أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - القصيدة المغناة بقلم الشاعر والناقد الاردني دكتور محمد سليط















المزيد.....

القصيدة المغناة بقلم الشاعر والناقد الاردني دكتور محمد سليط


طه دخل الله عبد الرحمن

الحوار المتمدن-العدد: 8766 - 2026 / 7 / 14 - 22:39
المحور: الادب والفن
    


غَادَةُ الْيَمِّ وَفَيْءُ الْجَوْزَةِ
حَبِيبَتِي صَيْدَا
مرفأ الذاكرة وسفر التكوين: حين تستحيل الشجرة امرأةً والمرأة وطنًا والوطن قصيدة
لعلّ أعظم ما يمكن أن تهبه قصيدةٌ لقارئها ليس جمال الصورة ولا رنين القافية ولا حتّى نشوة المعنى المتكشّف، بل ذلك الصمت المدهش الذي يلي القراءة، حين يصمت كلّ شيء في النفس فجأةً وكأنّما نُزعت عنها أثواب اللغة كلّها، ووقف الإنسان عارياً إلا من سؤال وجودي واحد يلحّ كما تلحّ أمواج صيدا على صخورها: من أنا، وقد صرتُ ما قرأتُ، وصرتُ ما تذكّرتُ، وصرتُ ما أحببتُ؟ في "غادة اليمّ وفيء الجوزة" للدكتور محمد سليط، لا يتعلّق الأمر بقصيدة تُضاف إلى ديوان الشعر العربي، بل يتعلّق بحدثٍ وجودي، بانبثاق عالمٍ كامل من رحم الذاكرة، بفعل خلقٍ شعريّ يضاهي في عنفه وجلاله فعل الخلق الأول، يوم قال الله للعدم "كن" فكان. الشاعر هنا لا يصف الجمال، بل يوجده، لا يروي حكاية، بل يؤسّس كينونة، لا يتذكّر الماضي، بل يعيد تكوينه في حاضر القصيدة على نحوٍ يجعل الزمن نفسه ينحني إجلالاً لهذه القدرة الآدمية العجيبة على تحويل الغياب إلى حضور، والفناء إلى بقاء، والشجرة إلى امرأة، والمرأة إلى وطن، والوطن إلى قصيدة لا تموت.
فلنبدأ من ذاكرة الماء، من العدم الأزرق الذي تسبح فيه صيدا منذ الأزل، من ذلك "اليمّ" الذي اختاره الشاعر وطناً أوّل لغادته قبل أن يختار لها اسماً، وقبل أن تنبت من تراب القصيدة. "غادة اليمّ" – والتعبير هنا ليس إضافة بلاغية بل هو توليد أنطولوجي كامل. فما هو اليمّ؟ أهو البحر في قاموس اللغة فحسب، أم هو ذلك المبدأ المائي الذي حدس به الفلاسفة الأوائل حين جعلوا من الماء أصل الأشياء كلّها؟ إنه تايليس الميليتي يعود إلينا في ثوب هذه القصيدة، فيلسوفاً لا يكتب بالنظر العقلي بل بالصورة الشعرية، ليذكّرنا بأنّ كلّ جمال هو عودة إلى الأصل المائي، وأنّ كلّ أنثى هي بنت المحيط الأول، وأنّ كلّ حب هو تذكّرٌ لتلك الوحدة القديمة حين كنّا جميعاً كائناتٍ مائيةً تسبح في دفء المشيمة الكونية قبل أن نُطرد إلى جفاف التراب وتعدّد الأجساد. الغادة التي تصوغها القصيدة هي "بنت البحر" كما يقول الشاعر صراحةً، والبحر هنا ليس جغرافية، بل هو حالة وجودية: هو اللامتناهي، هو المتغيّر الثابت في آن، هو العمق الذي يخفي في أحشائه أسراراً لا تُستنفد، هو السطح البرّاق الذي يخفي تحته عوالِمَ من الظلمة والغموض والصمت. أليست المرأة، في عمقها الوجودي، كذلك؟ أليست سطحاً من الجمال المرئي يخفي تحته محيطاً من الأسرار لا يُسبَر غوره؟ أليس حبّها رحلةً في هذا البحر، نبحر فيها تارةً على هدأة الموج، ونتلاطم فيها تارةً في عواصف المجهول، ونغرق فيها طوراً في أعماق لا نبلغها إلا بالفناء؟
ثمّ تأتي "الفيء"، فيء الجوزة، ليخلق الجدل الوجودي الأعظم في القصيدة: من الماء إلى الشجرة، من السيولة إلى الثبات، من اليمّ المتدفّق إلى الفيء الظليل الساكن. الفيء ليس الظلّ، كما قد يتبادر إلى الذهن، بل هو ظلّ ما بعد الزوال، ظلّ العصر، ظلّ ما مال ومالت معه الشمس نحو المغيب. إنه الظلّ في أكثر حالاته شفافيةً وحزناً، ظلّ الشيء حين يوشك على الرحيل، ظلّ الزمن ذاته وهو ينحسر. وفي اختيار الشاعر لكلمة "الفيء" دون "الظلّ" تكمن رهافةٌ فلسفية لا تُقدّر بثمن: نحن لا نبحث عن الظلّ المطلق، عن الحضور الكامل، بل نبحث عن ذلك الأثر الذي يتركه الشيء حين يمضي، عن تلك المساحة من الذاكرة التي تبقى بعد رحيل الأصل، عن ذلك الحنين الذي هو ظلّ الزمن الجميل بعد أن ولّى. شجرة الجوز، في بيت مايكل حمدان، لم تعد موجودةً ربّما، أو هي موجودة ولكنّها لم تعد كما كانت، ولكنّ "فيئها" باقٍ، أثرها باقٍ، ظلّها المائل نحو الغروب باقٍ في الذاكرة، وهذا الباقي هو بالتحديد ما تصنع منه القصيدةُ امرأتها، ما تخلق منه غادتها، ما تبني منه وطنها.
هنا بالذات، في هذا المفصل الخفيّ بين البحر والشجرة، بين الماء والفيء، تتولّد الرؤية الوجودية للقصيدة: الكينونة البشرية كلّها قائمة على هذه الثنائية، على هذا التوتّر بين التدفّق والثبات، بين التحوّل الدائم والحنين إلى أصل ثابت. نحن كائنات مائية، سيالة، متغيّرة، نهرب من أنفسنا في كل لحظة، نذوب في الزمن كما يذوب الموج في الموج، وفي الوقت ذاته نحن كائنات تبحث عن فيء، عن ظلّ، عن أثر ثابت نستريح إليه، عن معنى لا يتغيّر، عن شجرة جوز في بيت قديم تمنحنا إحساساً زائفاً أو حقيقياً بأنّ شيئاً ما يبقى. الغادة التي يخلقها الشاعر هي التوليف المستحيل بين هذين القطبين: هي بنت البحر في تدفّقها وغموضها وعمقها، وهي فيء الجوزة في ثباتها وألفتها وحميميتها. وفي هذا التوليف تكمن المعجزة الشعرية والوجودية معاً: أن تجمع المستحيلين، أن تجعل من السيولة ثباتاً ومن الثبات سيولة، أن تصنع من الزمن مكاناً ومن المكان زماناً، أن تحوّل الحنين إلى جسد والجسد إلى وطن.
عند هذا الحدّ، يصبح مفهوم "الوطن" في القصيدة قابلاً للتفكيك الفلسفي العميق. حين يكتب الدكتور سليط: "في كل جارحةٍ منها لنا وطنُ"، فهو لا يستخدم كلمة "وطن" بالمعنى السياسي أو الجغرافي المألوف، بل يعيد تأسيس المفهوم من جذوره. الوطن هنا ليس أرضاً نحمل جنسيتها، ولا رايةً ننتمي إليها، ولا تاريخاً نستذكره، بل هو جسد، هو جارحة، هو عضو في كائن حيّ. إنه تأميمٌ للوطن، ولكن في الاتّجاه المعاكس لما نعرفه: ليس تأميماً للأرض كي تصبح ملكاً للدولة، بل تأميماً للدولة كي تصبح جسداً للحبيب. الوطن الحقيقي، في هذه الرؤية، ليس ما ندافع عنه بالسلاح، بل ما ندافع عنه بالحب، ليس ما نعيش فيه، بل ما يعيش فينا، ليس ما نرثه عن آبائنا، بل ما نخلقه نحن بأنفسنا حين نحبّ امرأةً أو شجرةً أو ذكرى. "وفي منابع نجواها لنا وطرُ" – النجوى، الكلام الخفيّ، الهمس، السرّ، هذا هو ما يشكّل منابع الوطن الجديد، وهذه المنابع هي ما نرغب، ما نطلب، ما نتّجه إليه بكليّتنا. الوطن كلام، الوطن نجوى، الوطن قصيدة. وهنا نبلغ أعمق طبقات الفهم: إننا لا نملك وطناً حقيقياً إلا بالقدر الذي نستطيع أن نحوّله إلى لغة، إلى حكاية، إلى نصّ. ما لا يُروى يموت، وما لا يُغَنّى يزول، وما لا يُحبّ على نحو شخصي حميمي لا يدخل التاريخ.
لكنّ الذروة الفلسفية الحقيقية في هذه القصيدة النادرة تكمن، في تقديري، في لحظة الانقلاب، في تلك النقلة الجدلية العبقرية التي تنتقل بنا من أطروحة الحبّ إلى نقيضها، ثمّ إلى تركيب أعلى، على نحو يذكّر بجدل هيغل ولكن برهافة شعرية لا قبل للفلسفة النظامية بها. طوال القصيدة، كنّا نظنّ أنّنا أمام غادة، أمام امرأة حقيقية أو متخيّلة، كنّا نقرأ أوصاف جسدها، نتأمّل ملامح وجهها، نعجب بقامتها وقدّها، نستمع إلى صوتها الذي هو "أغنية فيروز تبعثها"، نراها تمشي على الصخر فيورق، تقبل فيخدمها الموج، تدبر فيغار الزهر. كنّا في حالة ما يسمّيه الفلاسفة "الوعي الساذج"، الوعي الذي يصدّق ما يراه ويلمسه ويتخيّله، الوعي الذي يستغرق في الموضوع وينسى الذات. وفجأة، وبضربة درامية واحدة، يمزّق الشاعر هذا الحجاب: "ما هذه الغادة الحسناء يا رجلاً، سوى حكاية ماضٍ زانه الشجرُ". إنها ليست غادة! إنها حكاية! إنها سردية! إنها نصّ! ما كنّا نظنّه حضوراً خالصاً تبيّن أنّه غياب محض، ما كنّا نظنّه كائناً تبيّن أنّه ذكرى، ما كنّا نظنّه واقعاً تبيّن أنّه خيالٌ نسجته الذاكرة على منوال شجرة جوز في بيت قديم.
هذه اللحظة هي، بالمعنى الدقيق، لحظة "الكشف" و"الخفاء" معاً، على النحو الذي حدّثنا عنه هايدغر حين قال إنّ الحقيقة هي "اللاثبات"، هي ما ينسحب ليُظهر، هي ما يتوارى ليُحضر. الغادة تنسحب من النصّ لتُظهر الجوزة، المرأة تتوارى لتُحضر الشجرة، الحب يختفي ليُظهر الحنين، الحقيقة المزعومة تنكسر لتنبثق من شظاياها حقيقة أخرى أكثر عمقاً: نحن لا نحبّ إلاّ ذكرياتنا، لا نعشق إلا ماضينا، لا نرى في وجوه من نحبّهم إلا انعكاساتٍ لأزمنة وُلدنا فيها وكنّا نجهل أنّنا سنظلّ نحنّ إليها طوال العمر. حبّ المرأة، في هذه الرؤية، ليس حبّاً لذاتها الخالصة، بل حبّ لما تختزنه وتثيره وتمثّله، حبّ لما يشعّ من خلالها لا منها. إنها وسيط، شفيع، واسطة بيننا وبين فردوس مفقود، بيننا وبين طفولة لا تُستعاد، بيننا وبين معنى ما زال يلوح في الأفق ولا يُدرَك. أليست هذه هي النظرية المثالية في الحبّ، من أفلاطون إلى ابن عربي، مروراً بالفروسية الأوروبية في العصور الوسطى؟ أليس الحبّ الحقيقي، في كل هذه الرؤى، هو الحبّ الذي يتجاوز المحبوب باتّجاه مثال أعلى، هو الشوق إلى ما وراء الوجه، إلى ما لا يُرى، إلى "فكرة" الجمال لا الجمال المتجسّد؟
لكنّ عبقرية محمد سليط لا تتوقّف عند هذا الحدّ، بل تتجاوزه إلى تأسيس ما يمكن تسميته "أنطولوجيا الحنين". الحنين، في هذه القصيدة، ليس عاطفة عابرة بين عواطف النفس، بل هو نمط وجود كامل، هو طريقة في أن نكون، هو الصيغة التي نحضر بها في العالم. الإنسان عند الدكتور سليط – وهذا ما يلمع في خاتمة القصيدة وفي بنيتها العميقة – ليس كائناً يعيش الحاضر ثمّ يتذكّر الماضي تذكّراً عرضياً، بل هو كائن يتكوّن في صميم ذاته من الحنين، كائن وجودُه هو عينُ اشتياقه إلى ما فات، كائن كلّما توغّل في المستقبل توغّل في الماضي، لأنّ المستقبل عنده ليس إلا الماضي في هيئة أمنية، ليس إلا الفردوس المفقود في هيئة حلم. حين تتحوّل الجوزة إلى غادة، وحين تتحوّل الشجرة إلى امرأة، وحين يتحوّل فيئها الظليل إلى جسد يُعشق، فذلك ليس كذبة شعرية ولا وهماً مجازياً، بل هو عمل وجودي حقيقي، هو "خلق للعالم" بالمعنى الذي قصده الفلاسفة الظاهراتيون: الوعي لا يعكس عالماً موجوداً قبله، بل هو الذي يؤسّس العالم ويمنحه معناه. القصيدة ليست مرآةً للواقع، بل هي نافذة تطلّ على عالم ممكن، عالم كان يمكن أن يكون، عالم هو أصدق من الواقع لأنّه يحقّق ما وعد به الواقع ولم يفِ به.
إنّ بيت "مايكل حمدان" ليس مجرّد إشارة سير ذاتية، بل هو "مركز العالم" بالمعنى الإليادي، هو المكان الذي بدأ فيه الزمن، المحور الذي يدور حوله الكون كلّه. كلّ واحد منّا له "بيت مايكل حمدان" خاصّ به، مكان طفولة أو صبا أو حبّ أول، مكان توقّف فيه الزمن ذات يوم وصار سرمدياً، مكان نحمله معنا حيثما ذهبنا ولكنّه لا يكفّ عن استدعائنا إليه. وهذه هي مأساة الوجود الإنساني: أن نكون دائماً في مكانين في آن، أن نعيش في حاضر ونحن مدجّجون بالماضي، أن نمشي على الأرض وخطواتنا محفورة في ذاكرة لا تمحى، أن نرى ما حولنا بعيون ما زالت تحدّق في وجه شجرة جوز، أو في وجه امرأة أولى، أو في وجه أم، أو في وجه وطن. القصيدة تعطينا اللغة لنقول هذا الألم، وتمنحنا الصورة لنمسك بهذا الزائل، وتهبنا الإيقاع لنرقص فوق هذه الهوّة السحيقة بين ما كنا وما صرنا.
وهكذا نعود، بعد هذا المطاف الطويل، إلى السؤال الفلسفي الأعمق الذي تتركنا القصيدة نواجهه: هل يمكن للشعر أن يخلّصنا؟ هل يمكن للكلمة أن تردّ إلينا فردوسنا المفقود؟ لحظة الختام توحي بإجابة مزدوجة: نعم ولا. لا، لأنّ القصيدة نفسها تعترف بأنّ الغادة "سوى حكاية ماضٍ"، وأنّ الحقيقة ليست في الحضور بل في الغياب، وأنّ كلّ هذا الجمال الذي وُصف لنا لم يكن إلا تذكّراً، استعادة، حلماً يقظة. لا يمكن للقصيدة أن تعيد الزمن، ولا أن تحيي الموتى، ولا أن تعيد تشييد بيت مايكل حمدان كما كان، ولا أن تجعل الجوزة تنبت من جديد كما نبتت في زمن الطفولة. لكنّ القصيدة، في الآن ذاته، تفعل شيئاً آخر، شيئاً لا يقلّ معجزةً: إنها تحوّل هذا الغياب إلى حضور من نوع آخر، تحوّل الفقدان إلى كينونة جديدة، تحوّل الجرح إلى أغنية. نعم، الشجرة ذهبت، لكنّ فيئها بقي في القصيدة، والفيء أصدق من الشجرة لأنّه لا يذبل ولا يموت ولا يخشى الفصول. الغادة لم تكن حقيقية، ولكنّها صارت الآن حقيقية فينا، في خيالنا، في ذاكرتنا التي ستظلّ تقرأ القصيدة وترى وجهها يتشكّل من رحم الكلمات.
هذا هو الخلق الفني بوصفه عملاً وجودياً: أن تصنع من العدم حضوراً لا يزول، أن تولّد من الفقدان بقاءً لا ينقطع، أن تنتزع من صدر الزمن الهارب لحظةً تتحوّل إلى سرمدية. الدكتور محمد سليط، وهو يكتب "غادة اليمّ وفيء الجوزة"، لم يكتب عن الحب والوطن والحنين فحسب، بل مارس هذه المعاني جميعاً في فعل الكتابة ذاته. لقد أحبّ شجرة الجوز إلى درجة أن جعل منها غادة، وانتمى إلى بيت مايكل حمدان إلى درجة أن جعل منه مركزاً للكون، وحنّ إلى الماضي إلى درجة أن أعاد خلقه في حاضر القصيدة وجعله مستقبلَ كلّ من يقرأ. وبذلك يكون قد حقّق، في حيّز هذه الكلمات القليلة، ما تسعى إليه الفلسفة الوجودية كلّها: أن ينتزع الإنسان من قلب العبث والزوال والفناء معنىً يبقى، أن يسرق من الآلهة نار الخلق، أن يقول للعدم: لن تمرّ من هنا، لأنّ هنا قصيدة، وهنا شجرة، وهنا امرأة، وهنا وطن، وهنا كلمة "فيروز" تبعثها الريح من شرفة الذاكرة، وهنا بحر صيدا يصغي، وهنا فيء الجوزة يطول ويمتدّ حتّى يلامس جبين الأبد.
طه دخل الله عبد الرحمن
البعنه == الجليل
8/07/2026
***********************
القصيدة المغناة بقلم الشاعر والناقد الاردني دكتور محمد سليط
غَادَةُ الْيَمِّ وَفَيْءُ الْجَوْزَةِ
حَبِيبَتِي صَيْدَا
رَقَّ النَّسِيمُ وَبَاحَ الدَّمْعُ وَالسَّهَرُ
عَنْ غَادَةٍ صَاغَهَا مِنْ حُسْنِهِ الْقَدَرُ
بِنْتُ الْجَنُوبِ وَبِنْتُ الْبَحْرِ مَائِسَةً
فِي صَيْدَا الْكِبْرِيَاءُ الْعَذْبُ يَزْدَهِرُ
شَامَاتُهَا مِنْ عَقِيقِ الْمَجْدِ قَدْ رُصِفَتْ
وَشَعَرُهَا اللَّيْلُ حِينَ الْبَدْرُ يَعْتَذِرُ
عَيْنَاهَا سِحْرُ لُبْنَانٍ إِذَا ابْتَسَمَتْ
يَخْضَرُّ أَرزٌ عَلَى الْأَجْفَانِ يَنْتَصِرُ
إِنْ أَقْبَلَتْ خِلْتَ مَوْجَ الْبَحْرِ يَخْدُمُهَا
أَوْ أَدْبَرَتْ غَارَ مِنْ أَعْطَافِهَا الزَّهَرُ
خَدٌّ أَسِيلٌ كَ نُورِ الصُّبْحِ أَوْجُهُهُ
وَثَغْرُهَا الشَّهْدُ يَبْكِي عِنْدَهُ الثَّمَرُ
تَخْتَالُ كَالشَّمْسِ فِي دَلالً وَفِي غَنَجٍ
مَجْدُولَةٌ مِنْ حَرِيرٍ حَارَ فِيهِ سِفْرُ
إِنْ حَدَّثَتْكَ حَسِبْتَ الصَّوْتَ أُغْنِيَةً
فَيْرُوزُ تَبْعَثُهَا وَالْقَلْبُ يَنْبَهِرُ
قَامَاتُهَا كَرِمَاحِ النَّصْرِ رَاشِقَةً
وَخَصْرُهَا نَغَمٌ جَادَتْ بِهِ الصُّوَرُ
مَا مَرَّتِ الرِّيحُ يَوْماً فِي جَدَائِلِهَا
إِلَّا وَقَدْ فَاحَ مِنْ أَنْفَاسِهَا الْعِطْرُ
تَمْشِي عَلَى الصَّخْرِ كَالْإِيقَاعِ نَاعِمَةً
فَيُورِقُ الصَّخْرُ لَهْفَانناً وَيَنْفَجِرُ
لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِنَ الْآفَاقِ يُشْبِهُهَا
كُلُّ الْجَمَالِ مِنَ عَيْنَيْهَا يَنْحَدِرُ
تِلْكَ الَّتِي حَيَّرَتْ عَقْلِي رِوَايَتُهَا
وَكُلَّمَا رَمْتُ سُلْوَاناً أَرَى الْأَثَرُ
فِي وَجْهِهَا بَصْمَةُ التَّارِيخِ بَاقِيَةٌ
وَفِي خُطَاهَا يَضِيعُ الْخَوْفُ وَالْحَذَرُ
أَنِيقَةُ الْحُسْنِ لَا جِلْبَابَ يَحْجِبُهَا
عَنِ الْقُلُوبِ وَلَا سِتْرٌ وَلَا خَمُرُ
فِي كُلِّ جَارِحَةٍ مِنْهَا لَنَا وَطَنٌ
وَفِي مَنَابِعِ نَجْوَاهَا لَنَا وَطَرُ
أَسفَرتُ عَنْهَا لِأَهْلِ الشِعرِ مَفْخَرَةً
فَقَالَ صَحْبِي هِيَ الدُّنْيَا وَمَا ذَخَرُوا
وَطَافَ ذِكْرِي بِهَا شَوْقاً يُمَزِّقُنِي
وَفِي حَنَايَايَ مِنْ أَشْوَاقِهَا صَقَرُ
يَا صَاحِبِي نَشْوَةُ الْأَوْهَامِ قَدْ رَحَلَتْ
وَبَانَ لِلْعَيْنِ بَعْدَ السَّكْرَةِ الْخَبَرُ
مَا هَذِهِ الْغَادَةُ الْحَسْنَاءُ يَا رَجُلاً
سِوَى حِكَايَةِ مَاضٍ زَانَهُ الشَّجَرُ
هِيَ النَّدِيَّةُ جَوُزَةً طَالَ طَيفُها
فِي بَيْتِ "مَايْكِلَ حَمْدَانٍ" إِذَا السَّمَرُ



#طه_دخل_الله_عبد_الرحمن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين ينكسر القمر في بئر الغربة
- حرف الألف... حيثُ يبدأُ التكوينُ وينحني البيان
- الخادم مايكل حمدان، سِفر التجلي الإنساني وفلسفة النور المتجس ...
- القهوة والكتاب: طقوس العزلة المنتجة
- رسالةٌ إلى حبيبتي الدمشقية حين يتعانقُ الحرف بالنغم
- المثالية والواقعية بين أرسطو وأفلاطون: صراع الفكرة والواقع ف ...
- سَبْعَةٌ وَسِتُونَ عَامًا
- تأمل في ميتافيزيقا الحب، نحن الذين لا يحوينا زمان – الحب – ل ...
- هل يمكن أن تكون الحرية سببا في تعاسة الإنسان بعيدا عن النضج ...
- أنا والكتاب
- قراءة لنص - النَّفْخَةِ الْأَخِيرَةِ فِي رُوحِ الْكَوْنِ – ل ...
- قراءة لنص - رحلةُ قلمٍ في محرَّم – للدكتور عبد الكريم الحلو
- الْقَلَمُ سِلَاح عَابِر لِلْإِجْيَال
- قراءة أديبة - لثلاثية ق ق ج – حفاة المدن – قوس قزح – صمت الم ...
- قراءة لمقال - أمراء المنصات وفقراء الموهبة... عندما تتحول ال ...
- دراسة تحليلية نقدية شاملة في نص - إنه بيتها وما زال يسكنني - ...
- عندما يبكي القلب
- قراءة لنثرية - أبحثُ عن وطنٍ – للدكتورة آمال بوحرب
- قراءة لقصيدة – مشحوف وحلم – للأستاذ الناقد الدكتور عادل جوده
- النقد الادبي لا ينتقص من شخص الكاتب بل إنصاتٌ عميقٌ لنبض الن ...


المزيد.....




- ماريا بالاندينا تتولى إدارة متحف موسكو خلفا لآنا ترابكوفا
- توم كروز كما لم ترونه من قبل في الفيلم المرتقب -DIGGER-
- فرد حجاية: أم كلثوم في بغداد.. حكاية الزيارة الثانية بعد نصف ...
- فرد حجاية: الجانب المنسي من حياة الشاعر الكبير معروف الرصافي ...
- في عيدها الخمسين.. بوتين يشيد بمسيرة راقصة الباليه ديانا فيش ...
- الإقبال على موسيقى البوب الروسية يقفز سبعة أضعاف في ثلاثة أش ...
- مصر.. اكتشاف مقبرة من العصر الرعامسي في الضفة الغربية للأقصر ...
- خبر ثقافى كتاب جديد للدكتور ياسر الجمال
- استطلاع روسي يكشف موقف الجمهور من استخدام الذكاء الاصطناعي ف ...
- بعد التشكيك في أصوله.. متحف روسي يدافع عن الكوكوشنيك كرمز لل ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - القصيدة المغناة بقلم الشاعر والناقد الاردني دكتور محمد سليط