أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - طه دخل الله عبد الرحمن - هل يمكن أن تكون الحرية سببا في تعاسة الإنسان بعيدا عن النضج الأخلاقي؟














المزيد.....

هل يمكن أن تكون الحرية سببا في تعاسة الإنسان بعيدا عن النضج الأخلاقي؟


طه دخل الله عبد الرحمن

الحوار المتمدن-العدد: 8756 - 2026 / 7 / 4 - 00:08
المحور: قضايا ثقافية
    


لعل السؤال عن الحرية وعلاقتها بالتعاسة ليس سؤالاً عابراً، بل هو سؤال يطعن في الخاصرة الرخوة للوعي الإنساني الحديث، الذي رفع الحرية إلى مقام القداسة، دون أن يكلف نفسه عناء التساؤل عن ثمن هذه القداسة. نحن أمام معضلة وجودية كبرى: كيف للشيء الذي يُفترض أن يكون منبع السعادة أن يصبح مصدراً للشعور بالعبث والضياع والقلق؟ الإجابة لا تكمن في الحرية ذاتها، بل في الفراغ الذي تسكنه، في تلك المساحة الشاسعة بين أن تكون حراً، وأن تعرف ماذا تفعل بحريتك. في هذه المسافة، يسكن النضج الأخلاقي، ليس كزينة فكرية، بل كشرط ضروري لبقاء الحرية نفسها، وإلا تحولت إلى آلة تطحن صاحبها بلا رحمة.
تصور إنساناً واقفاً على قمة جبل، وقد مُنح القدرة على الطيران، لكنه لم يُمنح عيناً تبصر، ولا قلباً يهتدي. هذا هو حال الإنسان المعاصر الذي أُعطي أجنحة الحرية، لكنه حُرم من أفق المعنى. إنه يطير، نعم، لكنه لا يعرف إلى أين. يختار، نعم، لكنه لا يعرف لماذا. وهذه هي المأساة التي لم يخبرنا بها فلاسفة التحرر الأوائل. لم يخبرونا أن التحرر من القيود، إن لم يقترن بالتحرر إلى قيمة، سيتحول إلى سجن زجاجي لا مرئي، سجن من التيه والعبث. التعاسة هنا لا تأتي من أنك غير قادر، بل من أنك قادر على كل شيء، فلا شيء يستحق أن تفعله. إنها تعاسة الفائض لا النقص، تعاسة التخمة الروحية حيث يصبح كل خيار فارغاً، وكل إمكانية تفقد بريقها بمجرد أن تُصبح في متناول اليد.
الحرية دون نضج أخلاقي تجرّد العالم من سحره، لأن السحر كله يكمن في المعنى، والمعنى لا يولَد في الفراغ، بل في الالتزام. الالتزام هو الاختيار الواعي لأن تقيّد نفسك، لا عن ضعف، بل عن قوة. هو أن تقول "نعم" لشيء واحد، و"لا" لألف شيء آخر. هذا النوع من الحرية هو الذي يصنع الفن العظيم، والحب العميق، والفكر الرفيع. أما الحرية التي تظل معلقة، رافضة لكل التزام، خائفة من كل قيد، فهي حرية عقيمة، لا تلد إلا الوحشة. الوحشة التي تأتي من كونك كل شيء في الإمكان، ولا شيء في التحقق. إنها الحرية التي حولت الإنسان إلى كائن يخاف من الفراغ الذي خلقه، ثم يملأ هذا الفراغ بضجيج الرغبات السريعة، والإشباعات الآنية، ظاناً أنه يحيا، بينما هو فقط يهرب من مواجهة حقيقة أن حريته أضحت هاوية لا قرار لها.
إن بلاغة المأساة هنا تكمن في أن الحرية الجوفاء تخلق نوعاً من التعاسة لا يمكن عزاؤه. فحين يعاني الإنسان من القهر، يمكنه أن يحلم بالحرية، وحلم الحرية في حد ذاته يمنحه معنى ويخفف من وطأة الألم. أما حين يعاني في قلب الحرية، فإلى ماذا يلتفت؟ لا يوجد سجان ليُلام، ولا قيد ليُكسر، ولا عدو ليُقاتل. العدو هو الذات نفسها، فارغة من الداخل، منقسمة على نفسها، غارقة في بحر خياراتها. هذه هي التعاسة النقية، التي لا حل لها إلا بالعودة إلى بناء ذلك الشيء الذي أهملناه طويلاً: النضج الأخلاقي. النضج الذي يعني القدرة على أن تختار اختيارات تحد من حريتك الظاهرية، لتمنحك حرية أعمق لا تُرى بالعين المجردة. حرية الروح التي وجدت طريقها، حرية الضمير الذي استقام على مبدأ، حرية القلب الذي أحب فالتزم، وأخلص فتحرر من عبث التبديل.
أليس من أبلغ المفارقات أن الإنسان صار عبداً لإمكانية الاختيار نفسها؟ إنه مسكون بهاجس "ماذا لو كان هناك أفضل؟"، فلا يستقر على حال، ولا يسكن إلى قرار. هذا الكائن الممزق بين الخيارات، لا يستطيع أن يتذوق ثمرة أي خيار، لأن ذهنه يظل معلقاً بما لم يختره. وهكذا، تصبح الحرية أم التشتت، والتشتت أبو التعاسة. النضج الأخلاقي وحده هو الذي يمنحك الشجاعة على أن تغلق الأبواب خلفك، لا لأنها أبواب سيئة، بل لأنك اخترت الغرفة التي ستضيئها بحضورك الكامل. هذه الشجاعة ليست خسارة، بل هي الربح الوحيد الذي يعيد للحرية معناها، ويحولها من فوضى إلى سيمفونية، ومن ضوضاء إلى لحن. إنها القدرة على أن تحوّل الاختيار إلى مصير، لا إلى مجرد نزوة.
في المحصلة، الحرية دون نضج أخلاقي ليست إلا قناعاً للعبث، وسراباً يحسبه الظمآن ماء. إنها تمنحك مفاتيح كل الأبواب، لكنها لا تمنحك الحكمة لتعرف أي باب يستحق أن تفتحه، ولا الشجاعة لتدخل وتغلق الباب وراءك. التعاسة الكبرى لا تكمن في أن تُسلب حريتك، بل في أن تُمنح حرية لا تعرف كيف تحملها، فتصبح كمن يحمل خريطة لكنيسة في صحراء، كل الطرق تؤدي إلى لا شيء، وكل الوجهات متشابهة في عدم جدواها. إن اللحظة التي يدرك فيها الإنسان أنه يحتاج إلى بوصلة داخلية، إلى ضوء في أعماقه لا يأتي من الخارج، عندها فقط تبدأ الحرية رحلتها الحقيقية نحو السعادة. عندها يكتشف أن الحرية لم تكن يوماً هدفاً في ذاتها، بل كانت شرط البداية، أما الهدف الأسمى فهو أن تصبح إنساناً بالمعنى الكامل، إنساناً حراً حقاً، لأنك ناضج بما يكفي لتعرف أن حريتك ليست في أن تفعل ما تريد، بل في أن تريد ما تفعل، وأن تحب ما تريد، وأن تكون قادراً على الوفاء لهذا الحب حتى النهاية.
البعنه == الجليل
29/06/2026



#طه_دخل_الله_عبد_الرحمن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أنا والكتاب
- قراءة لنص - النَّفْخَةِ الْأَخِيرَةِ فِي رُوحِ الْكَوْنِ – ل ...
- قراءة لنص - رحلةُ قلمٍ في محرَّم – للدكتور عبد الكريم الحلو
- الْقَلَمُ سِلَاح عَابِر لِلْإِجْيَال
- قراءة أديبة - لثلاثية ق ق ج – حفاة المدن – قوس قزح – صمت الم ...
- قراءة لمقال - أمراء المنصات وفقراء الموهبة... عندما تتحول ال ...
- دراسة تحليلية نقدية شاملة في نص - إنه بيتها وما زال يسكنني - ...
- عندما يبكي القلب
- قراءة لنثرية - أبحثُ عن وطنٍ – للدكتورة آمال بوحرب
- قراءة لقصيدة – مشحوف وحلم – للأستاذ الناقد الدكتور عادل جوده
- النقد الادبي لا ينتقص من شخص الكاتب بل إنصاتٌ عميقٌ لنبض الن ...
- الأسرة بين التكنولوجيا ودفء العلاقات: العزلة الحديثة في زمن ...
- دراسة أكاديمية - في وداع الأمس.. سيرة الذاكرة والأماكن - إعد ...
- خاطرة - في وداع الأمس.. سيرة الذاكرة والأماكن
- قراءة لقصيدة - وَرْدَتِي الْوَحِيدَة – للأستاذ الشاعر عبد ال ...
- قراءتي للدراسة التحليلية - تمثّلات الخير والشر في الوعي الجم ...
- قراءة لقصيدة – في غربتي – للأستاذة الشاعرة الدكتورة آمال بوح ...
- الأستاذ صالح اسدي، قمة العطاء في محراب الحرف والتربية
- نورانية الأستاذ سميح أسدي، حين يصير الوعي قضية والبصيرة وطنً ...
- قراءة لنص - حين يصبح الشارع أرحم من العالم – للأستاذة الاديب ...


المزيد.....




- القوات الروسية تحرر مدينة كونستانتينوفكا
- قيادة القوات المشتركة للتحالف: سنرد بحزم على الحوثيين لحماية ...
- ترامب يمازح ويسخر من الرؤساء السابقين أثناء قراءة قصة للأطفا ...
- رئيس وزراء غرينلاند: ترامب تراجع عن فكرة ضم الجزيرة
- ماكرون يعلن عودة حاملة الطائرات -شارل ديغول- إلى فرنسا
- طلب زواج فوق السحاب ينتهي في المحكمة.. عاشقان روسيان يواجهان ...
- بكين وبروكسل.. طبول الحرب التجارية
- غزة.. الصحفيون يدفعون ثمن الحرب
- لماذا فشل -مختبر- أمريكا في منطقتنا؟
- هل يهز نموذج ممداني السياسي أركان الحزب الديمقراطي؟


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - طه دخل الله عبد الرحمن - هل يمكن أن تكون الحرية سببا في تعاسة الإنسان بعيدا عن النضج الأخلاقي؟