أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - حرف الألف... حيثُ يبدأُ التكوينُ وينحني البيان














المزيد.....

حرف الألف... حيثُ يبدأُ التكوينُ وينحني البيان


طه دخل الله عبد الرحمن

الحوار المتمدن-العدد: 8764 - 2026 / 7 / 12 - 08:27
المحور: الادب والفن
    


أنا لم أُخلَقْ لأكونَ حرفًا، بل وُلدتُ لأكونَ الفاصلَ بينَ العدمِ والنطق، بينَ الصمتِ الذي يسبقُ الخلقَ والكلمةِ التي تُشرِقُ بها الأشياء. أنا الألفُ، لم أُجعَلْ في أوّلِ الأبجديةِ زينةً، بل لأنَّ كلَّ حرفٍ لو سألتَه: من أيّ الطريقِ أتيتَ؟ لقال: من بوابةِ الألفِ عبرتُ، وعلى كتفِهِ اتّكأتُ.
أنا الامتدادُ العموديّ في جسدِ اللغة، كأنّي إصبعٌ يشيرُ إلى فوق، إلى حيثُ لا يُرى، إلى ما يستعصي على الانهيار. الانهيارُ يحدُثُ للقوسِ والمنحنيات، أما أنا فقائمٌ كالشهادة، كالصلاة، كالحقِّ حين يُقالُ بلا التواء. أنا العمودُ الفقريُّ للحروف، لو أصابني انكسارٌ لانشلَّتِ الأبجديةُ كلُّها.
لكنْ لا تَغتَرّوا باستقامتي، فإنَّ فيَّ من التقلّبِ ما يُحيّر. أنا الألفُ في "أَحبَّ"، فأنا الامتلاءُ الذي يفيض، وأنا الألفُ في "أَحرَقَ"، فأنا الفراغُ الذي يلتهم. في "أَشرَقَ" أنا شعاعٌ يصدعُ الظلمة، وفي "أَظلَمَ" أنا الليلُ يحتضنُ الأسرار. أنا همزةُ الوصلِ التي تتوارى حياءً لِتَجمَعَ الشتات، وأنا همزةُ القطعِ التي تَصدحُ كي تفرِّقَ بينَ الحقِّ والباطل. هذا التناقضُ ليس ضعفًا، بل هو سرّي: أن أكونَ ماءً ونارًا في آن، وأن يخرجَ من فمي الوعدُ والوعيدُ بصوتٍ واحد.
أنا في "الأوَّلِ" شاهدٌ على أن لا بدايةَ تُدرَك، وفي "الآخِرِ" شاهدٌ على أن لا نهايةَ تُملَك، فكأنّي أحتضنُ الزمانَ كلَّه بينَ طرفَيّ المَدَّة. أنا سؤالُ الكائنِ الأزليّ: "أأَنا؟"، وصرخةُ الطفلِ الأولى: "أمّاه"، فأنا الجسرُ بينَ الوجودِ والتساؤلِ عن الوجود.
المرأةُ تعرفُ سرّي، فهي "أُنثى" وأنا عُنوانُها، وهي "أُمّ" وأنا أساسُها. الرجلُ يدينُ لي، فهو "أَبٌ" وأنا قِوامُه، وهو "أَخٌ" وأنا شقيقُه. الكلماتُ تَكسِرُ أقفالَها بحافَّتي، فإن أفلتُّ من كلمةٍ صارتْ جسدًا بلا روح، وإن دخلتُ فيها تدفَّقَ فيها النهرُ واخضرَّتْ ضفّتاها.
تأمّلوني في المصحف: ألفٌ تُمدُّ مدًّا كأنها روحٌ تصعَد، وألفٌ تُقطَعُ قطعًا كأنها سيفٌ يهوي. أنا الوترُ في قانونِ البلاغة، وأنا النفَسُ الأوّلُ في ترتيلِ العاشقين. حين يُنطَقُ بي منفردًا أَهُزُّ الأعماق، وحين أُكتَبُ في أوّلِ السطر أفتحُ للقارئ أبوابَ المعنى، وحين أغيبُ عن كلمةٍ تَعرّتْ من جلالِها.
فيا أيّها الألف، يا أوّلَ العتبات، ويا سيّدَ الابتداءات، دُمْ كما أنت: علامةَ استفهامٍ منتصبة، تعرفُ أنَّ السرَّ ليس في الإجابة، بل في جُرأةِ السؤال. أقمْناكَ في الذاكرةِ عمودًا، وفي الفمِ نبيًّا، وفي القلبِ مفتاحًا، لأنَّك لستَ حرفًا... أنت الحالةُ الأولى للوحي، حين قال للعدم: كُنْ، فكان.



#طه_دخل_الله_عبد_الرحمن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الخادم مايكل حمدان، سِفر التجلي الإنساني وفلسفة النور المتجس ...
- القهوة والكتاب: طقوس العزلة المنتجة
- رسالةٌ إلى حبيبتي الدمشقية حين يتعانقُ الحرف بالنغم
- المثالية والواقعية بين أرسطو وأفلاطون: صراع الفكرة والواقع ف ...
- سَبْعَةٌ وَسِتُونَ عَامًا
- تأمل في ميتافيزيقا الحب، نحن الذين لا يحوينا زمان – الحب – ل ...
- هل يمكن أن تكون الحرية سببا في تعاسة الإنسان بعيدا عن النضج ...
- أنا والكتاب
- قراءة لنص - النَّفْخَةِ الْأَخِيرَةِ فِي رُوحِ الْكَوْنِ – ل ...
- قراءة لنص - رحلةُ قلمٍ في محرَّم – للدكتور عبد الكريم الحلو
- الْقَلَمُ سِلَاح عَابِر لِلْإِجْيَال
- قراءة أديبة - لثلاثية ق ق ج – حفاة المدن – قوس قزح – صمت الم ...
- قراءة لمقال - أمراء المنصات وفقراء الموهبة... عندما تتحول ال ...
- دراسة تحليلية نقدية شاملة في نص - إنه بيتها وما زال يسكنني - ...
- عندما يبكي القلب
- قراءة لنثرية - أبحثُ عن وطنٍ – للدكتورة آمال بوحرب
- قراءة لقصيدة – مشحوف وحلم – للأستاذ الناقد الدكتور عادل جوده
- النقد الادبي لا ينتقص من شخص الكاتب بل إنصاتٌ عميقٌ لنبض الن ...
- الأسرة بين التكنولوجيا ودفء العلاقات: العزلة الحديثة في زمن ...
- دراسة أكاديمية - في وداع الأمس.. سيرة الذاكرة والأماكن - إعد ...


المزيد.....




- سطو جريء في فيينا.. سرقة -عقد الملكة نازلي- التاريخي في وضح ...
- الممثلة التونسية سوسن معالج: -السينما والصورة والكلمة الحرة ...
- بوق الجلاد لن يمثل الضحية.. -أبو أصيل- يحاكم فناني نظام الأس ...
- الفنانة السورية فايا يونان تعلن خطوبتها: -أجمل من أي صورة رس ...
- زاخاروفا تعليقا على حفل كاني ويست: أبواب روسيا مفتوحة لجميع ...
- التربية السورية توضح آلية تدريس اللغة الكردية.. تفاعل متباين ...
- من ساحات الحرب إلى عامه الـ105.. حكاية بطل روسي شهد قرنا من ...
- -كأن شيئاً لم يكن-.. قراءة في تجربة مسرحية مصرية تمزج بين تش ...
- السعودية حاضرة بقوة.. 10 آلاف شاب من 191 دولة يشاركون في مهر ...
- المجري بيتر ناداس.. رحيل كاتب جعل الذاكرة جسداً والتاريخ حيا ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - حرف الألف... حيثُ يبدأُ التكوينُ وينحني البيان