تذوب ثنائية "اليوم والغد" في قوله "في كل مكان". المكان هنا لم يعد حيزًا جغرافيًا، بل صار حالًا وجوديًا. وحين يذوب المكان، يذوب معه الزمان، وتصير المسألة مسألة حضور لا مسألة إحداثيات. هذا هو السر الذي أدركه كبار المتصوفة حين قالوا: "الحب مقام لا زمان"، وكما قال ابن عربي: "الوجود كله ظل للحب، والحب أصل الوجود". فحين يقول الشاعر "في كل مكان"، فهو لا يتحدث عن انتشار جغرافي، بل عن حقيقة أن الحب صار هو المكان ذاته، صار هو الفضاء الذي نتنفس فيه، صار هو الأفق الذي لا يُرى إلا به.
وفي هذا الذوبان للزمكان يكمن سر عميق: نحن الذين نحب، نحن الذين لا يحوينا زمان. نحن نعيش في الزمان لكننا لسنا منه، نحن نمر في المكان لكننا لا ننتمي إليه. نحن أبناء لحظة أزلية، مواطنو مملكة لا تُرى بالعين المجردة، سكان مدينة الله التي بناها العشق في قلوب العارفين. نحن الذين إذا سألتنا: متى؟ قلنا: دائمًا. وإذا سألتنا: أين؟ قلنا: في كل آنٍ.
الفصل الثاني: جدلية الفرح والعذاب – ثنائية العشق الكبرى
"ونسعد أو نعاني من القهر والحرمان... قد نفرح، قد نضيع، قد نهيم، وقد يقسو الزمان"
هنا تتكشف أمامنا واحدة من أعظم حقائق ميتافيزيقا الحب: أن الحب لا يأتي محض فرح، ولا يأتي محض ألم، بل يأتي حاملًا الاثنين معًا، متشابكين، متعانقين، لا يقدر المرء على الفصل بينهما. هذه هي الثنائية الكبرى التي حيّرت الفلاسفة منذ أفلاطون وحتى هيغل، والتي وجدت حلها العميق في قلب المتصوفة حين قالوا: "الألم في الحب هو عين اللذة، والحرمان هو عين الوصال".
تأمل كيف يرصف الشاعر هذه الثنائيات: "نسعد أو نعاني"، "نفرح، نضيع، نهيم"، "يقسو الزمان". إنه لا يقدمها كخيارات متنافية، بل كمكونات متكاملة لتجربة الحب الواحدة. السعادة في الحب ليست سعادة خالصة، بل هي سعادة مشوبة بلوعة الخوف من الفقد. والعذاب في الحب ليس عذابًا خالصًا، بل هو عذاب معجون بحلاوة التعلق. الضياع ليس تيهًا في الفراغ، بل هو تيه في فضاء المحبوب، والهيام ليس جنونًا مرضيًا، بل هو أعلى درجات العقل حين يدرك المرء أن لا شيء يستحق الجنون إلا الحب.
أما "قسوة الزمان" فهي الامتحان الأكبر. الزمان ليس مجرد عدّاد للثواني والدقائق، الزمان هو القوة التي تبلي كل شيء، هو النهر الذي يحمل كل شيء إلى بحر الفناء. لكن الحب، في ميتافيزيقاه العميقة، هو القوة الوحيدة التي تنتصر على الزمان، لا بإلغائه، بل بتحويله. الزمان قد يقسو، نعم، لكن هذه القسوة هي المطرقة التي تطرق جوهر العاشق، فإما أن ينكسر فيتحول إلى غبار، وإما أن يصير ألماسًا يزداد بريقًا مع كل ضربة. العشاق الحقيقيون هم أولئك الذين حوّلوا قسوة الزمان إلى جوهرهم، فصاروا أصلب من الزمان نفسه، وصار الزمان خادمًا لهم بعد أن كان سيدًا عليهم.
وهنا نصل إلى معنى ميتافيزيقي خفي: الحب لا يلغي المعاناة، بل يمنحها معنى. المعاناة بدون حب هي عبث مطلق، ألم صامت لا يفضي إلى شيء. أما المعاناة في الحب فهي مخاض، هي ألم الولادة الذي يُخرج من رحمه كائنًا جديدًا. نحن الذين نحب، نحن الذين نعاني، لكن معاناتنا ليست عبثًا، إنها الطريق الوحيد لنصبح ما ينبغي أن نكونه.
الفصل الثالث: المفاجأة – حين يأتي الحب دون استئذان
"إعجابي بك وإعجابك بي، ما كان يومًا في الحسبان"
ما أعظم هذا الاعتراف وما أصدقه! إنه يكشف عن البعد الأكثر غموضًا في ميتافيزيقا الحب: أن الحب لا يُخطط له، ولا يُحسب له حساب، ولا يدخل في نطاق الإرادة الواعية. الحب طارق أبواب لا يستأذن، زائر ليلي لا يُعلن عن موعد قدومه، ضوء يبزغ فجأة في غرفة كنا نظنها مغلقة إلى الأبد.
"ما كان يومًا في الحسبان" – هذه العبارة البسيطة تحمل في طياتها فلسفة كاملة عن طبيعة الحب. الحسبان، أي الحساب والتقدير والتوقع، هو وظيفة العقل المنطقي، العقل الذي يبني نماذجه وفرضياته على أساس الماضي ويستشرف بها المستقبل. لكن الحب يأتي من منطقة أبعد من العقل، من منطقة لا يصل إليها منطق ولا يعمل فيها قانون. إنه يأتي من الغيب، من المجهول، من العدم الذي يحتوي كل الإمكانيات.
ولهذا السبب تحديدًا، كثيرًا ما يفاجأ العشاق بأنفسهم: "كيف أحببته؟ لماذا أحببتها؟" ليس هناك إجابة عقلية شافية، لأن الحب لا يعترف بمنطق "لماذا" و"كيف". الحب هو الشرط المسبق لكل "لماذا"، وليس نتيجة لها. نحن لا نحب لأننا وجدنا أسبابًا، بل نحن نجد الأسباب لأننا أحببنا.
"ما كان يومًا في الحسبان" هي أيضًا اعتراف بأن الحب يتجاوز الذات، يتجاوز الأنا التي تظن أنها تتحكم في مصيرها. الأنا تبني القلاع وتشيد الأسوار وتضع الحراس على الأبواب، لكن الحب يأتي كالنسيم، لا يراه الحرس ولا تمنعه الأسوار. وهنا تكمن عظمة الحب: إنه يحررنا من وهم السيطرة، من وهم أننا أسياد أنفسنا. الحب يعلمنا التواضع الوجودي، يعلمنا أن هناك قوى في هذا الكون أعظم من إرادتنا، وأجمل من تخطيطاتنا، وأعمق من فهمنا.
وبقدر ما في هذا الاعتراف من تواضع، بقدر ما فيه من تحرر. "ما كان يومًا في الحسبان" تعني أن الحب ليس إنجازًا نحققه، بل هبة نتلقاها. لسنا نحن من يختار الحب، بل الحب هو من يختارنا. وشتان بين من يظن أنه اختار، وبين من يعرف أنه اختير. الأول سجين غروره، والثاني محرر في عبوديته للحب.
الفصل الرابع: اللوم – ظل الحب ومرآته
"قد نلام إن نحن نمنا في قصر أو على قارعة النسيان... ونلام أكثر إن جعلنا دنيانا جحيمًا أو قطعة من الجنان"
هنا يرتقي الشاعر إلى مستوى الحكمة المرة، الحكمة التي لا تجمّل الواقع ولا تخفف من وطأته. العاشقان ملومان في كل الأحوال. إن ناما في قصر، لامهما الناس على الترف والبطر. وإن ناما على قارعة النسيان، لامهما الناس على التفريط والضياع. في الحب، أنت مدان أبدًا، محكوم عليك مسبقًا، ليس لأنك مذنب، بل لأن العيون التي تنظر إليك لا ترى بالحب، بل بالمعايير الجوفاء.
لكن الشاعر يضيف بعدًا أعمق: "نُلام أكثر إن جعلنا دنيانا جحيمًا أو قطعة من الجنان". هنا ينتقل اللوم من الخارج إلى الداخل، من المجتمع إلى الذات، من ألسنة الناس إلى ضمير العاشق نفسه. هذا هو اللوم الأكبر والأكثر إيلامًا: أن تلوم نفسك لأنك بددت الحب، لأنك حولت ما كان يمكن أن يكون جنة إلى جحيم. أو العكس، وهو الأكثر غرابة وإثارة للدهشة: أن تلوم نفسك لأنك جعلت من الحب جنة، وكأن الجنة بذاتها صارت تهمة!
ما معنى أن نُلام على تحويل الدنيا إلى جنة؟ هذا يعني أن الجنة مخيفة للبشر، لأنهم لم يألفوها. البشر ألفوا الألم فصار الألم بيتهم، ألفوا الجحيم فصار الجحيم وطنهم. حين يأتي الحب ليحول حياتهم إلى جنة، يخافون، يرتابون، يشعرون أنهم لا يستحقون. وهكذا يتحول أعظم إنجاز للحب – وهو خلق الجنة على الأرض – إلى عبء وجودي، إلى مصدر للوم الذاتي والندم الخفي. هذه هي مأساة الإنسان المعاصر: إنه يخاف من الجنة بقدر ما يخاف من الجحيم، وربما أكثر.
أما اللوم الأعظم، فهو لوم النفس على جعل الحب جحيمًا. كم من عاشق امتلك كل مقومات الجنة، ثم بددها بيديه! كم من حب بدأ كالربيع، ثم تحول إلى شتاء قارس بسبب الأنانية، أو الكبرياء، أو الخوف، أو سوء الفهم! هذا اللوم لا يمحى، إنه يظل محفورًا في جدران الروح، كندبة لا تزول، كجرس لا يصمت، كسؤال لا جواب له: ماذا لو؟ ماذا لو عاملته بلطف أكثر؟ ماذا لو صفحت عنها تلك الليلة؟ ماذا لو لم أقل تلك الكلمة؟
نحن الذين نحب، نحن الذين نحمل اللوم كظل لا يفارقنا. لكن في هذا اللوم، في هذا الألم، تكمن فرصتنا الوحيدة للتعلم والنمو. اللوم هو السوط الذي يذكرنا بهشاشتنا، بضعفنا، بقابليتنا الدائمة لتدمير أجمل ما في حياتنا. اللوم هو الصوت الذي يصرخ في آذاننا: انتبه! الحب ثمين، الحب هش، الحب يحتاج منك أن تكون أعظم مما أنت عليه الآن.
الفصل الخامس: السلام – الجوهر المفقود في زمن الضوضاء
"فلنتابع حبيبي ولنعش الحب والعشق بسلام وأمان"
في خضم هذه العاصفة من العذاب واللوم والثنائيات المتناقضة، يأتي هذا النداء كواحة خضراء في صحراء قاحلة. إنه نداء العاشق العارف، الذي ذاق كل شيء في الحب: الفرح والألم، الوصل والهجر، اللوم والعتاب، ومع ذلك، أو بسبب ذلك كله، وصل إلى حالة من السلام العميق. السلام الذي لا يعني غياب المشاكل، بل يعني حضور الحب بقوة أكبر من كل المشاكل.
"فلنتابع" – كلمة صغيرة لكنها تحمل كل معاني الإصرار والاستمرار. الحب ليس محطة وصول، بل طريق طويل، سفر أبدي. كثيرون يظنون أنهم "وصلوا" إلى الحب، فيتوقفون عن السير، وعندها يموت الحب. الحب كائن حي، لا يعيش إلا بالحركة المستمرة، بالعطاء المتجدد، بالاكتشاف الدائم. "لنتابع" تعني أننا سنظل نسير معًا، حتى لو كان الطريق وعرًا، حتى لو اشتدت العواصف، حتى لو انهارت بنا الجبال من حولنا.
"ولنعش الحب والعشق" – ولماذا يفصل بين الحب والعشق؟ لأن الحب هو الأساس، هو الأرض الثابتة التي نقف عليها، أما العشق فهو السقف المرتفع، هو القمة التي نرتقي إليها. الحب هو اليومي، الروتيني، العملي. والعشق هو الاستثنائي، المتجاوز، الشعري. الحياة الكاملة هي التي تجمع بين الاثنين: حب يمنح الاستقرار، وعشق يمنح التحليق.
"بسلام وأمان" – وهنا يكمن الجوهر. السلام ليس مجرد غياب الحرب، السلام هو حالة من الانسجام الداخلي، من التوافق بين الرغبة والقدر، بين الحلم والواقع. الأمان ليس مجرد غياب الخطر، الأمان هو الثقة الكاملة في أن الآخر لن يخذل، وأن الحياة لن تنهار، وأن الغد سيأتي بما هو خير، مهما بدا اليوم مظلمًا. لكن كيف نصل إلى السلام والأمان في الحب؟ هنا يكمن السر الأعمق: السلام والأمان لا يأتيان من الظروف الخارجية، بل من القرار الداخلي. أنا أختار أن أعيش الحب بسلام، أنا أختار أن أكون آمنًا في حبك. هذا الاختيار ليس وليد السذاجة أو الجهل بالمخاطر، بل هو وليد الشجاعة العظمى: شجاعة الثقة في عالم يسوده الخيانة، شجاعة السلام في عالم تمزقه الحروب.
الفصل السادس: لا للهروب – نقد القلعة والبستان
"لا نحاولن الهروب والابتعاد والانعزال في قلعة أو في بستان"
هنا تصل ميتافيزيقا الحب إلى ذروتها العملية. الهروب – من الحب، من الألم، من المواجهة – هو الإغراء الأكبر الذي يواجه كل عاشق. حين يشتد الخلاف، حين يرتفع الصوت، حين تدمع العيون، يأتي صوت داخلي يهمس: "اهرب! أنقذ نفسك! عد إلى وحدتك الآمنة!" وهذا الصوت هو صوت الشيطان، صوت الأنا الجريحة التي تريد أن تحمي نفسها حتى لو كان الثمن موت الحب.
الهروب له شكلان أساسيان، وكشف الشاعر عنهما ببراعة: "الانعزال في قلعة" و"الانعزال في بستان". القلعة هي رمز القوة والتحصن، هي الاختباء وراء الجدران السميكة، وراء الكبرياء والعناد والرفض. كم من عاشق تحصن في قلعته بعد خلاف، رافضًا الخروج، رافضًا الاعتذار، رافضًا أن يمد يده أولًا! القلعة تبدو آمنة، لكنها في الحقيقة مقبرة. في القلعة، قد تنجو من الألم، لكنك ستموت وحدك، محاطًا بانتصاراتك الوهمية.
أما "البستان" فهو الهروب الأكثر نعومة والأشد فتكًا. البستان هو الاختباء في الجماليات السطحية، في التجارب العابرة، في العلاقات التي لا تلتزم، في "الاستمتاع باللحظة" دون غوص في العمق. كم من إنسان هرب من حب حقيقي عميق إلى علاقة سطحية جميلة، إلى "بستان" من المتع الصغيرة، ليكتشف في النهاية أنه استبدل المحيط ببركة ماء راكدة! البستان قد يكون أخضر ومزهرًا، لكنه في النهاية سجن، سجن من زهور، لكنه سجن على أي حال.
البديل عن الهروب هو المواجهة، هو البقاء، هو الاستمرار في الحوار حتى لو كان الحوار مؤلمًا. "لا نحاولن" – هذا النهي في بلاغته يحمل في طياته توسلًا، نداءً، تحذيرًا. إنه صوت العاشق الذي يعرف أن الهروب هو الموت المحقق، وأن البقاء، رغم صعوبته، هو الطريق الوحيد للحياة.
الفصل السابع: الحب لا يطرق الأبواب – الكشف الأعظم
"فالحب لا يطرق الأبواب، الحب يا من أحبك في كل مكان!"
نحن الآن في ذروة التأمل، في لحظة الكشف الميتافيزيقي الأعظم. "الحب لا يطرق الأبواب" – تأمل هذه الجملة البسيطة في ظاهرها، العميقة في باطنها. لماذا لا يطرق الحب الأبواب؟ لأن طارق الباب يأتي من الخارج، يأتي طالبًا الإذن، طالبًا السماح بالدخول. أما الحب، فليس خارجيًا ولا عرضيًا، الحب هو الداخل ذاته، هو الجوهر، هو الأصل. الحب لا يأتي من مكان آخر، لأنه هو المكان الأول والأخير.
الحب لا يطرق الأبواب، لأنه لا يحتاج إلى إذن. الحب ليس ضيفًا يستأذن، الحب هو صاحب البيت. نحن الذين نبني الأبواب والجدران والنوافذ، نظن أنها تحمينا، لكن الحقيقة أن الحب كان موجودًا قبل أن نبني أي شيء. الحب كان موجودًا في الفراغ الذي بنينا فيه بيوتنا، في الهواء الذي نتنفسه، في التراب الذي مشينا عليه. نحن الذين جئنا إلى الحب، لا العكس.
ثم يأتي الختام في بلاغته: "الحب يا من أحبك في كل مكان!" هنا يلتقي الشاعر بأعلى مراتب التصوف، حيث المحبوب هو الكون كله. "يا من أحبك" – الخطاب هنا يتجاوز الشريك البشري ليصل إلى الحب ذاته، إلى جوهر الحب المتجلي في كل شيء. أن تحب "في كل مكان" يعني أن الحب لم يعد مقصورًا على شخص، ولا على زمان، ولا على مكان. الحب صار هو الهواء، هو الماء، هو النور. صار هو الحياة ذاتها.
وهذا هو المعنى النهائي لميتافيزيقا الحب: أن نصل إلى درجة نرى فيها الحب في كل مكان، في الوردة والشوكة، في الضحكة والدمعة، في اللقاء والفراق، في الحياة والموت. أن نصل إلى درجة نكون فيها نحن أنفسنا الحب، لا مجرد عاشقين. أن نذوب في الحب حتى يصير الحب هو نحن، ونحن هو الحب. تلك هي المرتبة التي لا يحوينا فيها زمان، ولا يحدنا فيها مكان، ولا يخيفنا فيها لوم، ولا تغرينا فيها قلعة، ولا يلهينا فيها بستان.
خاتمة: نحن الذين لا يحوينا زمان
نحن الذين نحب، نحن الذين اكتشفنا أن الزمان ليس سوى وهم يصنعه العقل ليحمينا من رهبة الأبدية. نحن الذين أدركنا أن "الآن" ليس لحظة عابرة بين ماضٍ ومستقبل، بل هو الحقيقة الوحيدة الموجودة، هو باب الأبدية. في الحب، تذوب الأزمنة: الماضي يصير ذكرى حلوة أو درسًا، المستقبل يصير رجاءً أو خوفًا، لكن "الآن" هو المطلق، هو حيث يحدث كل شيء مهم.
نحن الذين لا يحوينا زمان، لأننا تجاوزنا الزمان. تجاوزناه بالحضور الكامل في اللحظة، بالانغماس الكلي في لقاء العيون، في همسة الكلمات، في دفقة المشاعر. حين تكون مع من تحب، وتكون حاضرًا حقًا، غير مشتت، غير قلق، غير تائه في أفكار الماضي أو هواجس المستقبل في تلك اللحظة، أنت تلمس الأبدية. أنت تخرج من النهر المتدفق وتقف على الشاطئ، تنظر إلى الزمان من الخارج، حرًا، طليقًا، خالدًا.
نحن الذين لا يحوينا زمان، لأن الحب حولنا إلى كائنات أسطورية، تعيش في الخيال بقدر ما تعيش في الواقع، وتحلم بقدر ما تخطط، وتؤمن بالمستحيل بقدر ما تتعامل مع الممكن. نحن الذين نعرف أن الحب ليس مجرد عاطفة، بل هو قوة كونية، هو الطاقة التي تدير الأفلاك وتحرك الكواكب، هو القانون الأسمى الذي ينتظم به الوجود.
وفي النهاية، نحن الذين لا يحوينا زمان، لأننا ببساطة، أبناء الحب. والحب، كما رأينا، لا يعترف بالزمان. الحب أزلي بالجوهر، أبدي بالامتداد. وحين ندخل في الحب، ندخل في هذه الأزلية والأبدية، نخرج من سجن الساعات والتقاويم، ونصبح ما كنا عليه قبل أن نُخلق، وما سنكون عليه بعد أن نموت، أرواحًا طليقة تسبح في بحر الحب اللامتناهي.
هذا هو الحب كما يراه العارفون، سر الأسرار، نور الأنوار، بداية البدايات ونهاية النهايات. فطوبى لمن أحب، وطوبى لمن عرف أنه لا شيء يستحق أن يُعاش إلا في رحاب الحب، ولا شيء يستحق أن يموت المرء من أجله إلا الحب. وطوبى لنا، نحن الذين لا يحوينا زمان، لأننا وجدنا الحب، أو لأن الحب وجدنا، فصرنا به وإليه وفيه.
البعنه == الجليل
3/07/2026



#طه_دخل_الله_عبد_الرحمن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل يمكن أن تكون الحرية سببا في تعاسة الإنسان بعيدا عن النضج ...
- أنا والكتاب
- قراءة لنص - النَّفْخَةِ الْأَخِيرَةِ فِي رُوحِ الْكَوْنِ – ل ...
- قراءة لنص - رحلةُ قلمٍ في محرَّم – للدكتور عبد الكريم الحلو
- الْقَلَمُ سِلَاح عَابِر لِلْإِجْيَال
- قراءة أديبة - لثلاثية ق ق ج – حفاة المدن – قوس قزح – صمت الم ...
- قراءة لمقال - أمراء المنصات وفقراء الموهبة... عندما تتحول ال ...
- دراسة تحليلية نقدية شاملة في نص - إنه بيتها وما زال يسكنني - ...
- عندما يبكي القلب
- قراءة لنثرية - أبحثُ عن وطنٍ – للدكتورة آمال بوحرب
- قراءة لقصيدة – مشحوف وحلم – للأستاذ الناقد الدكتور عادل جوده
- النقد الادبي لا ينتقص من شخص الكاتب بل إنصاتٌ عميقٌ لنبض الن ...
- الأسرة بين التكنولوجيا ودفء العلاقات: العزلة الحديثة في زمن ...
- دراسة أكاديمية - في وداع الأمس.. سيرة الذاكرة والأماكن - إعد ...
- خاطرة - في وداع الأمس.. سيرة الذاكرة والأماكن
- قراءة لقصيدة - وَرْدَتِي الْوَحِيدَة – للأستاذ الشاعر عبد ال ...
- قراءتي للدراسة التحليلية - تمثّلات الخير والشر في الوعي الجم ...
- قراءة لقصيدة – في غربتي – للأستاذة الشاعرة الدكتورة آمال بوح ...
- الأستاذ صالح اسدي، قمة العطاء في محراب الحرف والتربية
- نورانية الأستاذ سميح أسدي، حين يصير الوعي قضية والبصيرة وطنً ...


المزيد.....




- من السينما إلى الريشة.. جوني ديب يجدد الجدل حول قيمة -فن الن ...
- مشاهير من هوليوود يهاجمون إدارة ترامب في فيديو بمناسبة عيد ا ...
- قرار بإخلاء البيت العربي بمدريد.. باهرة عبد اللطيف: يأخذون ا ...
- -تساؤلات- مفتوحة على قيم جمالية متنوعة في -الآرت هاوس- بدمشق ...
- تصدّع في الرواية الإسرائيلية.. الاستخبارات رفضت جزم نتنياهو ...
- اختتام مشروع -القطار المسرحي- في موسكو بعد جولة ثقافية شملت ...
- شاهد.. آلة بيع تعرض أعمال فنانين جدد مقابل دولار واحد فقط
- نجاح مؤتمراليوم الواحد الثقافى فى البحيرة بشهادة المشاركين م ...
- بينها كلمة من 55 حرفا.. تعرف على أطول المفردات في اللغة الرو ...
- باسم خندقجي: الأدب في السجن مقاومة والكتابة صمود وتحدّ للسجا ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - تأمل في ميتافيزيقا الحب، نحن الذين لا يحوينا زمان – الحب – للدكتور مايكل حمدان