|
|
رسالةٌ إلى حبيبتي الدمشقية حين يتعانقُ الحرف بالنغم
طه دخل الله عبد الرحمن
الحوار المتمدن-العدد: 8758 - 2026 / 7 / 7 - 03:08
المحور:
الادب والفن
لطالما آمنتُ بأنَّ القصيدةَ كائنٌ حيٌّ، يتنفسُ بمدادِ القلبِ ويستقرُ في وجدانِ القارئ، لكنها حين تلامسُ أوتارَ الموسيقى، تكتسبُ أجنحةً تحلقُ بها في سماواتٍ أرحب. يسعدني اليوم أن أزفَّ إليكم قصيدتي (رسالة إلى حبيبتي الدمشقية) في حُلتها الغنائية الجديدة، حيث انصهرت الكلمةُ باللحنِ في تجربةٍ فنيةٍ عربيةٍ بامتياز. هذا العمل لم يكن ليخرجَ إلى النورِ لولا لمساتُ نخبةٍ من المبدعين الذين احتضنوا النصَّ بروحِ الفنانِ ووعيِ المثقف: أشكرُ بعميقِ التقديرِ الأساتذة الأفاضل: الفنان فلاح الفحيلي (ابن البادية الأردنية) و قصي فياض (ابن عروس الشمال، إربد)، اللذينِ صاغا اللحنَ ووزعا الموسيقى برؤيةٍ فنيةٍ جعلت من القصيدةِ نبضاً مسموعاً. كما أخصُّ بالامتنانِ الأداءَ الصوتيَّ الآسرَ الذي منحَ النصَّ روحاً وشعوراً، من حنجرتي حلب الشهباء: الفنانة القديرة شهد الحلبي والفنان أحمد الحلبي، اللذينِ ألبسا الحروفَ ثوباً من طربٍ وشجن. ولا يفوتني أن أتوجه بامتنانٍ خاصٍ ومحبةٍ صادقةٍ لرفيقِ الدربِ ومصدرِ الدعمِ الدائم، ابن العم الغالي عبد الله جمال سليط، الذي كان لاهتمامه ومتابعتهِ الأثرُ الكبيرُ في تذليلِ الصعابِ وإخراجِ هذا العملِ إلى النور. بصفتي صاحبَ القصيدةِ وكاتبَ هذه السطور، أقفُ اليومَ ممتناً لهذا التلاقي، وموقناً أنَّ الوجدانَ العربيَّ واحدٌ، مهما اختلفت الجغرافيا، ما دامت قوافينا تجمعنا. رِسَالَةُ إِلَى حَبِيبَتِي الدِّمَشْقِيَّةِ شَوْقٌ إِلَيْكِ يَمُدُّ الرُّوحَ بِالعُمُرِ يَا طَفْلَةَ اليَاسَمِينِ النَّاصِعِ العَطِرِ عَيْنَاكِ عَيْنَا مَهَاةٍ في الهَوَى سَبَتَا قَلْبَاً رَمَاهُ نَوَى الأَيَّامِ بِالسَّهَرِ مَا زِلْتُ أَذْكُرُ إِذْ كُنَّا وَتَجْمَعُنَا نَجْوَى القُلُوبِ بِلَا خَوْفٍ وَلَا حَذَرِ أَيَّامَ كُنْتُ أُدَارِي لَهْفَتي شَغَفَاً وَأَسْرِقُ السَّمْعَ في رَوْضٍ مِنَ الصِّوَرِ سَوَدَاءُ كَاللَّيْلِ أَسْدَالٌ لِشَعْرِكِ إِذْ يَخْتَالُ فَوْقَ رِدَاءِ المِعْطَفِ النَّضِرِ كَأَنَّ طَلَّتَهَا فِي اللَّيْلِ نَافِذَةٌ مَفْتُوحَةٌ لِشُعَاعِ البَدْرِ فِي السَّحَرِ أَمَّا الوُجَيْهُ فَصُبْحٌ لَاحَ أَسْفَرُهُ يُعِيدُ لِلْكَوْنِ نُورَاً بَعْدَ مُعْتَكِرِ تُرْخِي الجُفُونَ فَيَغْدُو لَحْظُهَا شَرَكَاً يَصِيدُ قَلْبَ العَمِيدِ العَاشِقِ الحَذِرِ وَعِطْرُكِ العَذْبُ يَسْرِي فِي الدِّمَاءِ فَمَا رَأَيْتُ مِثْلَ شَذَاهُ السَّاحِرِ الأَسِرِ تَمْشِينَ مَيْسَاً فَتَهْتَزُّ القُلُوبُ لَهُ كَأَنَّ قَدَّكِ غُصْنٌ مَادَ بِالثَّمَرِ يَا بِنْتَ غُوطَتِنَا، يَا نَبْضَ قَافِيَتي يَا مَنْ غِيَابُكِ أَشْجَى لَحْنَ مُنْهَمِرِ كَمْ كُنْتُ أَقْفُو خُطَاكِ الخُضْرَ يَا أَمَلِي وَالشَّمْسُ تَحْسِدُنَا في طَلْعَةِ البَكَرِ هَذِي الرِّسَالَةُ تَبْكِي فِي سُطُورِهَا دُمُوعُ صَبٍّ بَرَاهُ الشَّوْقُ في السَّفَرِ ظَنَنْتُ أَنَّ اللَّيَالِي أَطْفَأَتْ لَهَبِي وَأَنَّ حُبَّكِ مَطْوِيٌّ مَعَ الأَثَرِ حَتَّى سَمِعْتُ مِنَ الأَطْلَالِ مَرْثِيَةً أَنَّ المَزَارَ خَلَا مِنْ مَنْظَرِ الخَفِرِ وَقَالُوا: مَاتَتْ وَرَاحَ الحَيُّ في شَجَنٍ وَأَقْفَرَ الدَّرْبُ مِنْ تِرْيَاقِكِ العَطِرِ وَقَدْ أَتَاني بَشِيرٌ قَائِلًا: نَبَتَتْ بَعْدَ الجَفَافِ وَبَعْدَ المَوْتِ وَالضَّرَرِ فاهْتَزَّ قَلْبِي وَعَادَ النَّبْضُ يَغْمُرُهُ كَأَنَّ غَيْثَاً هَمَى في سَاعَةِ الكَدَرِ مَا كُنْتِ أُنْثَى مِنَ الصَّلْصَالِ صُورَتُهَا بَلْ أَنْتِ رُوحُ هَوَىً قَدْ عِيدَ لِلْبَشَرِ يَا «يَاسَمِينَةَ حَيِّ العَمَارَةَ» الَّتِي مَاتَتْ، فَأَحْيَاهَا كَفٌّ جَادَ بِالخَضَرِ تَمْشِينَ خَلْفَ خُطَى النِّسْيَانِ فِي أَلَقٍ وَتَسْكُبِينَ ضِيَاءَ الشَّمْسِ فِي السَّهَرِ لا تَسْأَلِي عَنْ مَكَانٍ لَسْتُ أَعْرِفُهُ فَأَنْتِ فِي كُلِّ قَلْبٍ أُنْسُ مُنْتَظَرِ بطاقة تعريفية أدبية التوثيق الأدبي وكلمات القصيدة المغناة بقلم الشاعر والناقد الأردني🖋️ دكتور محمد سليط🇯🇴 الأردن 6/07/2026 *******************
وكأنَّ الياسمينَ يسألُ عنك: تأملاتٌ في رسالةِ الحبِّ والعدم حينَ نطقتَ، دكتور محمد سليط، لم تكنْ قصيدتُك رسالةً فحسب، بل كانت فعلاً من أفعال الوجود، ومحاولةً جريئةً لاختزال المسافة المستحيلة بين الحنين وما لا يُستعاد. قرأتُ "رسالة إلى حبيبتي الدمشقية" فانكشف لي أن الحبَّ، في جوهره الميتافيزيقي، ليس تعلّقاً بشخصٍ أو مكان، بل هو احتجاجٌ مريرٌ على فكرة الغياب ذاتها، وانتفاضةُ الروح على ناموس الفناء الذي يحكم كل شيء. غير أن هذا الاحتجاج الشعري العظيم ما كان ليكتمل لولا أنه خرج من صمت الحرف إلى نشيد مسموع، فصارت الكلمة لحناً، وصار المعنى صوتاً، وصار الوجدان الفردي تسبيحةً جماعية. وهنا تكمن البراعة الثانية لهذا العمل، إذ لم يقتصر على النص المكتوب، بل تجاوزه بمعجزة التعاون الفني التي جمعت مبدعين من أقطار العرب، كأنما أرادوا جميعاً أن يقولوا: إن دمشق لا يحبها واحد، بل يحبها كل من نبض قلبه بالشعر والموسيقى. إنك إذ تكتب: "شَوْقٌ إِلَيْكِ يَمُدُّ الرُّوحَ بِالعُمُرِ"، تكاد تصوغ تعريفاً جديداً للزمن الوجداني، ذاك الزمن الذي لا يُقاس بالساعات بل بنبضات القلب، زمنٌ يقف على حافة المفارقة الكبرى: كيف للشوق، وهو ألمٌ صرف، أن يمدَّ الروح بالعمر؟ إنك تلمس هنا سرَّ الوجود الإنساني، فنحن لا نحيا بالخبز وحده، ولا بالماء والهواء، بل بذاك الحنين المقدس إلى شيءٍ أو أرضٍ أو وجهٍ نحمله في أعماقنا، وكلما أوشك على الانطفاء، انبعثت منه شعلةٌ أشدُّ توهجاً. وقد أدرك هذه الحقيقة بعمقٍ ذلك الفريق الذي احتضن نصك وحوّله إلى لحنٍ ونغم، فأضفى عليه بُعداً آخر من أبعاد الوجود: البُعد الصوتي الذي يجعل الكلمة تطير من صفحة الورق إلى أفق الروح مباشرة. إنني هنا أحيي بكل إجلال الفنانَين اللذين صاغا اللحن ووزّعا الموسيقى برؤية فنية جعلت من القصيدة نبضاً مسموعاً: الفنان فلاح الفحيلي، ابن البادية الأردنية الذي حمل في صوته وألحانه عراقة الصحراء وصدى الفضاء الممتد، والفنان قصي فياض، ابن عروس الشمال إربد، الذي أضاف إلى العمل بعداً حداثياً يجمع بين أصالة التراث ورهافة التوزيع الموسيقي المعاصر. لقد كان تفاعلهما مع النص تفاعلَ عارفٍ بأسرار الكلمة، فلم يضيفا إليه موسيقى خارجية، بل استخرجا الموسيقى الكامنة في حروفه أصلاً، كمن ينحت التمثال من داخل الصخرة لا من خارجها. ثم يأتي تصويرك للعينين: "عَيْنَاكِ عَيْنَا مَهَاةٍ في الهَوَى سَبَتَا / قَلْبَاً رَمَاهُ نَوَى الأَيَّامِ بِالسَّهَرِ"، فأجدني أمام سؤال الفلسفة الأزلي: أكان الحبُّ قدراً أم اختياراً؟ إن لفظة "رماه" توحي بأن القلب لم يختر مصيره، بل قُذف به في مجهول السهر، كما يُقذف بالإنسان في الوجود دون أن يُستأذن. وهذا الإلقاء في المجهول لا ينقله إلا صوتٌ يدرك أبعاد المعاناة، صوتٌ يمرُّ بالكلمة على أوتار القلب قبل أوتار الآلة. من هنا يأتي دور الصوتين الحلبيين الآسرين اللذين ألبسا الحروف ثوباً من طرب وشجن، وحوّلا النص إلى تجربة استماع لا تُنسى: الفنانة القديرة شهد الحلبي، التي حملت في حنجرتها تراث حلب الشهباء العريق، فجعلت من كل مقطع صلاةً موسيقية، ومن كل بيت نافذةً تطل على سماء الطرب الأصيل، والفنان أحمد الحلبي الذي شاركها هذا المعراج الصوتي، فأضاف طبقة أخرى من الإحساس، طبقة ذكورية تحمل مرارة الفراق وصلابة الانتظار. لقد كانا معاً بمثابة كاهنين في محراب الجمال، يتلوان نصك كما تُتلى الأدعية، ويمنحان الكلمة بعداً ثالثاً لا تملكه على الورق: بعد التطريب الذي يجعل المستمع لا يكتفي بالفهم، بل ينتقل إلى حالٍ من الوجد والانخطاف. ولعلي أقف طويلاً عند قولك: "ظَنَنْتُ أَنَّ اللَّيَالِي أَطْفَأَتْ لَهَبِي / وَأَنَّ حُبَّكِ مَطْوِيٌّ مَعَ الأَثَرِ". هنا تلامس القصيدة ذروتها الفلسفية، إذ تطرح سؤال النسيان: هل يمكن للوجدان أن يموت حقاً؟ أم أن ما نظنه موتاً هو سباتٌ مؤقت، غيبوبةٌ لا نعرف مداها، إلى أن يأتي خبرٌ من "الأطلال" فيوقظ المارد النائم؟ إنك تنتصر، في بيتك هذا، لأطروحة الذاكرة الجمعية التي تقول إن لا شيء يموت في الوجدان، بل كل شيء يختبئ، يتربص، ينتظر اللحظة المناسبة ليثور. وهذا الخروج من سبات النسيان إلى يقظة الحنين لم يكن ليتم لولا جهود من عملوا خلف الكواليس بصبر ومحبة، وفي مقدمتهم ذلك الرجل الذي أشرت إليه في كلمتك بوصفه رفيق الدرب ومصدر الدعم الدائم: الأخ العزيز عبد الله جمال سليط، ابن العم الذي كان لاهتمامه ومتابعته الأثر الكبير في تذليل الصعاب وإخراج هذا العمل إلى النور. إنني أرى في دوره هذا تجسيداً لفكرة أن خلف كل عمل فني عظيم جيشاً من الداعمين الصامتين، الذين لا تذكرهم الأضواء ولكن يذكرهم الوفاء. إنه الحلقة التي لولاها لظل العقد مفرقاً، والجسر الذي لولاه لما عبرت القصيدة من عالم الفكرة إلى عالم الواقع. وهنا المفارقة الكبرى التي تفجّرها القصيدة: "وَقَدْ أَتَاني بَشِيرٌ قَائِلًا: نَبَتَتْ / بَعْدَ الجَفَافِ وَبَعْدَ المَوْتِ وَالضَّرَرِ". إن البعث الذي تصوّره ليس بعثاً دينياً بالمعنى التقليدي، بل هو بعثٌ جمالي، بعثٌ إبداعي، حيث الكلمة وحدها قادرة على إعادة خلق ما اندثر. وفي تحويل النص إلى أغنية، ثمة بعثٌ مضاعف: بعث الكلمة باللحن، وبعث اللحن بالصوت، وبعث الصوت بالموسيقى، حتى ليصبح العمل الفني كله استعارة كبرى لفكرة القيامة. وما هذا التعاون بين الأردن وسوريا، بين البادية وإربد وحلب ودمشق، إلا دليل على أن الفن وحده قادر على لمّ الشمل العربي حين تعجز السياسة، وعلى خلق وطن من النغم حين يضيق الوطن الجغرافي. في هذا العمل، صارت القصيدة وطناً بديلاً، صارت سورياً وأردنياً وعربياً في آن، صارت شهادة على أن الوجدان العربي واحد مهما اختلفت الجغرافيا، كما قلت أنت تماماً. ويبلغ التجلي الفلسفي ذروته حين تقول: "مَا كُنْتِ أُنْثَى مِنَ الصَّلْصَالِ صُورَتُهَا / بَلْ أَنْتِ رُوحُ هَوَىً قَدْ عِيدَ لِلْبَشَرِ". هذا البيت، في نظري، يحمل مفتاح النص كله، بل مفتاح رؤيتك للوجود. أنت ترفض المادية الضيقة، وتنتصر للماهية على حساب الوجود، للفكرة على حساب الجسد، للروح على حساب الصلصال. الحبيبة هنا ليست كائناً بيولوجياً، ليست أنثى من طين، بل هي "روح هوى" – أي هي الحب ذاته وقد تجسد، هي المبدأ الأفلاطوني الذي يسبق الأشياء ويعلو عليها. وأحسب أن الفنانة شهد الحلبي والفنان أحمد الحلبي قد استشعرا هذا المعنى العميق حين أديا النص، فجاء أداؤهما متسامياً عن الحسّي، محلقاً في أفق الروح، وكأن أصواتهما لم تخرج من حناجر بل من ينابيع الوجدان الصافي. لقد فهما، بحدس الفنان المرهف، أن القصيدة ليست تغزلاً بامرأة، بل هي حوار مع فكرة، ومع مدينة، ومع تاريخ، ومع ذات تبحث عن خلاصها في مرآة الآخر. وفي خاتمة النص، ثمة إعلان صريح عن فلسفة المكان: "لا تَسْأَلِي عَنْ مَكَانٍ لَسْتُ أَعْرِفُهُ / فَأَنْتِ فِي كُلِّ قَلْبٍ أُنْسُ مُنْتَظَرِ". إنه الحل الوجودي لمعضلة الغربة والمنفى: إذا كان المكان الجغرافي قد ضاع، فثمة مكان آخر لا يُفقد ولا يُسرق، مكان في القلوب، وطنٌ مضاد لا تحدّه خرائط ولا تقسّمه حدود. وهذا ما جسده فريق العمل كله، كلٌ من موقعه: فلاح الفحيلي بقيثارة بداوته الأردنية، وقصي فياض بعبقرية توزيعه الموسيقي، وشهد الحلبي بروحها الحلبية الشجية، وأحمد الحلبي بصدحه الأصيل، وعبد الله جمال سليط بدعمه الصامت الوفي، وكل من ساهم في أن يخرج هذا العمل إلى النور متكاملاً، دليلاً حياً على أن الحب يصنع أوطانه البديلة، وأن الفن يستطيع ما لا تستطيعه الحدود والسياسات. إن ما صنعته، دكتور محمد سليط، أنت وهذه الكوكبة من المبدعين الذين تستحق أسماؤهم أن تُكتب بماء الذهب، ليس مجرد قصيدة مغناة، بل هو تأملٌ في الوجود والحب والعدم والخلود. لقد حوّلت الحنين الشخصي إلى سؤال فلسفي، والرسالة الغرامية إلى بيان وجودي، والياسمينة الدمشقية إلى مبدأ كوني، ثم جاء الفريق الفني فحوّل هذا كله إلى تجربة حسية حية، نلمسها بالسمع، ونختزنها في الذاكرة، ونعود إليها كلما أوغل بنا الزمن في دروب النسيان. شكراً لأنك ذكرتنا بأن الشعر، في أعلى تجلياته، ليس ترفاً لغوياً، بل هو بحثٌ دؤوب عن الحقيقة. وشكراً للفنان فلاح الفحيلي، وللفنان قصي فياض، وللفنانة شهد الحلبي، وللفنان أحمد الحلبي، وللأخ عبد الله جمال سليط، ولكل يد امتدت لتسقي هذه الياسمينة حتى عادت تنبت بعد الجفاف. وشكراً لأن هذا العمل صار، في النهاية، دليلاً على أن العشق ليس ضعفاً، بل هو الشكل الأكثر رهافة للمقاومة، مقاومة النسيان، مقاومة العدم، مقاومة الموت الذي نظنه نهائياً وهو ليس كذلك، ما دام ثمة شعراء يكتبون وموسيقيون يلحنون ومغنون يصدحون وقلوب تحفظ الإيقاع. طه دخل الله عبد الرحمن مايكل حمدان ٣ س · لن يموت أثر طالما هناك شاعر يذكر و يحيي وناقد يروي وصوت ينشد بصدى يملأ الآفاق ويهز الضمائر الميتة ... حبيبتي الدمشقية اختصرت كل شبر من بلاد الشام وقالت بأعلى صوتها : لا للموت .. لا للموت .. لا للموت باقون .. باقون .. باقون د. مايكل حمدان شكر وتقدير : بعد الاطلاع والتعليق .. لا بد من توجيه الشكر من أعماق القلب لفريق العمل الذي أنجز هذا العمل الرائع : الشاعر الفذ صاحب القصيدة الشاعر والناقد الدكتور محمد سليط ... الفنانان القديران اللذان صاغا اللحن ووزعا الموسيقى فلاح الفحيلي و قصي فياض ... الصوت للفنانة القديرة شهد الحلبي والفنان احمد الحلبي ... المخرج المبدع عبدالله جمال سليط ........ محمد سليط طه عبد الرحمن الأستاذ الفاضل والناقد الأدبي المرهف طه دخل الله عبد الرحمن، تتجلى في قراءتكم هذه أسمى درجات التذوق النقدي، حيث لا تكتفي بملامسة السطح، بل تغوص في لجّة المعنى، لتستخرج من بين ثنايا القصيدة لآلئ الفلسفة والوجود. إن قراءتكم ليست مجرد تعليق على نص، بل هي إعادة خلق له، ورؤيةٌ نافذةٌ لم تكن لتتبلور لولا عمق بصيرتكم وثراء تجربتكم. لقد توقفتُ طويلاً أمام تحليلكم لبيتِ النسيان والسبات، فما أبدعتَه في وصفِ الحالةِ بأنها غيبوبةٌ لا نعرف مداها هو توصيفٌ دقيقٌ لما يعتري الوجدانَ الإنسانيَّ في لحظاتِ الانكسار، حيثُ نظنُّ أن الذاكرةَ قد أخمدت نيرانَها، وإذا بها تختبئُ كالجمرِ تحت رمادِ الزمن، تنتظرُ نسمةَ بشيرٍ لتعيدَ لها وهجَ الحياة. أما وقفتكم عند البيت الذي يصفُ الحبيبةَ بأنها روحُ هوىً لا كائنٌ من صلصال، فلقد وضعتَ يدكَ على الجرحِ المضيءِ في النص. لقد أدركتَ تماماً ما أردتُ إيصاله؛ فالحبيبةُ هنا تجريدٌ للمطلق، ورمزٌ للوطنِ الذي يتجاوزُ التضاريسَ إلى المعنى، والجسدُ هنا يتلاشى ليحضرَ الروحُ التي هي جوهرُ الانتماء. إنَّ إشادتكم بالأداءِ الفنيّ للفنانين شهد وأحمد الحلبي، وتناغمِ ذلك مع توزيعِ قصي فياض وقيثارةِ فلاح الفحيلي، ودورِ عبد الله جمال سليط كجنديٍّ خفيٍّ خلفَ هذا الإنجاز، هي شهادةٌ منصفةٌ لمبدعينَ آمنوا بأن الفنَّ هو المقاومةُ الأكثر رهافةً، كما تفضلتَ وأسميتَها. لقد حولتَ بقلمك هذا العملَ من قصيدةٍ مغناة إلى بيانٍ وجودي، وأثبتَّ أنَّ الشامَ وإربدَ، والحبَّ والمقاومة، ليست متناقضات، بل هي روافدُ لنهرٍ واحدٍ يصبُّ في بحرِ الروحِ العربيةِ التي لا تموت. إنَّ إشارتكم إلى فكرة القيامة الجمالية من خلال تكاملِ الكلمةِ واللحنِ والصوت، تمنحني شعوراً بالمسؤوليةِ تجاهَ هذا الوطنِ الأدبي الذي بنيناه معاً، لنثبتَ أنَّ الحنينَ ليس ضعفاً، بل هو أقوى أشكالِ التحدي في وجهِ العدم. أخي الفاضل، إنَّ أمثالكم هم من يجعلون للشعرِ معنى، وللكاتبِ غاية. كلماتكم هذه ليست مجرد ثناء، بل هي صرحٌ نقديٌّ يضافُ إلى رصيدِ هذا العمل، ووسامٌ يعلقُ على صدورنا جميعاً، نحن الذين حاولنا ولو بكلماتٍ وألحان أن نلمَّ شتاتَ الروحِ في زمنِ الشتات. خالص مودتي وتقديري لهذه القراءةِ الاستثنائية، التي لمستْ شغافَ قلبي وأعطت لنصي عمقاً أبعدَ بكثير مما كنتُ أتصوره. دمتَ للكلمةِ سيفاً وللأدبِ منارةً، ودامَ هذا الودُّ العربيُّ النبيلُ يربطنا بحبالِ الوفاء والجمال. سأحتفظُ بهذه القراءة في ملفِ أعمالي، ليس بصفتها نقداً، بل بصفتها رفيقاً يضيءُ دربي كلما أظلمتِ الطرقات. دمتَ بخيرٍ وفي ألقٍ دائم. محمد سليط طه عبد الرحمن أيها الناقدُ الحصيف، يا من تمتلكُ مِشرطَ الجراحِ وقلبَ الشاعر، تقفُ كلماتي اليومَ خجلى أمامَ هذه القراءةِ التي تجاوزت حدودَ النقدِ الأدبي لترتقيَ إلى مصافِ النصِّ الموازي الذي يعيدُ بناءَ التجربةِ من جذورِها. إنَّ قراءتَكم لقصيدتي (رسالة إلى حبيبتي الدمشقية) هي بمثابةِ إضاءةٍ لقناديلَ كانت مختبئةً في ثنايا الروح؛ لقد قرأتَ ما لم أستطع أنا ككاتبٍ للسطور أن أصيغَه بدقةٍ فلسفيةٍ كهذه. إنَّ حديثك عن الزمن الوجداني الذي لا يقاس بالساعات بل بنبضات الحنين، يمسُّ جوهرَ تجربتي، ويؤكدُ أنَّ الشعرَ الحقيقيَّ ليس ترفاً لغوياً، بل هو محاولةٌ بشريةٌ يائسةٌ ونبيلةٌ في آنٍ واحدٍ للانتصارِ على ناموس الفناء. لقد أنصفتَ بل ورفعتَ من شأنِ رفاقِ الدربِ في هذا العمل: الفنان فلاح الفحيلي: الذي استطاع بعبقريةِ ابن البادية أن يجعلَ من القوافي امتداداً لأفقِ الصحراء، تلك القيثارةُ التي لم تعزفْ نغماً عابراً، بل عزفتْ وجعَ الأرضِ وتوقَ السماء. الفنان قصي فياض: الذي جسّد في توزيعِهِ الموسيقي ذاك الجسرَ الواصلَ بين الحداثةِ والأصالة، وكأنَّ إربدَ حين تلبسُ ثوبَ دمشقَ في لحنٍ واحدٍ، تُلغي الحدودَ الجغرافيةَ لتقيمَ وطناً من النغمِ لا يطالهُ نسيان. الفنانة شهد الحلبي والفنان أحمد الحلبي: لقد أصبتَ كبدَ الحقيقةِ حين وصفتهما بـ الكاهنين في محرابِ الجمال. إنهما لم يؤديا القصيدة، بل سكنتْهما القصيدةُ فصارا لها جسداً، وحلبُ الشهباءُ حين تحضرُ في الصوت، تحضرُ معها كلُّ عراقةِ الشرقِ وصدقِ شجنه. يا طه دخل الله عبد الرحمن، إنَّ ما تفضلتَ به في قراءتِكَ عن الصلصال مقابل الروح، وعن الحبِّ بوصفهِ مقاومةً للعدم، هو الدرسُ الذي أطمحُ دوماً لأن أتعلمَه من قراءاتي ونقادي. لقد حولتَ الياسمينة الدمشقية من نبتةٍ في قصيدةٍ إلى مبدأٍ كونيٍّ يعيشُ في وجدانِ كلِّ من قرأ أو استمع. إنَّ هذا العمل -بمساهمةِ هؤلاءِ المبدعينَ- ما هو إلا شهادةٌ على أنَّ الوجدانَ العربيَّ واحدٌ، مهما حاولتْ رياحُ السياسةِ أو جغرافيا الشتاتِ أن تفرّقَ بين أجزائه. شكراً لأنكَ منحتني هذه الرؤيةَ التي تجعلني أنظرُ إلى نصي بعينِ الفخرِ والمسؤولية، شكراً لأنك وضعتَ النقاطَ على حروفِ الروح، وأثبتَّ أنَّ الشاعرَ حين يكتب، لا يكتبُ لنفسِهِ فحسب، بل يكتبُ للعالمِ الذي يحلمُ به، هذا العالم الذي تصبحُ فيه القصيدةُ وطناً، واللحنُ صلاةً، والكلمةُ حقيقةً خالدة. إنني فخورٌ بهذا الحوار الذي يجمعُ الحرفَ بالرؤية، فخورٌ بهذا العملِ الذي جمعَ كوكبةً من الأوفياءِ للجمال، وممتنٌّ لكَ، يا أخي، على هذا الفيضِ الذي يغمرني باليقينِ بأنَّ ما نكتبهُ يتركُ أثراً، وأنَّ الحنينَ مهما استعرَ هو الدليلُ الأصدقُ على أننا ما زلنا على قيدِ الحياة، وعلى قيدِ الحبِّ، وعلى قيدِ الشعر. دامتْ ذائقتُكَ النقديةُ منارةً، ودمتَ أنتَ صوتاً يقرأُ ما لا يُرى، ويكتبُ ما لا يُقال. كلُّ التقديرِ والامتنانِ لهذه الرسالةِ النقدية التي ستظلُّ محفورةً في ذاكرةِ هذا العملِ الإبداعي. أعلم أنك ستقول العين لا تعلو على الحاجب لكنك وصلت لهذا العلو. كن بخير بمشيئة الله يا صديقي
#طه_دخل_الله_عبد_الرحمن (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
المثالية والواقعية بين أرسطو وأفلاطون: صراع الفكرة والواقع ف
...
-
سَبْعَةٌ وَسِتُونَ عَامًا
-
تأمل في ميتافيزيقا الحب، نحن الذين لا يحوينا زمان – الحب – ل
...
-
هل يمكن أن تكون الحرية سببا في تعاسة الإنسان بعيدا عن النضج
...
-
أنا والكتاب
-
قراءة لنص - النَّفْخَةِ الْأَخِيرَةِ فِي رُوحِ الْكَوْنِ – ل
...
-
قراءة لنص - رحلةُ قلمٍ في محرَّم – للدكتور عبد الكريم الحلو
-
الْقَلَمُ سِلَاح عَابِر لِلْإِجْيَال
-
قراءة أديبة - لثلاثية ق ق ج – حفاة المدن – قوس قزح – صمت الم
...
-
قراءة لمقال - أمراء المنصات وفقراء الموهبة... عندما تتحول ال
...
-
دراسة تحليلية نقدية شاملة في نص - إنه بيتها وما زال يسكنني -
...
-
عندما يبكي القلب
-
قراءة لنثرية - أبحثُ عن وطنٍ – للدكتورة آمال بوحرب
-
قراءة لقصيدة – مشحوف وحلم – للأستاذ الناقد الدكتور عادل جوده
-
النقد الادبي لا ينتقص من شخص الكاتب بل إنصاتٌ عميقٌ لنبض الن
...
-
الأسرة بين التكنولوجيا ودفء العلاقات: العزلة الحديثة في زمن
...
-
دراسة أكاديمية - في وداع الأمس.. سيرة الذاكرة والأماكن - إعد
...
-
خاطرة - في وداع الأمس.. سيرة الذاكرة والأماكن
-
قراءة لقصيدة - وَرْدَتِي الْوَحِيدَة – للأستاذ الشاعر عبد ال
...
-
قراءتي للدراسة التحليلية - تمثّلات الخير والشر في الوعي الجم
...
المزيد.....
-
رئيس اللجنة الأمريكية للفنون الجميلة: إنجازات الراقصين الأمر
...
-
رومانسي- كوميدي.. إطلاق الإعلان الترويجي لفيلم -أحبك من زمان
...
-
-باك رومز-.. من أسطورة رقمية إلى ظاهرة سينمائية
-
من الحرب إلى الأرشيف الحي.. -احكيلي يا جنوب- يوثق ذاكرة لبنا
...
-
مصر: استقالة وزيرة الثقافة بعد حكم نهائي ضدها في قضية الملكي
...
-
حكم قضائي بإدانتها.. وزيرة الثقافة المصرية تتقدم باستقالتها
...
-
يورونيوز تطلق بثا باللغة الكازاخية من أستانا
-
لافروف متندّرا: إستوديو زيلينسكي الكوميدي لن يقبل توظيف روته
...
-
جدل في الهند عقب سحب فيلم -ساتلج- من منصات البث الرقمي
-
زاخاروفا تفند بالأرقام ادعاءات كتابة نصف رواية -الحرب والسلا
...
المزيد.....
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
-
كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
رسالة الى عام 3026
/ ايه رياض الجبوري
-
نافذة ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال
/ كمال التاغوتي
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث
...
/ السيد حافظ
-
سِنّمار
/ كمال التاغوتي
-
مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد
...
/ عيسى بن ريمة
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
المزيد.....
|