|
|
قراءة للقصيدة الحزينة - رقصات فوق غبش القبر –
طه دخل الله عبد الرحمن
الحوار المتمدن-العدد: 8769 - 2026 / 7 / 17 - 02:34
المحور:
الادب والفن
قراءة للقصيدة الحزينة - رقصات فوق غبش القبر – للأستاذة الشاعرة نجاة رجاح المغرب 15-7-2026 رقصات فوق غبش القبر "سلاما لمن كان له الملح كفنا" أخي: حسن رجاح حين يَفيضُ النايُ على قبرِ الماء سلامٌ عليكِ أيتها القصيدةُ التي لم تُكتَب، بل انبجستْ من خاصرةِ الوجعِ انبجاسَ الينبوعِ من صدرِ الصخر. سلامٌ على هذا النصِّ الذي لا يُقرأُ بالعينِ بل بالروح، ولا يُدرَكُ بالعقلِ بل بتلك الجارحةِ السرّيةِ التي لا تُوجَدُ في تشريحِ الجسد، وإنما في تشريحِ الفقد. إنها الشاعرةُ نجاة رجاح، تقفُ على حافةِ القبرِ لا لترثي، بل لتَخلقَ من الموتِ لغةً جديدة، وتصوغَ من الغيابِ حضوراً أبدياً، وتُقيمَ من الملحِ كفناً يليقُ بالشهداء. "سلاماً لمن كان له المِلحُ كفناً" ــ في هذا الاستهلالِ المُعجِز، لا تَفتتحُ الشاعرةُ مرثيةً، بل تُؤسِّسُ لعقيدةٍ شعريةٍ كاملة. إنها تُعلنُ أنَّ الموتَ هنا ليس فناءً، بل هو تطهيرٌ بالملح، ذلك العنصرُ الكونيُّ الذي يَحفظُ من الفساد، ويَصرخُ بالحياةِ في وجه العدم. الملحُ الذي يَجرحُ الجرحَ فيُطهِّره، الملحُ الذي يَمنحُ الطعمَ للأشياء، ها هو ذا يَصيرُ كفناً، فيا للانقلابِ الشعريِّ العظيم! الكفنُ عادةً قطنٌ أبيض، ساذج، صامت، لكنْ حين يكونُ المِلحُ كفناً، فإنَّ الموتَ يَصيرُ فعلاً مُقاوِماً للتحلّل، ويَصيرُ الجسدُ الغريقُ أيقونةً خالدةً لا يَمَسُّها النسيان. ثم يتجلّى السؤالُ الأوّل، سؤالُ الفاجعةِ الكونيّة: "تُرى لِمَن يَنشرُ الفجرُ خيوطَه/ والمُتونُ أَضحَتْ ليالينا حِدادًا..؟!" ــ إنهُ ليس سؤالاً بلاغياً، بل هو شقُّ الوجودِ بنصلِ الحيرة. الفجرُ هنا يَصيرُ كائناً تائهاً، يَبحثُ عن مُستحِقٍّ لنورِه في زمنٍ لم يَعُدْ يَستحِقُّ النور. والمُتونُ، تلك الأعمدةُ الفقريّةُ للعمران، تَتحوّلُ إلى ليالٍ حالكة، وكأنَّ موتَ "حسن" قَلبَ مقاييسَ الكون، فصارَ النهارُ حداداً، وصارَ الصبحُ مأتمَ ضوء. وفي لحظةِ الانهيارِ اللغويّ، تقولُ الشاعرةُ ما لا يُقال: "سَحَقَتْ كلماتُنا/ فَتَكَتْ بأحلامِنا/ فَصارتْ رِحلَتُنا نحوَ الصمتِ/ والدَّمار..!" ــ تأمّلْ كم هوَ بليغٌ هذا الاعتراف. إنها الشاعرةُ، صاحبةُ اللغةِ وسيّدةُ القول، تعترفُ هنا بهزيمةِ الكلمات. لكنْ، في اعترافِها هذا انتصارٌ مُذهِل، لأنها تَستخدمُ الكلماتِ نفسَها لتُخبرَنا عن عجزِ الكلمات. هذا هو التناقضُ الخلّاق، حيثُ تَصيرُ اللغةُ شاهدةً على انهيارِ اللغة، وحيثُ تَنحتُ الشاعرةُ صمتَها بالكلمات. إنها "رحلةٌ نحوَ الصمت" ولكنْ عبرَ ضجيجِ الشعر، و"نحو الدمار" ولكنْ عبرَ بناءٍ معماريٍّ من الاستعارات. ثم ينفجرُ الإيقاع: "نارٌ/ نارٌ/ نار.!!" ــ ثلاثُ نارٍ، لا نارٌ واحدة. النارُ الأولَى حريقُ الفقد، والثانيةُ حريقُ الذاكرة، والثالثةُ حريقُ الكتابةِ نفسِها. وعلامةُ التعجّبِ المزدوجةُ (..!!) لا تَنتمي إلى الترقيم، بل إلى لغةِ الجسد، إلى شهقةِ البكاء، إلى اللحظةِ التي يَخذلُ فيها الكلامُ فيُستَعاضُ عنه بالصراخ. إنها النارُ التي تَلتهمُ اللغةَ وتُعيدُها إلى عنصرِها الأوّل: إلى الصوتِ الصافي، إلى التَوجُّعِ الخام، إلى ما قبلَ الأبجدية. وحينَ تَنتقلُ الشاعرةُ إلى الطبيعة، لا تَجعلُها مرآةً لحُزنِها، بل تَجعلُها شريكةً في التمرّد: "كبرتِ الظلمات/ واعترى الرَّمادُ العيون.. / ها الخُزامى تتنسمُ الغضب.. / ها شقائقُ النُّعمان تُغتصب.." ــ تأمّلْ هذه الجملةَ الأخيرةَ تحديداً. شقائقُ النعمان، تلك الزهرةُ التي تَحمِلُ اسمَ الدمِ في تسميتِها (شقائق النعمان سُمّيتْ لشدّةِ حُمرتِها كالدم)، ها هي ذي تُغتَصَب. الاغتصابُ هنا ليس فِعلَ إنسان، بل هو فِعلُ الموتِ الذي يَغتصبُ الحياةَ من أجملِ تجلّياتِها. وفي هذا الاستعارَةِ تكمنُ قسوةُ الفقد، إنهُ ليس سرقةً للحياة، بل هو انتهاكٌ للجمال، تدنيسٌ للمقدّس، اغتصابٌ للزهرةِ التي ترمزُ إلى الدمِ نفسِه، دمِ الشهيد. ثمّ يأتي السطرُ المُدهِش: "وها مَوتُكَ يَغتالُ تاريخَ التمرّد...!" ــ هنا يَتحوّلُ الموتُ من فِعلٍ بيولوجيّ إلى جريمةٍ سياسيةٍ ووجودية. "حسن" في هذا النصِّ ليس مُجرّدَ أخ، بل هو رمزٌ للتمرّد، وتاريخُه هو تاريخُ الرفض. موتُه إذَن يَغتالُ هذا التاريخ، يَغتالُ الفكرة، يَغتالُ الأمل. إنهُ موتٌ يَقتلُ ما هو أكبر من الجسد، يَقتلُ المعنى. ثمّ تَنفتحُ الشاعرةُ على طقسِ الكتابةِ كفعلِ مقاومة: "تُرى لمن ينشر الفجر خيوطه/ والمتون أضحت ليالينا حدادًا...؟!" لقد عاد السؤالُ، أو لنقُل إنَّ القصيدةَ كلَّها صارتْ سؤالاً واحداً لا يتوقّف. وفي هذا الأفقِ المأساويّ، تَصيرُ الشاعرةُ كاهنةً تَتلقّى أدواتِ طقسِها: "والأساطيرُ تُهديني/ الدَّمَ والقِرطاس/ كي أكتبَ صَمتَكَ الرَّهيب/ لأُعلِنَ جُرحَكَ على ثَغرِ البحر.." ــ الأساطيرُ هي التي تُهدي، لا البشر. الأساطيرُ هي التي تَمنحُ الشرعيّةَ لهذه الكتابة، لأنَّ ما حَدثَ لا يَنتمي إلى العاديّ، بل إلى الأسطوريّ. والدمُ والقرطاسُ هما حِبرُ الكتابةِ ومادّتُها، والكتابةُ هنا لا تَهدفُ إلى البوح، بل إلى "إعلانِ الجرح". إنهُ إعلانٌ رسميّ، بيانٌ يُقرأُ على "ثغر البحر"، البحرِ الذي اغتالَه، وكأنَّ الشاعرةَ تَجبُرُ كرامتَه بأن تجعلَ البحرَ نفسَه هو المنبرَ الذي يُعلِنُ جرحَه. ثمّ يأتي ذلك المقطعُ الذي يَرقُصُ حقاً "فوق غبش القبر"، المقطعُ الذي يَمتزجُ فيه الخيالُ بالحقيقة، والموتُ بالحياة، والغائبُ بالحاضر، في واحدةٍ من أبدعِ ما أنتجَ الشعرُ العربيُّ المعاصر: "ها أنت اليومَ ترتدي/ مِعطفَ المطر/ وتَضعُ فوقَ رأسِكَ غمامة...! / ها أنت تَقفُ على قبرِك/ شاهداً وشهيداً.. / وتكتشفُ اللوحَ المحفوظ.. / تُوغِلُ في الليالي/ لتَصِلَ إلى مَدارِ النهارات.. / وبَدءِ البدايات.. / تُعانِقُ الهواء.. / وتُقبِّلُ وجهَ الماء...!" هنا، في هذا المشهد، يَنتصرُ الخيالُ الشعريُّ على الموتِ انتصاراً كاملاً. الميتُ يَنهض، لا كشبح، بل ككائنٍ أسطوريٍّ يَرتدي المطرَ وليس الصوف، ويَضعُ الغمامةَ تاجاً. إنها صورةُ التجلّي، حيثُ يَنتقلُ "حسن" من طورِ الفناءِ إلى طورِ البقاءِ في العناصر: في المطر، في الغمام، في الهواء، في الماء. إنه يَتّحدُ بالكون، يَصيرُ جزءاً من نسيجِ الوجود، وهذا هو الخلودُ الحقيقيّ. ثمّ الذروة: "ها أنت تقفُ على قبرِك شاهداً وشهيداً" ــ إنها قمّةُ البلاغة. كيفَ يَقفُ الميتُ على قبرِه؟ هذا مُستحيلٌ منطقيّاً، لكنَّ الشعرَ يَجعلُ المستحيلَ حقيقة. إنه يَقفُ "شاهداً"، يَشهدُ على موتِه، ويَشهدُ على رثائِه، ويرى كيفَ تَبكيه أختُه. وهو "شهيد"، ليس فقط في المعنى الدينيّ، بل في المعنى الوجوديّ: شهيدٌ على الحقيقةِ الكبرى، على اللوحِ المحفوظ، على "بدء البدايات". إنهُ يَكتشفُ الأسرار، يَصِلُ إلى "مدار النهارات"، تلك النقطةُ التي يَلتقي فيها الليلُ والنهار، الحياةُ والموت، الغيابُ والحضور. وختامُ المشهد: "تُعانقُ الهواءَ/ وتُقبِّلُ وجهَ الماء"، في هذه القُبلةِ تَصالحٌ كونيّ، الماءُ الذي قَتلَه صارَ الآن وَجهاً يُقبَّل، فيا لجبروتِ المُسامَحة، ويا لعظمةِ التجاوز. ثمّ تَنقلبُ الأَدوارُ في لحظةٍ اعترافيّةٍ موجعة: "وأنا أنزفُ في رَحيلِك/ كتبتُ في عَينَيكَ شِعراً/ وقُلتَ: أحسنتِ شاعِرَتي / وها أنا ذي أكتُبُه/ على شاهدةِ قبرِك" ــ إنه الحوارُ الأبديُّ بينَ الحيِّ والميت. الأختُ تَتذكّرُ لحظةَ الاعترافِ المتبادل، حينَ كانَ "حسن" قارئَها الأوّل، ناقدَها، المُصفِّقَ لشعرِها. والآن، تَصيرُ شاهدةُ القبرِ هي الصفحة، ويَصيرُ القبرُ نفسُه هو الديوان. يا للتحويلِ المُوجع! المكتبةُ صارتْ مقبرة، والتصفيقُ صارَ صمتاً، و"أحسنتِ" صارتْ صدى لا يَرتدّ. ثمّ السؤالُ المُباشر، العاري من كلِّ استعارة: "فماذا تقولُ يا حسن...؟" ــ هذا السؤالُ هو جوهرُ الرثاء، هو الاعترافُ بأنَّ الشعرَ كلَّه لا يَكفي، وأنَّ الكلماتِ كلَّها لا تَفي، وأنَّ الشاعرةَ، رغمَ كلِّ هذا الإبداع، ما زالت تَنتظرُ كلمةً من أخيها الذي لَن يَردّ. ثمّ تَصيحُ الخنساءُ المُعاصرة، لكنَّها خنساءُ جديدةٌ تماماً: "وأنا المُتَفصِّدَةُ حُزناً عليك/ وأنتَ صَخري.. / خنساؤُك تَصهَلُ في الصواعق.. / تَتوهُ في البراري/ بينَ الصخرِ والرَّماد...!" ــ تَفصَّدَ الجرحُ: سالَ دمُه، وتَفصَّدَ العرقُ: قَطَر، وتَفصَّدَ القلبُ: ذاب. إنها "المتفصّدة" لا "المتقطّرة"، لأنَّ "تفصّد" تَحملُ في جذورِها الفِصاد، أي قطعَ العِرق. الشاعرةُ تَنزِفُ حُزناً كما يَنزفُ المَفصود. وهي تَستدعي الخنساء، لكنَّ خنساءَها لا تَبكي كما بَكَتْ خنساءُ الجاهليّة. خنساءُ الجاهليّةِ ناحَتْ ورثَتْ وبَكَتْ حتى عَمِيَت، أما خنساءُ نجاة رجاح فإنها "تَصهَلُ في الصواعق". الصهيلُ، صوتُ الخيل، يَصيرُ هنا صوتَ الحُزن. إنه حُزنٌ بأسُه شديد، حُزنٌ يَصعَدُ إلى مستوى الصواعق، حُزنٌ لا يَسَعُه النحيبُ فيَصيرُ صهيلاً كونيّاً. ولأنَّ الموتَ هنا غرَق، فإنَّ العلاقةَ مع البحرِ تُصبحُ شخصيّةً للغاية: "لها مع البحرِ حكايةُ غرَقِك.. / ومع اللُّجَّةِ زنبقةُ حصاد...!" ــ تأمّل "زنبقة الحصاد". الزنبقةُ زهرةٌ مائيّة، والحصادُ فِعلُ اليابسة. الجمعُ بينَ الزنبقةِ والحصادِ هو جمعٌ بينَ عنصري الموتِ والحياة، بينَ الماءِ والتراب، بينَ الغرَقِ والإنبات. إنها تَعدُ البحرَ بأنَّ غرَقَ أخيها سيُثمر، بأنَّ الموتَ سيُنتجُ حياة، بأنَّ اللُّجَّةَ التي ابتلعتْه ستُخرِجُ زنبقة. هذه هي كيمياءُ الشعر، أن يَتحوّلَ الموتُ إلى زهرة. ثمَّ تأتي الأسئلةُ التي لا تُحتمل، والتي تَكشفُ عن تناقضِ الموقفِ كلِّه: "فكيفَ أَبكيك/ وأنتَ المُسربَلُ بالابتسام...؟ / كيفَ أَرثيك/ وأنتَ تحتضِنُ البحرَ الذي اغتالَك...؟" ــ هنا يَصِلُ الرثاءُ إلى أقصى درجاتِ تعقيدِه. البكاءُ يَستدعي حُزناً، لكنَّ الميتَ مُبتسِم. الرثاءُ يَستدعي لَوماً للموت، لكنَّ الميتَ يَحتَضِنُ قاتلَه. كيفَ تَبكي مَنْ يَبتسم؟ كيفَ تَرثي مَنْ يَحتَضِن؟ هذان السؤالان يَنسِفانِ الرثاءَ التقليديَّ من أساسِه، ويَفتحانِ البابَ لشكلٍ جديدٍ من الرثاء: رثاءِ المُتصالحِ مع الموت، رثاءِ العاشقِ للقدر، رثاءِ مَنْ يَرى في الموتِ عُرساً لا مأتماً. وهذا ما يُفجِّرُ الصورةَ الأخيرة: "وقبرُكَ مَحفورٌ في جسَدي.. / وعُرسُكَ يُقامُ كلَّ ليلةٍ في دَمي" ــ القبرُ هنا ليس حفرةً في التراب، بل هو رَحِمٌ عكسيّ. الجسدُ الأُنثويُّ الذي يَحمِلُ الحياةَ صارَ يَحمِلُ الموت. والقبرُ "محفور" لا "موجود"، أي أنَّ عمليةَ الحفرِ ما زالتْ مستمرّة، كلُّ يومٍ يَتعمّقُ القبرُ في الجسد، وكلُّ ليلةٍ يُقامُ العُرس. وفي هذا الجمعِ المُدهشِ بينَ القبرِ والعُرس، بينَ المأتَمِ والزفاف، بينَ الدمِ والفرح، تَبلُغُ القصيدةُ ذروتَها الفلسفية. إنهُ "الموتُ في الخِصب"، كما قالَ القدماء، حيثُ يَصيرُ الموتُ شرطاً للحياةِ الأبديّة، وحيثُ تُصبِحُ دورةُ الدمِ في الجسدِ هي نفسُها طقسَ العُرس. ثمّ يَهدأُ الإيقاعُ في الختام، كما تَهدأُ العاصفةُ لتَتركَ وراءَها سكينةً عميقة: "أيقونةٌ من قَرنفُلٍ وزعترٍ/ أنتَ داخلي.. / صفصافةٌ وارفةٌ/ أنتَ في قلبي.. / فنَمْ تَرعاكَ الآياتُ البَيِّنات/ وأنا أَتلوها كلَّ ليلةٍ من أجلِك...!" ــ الأيقونةُ هي الصورةُ المُقدّسة، والقرنفلُ هو رمزُ الثورة، والزعترُ هو رمزُ الأرض. "حسن" صارَ أيقونةً وطنيّةً وشخصيّةً معاً، وصارَ الصفصافةَ الوارفةَ في قلبِ الشاعرة. وفي الختام، تَتحوّلُ الشاعرةُ إلى قارئةِ قرآن، إلى حارسةِ قبر، إلى راهبةٍ في محرابِ الأخوّة. إنها لا تَكتفي بالرثاء، بل تُقيمُ طقساً يوميّاً، تَتلو الآيات، تَحرُسُ النومَ الأبديّ، وتَستمرُّ في الحوارِ مع الغائب. أيّتها القصيدة، يا مَنْ جَعلتِ من المِلحِ كفناً، لقد صِرْتِ أنتِ الكفنَ الأبديَّ لـ "حسن"، كفناً من نورٍ ولغة، لا يَبلَى ولا يَتحلّل. وسيبقى "حسن" واقفاً على قبره، شاهداً وشهيداً، ما دامَ هناكَ مَنْ يَقرأ: "سلاماً لمن كان له المِلحُ كفناً". طه دخل الله عبد الرحمن البعنه == الجليل 15/07/2026 **************** رقصات فوق غبش القبر "سلاما لمن كان له الملح كفنا" أخي: حسن رجاح تُرى لمن ينشر الفجر خيوطه والمُتون أضحت ليالينا حدادًا...؟! سحقت كلماتنا فتكت بأحلامنا فصارت رحلتُنا نحو الصمت والدمار...! نارٌ نارٌ نار.!! كبرت الظلمات واعترى الرماد العيون.. ها الخزامى تتنسم الغضب.. ها شقائق النعمان تُغتصب.. وها موتك يغتال تاريخ التمرد...! قلاع مدينتك تشهد الفجيعة والأساطير تهديني الدم والقرطاس كي أكتب صمتك الرهيب لأُعلن جرحك على ثغر البحر.. لِأُعَرِّشَ الحزن فوق الضفاف.. لِأُشَيِّدَ صرحك على الحصون...! ..يُّها الراحل نحو الشمس وأنت تسكن دموعنا ياضياء غمر مهجة الصباح ياغريبا، يانازحا، يامفارقا، كان المنفى له إيواء...! ياشهيدا أضاء كفنه كل القبور.. ياإلهي، متى كان اللقاء وداعا...؟! في زمن التغريب هذا، ضاعت رسائل الأحبة وضاع الأمل في مدن الجليد.. كان منفاك ذاك الجرح.. ذاك النعش.. وكنتَ الزهر يا حسن.. تفوح عطرا، في المنفى وفي الوطن...! وها قد أخلدت إلى النوم الأبدي ها أنت اليوم ترتدي معطف المطر وتضع فوق رأسك غمامة...! ها أنت تقف على قبرك شاهدا وشهيدا.. وتكتشف اللوح المحفوظ.. توغل في الليالي لتصل إلى مدار النهارات.. وبدء البدايات.. تعانق الهواء.. وتُقبِّل وجه الماء...! وأنا أنزف في رحيلك.. كتبتُ في عيونك شعرًا وقلتَ: "أحسنت شاعرتي" وها أنا ذي أكتبه على شاهدة قبرك فماذا تقول يا حسن...؟ وأنا المتفصِّدةُ حزنا عليك وأنت صخري.. خنساؤك تصهل في الصواعق.. تتوه في البراري، بين الصخر والرماد...! لها مع البحر حكاية غرقك.. ومع اللُّجَّة زنبقةُ حصاد...! هي ذي خنساؤك يا حسن.. سيدة الأناشيد الجنائزيهْ...! فيا سماء اشهدي، كم موجة خنقت أنفاس أخي وكم طحلبا دثَّر جسده العاري...؟ فكيف أبكيك وأنت المُسربل بالإبتسام...؟ كيف أرثيك وأنت تحتضن البحر الذي اغتالك...؟ وقبرك محفور في جسدي.. وعرسك يُقام كل ليلة في دمي.. أيقونةٌ من قرنفل وزعتر، أنت داخلي.. صفصافةٌ وارفةٌ، أنت في قلبي.. فنم ترعاك الآيات البينات، وأنا أتلوها كل ليلة من أجلك...! #بقلمي: نجاة رجاح/المغرب
#طه_دخل_الله_عبد_الرحمن (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
رمزية الألم والجمال في شعر محمود درويش
-
القصيدة المغناة بقلم الشاعر والناقد الاردني دكتور محمد سليط
-
حين ينكسر القمر في بئر الغربة
-
حرف الألف... حيثُ يبدأُ التكوينُ وينحني البيان
-
الخادم مايكل حمدان، سِفر التجلي الإنساني وفلسفة النور المتجس
...
-
القهوة والكتاب: طقوس العزلة المنتجة
-
رسالةٌ إلى حبيبتي الدمشقية حين يتعانقُ الحرف بالنغم
-
المثالية والواقعية بين أرسطو وأفلاطون: صراع الفكرة والواقع ف
...
-
سَبْعَةٌ وَسِتُونَ عَامًا
-
تأمل في ميتافيزيقا الحب، نحن الذين لا يحوينا زمان – الحب – ل
...
-
هل يمكن أن تكون الحرية سببا في تعاسة الإنسان بعيدا عن النضج
...
-
أنا والكتاب
-
قراءة لنص - النَّفْخَةِ الْأَخِيرَةِ فِي رُوحِ الْكَوْنِ – ل
...
-
قراءة لنص - رحلةُ قلمٍ في محرَّم – للدكتور عبد الكريم الحلو
-
الْقَلَمُ سِلَاح عَابِر لِلْإِجْيَال
-
قراءة أديبة - لثلاثية ق ق ج – حفاة المدن – قوس قزح – صمت الم
...
-
قراءة لمقال - أمراء المنصات وفقراء الموهبة... عندما تتحول ال
...
-
دراسة تحليلية نقدية شاملة في نص - إنه بيتها وما زال يسكنني -
...
-
عندما يبكي القلب
-
قراءة لنثرية - أبحثُ عن وطنٍ – للدكتورة آمال بوحرب
المزيد.....
-
محور الإمبراطورية.. سجل المؤامرات والنفوذ في تاريخ العلاقات
...
-
يكاترينبورغ تستضيف قراءات علمية حول تاريخ آل رومانوف ومشاريع
...
-
افتتاح معرض في يكاترينبورغ يوثق مراسم تتويج القياصرة الروس ف
...
-
خلف كواليس العروض الخطرة والمرحة في عاصمة السيرك العالمية بأ
...
-
موسكو تستضيف أكثر من 80 منحوتة لستيبان إرزيا.. أحد أبرز نحات
...
-
من الموسيقى إلى التجسس.. كيف تتحول السماعات اللاسلكية إلى ثغ
...
-
لقاء بوتين ونيقولاييف: ياقوتيا توسّع حضورها الثقافي بمشاريع
...
-
زاخاروفا: روسيا تحافظ على إرث الثقافة الغربية باعتباره جزءا
...
-
المصور الفلسطيني فايز أبو رميلة يشارك في مهرجان البندقية الس
...
-
مؤسسة البحر الأحمر تختتم مشاركتها في مهرجان أفلام السعودية
المزيد.....
-
ديوان 23 الحاوي والعصفور
/ منصور الريكان
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
-
كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
رسالة الى عام 3026
/ ايه رياض الجبوري
-
نافذة ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال
/ كمال التاغوتي
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث
...
/ السيد حافظ
-
سِنّمار
/ كمال التاغوتي
-
مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد
...
/ عيسى بن ريمة
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
المزيد.....
|