طه دخل الله عبد الرحمن
الحوار المتمدن-العدد: 8768 - 2026 / 7 / 16 - 16:54
المحور:
الادب والفن
في بداية التأمل، لا بد من الإقرار بأن محمود درويش لم يكن شاعرا يكتب القصائد، بل كان قسا يقيم قداسا أبديا على مذبح الألم، وفي الوقت نفسه راقصا يحتفل بجمال الوجود تحت سماء لا تخلو من الغيوم. إنه ذلك الكائن النادر الذي استطاع أن يصوغ من شظايا الزجاج المكسور نافذة يطل منها على حدائق لا تذبل، ومن نحيب النكبات أغنية لا تفارق الشفاه. الوجع الجميل – ذلك التركيب الذي يجمع بين المتناقضين، فيوحدهما وحدة الجمرة التي تحترق لتضيء – هو المفتاح الذهبي الذي يفتح كل أبواب هذا الشعر، وهو العدسة التي نرى من خلالها كيف يتحول الجرح العميق إلى وسامة، وكيف يصير المنفى مخيما للقصيدة لا يقصده الشعراء إلا ليستلهموا منه أروع ما كتبوا.
لنتأمل أولا كيف يصنع درويش من اللغة جسدا حيا يتنفس بالتناقضات. إنه يستعير من البيان العربي تراثه العريق، لكنه يصهره في بوتقة حداثية فريدة، فيخرج لنا التشبيه وقد خلع ثيابه التقليدية وارتدى حللا غير مألوفة. حين يقول في قصيدته "جدارية": "أنا لا أريد القصائد، أنا أريد أن أكون قصيدة"، فإنه لا يعلن تمرداً على الشعر بقدر ما يعلن تماهياً وجودياً بين الذات والكلمة، بين الجرح والنص. هذا الكلام يذكرنا بقول المتنبي "أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي"، لكن الفرق أن درويش لا يتباهى بقدرته الشعرية، بل يتوجع من عجزه عن أن يتحول شعرا خالصا. وهنا تتجلى أعجب مفارقة: الوجع الجميل هو ذلك الألم الذي يجعلك تدرك أنك لن تبلغ الكمال الذي تنشده، لكن هذا الإدراك نفسه هو بلوغ لجمال أعلى، هو جمال السعي والعجز معا.
أما الاستعارة عند درويش، فتخرج من رحم الأرض المقدسة والمشوهة في آن. فلس//طين عنده ليست مجرد وطن، بل هي استعارة كبرى لكل ما هو مفقود ومطلوب، هي الحبيبة التي لا تصل إليها يداه، والأم التي لا تعود إلى أحضانها، والطفولة التي ذابت كالثلج تحت شمس النسيان. يقول في واحدة من أروع لحظاته: "أنا ابن الحضارة، أنا ابن الغزاة، أنا ابن المماليك، أنا ابن الفراعنة، أنا ابن الرومان، أنا ابن اليهود، أنا ابن العرب، أنا ابن الفينيقيين، أنا ابن الكنعانيين، أنا ابن كل من مر على هذه الأرض وسماها وطنا". هذه التراتلية العجيبة ليست مجرد تعداد تاريخي، بل هي استعارة مركبة تتجاوز حدود الفرد إلى أسطرة الذات، فتصبح الذات الشاعرة هي الأرض نفسها، وهي التاريخ نفسه، وهي الجرح الذي لا يلتئم لأنه ميراث كل الحضارات. وهنا يصير الوجع جميلا لأنه وجع تراكمي، وجع يصنع عمقه اتساع الزمن، فلا ضيق فيه ولا ابتذال، بل عظمة تليق بمن يتحمل عبء آلاف السنين على كتفيه.
من روائع البلاغة الدرويشية أيضا، ذلك الاستخدام المدهش للكناية. فهو لا يصف احتلال أرضه مباشرة، بل يقول: "سجّل، أنا عربي / رقم البطاقة: خمسون ألف / أطفالي: ثمانية / والتاسع يأتي بعد صيف / فهل تغضب؟". هذه الكناية البارعة تضرب بقوة لأنها تخفي الجرح الأعظم خلف بساطة الأرقام، فكأن الشاعر يقول: إن ألمي أكبر من أن يوصف، سأتركك أنت تستنتجه من هذه التفاصيل الصغيرة التي تبدو عادية لكنها ثقيلة كالجبال. رقم البطاقة ليس رقما، بل هو اختزال لهوية مسلوبة. أطفاله الثمانية ليسوا أطفالا، بل هم انتصار على آلة الموت التي تتربص به كل يوم. والتاسع الذي يأتي بعد الصيف، هو الأمل الذي لا يموت، هو البيان الأخطر في كل هذه المعادلة: أن الحياة تستمر رغم كل شيء. هذه الكناية تجعل الوجع جميلاً لأنه وجع متحضر، وجع يرفض الصراخ المفزع ويختار الهمس الممض، وجع يعرف أن أعظم قوته في احتوائه، لا في انفجاره.
أما التكرار، فتلك الآلة البلاغية التي يظن البعض أنها مجرد عجز عن الإتيان بالجديد، فهي عند درويش أشبه بدقات الناقوس التي لا تمل لأنها تنبئ بقداس جديد كل مرة. تأمل قوله: "أنا لا شيء، ولا شيء، ولا شيء / سوى موج يعود إلى الشاطئ كي ينكسر". التكرار هنا ليس نقصاً، بل هو تعميق للفكرة، هو ضرب من ضروب السحر الكلامي الذي يحول النفي إلى إثبات، والفناء إلى خلود. فبعد أن يكرر "لا شيء" ثلاث مرات، لا يترك لنا مجالا للشك في عدميته، لكنه يعود ليقلب المعادلة رأسا على عقب حين يضيف: "سوى موج يعود إلى الشاطئ كي ينكسر". فالموج الذي يعود إلى الشاطئ ليكسر نفسه، هو أعظم من كل الأشياء، لأنه اختار مصيره بوعي، لأنه فضّل الجمال الآني على الخلود الرتيب. هنا الوجع الجميل يبلغ ذروته: أن تختار أن تكون موجاً متكسّرا بدلا من أن تكون صخرة صامدة لا تحس ولا تحزن.
إنه يستخدم الطباق أيضا ببراعة فائقة، فيجمع بين الضدين ليخلق منهما توترا خصبا يلد المعاني كما تلد النار الضوء. يقول في موضع آخر: "نحن نحب الموت، فالحياة مؤلمة". هذا الكلام الذي قد يسيء فهمه البعض، هو في الحقيقة من أعمق ما قيل في شعرية المقاومة. فالموت هنا ليس نهاية بيولوجية، بل هو استعارة للانعتاق، هو الرغبة في تجاوز هذه الحياة الضيقة إلى حياة أوسع، أو كما يقول الصوفيون "الموت قبل الموت". والحياة المؤلمة ليست الحياة التي تستحق الهجر، بل هي التي توجعك إلى درجة أن تتمنى أن تتحرر منها لتعود إليها من جديد. هذا التناقض الظاهري هو سر الجمال، لأنه يضع القارئ أمام معضلة أخلاقية وجمالية: كيف يمكن أن يكون حب الموت جميلا؟ والإجابة تكمن في أن درويش لا يحب الموت الفيزيائي، بل يحب ما يمثله من تحدٍّ للواقع القائم، من رغبة في التجاوز، من إصرار على أن تكون حيا حتى في لحظة استشهادك.
وإذا انتقلنا إلى الصورة الشعرية، نجدها عند درويش لا تتوقف عند حدود الوصف، بل تنطلق إلى آفاق التخيل المطلق. انظر إلى قوله: "أنا يوسف أخي، يا زمان الخيانة والياسمين". هذه الصورة تختزل في سطر واحد قصة نبي كامل، وتطوعها في سياق فلس//طيني معاصر. يوسف عليه السلام هو رمز الجمال الذي تعرض للخيانة من إخوته، وهو رمز الغربة في قاع الجب، وهو رمز العزة بعد الذل، وهو رمز الرؤيا التي تتحقق بعد طول انتظار. درويش يقول "أنا يوسف أخي"، متجاوزا المسافة الزمنية بينه وبين النبي، متحداً معه في المعاناة، شريكاً له في الألم. ثم يقول "يا زمان الخيانة والياسمين"، فيجمع بين أقبح ما في الزمن (الخيانة) وأجمله (الياسمين) في إضافة واحدة. هذا الجمع ليس اعتباطيا، بل هو إعلان أن الجمال موجود رغم القبح، وأن الياسمين يفوح في زمن الخيانة بالذات، ربما ليعوضنا عن مرارة الخيانة بعطر يليق بجراحنا. الصورة هنا مركبة، متعددة الأبعاد، لا تنفذ دلالاتها مهما تأملتها، لأنها تستدعي تراثا ثقافيا كاملاً وتضعه في خدمة رؤية شعرية معاصرة.
لا يمكن أن نغفل الحديث عن الإيقاع، تلك الروح التي تسكن الجسد اللغوي للقصيدة. درويش ليس شاعرا يلتزم بالوزن الخليلي في كل قصائده، لكنه شاعر لا تخلو قصائده من موسيقى داخلية تعويضية حين يتحرر من الوزن الخارجي. في قصيدته "مديح الظل العالي"، نجد إيقاعاً متقطعا يشبه نبض القلب الخائف: "أنا من هناك / أنا من هنا / لست هناك / ولست هنا". هذه المقاطع القصيرة المتكافئة تخلق إحساسا بالتردد، بالضياع، بالبحث عن هوية لا تستقر. لكنها في الوقت نفسه تخلق جمالا إيقاعيا خاصا، هو جمال الحيرة نفسها، جمال السؤال الذي لا يجد إجابة. وفي قصيدة "على هذه الأرض ما يستحق الحياة"، نجد إيقاعا تصاعديا يشبه نشيدا دينيا، مع تكرار جملة "على هذه الأرض" كأنها هتاف يردده المصلون: "على هذه الأرض ما يستحق الحياة: / رجفة الحنون، وخبز الحبيبة، / ونعمة المرأة / وعلى هذه الأرض ما يستحق الحياة: / نيسان ابتسام أمي". التكرار هنا ليس مجرد ظاهرة صوتية، بل هو بناء موسيقي متكامل يحول القصيدة إلى ترنيمة، وإلى إعلان، وإلى دعاء في آن واحد. الإيقاع هو الذي يجعل الوجع جميلا لأنه ينظم الفوضى، لأنه يعطي للصراخ شكلا يستحق أن يُسمع، لأنه يحول العويل إلى غناء.
أما المفارقة، فتلك السمة الأكثر حضورا في شعر درويش، فهي ليست مجرد لعبة لفظية بارعة، بل هي رؤية كونية متكاملة. لنتأمل قوله: "أنا الحب، أنا الدم، أنا الجرح، أنا الورد / أنا ما بين هذا وذاك". في هذا السطر، يجمع درويش بين أقصى درجات التناقض: الحب والدم، الجرح والورد. لكنه لا يجمعهما كمتناقضين فقط، بل يعلن أنه هو نفسه "ما بين هذا وذاك"، أي أنه هو الفضاء الذي يحتوي كليهما، هو التوتر نفسه، هو العلاقة الجدلية بين الألم والجمال. هذه المفارقة تذكرنا بالمنطق الصوفي الذي يرى أن الكمال الإلهي يتجلى في جمع الأضداد، وأن الحقيقة لا تظهر إلا في منطقة التوتر بين النقيضين. إنها تعلمنا أن الوجع الجميل ليس حالة استثنائية، بل هو حالة وجودية طبيعية، هو نمط الحياة الذي يختاره الإنسان الشاعر حين يرفض أن يكون بسيطا أو أحادي البعد، حين يصر على أن يكون معقدا كالحياة نفسها.
من روائع درويش البلاغية أيضا، استخدامه للرمز الأسطوري والديني، لكن بطريقة تفكيكية تعيد صياغة هذه الرموز في سياق حديث. في قصيدته "أحمد العربي" يكتب: "أحمد العربي / يموت كل يوم مرتين / مرة في الصباح / ومرة في المساء". هذه الصورة المدهشة تخلخل مفهوم الموت التقليدي، فتجعل منه حدثاً يوميا متكررا، وكأن الشاعر يعيش حالة استشهاد دائمة، وكأن كل صباح وكل مساء يحمل موتا جديدا. لكن الجمال في هذه المأساة هو أن أحمد العربي يموت ويظل حيا، وكأن الموت عنده ليس فناءً بل هو تكرار الوجود، هو إعادة إنتاج الذات عبر المعاناة. هذا الرمز يجعل الوجع جميلا لأنه يخلخل مفاهيمنا الجامدة عن الحياة والموت، ويفتح أمامنا إمكانيات جديدة للتفكير في الألم كقوة مولدة لا كمجرّد نهاية.
والآن، لا بد من وقفة تأملية مع أشهر ما كتب درويش، مع قصيدة "بطاقة هوية" التي أحدثت زلزالا في عالم الشعر العربي. يقول فيها: "سجّل / أنا عربي / وأعمل مع رفاق الكادحين في محجر / وأطفالي الثمانية / ألوفّ لهم رغيفاً من جفاف القفر / وأثوابا من الصخر / ولا أتوسّد للندم". لنتأمل الاستعارات هنا: "ألوفّ لهم رغيفاً من جفاف القفر" – كيف يمكن أن يكون الرغيف من الجفاف؟ وكيف يمكن أن يكون الثوب من الصخر؟ هذه المستحيلات البيانية هي بالضبط ما يجعل الوجع جميلاً، لأنها تظهر عظمة الإنسان الذي يصنع الحياة من الموت، والدفء من البرد، والرغيف من الحرمان. إنه يقلب المعادلة المنطقية، ويعلن أن الفلس//طيني، رغم كل شيء، قادر على صنع المستحيل، قادر على أن يخلق من لا شيء كل شيء. هذا هو سر جمال الوجع: أنه يدفع الإنسان إلى تجاوز حدوده، إلى اختراع صور جديدة للحياة لا تخضع لقوانين الطبيعة، بل لقوانين الإرادة والأمل.
لنذهب أبعد من ذلك، إلى قصيدة "نخلة" التي كتبها بعد سنوات من المنفى. يقول فيها: "أنا نخلة / لا أنتمي إلى جنس النخيل / أنا نخلة واحدة / على تلٍّ بعيد / يمر بها العابرون / ولا يرون فيها سوى نخلة". هنا، النخلة ليست مجرد شجرة، بل هي رمز للعزلة الفردية، للانتماء الذي لا يكتمل، للوجود في المكان واللا مكان في آن واحد. النخلة "لا تنتمي إلى جنس النخيل"، هذا تناقض صارخ، كيف تكون نخلة ولا تنتمي لجنس النخيل؟ إنه يعيد تعريف النخلة من الداخل، كما يعيد تعريف نفسه كفلس//طيني لا ينتمي إلى الصورة النمطية للفلس//طيني. الوجع هنا هو وجع الوحدة، وجع الاختلاف، لكنه جميل لأنه يمنح صاحبه فرادة لا تعوض، لأنه يجعله نخلة واحدة على تل بعيد، لا تشبه غيرها، ولا ينساها من رآها. هذا هو النخوة في الوحدة، الفخر في العزلة، الجمال في الألم.
وإذا أردنا أن نختتم هذه الرحلة في أعماق شعر درويش، لا بد أن نعود إلى سؤاله الوجودي الأكبر: لماذا نكتب الشعر في زمن يبدو فيه الشعر ترفا لا معنى له؟ يجيب درويش في واحدة من أروع مقولاته: "نحن نكتب الشعر كي نغير الحياة، أو على الأقل كي نغير علاقتنا بها". هنا يكمن السر الأعظم: الوجع الجميل ليس هدفا في ذاته، بل هو وسيلة لتغيير الواقع، هو أداة معرفية، هو سلاح في معركة الوعي. عندما يكتب درويش قصيدته، لا يريد فقط أن يبكي على أطلال فلس//طين، بل يريد أن يبني فلس//طين جديدة في قلوب القراء، فلس//طين من كلمات ونغمات وصور، فلس//طين لا يمكن لأي محتل أن يهدمها لأنها مبنية في الذاكرة والوجدان. هذا هو الألم الذي يتحول إلى جمال، هو الجرح الذي يتحول إلى وردة، هو النكسة التي تتحول إلى نهضة.
في النهاية، يبقى محمود درويش أعظم من قال إن الوجع يمكن أن يكون جميلاً، بل إنه لا جمال بدون وجع، كما لا نار بدون احتراق، ولا نور بدون ظلمة. إنه يعلّمنا أن نرتفع بألمنا إلى مصاف الفن، أن نجعل من دموعنا دررا، ومن آهاتنا أنغاما. وربما كان هذا هو الدرس الأعظم الذي نأخذه من شعره، ألا ننتظر حتى تزول الأسباب الموجعة كي نبدأ في صنع الجمال، بل أن نصنع الجمال من رحم الألم نفسه، أن نغني ونحن نبكي، أن نرقص والجراح تنزف، لأن الجمال الحقيقي ليس هروبا من الألم، بل هو مواجهة له وتحويله إلى شيء يضيء، شيء يبقى، شيء يقول للعالم: ها أنا ذا، رغم كل شيء، ما زلت أحب الحياة، وما زلت أجد فيها ما يستحق أن أعيش من أجله.
البعنه == الجليل
22/04/2026
#طه_دخل_الله_عبد_الرحمن (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟