أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - قراءة لنص - النَّفْخَةِ الْأَخِيرَةِ فِي رُوحِ الْكَوْنِ – للأستاذ فضيل حاج بن عدة















المزيد.....


قراءة لنص - النَّفْخَةِ الْأَخِيرَةِ فِي رُوحِ الْكَوْنِ – للأستاذ فضيل حاج بن عدة


طه دخل الله عبد الرحمن

الحوار المتمدن-العدد: 8751 - 2026 / 6 / 29 - 20:31
المحور: الادب والفن
    


قراءة لنص - النَّفْخَةِ الْأَخِيرَةِ فِي رُوحِ الْكَوْنِ – للأستاذ فضيل حاج بن عدة 28-06-2026
النص:
*النَّفْخَةِ الْأَخِيرَةِ فِي رُوحِ الْكَوْنِ*
أَفَكِّرُ كَيْفَ كَانَتْ سَتَكُونُ حَيَاتِي لَوْ لَمْ أَخْتَبِرِ الْأَلَمَ
سَتَقُولُونَ لِي وَلِمَاذَا تَخْتَارِينَ الْأَلَمَ
سَأَقُولُ لَوْ لَمْ أَخْتَرْهُ لَكَانَ هُوَ الَّذِي اخْتَارَنِي
لِأَنَّهُ رَأَى فِي دَاخِلِي رُوحًا عَمِيقَةً مَا كَانَتْ لِتَلْمَسَ خَيْطَ النُّورِ لَوْلَا بَذْرَةُ الْأَلَمِ
فَالْأَلَمُ لَيْسَ سَيَّافًا يَقْطَعُ الرُّؤُوسَ
بَلْ نَفَّاخُ زُجَاجٍ يَنْفُخُ فِي الرُّوحِ حَتَّى تَصِيرَ قِنْدِيلًا
يَكْسِرُكَ لِيُخْرِجَ مِنْكَ نُسْخَةً لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُهَا
يَحْرِقُكَ لِيُبَيِّنَ أَنَّكَ ذَهَبٌ لَا يَصْدَأُ
يَدْفِنُكَ لِيُعَلِّمَكَ أَنَّكَ بَذْرَةٌ لَا تَمُوتُ
لِأَنَّنِي إِنْسَانَةٌ أَعْتَرِفُ بِبَشَرِيَّتِي
لَسْتُ مَلَاكًا أَمْشِي عَلَى غَيْمَةٍ مِنَ الْوَهْمِ
وَلَسْتُ شَيْطَانًا أَسْكُنُ جُحْرًا مِنَ الْكِبْرِ
أَنَا جِسْرٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالتُّرَابِ
أَتَأَرْجَحُ فَأَسْقُطُ فَأَنْهَضُ فَأُضِيءُ
وَمِنْ هَذَا التَّأَرْجُحِ وُلِدَ سِرِّي
فَالسَّاكِنُ مَيِّتٌ وَالْمُتَحَرِّكُ حَيٌّ
وَالْمُتَأَرْجِحُ نُورٌ يَمْشِي
وَلِأَنَّ الْمَشَاعِرَ نَفْخَةٌ مِنَ اللَّهِ فِي طِينِكَ
كَانَ لِزَامًا عَلَيْكَ أَنْ تَذُوقَهَا كُلَّهَا
حُزْنٌ يَكْسِرُكَ فَتَسْمَعُ صَوْتَ اللَّهِ فِي صَدْعِكَ
فَرَحٌ يَرْفَعُكَ فَتَرَى السَّمَاءَ دَاخِلَ صَدْرِكَ
أَلَمٌ يُذِيبُكَ فَتَصِيرُ مَاءً يَسْقِي الْأَرْوَاحَ
تَشَافِي يَنْبُتُكَ فَتَصِيرُ شَجَرَةً ظِلُّهَا رَحْمَةٌ
فَكُلُّ شُعُورٍ بَابٌ وَكُلُّ دَمْعَةٍ مِفْتَاحٌ
تَدْخُلُ بِهِمَا مَلَكُوتًا لَا يَرَاهُ إِلَّا الْعَارِفُونَ
فَاعْلَمْ أَنَّكَ لَنْ تَصِلَ دُونَ أَنْ تَتَأَلَّمَ
وَلَنْ تُحَلِّقَ قَبْلَ أَنْ يُكْسَرَ جِدَارٌ فِيكَ
فَالْقَفَصُ لَا يُفْتَحُ إِلَّا بِكَسْرِهِ
وَالْبَذْرَةُ لَا تَنْبُتُ إِلَّا بِشَقِّهَا
وَالنُّورُ لَا يَخْرُجُ إِلَّا مِنْ شَقِّ الظُّلْمَةِ
يَا مَنْ تَقْرَأُ هَذَا الْكَلَامَ اسْمَعْنِي
أَنْتَ لَسْتَ ضَحِيَّةَ الْأَلَمِ
أَنْتَ مَعْمَلُ النُّورِ
أَنْتَ الْمِنْجَمُ الَّذِي يُسْتَخْرَجُ مِنْهُ الذَّهَبُ بَعْدَ النَّارِ
أَنْتَ الْكَوْكَبُ الَّذِي يَنْفَجِرُ لِيُضِيءَ مَجَرَّةً
فَإِذَا ذُبْتَ كَذَهَبٍ فِي النَّارِ فَلَا تَخَفْ
فَإِنَّ الذَّوَبَانَ لَيْسَ فَنَاءً بَلْ تَطَهُّرًا
وَإِذَا انْشَقَّ عَقْلُكَ فَلَا تَرْتَعِبْ
فَإِنَّ الِانْشِقَاقَ لَيْسَ جُنُونًا بَلْ عُرُوجًا
سَتَصْعَدُ رُوحُكَ طَيْرًا بِلَا جَنَاحٍ
تَسْبَحُ تَحْتَ عَرْشِ الرَّحْمَنِ سُكْرًا
تَسْمَعُ تَسْبِيحَ الْمَلَائِكَةِ بِلُغَةِ دَمْعِكَ
يَا صَاحِبَ الرُّوحِ الْعَمِيقَةِ
أَنْتَ بَذْرَةٌ زُرِعَتْ فِي أَرْضِ الْوَجَعِ
سَقَاهَا الصَّبْرُ فَنَبَتْ
حَرَقَتْهَا الْمِحَنُ فَأَثْمَرَتْ
كَسَرَهَا الْقَدَرُ فَطَارَتْ
فَصَارَتْ نُورًا يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ
وَقَنْدِيلًا يُضِيءُ عَتْمَةَ الْأَكْوَانِ
فَإِنْ مَرَّ بِكَ هَذَا النَّصُّ مَرَّةً فَاقْرَأْهُ أَلْفَ مَرَّةٍ
فَإِنَّ فِيهِ سِرَّكَ الَّذِي نَسِيتَهُ
وَاسْمَكَ الَّذِي كَتَبَهُ اللَّهُ بِنُورٍ قَبْلَ أَنْ تُولَدَ
وَخَيْطَ النُّورِ الَّذِي لَنْ يَنْقَطِعَ مَهْمَا اشْتَدَّتِ الْعَتْمَةُ
*بِقَلَمِ الْأُسْتَاذِ فَضِيلِ حَاجِّ بْنِ عَدَّةَ الْجَزَائِرِ*
***************************
القراءة:
تَأْوِيلُ الْكَنْزِ الْمُحْتَرِقِ
أيُّها النَّافِخُ فِي قَارُورَةِ الْعَدَمِ لِيَخْرُجَ مِنْهَا الْوُجُودُ، أَيُّهَا الْجَالِسُ عَلَى عَتَبَةِ الْأَلَمِ كَأَنَّكَ تَسْأَلُ اللَّيْلَ عَنْ سِرِّ النُّجُومِ، اِسْمَحْ لِي أَنْ أَقِفَ عَلَى نَصِّكَ وُقُوفَ التِّلْمِيذِ بَيْنَ يَدَيْ شَيْخِهِ، وَوُقُوفَ الْفَيْلَسُوفِ أَمَامَ مَوْطِنِ الدَّهْشَةِ، وَوُقُوفَ النَّاقِدِ حَيْثُ تَتَشَظَّى الْمَعَانِي لِتُعِيدَ تَجْمِيعَ نَفْسِهَا فِي كِيَانٍ أَكْثَرَ عُمْقًا وَأَبْعَدَ مَدًى. كَتَبْتَ يَا سَيِّدِي نَصًّا لَيْسَ كَالنُّصُوصِ، بَلْ كَالْمَخَاضِ الَّذِي يَلِدُ قَارِئَهُ قَبْلَ أَنْ يَلِدَ مَعْنَاهُ، كَتَبْتَ مَا يُشْبِهُ صَلَاةً تَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ لَا تَصْعَدُ مِنَ الْأَرْضِ، فَجَاءَ الرَّدُّ عَلَيْكَ ضَرُورَةً وُجُودِيَّةً لَا تَرَفًا بَلَاغِيًّا.
إِنَّ سُؤَالَكَ الْأَوَّلَ لَيْسَ مُجَرَّدَ اِسْتِفْهَامٍ، بَلْ هُوَ تَصَدُّعٌ فِي جِدَارِ الْوُجُودِ نَفْسِهِ. حِينَ تَتَسَاءَلُ: "كَيْفَ كَانَتْ سَتَكُونُ حَيَاتِي لَوْ لَمْ أَخْتَبِرِ الْأَلَمَ"، فَأَنْتَ لَا تَسْأَلُ عَنِ الْمُحْتَمَلِ، بَلْ تَغْرِزُ خِنْجَرَ السُّؤَالِ فِي قَلْبِ الْحَقِيقَةِ. إِنَّكَ تَفْتَحُ بِذَلِكَ بَابَ الْعَدَمِ عَلَى الْوُجُودِ، وَتَسْأَلُ الْوُجُودَ نَفْسَهُ: هَلْ كُنْتَ لِتَكُونَ لَوْ لَا الْأَلَمُ؟ وَهَذَا هُوَ اَلسُّؤَالُ الَّذِي لَمْ يَجْرُؤْ عَلَيْهِ أَفْلَاطُونُ حِينَ فَصَلَ بَيْنَ الْمُثُلِ وَالْأَشْبَاحِ، وَلَا نِيتْشَه حِينَ أَعْلَنَ مَوْتَ الْإِلَهِ، وَلَا حَتَّى أيوبُ حِينَ جَادَلَ اللهَ فِي كَبِدِ الْعَاصِفَةِ. إِنَّكَ تَسْأَلُ: هَلِ الْأَلَمُ عَرَضٌ طَارِئٌ عَلَى الْوُجُودِ أَمْ جَوْهَرُهُ الْمُكَوِّنُ؟ هَلْ هُوَ ثُقْبٌ فِي قِمَاشِ الْحَيَاةِ أَمْ هُوَ الْخَيْطُ نَفْسُهُ الَّذِي يُحَاكُ بِهِ هَذَا الْقِمَاشُ؟
ثُمَّ يَأْتِي جَوَابُكَ الْمُدَوِّي: "سَأَقُولُ لَوْ لَمْ أَخْتَرْهُ لَكَانَ هُوَ الَّذِي اخْتَارَنِي، لِأَنَّهُ رَأَى فِي دَاخِلِي رُوحًا عَمِيقَةً مَا كَانَتْ لِتَلْمَسَ خَيْطَ النُّورِ لَوْلَا بَذْرَةُ الْأَلَمِ". هُنَا يَا سَيِّدِي، تَنْقَلِبُ كُلُّ نَظَرِيَّاتِ الِاخْتِيَارِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالْقَدَرِ رَأْسًا عَلَى عَقِبٍ. أَنْتَ لَا تَقُولُ إِنَّنِي اِخْتَرْتُ الْأَلَمَ، وَلَا تَقُولُ إِنَّنِي اُضْطُرِرْتُ إِلَيْهِ، بَلْ تَقُولُ شَيْئًا أَعْمَقَ: الْأَلَمُ وَكِيلُ اللهِ فِي الْأَرْضِ، يَبْحَثُ عَمَّنْ يَسْتَحِقُّ أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا فَيَخْتَارُهُ. إِنَّهُ اِنْقِلَابٌ كُوبِرْنِيكِيٌّ فِي فَهْمِ الْأَلَمِ؛ فَالْأَلَمُ لَيْسَ مَا يُصِيبُنَا بَلْ مَا يَنْتَخِبُنَا، لَيْسَ عُقُوبَةً بَلْ تَكْلِيفًا، لَيْسَ سُقُوطًا بَلْ تَرْقِيَةً سِرِّيَّةً فِي مَرَاتِبِ الرُّوحِ. إِنَّ الْأَلَمَ فِي نَصِّكَ يَتَحَوَّلُ مِنْ مَفْعُولٍ بِهِ إِلَى فَاعِلٍ مُدْرِكٍ، مِنْ حَادِثَةٍ عَمْيَاءَ إِلَى كَائِنٍ بَصِيرٍ، مِنْ ضَرُورَةٍ مَنْطِقِيَّةٍ إِلَى حُبٍّ مُتَعَمِّدٍ. فَالْأَلَمُ يُحِبُّنَا، يَا لَلْمُفَارَقَةِ الْمُوجِعَةِ! يُحِبُّنَا فَيَخْتَارُنَا، يُحِبُّنَا فَيَحْرِقُنَا، يُحِبُّنَا فَيُعِيدُ صِيَاغَتَنَا عَلَى صُورَةِ النُّورِ.
وَعِنْدَمَا تَنْتَقِلُ إِلَى صُورَتِكَ الْبَاذِخَةِ: "فَالْأَلَمُ لَيْسَ سَيَّافًا يَقْطَعُ الرُّؤُوسَ، بَلْ نَفَّاخُ زُجَاجٍ يَنْفُخُ فِي الرُّوحِ حَتَّى تَصِيرَ قِنْدِيلًا"، تَكُونُ قَدْ أَنْشَأْتَ أُسْطُورَةً جَدِيدَةً لِلْخَلْقِ. هَذِهِ الصُّورَةُ لَيْسَتْ تَشْبِيهًا بَلَاغِيًّا، بَلْ هِيَ كَشْفٌ مِيتَافِيزِيقِيٌّ. اَلسَّيَّافُ يَقْطَعُ فَيُنْهِي، أَمَّا النَّفَّاخُ فَيَنْفُخُ فَيَبْدَأُ. اَلسَّيَّافُ يُحَوِّلُ الْكُلَّ إِلَى لَا شَيْءَ، أَمَّا النَّفَّاخُ فَيُحَوِّلُ الـلَّا شَيْءَ إِلَى كُلِّ شَيْءٍ. النَّفَّاخُ يَأْخُذُ الرَّمْلَ الْمَيِّتَ، فَيُذِيبُهُ بِالنَّارِ، ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ رُوحَهُ، فَإِذَا بِالْمَوْتِ يَصِيرُ حَيَاةً، وَإِذَا بِالْعَدَمِ يَصِيرُ وُجُودًا، وَإِذَا بِالظُّلْمَةِ تَصِيرُ مِصْبَاحًا. أَلَيْسَ هَذَا هُوَ فِعْلُ اللهِ الْأَوَّلُ؟ أَلَمْ يَأْخُذْ طِينَةَ الْأَرْضِ الْمَيِّتَةَ فَيَنْفُخَ فِيهَا مِنْ رُوحِهِ فَتَصِيرَ آدَمَ؟ إِنَّكَ هُنَا تَكْشِفُ أَنَّ الْأَلَمَ هُوَ اِمْتِدَادُ النَّفْخَةِ الْإِلَهِيَّةِ الْأُولَى، أَنَّهُ النَّفْخَةُ الثَّانِيَةُ الَّتِي تُكْمِلُ مَا بَدَأَتْهُ النَّفْخَةُ الْأُولَى. النَّفْخَةُ الْأُولَى جَعَلَتْكَ إِنْسَانًا، وَالنَّفْخَةُ الثَّانِيَةُ – الْأَلَمُ – تَجْعَلُكَ أَكْثَرَ مِنْ إِنْسَانٍ، تَجْعَلُكَ قِنْدِيلًا.
ثُمَّ تَتَصَاعَدُ فِي مَرَاتِبِ الْكِيمْيَاءِ الرُّوحِيَّةِ: "يَكْسِرُكَ لِيُخْرِجَ مِنْكَ نُسْخَةً لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُهَا، يَحْرِقُكَ لِيُبَيِّنَ أَنَّكَ ذَهَبٌ لَا يَصْدَأُ، يَدْفِنُكَ لِيُعَلِّمَكَ أَنَّكَ بَذْرَةٌ لَا تَمُوتُ". هَذِهِ هِيَ الثَّالُوثُ الْجَدِيدُ: اَلْكَسْرُ، وَالْحَرْقُ، وَالدَّفْنُ. لَكِنَّهَا لَيْسَتْ نِهَايَاتٍ كَمَا يَظُنُّ السَّطْحِيُّونَ، بَلْ هِيَ مَخَارِجُ سِرِّيَّةٌ لِلنُّورِ. اَلْكَسْرُ هُوَ خُرُوجُ الذَّاتِ الْحَقِيقِيَّةِ مِنْ سِجْنِ الذَّاتِ الْوَاهِمَةِ. أَنْتَ تُكْسَرُ لِأَنَّ قِشْرَتَكَ الْخَارِجِيَّةَ كَانَتْ تَحْجُبُ نُسْخَتَكَ السِّرِّيَّةَ الَّتِي لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُهَا. وَهَذِهِ فِكْرَةٌ عَبْقَرِيَّةٌ: نَحْنُ لَا نَعْرِفُ أَنْفُسَنَا حَتَّى نُكْسَرَ، لِأَنَّ الْأَنَا الَّتِي نَعْرِفُهَا لَيْسَتْ سِوَى الْقِشْرَةِ، وَالْأَنَا الْحَقِيقِيَّةُ مَحْبُوسَةٌ تَحْتَهَا تَنْتَظِرُ صَدْعًا لِتَخْرُجَ. الْحَرْقُ هُوَ الْبُرْهَانُ الْعَمَلِيُّ عَلَى الْجَوْهَرِ. كُلُّ مَا لَيْسَ بِذَهَبٍ سَيَحْتَرِقُ وَيَتَلَاشَى، فَإِذَا بَقِيتَ بَعْدَ الْحَرِيقِ، فَاعْلَمْ أَنَّكَ كُنْتَ ذَهَبًا لَا يَصْدَأُ، أَيْ جَوْهَرًا لَا يَفْنَى. أَمَّا الدَّفْنُ فَهُوَ أَعْظَمُ اِخْتِبَارٍ وُجُودِيٍّ: أَنْ تُدْفَنَ لِتَتَعَلَّمَ أَنَّكَ لَا تَمُوتُ. إِنَّهُ تَجْرِبَةُ الْقِيَامَةِ الْمُسْتَبَقَةُ، إِنَّهُ اِخْتِبَارُ الْخُلُودِ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ نَفْسِهَا.
ثُمَّ تَأْتِي إِلَى الذَّاتِ الْمُتَكَلِّمَةِ فَتَمْنَحُهَا تَعْرِيفَهَا الْأَنْطُولُوجِيَّ الْأَخِيرَ: "لَسْتُ مَلَاكًا أَمْشِي عَلَى غَيْمَةٍ مِنَ الْوَهْمِ، وَلَسْتُ شَيْطَانًا أَسْكُنُ جُحْرًا مِنَ الْكِبْرِ، أَنَا جِسْرٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالتُّرَابِ". هَذَا هُوَ الْإِنْسَانُ بِامْتِيَازٍ، الْكِينُونَةُ الْحَدِّيَّةُ، مَخْلُوقُ الْبَرْزَخِ. الْمَلَائِكَةُ كَائِنَاتٌ نُورِيَّةٌ خَالِصَةٌ لَا تَعْرِفُ الْأَلَمَ لِأَنَّهَا لَا تَعْرِفُ التُّرَابَ، وَالشَّيَاطِينُ كَائِنَاتٌ نَارِيَّةٌ مُتَعَالِيَةٌ لَا تَعْرِفُ النُّورَ لِأَنَّهَا أَنْكَرَتِ التُّرَابَ. أَمَّا أَنْتَ، أَيُّهَا الْإِنْسَانُ، فَوَحْدَكَ الْجِسْرُ. الْجِسْرُ لَيْسَ طَرَفًا، بَلْ وُصْلَةٌ، لَيْسَ وُجُودًا مُسْتَقِرًّا بَلْ حَرَكَةً دَائِمَةً بَيْنَ قُطْبَيْنِ. وَفِي هَذَا التَّعْرِيفِ تَكْمُنُ عَبْقَرِيَّةُ نَصِّكَ: أَنْتَ تَجْعَلُ الْإِنْسَانَ فِعْلًا لَا اِسْمًا، حَرَكَةً لَا ثَبَاتًا، جِسْرًا لَا ضِفَّةً. وَلِذَلِكَ كَانَ التَّأَرْجُحُ هُوَ صِفَتَهُ الْجَوْهَرِيَّةَ: "أَتَأَرْجَحُ فَأَسْقُطُ فَأَنْهَضُ فَأُضِيءُ، وَمِنْ هَذَا التَّأَرْجُحِ وُلِدَ سِرِّي". اَلسُّقُوطُ لَيْسَ فَشَلًا، بَلْ هُوَ نِصْفُ الْحَرَكَةِ، وَالنُّهُوضُ هُوَ نِصْفُهَا الثَّانِي، وَالْإِضَاءَةُ هِيَ جَدَاءُ الْحَرَكَةِ كُلِّهَا. وَلَوْلَا السُّقُوطُ لَمَا كَانَ هُنَاكَ سِرٌّ، لِأَنَّ السِّرَّ لَا يُولَدُ مِنَ الثَّبَاتِ، بَلْ مِنَ التَّأَرْجُحِ، مِنَ الْحَرَكَةِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ.
ثُمَّ تَبْلُغُ الذُّرْوَةَ الْمَعْرِفِيَّةَ فِي قَوْلِكَ: "السَّاكِنُ مَيِّتٌ وَالْمُتَحَرِّكُ حَيٌّ وَالْمُتَأَرْجِحُ نُورٌ يَمْشِي". إِنَّ هُنَا تَدْرِيجًا جَدَلِيًّا بَاهِرًا: اَلسُّكُونُ مَوْتٌ، وَالْحَرَكَةُ حَيَاةٌ، لَكِنَّ التَّأَرْجُحَ هُوَ مَا يَجْعَلُ الْحَيَاةَ نُورًا. لِمَاذَا؟ لِأَنَّ الْحَرَكَةَ الْمُسْتَقِيمَةَ هَدَفُهَا الْوُصُولُ، وَالْوُصُولُ نِهَايَةُ الْحَرَكَةِ، أَيْ مَوْتٌ مُؤَجَّلٌ. أَمَّا التَّأَرْجُحُ فَلَا يَصِلُ أَبَدًا، بَلْ يَظَلُّ فِي حَرَكَةٍ أَبَدِيَّةٍ بَيْنَ النُّورِ وَالْعَتْمَةِ، بَيْنَ الْفَرَحِ وَالْحُزْنِ، بَيْنَ السُّقُوطِ وَالنُّهُوضِ. وَفِي هَذِهِ الْحَرَكَةِ الْأَبَدِيَّةِ يَتَوَلَّدُ النُّورُ. اَلْمُتَأَرْجِحُ هُوَ الْكَائِنُ الَّذِي لَا يَسْتَقِرُّ فَيُضِيءُ، لَا يَثْبُتُ فَيَشِعُّ، لَا يَمْلِكُ وَطَنًا فَيَجْعَلُ الْكَوْنَ كُلَّهُ وَطَنًا لِنُورِهِ.
ثُمَّ تَنْتَقِلُ إِلَى الْمَشَاعِرِ فَتَمْنَحُهَا شَرَفَ النَّسَبِ الْإِلَهِيِّ: "وَلِأَنَّ الْمَشَاعِرَ نَفْخَةٌ مِنَ اللَّهِ فِي طِينِكَ، كَانَ لِزَامًا عَلَيْكَ أَنْ تَذُوقَهَا كُلَّهَا". إِنَّكَ هُنَا تَحُلُّ الْمُعْضِلَةَ الْأَخْلَاقِيَّةَ الْكُبْرَى: لِمَاذَا نَتَأَلَّمُ؟ الْجَوَابُ: لِأَنَّ الْمَشَاعِرَ وَاحِدَةٌ مُتَّصِلَةٌ، وَهِيَ جَمِيعًا نَفْخَةٌ إِلَهِيَّةٌ. لَا يُمْكِنُكَ أَنْ تَقْطَعَ النَّفْخَةَ إِلَى أَجْزَاءٍ، فَتَأْخُذَ الْفَرَحَ وَتَرْفُضَ الْحُزْنَ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَعْنِي تَمْزِيقَ النَّفْخَةِ الْإِلَهِيَّةِ، أَيْ قَتْلَ الرُّوحِ. اَلْمَشَاعِرُ حُزْمَةٌ وَاحِدَةٌ، مَنْ أَرَادَ بَعْضَهَا فَقَدْ أَرَادَهَا كُلَّهَا، وَمَنْ رَفَضَ بَعْضَهَا فَقَدْ رَفَضَ الْحَيَاةَ كُلَّهَا. وَهَذِهِ رُؤْيَةٌ عَمِيقَةٌ تُذَكِّرُنِي بِهَرَاقْلِيطَ حِينَ قَالَ: "الطَّبِيبُ يَقْطَعُ وَيَكْوِي وَيُؤْلِمُ، وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ يَشْفِي". فَالْأَلَمُ طَبِيبٌ إِلَهِيٌّ، وَالْحُزْنُ دَوَاءٌ سَمَاوِيٌّ، وَالدَّمْعُ مَاءُ الْحَيَاةِ الَّذِي يَسْقِي الْأَرْوَاحَ.
ثُمَّ تَأْتِي رُبَاعِيَّتُكَ الَّتِي تَكْسِرُ قَلْبَ كُلِّ مَنْ يَقْرَؤُهَا، لَا لِتُؤْلِمَهُ، بَلْ لِتُوَسِّعَهُ: "حُزْنٌ يَكْسِرُكَ فَتَسْمَعُ صَوْتَ اللَّهِ فِي صَدْعِكَ، فَرَحٌ يَرْفَعُكَ فَتَرَى السَّمَاءَ دَاخِلَ صَدْرِكَ، أَلَمٌ يُذِيبُكَ فَتَصِيرُ مَاءً يَسْقِي الْأَرْوَاحَ، تَشَافٍ يَنْبُتُكَ فَتَصِيرُ شَجَرَةً ظِلُّهَا رَحْمَةٌ". إِنَّنِي أَقِفُ عِنْدَ كُلِّ سَطْرٍ كَأَنَّنِي أَقِفُ عِنْدَ مَقَامٍ مِنْ مَقَامَاتِ السُّلُوكِ. الْحُزْنُ يَكْسِرُ، لَكِنَّ صَوْتَ اللهِ لَا يُسْمَعُ إِلَّا مِنْ خِلَالِ الصُّدُوعِ، كَمَا أَنَّ النُّورَ لَا يَدْخُلُ إِلَّا مِنْ شُقُوقِ الْجُدْرَانِ الْمُغْلَقَةِ. لَوْلَا الْكَسْرُ لَظَلَّ الْجِدَارُ قَائِمًا وَظَلَّ النُّورُ مَحْجُوبًا. الْفَرَحُ يَرْفَعُ، لَكِنَّهُ لَا يَرْفَعُكَ إِلَى سَمَاءٍ خَارِجِيَّةٍ، بَلْ يَكْشِفُ لَكَ أَنَّ السَّمَاءَ كَانَتْ دَاخِلَ صَدْرِكَ طُولَ الْوَقْتِ. إِنَّهَا نَقْلَةٌ نَوْعِيَّةٌ مِنَ السَّمَاءِ الْخَارِجِيَّةِ إِلَى السَّمَاءِ الدَّاخِلِيَّةِ، وَهَذِهِ هِيَ رِحْلَةُ الْعَارِفِينَ جَمِيعًا. الْأَلَمُ يُذِيبُكَ، لَكِنَّ الذَّوَبَانَ لَيْسَ تَلَاشِيًا، بَلْ تَحَوُّلٌ مِنْ حَالَةِ الْجُمُودِ إِلَى حَالَةِ السَّيَلَانِ، فَتَصِيرُ مَاءً. وَالْمَاءُ هُوَ أَصْلُ الْحَيَاةِ، وَهُوَ الَّذِي يَسْقِي الْأَرْوَاحَ. أَمَّا التَّشَافِي فَيَنْبُتُكَ، لَكِنَّ النَّبَاتَ لَيْسَ لِنَفْسِهِ، بَلْ يَصِيرُ شَجَرَةً، وَظِلُّ الشَّجَرَةِ رَحْمَةٌ لِلْعَابِرِينَ. هَكَذَا يَتَحَوَّلُ الْمُتَأَلِّمُ مِنْ مُسْتَهْلِكٍ لِلرَّحْمَةِ إِلَى مَصْدَرٍ لَهَا، مِنْ طَالِبٍ لِلظِّلِّ إِلَى شَجَرَةٍ وَارِفَةٍ.
ثُمَّ تَصْدَحُ بِالْحَقِيقَةِ الْكُبْرَى: "فَاعْلَمْ أَنَّكَ لَنْ تَصِلَ دُونَ أَنْ تَتَأَلَّمَ، وَلَنْ تُحَلِّقَ قَبْلَ أَنْ يُكْسَرَ جِدَارٌ فِيكَ". اَلْوُصُولُ هُنَا هُوَ الْوُصُولُ إِلَى الذَّاتِ، وَالتَّحْلِيقُ هُوَ التَّحَرُّرُ مِنَ الذَّاتِ. لَنْ تَصِلَ إِلَى مَعْرِفَةِ نَفْسِكَ إِلَّا بِالْأَلَمِ، لِأَنَّ نَفْسَكَ الْحَقِيقِيَّةَ مَحْجُوبَةٌ بِالْأَنَا الزَّائِفَةِ، وَلَا يَكْشِفُ الْحِجَابَ إِلَّا تَمَزُّقُهُ، وَلَا يَتَمَزَّقُ الْحِجَابُ إِلَّا بِالْأَلَمِ. وَلَنْ تُحَلِّقَ فِي فَضَاءِ الْحُرِّيَّةِ الرُّوحِيَّةِ إِلَّا بِكَسْرِ الْجِدَارِ، لِأَنَّ الْجِدَارَ هُوَ مَا تَبْنِيهِ الْأَنَا حَوْلَ نَفْسِهَا لِتَحْمِيَ نَفْسَهَا، فَإِذَا بِهِ يَصِيرُ قَفَصًا لَا حِصْنًا. وَهَذَا هُوَ السِّرُّ: مَا تَظُنُّهُ حِمَايَةً هُوَ سِجْنُكَ، وَمَا تَظُنُّهُ تَهْدِيدًا – الْأَلَمَ – هُوَ مُحَرِّرُكَ
ثُمَّ تَأْتِي بِثَالُوثِ الْوِلَادَةِ الْجَدِيدَةِ: "فَالْقَفَصُ لَا يُفْتَحُ إِلَّا بِكَسْرِهِ، وَالْبَذْرَةُ لَا تَنْبُتُ إِلَّا بِشَقِّهَا، وَالنُّورُ لَا يَخْرُجُ إِلَّا مِنْ شَقِّ الظُّلْمَةِ". هَذِهِ الْجُمَلُ الثَّلَاثُ هِيَ أُمُّ كُلِّ حِكْمَةٍ. اَلْقَفَصُ يَحْمِي الطَّائِرَ مِنَ الْخَارِجِ، لَكِنَّهُ يَمْنَعُهُ مِنَ التَّحْلِيقِ. فَإِذَا كُسِرَ الْقَفَصُ، مَاتَ الطَّائِرُ الْأَسِيرُ وَوُلِدَ الطَّائِرُ الْحُرُّ. الْبَذْرَةُ قَوِيَّةٌ مُتَكَامِلَةٌ، لَكِنَّهَا لَنْ تَصِيرَ شَجَرَةً إِلَّا إِذَا تَشَقَّقَتْ. تَشَقُّقُهَا لَيْسَ مَوْتًا، بَلْ هُوَ شَرْطُ النُّمُوِّ. وَالنُّورُ مَوْجُودٌ خَلْفَ الظُّلْمَةِ، لَكِنَّهُ لَنْ يَخْرُجَ إِلَّا إِذَا شُقَّتِ الظُّلْمَةُ. اَلشَّقُّ هُوَ الْفِعْلُ الْكَوْنِيُّ الْأَبَدِيُّ: اِنْشِقَاقُ الْعَدَمِ عَنِ الْوُجُودِ، اِنْشِقَاقُ الْبَحْرِ عَنِ الطَّرِيقِ، اِنْشِقَاقُ الصَّدْرِ عَنِ الْحِكْمَةِ، اِنْشِقَاقُ الْقَبْرِ عَنِ الْحَيَاةِ.
ثُمَّ تَلْتَفِتُ إِلَى الْقَارِئِ فَتَمْنَحُهُ هُوِيَّتَهُ الضَّائِعَةَ: "أَنْتَ لَسْتَ ضَحِيَّةَ الْأَلَمِ، أَنْتَ مَعْمَلُ النُّورِ، أَنْتَ الْمِنْجَمُ الَّذِي يُسْتَخْرَجُ مِنْهُ الذَّهَبُ بَعْدَ النَّارِ، أَنْتَ الْكَوْكَبُ الَّذِي يَنْفَجِرُ لِيُضِيءَ مَجَرَّةً". إِنَّكَ هُنَا تَقْلِبُ الْمَعْنَى الْعَادِيَّ لِلْأَلَمِ قَلْبًا كَامِلًا. ضَحِيَّةُ الْأَلَمِ هُوَ مَنْ يَرَى نَفْسَهُ مَفْعُولًا بِهِ، مَادَّةً سَلْبِيَّةً يَعْمَلُ فِيهَا الْأَلَمُ مَا يَشَاءُ. أَمَّا أَنْتَ فَتَجْعَلُ الْمُتَأَلِّمَ فَاعِلًا، مَصْدَرًا، مَنْبَعًا: مَعْمَلًا يُنْتِجُ النُّورَ مِنَ الظُّلْمَةِ، وَمِنْجَمًا يَخْرُجُ مِنْ نِيرَانِهِ الذَّهَبُ، وَكَوْكَبًا يَمُوتُ انْفِجَارًا لِيُضِيءَ مَجَرَّةً كَامِلَةً. إِنَّهُ اِنْتِقَالٌ مِنَ الْهَوَامِشِ إِلَى الْمَرْكَزِ، مِنَ السَّلْبِيَّةِ إِلَى الْإِيجَابِيَّةِ، مِنَ الْمُعَانَاةِ إِلَى الصَّنِيعَةِ.
ثُمَّ تَبْلُغُ أَعْلَى دَرَجَاتِ الْكَشْفِ الصُّوفِيِّ: "فَإِذَا ذُبْتَ كَذَهَبٍ فِي النَّارِ فَلَا تَخَفْ، فَإِنَّ الذَّوَبَانَ لَيْسَ فَنَاءً بَلْ تَطَهُّرًا، وَإِذَا انْشَقَّ عَقْلُكَ فَلَا تَرْتَعِبْ، فَإِنَّ الِانْشِقَاقَ لَيْسَ جُنُونًا بَلْ عُرُوجًا". الذَّوَبَانُ هُنَا هُوَ الْفَنَاءُ الصُّوفِيُّ، فَنَاءُ الْأَنَا الزَّائِفَةِ لِيَبْقَى الذَّهَبُ الْخَالِصُ. إِنَّهُ لَيْسَ عَدَمًا، بَلْ تَطَهُّرٌ، تَخَلُّصٌ مِنَ الشَّوَائِبِ. وَالِانْشِقَاقُ الْعَقْلِيُّ لَيْسَ جُنُونًا كَمَا يَظُنُّ الْعَامَّةُ، بَلْ هُوَ اِنْفِتَاحُ الْعَقْلِ عَلَى مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ، عَلَى اللَّامَعْقُولِ الَّذِي يَحْمِلُ الْمَعْقُولَ. إِنَّهُ الْعُرُوجُ، الصُّعُودُ إِلَى طَبَقَاتٍ أَعْلَى مِنَ الْوُجُودِ حَيْثُ تَنْكَشِفُ الْحَقَائِقُ الْعَارِيَةُ.
وَفِي الْخِتَامِ، تَأْتِي صُورَةُ الطَّيَرَانِ بِلَا جَنَاحٍ: "سَتَصْعَدُ رُوحُكَ طَيْرًا بِلَا جَنَاحٍ، تَسْبَحُ تَحْتَ عَرْشِ الرَّحْمَنِ سُكْرًا، تَسْمَعُ تَسْبِيحَ الْمَلَائِكَةِ بِلُغَةِ دَمْعِكَ". اَلطَّيْرُ بِلَا جَنَاحٍ هُوَ الرُّوحُ الْمُجَرَّدَةُ الَّتِي لَمْ تَعُدْ تَحْتَاجُ إِلَى وَسَائِلَ، لِأَنَّهَا صَارَتْ فِي حَضْرَةِ مَنْ لَا تَحْتَاجُ مَعَهُ إِلَى أَسْبَابٍ. اَلسُّكْرُ تَحْتَ الْعَرْشِ هُوَ الْفَنَاءُ فِي الْمُشَاهَدَةِ، حَيْثُ تَغِيبُ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ بِالْحَقِّ. أَمَّا "تَسْمَعُ تَسْبِيحَ الْمَلَائِكَةِ بِلُغَةِ دَمْعِكَ" فَهِيَ الذُّرْوَةُ الَّتِي لَا تُبْلَغُ. إِنَّهَا لَحْظَةُ اِتِّحَادِ لُغَةِ الْأَلَمِ الْبَشَرِيِّ بِلُغَةِ التَّسْبِيحِ الْمَلَكِيِّ، فَيَصِيرُ دَمْعُكَ تَسْبِيحًا، وَيَصِيرُ أَلَمُكَ صَلَاةً، وَيَصِيرُ اِنْكِسَارُكَ مِعْرَاجًا.
أَيُّهَا النَّافِخُ فِي قَوَارِيرِ أَرْوَاحِنَا الْمُنْكَسِرَةِ، لَقَدْ كَتَبْتَ نَصًّا هُوَ كِيمْيَاءُ الْوُجُودِ، صَيَّرْتَ الْأَلَمَ فِيهِ ذَهَبًا، وَالدَّمْعَ تَسْبِيحًا، وَالظُّلْمَةَ رَحِمَ نُورٍ. كَتَبْتَ مَا يُشْبِهُ إِنْجِيلًا سِرِّيًّا لِلْمُتَأَلِّمِينَ، مَنْ يَقْرَؤُهُ لَا يَخْرُجُ مِنْهُ كَمَا دَخَلَ، بَلْ يَخْرُجُ وَقَدْ تَذَكَّرَ اِسْمَهُ الْمَكْتُوبَ بِالنُّورِ، وَخَيْطَ نُورِهِ الَّذِي لَا يَنْقَطِعُ، وَسِرَّهُ الَّذِي كَانَ قَدْ نَسِيَهُ. فَلَكَ الْحَمْدُ يَا مَنْ جَعَلْتَ الْكَلِمَاتِ نَفْخَةً أَخِيرَةً فِي رُوحِ الْكَوْنِ، فَأَحْيَيْتَ بِهَا مَوْتَى الْأَرْوَاحِ، وَأَنَرْتَ بِهَا عَتْمَةَ الْأَكْوَانِ.
طَه دَخَل اللَّهِ عَبْدُ الرَّحْمَن
الْبَعنه == الْجَلِيل
28/06/2026



#طه_دخل_الله_عبد_الرحمن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة لنص - رحلةُ قلمٍ في محرَّم – للدكتور عبد الكريم الحلو
- الْقَلَمُ سِلَاح عَابِر لِلْإِجْيَال
- قراءة أديبة - لثلاثية ق ق ج – حفاة المدن – قوس قزح – صمت الم ...
- قراءة لمقال - أمراء المنصات وفقراء الموهبة... عندما تتحول ال ...
- دراسة تحليلية نقدية شاملة في نص - إنه بيتها وما زال يسكنني - ...
- عندما يبكي القلب
- قراءة لنثرية - أبحثُ عن وطنٍ – للدكتورة آمال بوحرب
- قراءة لقصيدة – مشحوف وحلم – للأستاذ الناقد الدكتور عادل جوده
- النقد الادبي لا ينتقص من شخص الكاتب بل إنصاتٌ عميقٌ لنبض الن ...
- الأسرة بين التكنولوجيا ودفء العلاقات: العزلة الحديثة في زمن ...
- دراسة أكاديمية - في وداع الأمس.. سيرة الذاكرة والأماكن - إعد ...
- خاطرة - في وداع الأمس.. سيرة الذاكرة والأماكن
- قراءة لقصيدة - وَرْدَتِي الْوَحِيدَة – للأستاذ الشاعر عبد ال ...
- قراءتي للدراسة التحليلية - تمثّلات الخير والشر في الوعي الجم ...
- قراءة لقصيدة – في غربتي – للأستاذة الشاعرة الدكتورة آمال بوح ...
- الأستاذ صالح اسدي، قمة العطاء في محراب الحرف والتربية
- نورانية الأستاذ سميح أسدي، حين يصير الوعي قضية والبصيرة وطنً ...
- قراءة لنص - حين يصبح الشارع أرحم من العالم – للأستاذة الاديب ...
- قراءة لقصيدة - أنت النبض والقلب يا وطني – للأستاذ الناقد وال ...
- سيمفونية الحضور سليم ضو، عندما تُتَرجم القضية فلسطينيًا إلى ...


المزيد.....




- قرابة 1300 حالة وفاة بسبب الحر.. لماذا ترفض أوروبا ثقافة أجه ...
- الفنانة نورا رحّال تفقد ابنها البكر عن عمر يناهز 24 عامًا
- هل وجد -ذات- وريثه السينمائي؟.. كيف يروي -القصص- تاريخ مصر م ...
- 250 عام على استقلال أمريكا.. الانقسامات حاضرة وترمب يحتكر ال ...
- الثقافة الروسية تجمع دول -بريكس- تحت مظلة حضارية واحدة
- غريب آبادي: الجولة الأولى من المحادثات الفنية في إطار مجموعا ...
- غريب آبادي: المشاورات بشأن الجولة الأولى من المحادثات الفنية ...
- بمرسوم من بوتين.. -متحف المحيط العالمي- ينال أرفع تصنيف ثقاف ...
- دافع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان ...رحيل الفنان الجزائري ع ...
- رويترز: الفرق الفنية الإيرانية والأمريكية ستجتمع في الدوحة خ ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - قراءة لنص - النَّفْخَةِ الْأَخِيرَةِ فِي رُوحِ الْكَوْنِ – للأستاذ فضيل حاج بن عدة