|
|
سكة الضوء: حين يصير السفر وجودا والآخر وطنا من لغة ونور
طه دخل الله عبد الرحمن
الحوار المتمدن-العدد: 8771 - 2026 / 7 / 19 - 10:11
المحور:
الادب والفن
دراسة نقدية في جدلية المكان والزمان وبلاغة التيه لعلّ من أشدّ اللحظات الشعرية افتتانا تلك التي ينقلب فيها المنطق المألوف للأشياء، فيغدو الثابت متحركا، والمتحرك ساكنا، ويصبح الغياب حضورا أشدّ كثافة من كل ما تلمسه اليد. وفي "سكة الضوء" لروعة سنوبر، نقف أمام نصٍّ لا يكتفي بوصف التجربة الشعورية، بل يعيد تشكيل قوانين الوجود ذاتها عبر لغة تتجاوز وظيفتها التوصيلية لتغدو فعلاً خلاّقا، وعالما موازيا يقوم على جدلٍ مرهف بين الضوء والغياب، بين السفر والسكون، بين التيه واليقين. إنها قصيدة تنتصب في منطقة الحدود: بين الجسد والمدينة، بين الذاكرة والرغبة، بين ما يُرى وما يُستشعر، لتكتب، بلغة نقدية، ما يمكن تسميته بـ"أنطولوجيا الحب" أو "ميتافيزيقا العبور". أولا: في بنية الاستهلال وصدمة الوجود "كقطار يمرّ على عجلٍ / ترقص عجلاته مستعرة / على جمر الحريق" – في هذا المطلع تتأسس رؤية القصيدة للعالم. إنها لا تبدأ من الثبات، بل من الحركة المحمومة، ولا تنطلق من البرد بل من النار. وصورة "القطار" ليست هنا مجرد وسيلة نقل، بل استعارة كونية كبرى عن الكينونة الإنسانية في علاقتها بالزمن. ثمة ثلاثة عناصر تشتعل دفعة واحدة: السرعة (على عجل)، والحركة (ترقص)، والنار (جمر الحريق). وهذه الثلاثية تؤسس لإيقاع نفسي لا يهدأ، وتجعل من النص كله رقصةً على حافة الاحتراق. وبلاغة هذا المطلع تكمن في المفارقة: كيف ترقص العجلات على الجمر ولا تحترق؟ كيف تتحول الحركة الميكانيكية الصلبة إلى رقص، أي إلى فنٍ وتعبير؟ إنه التحويل الشعري للقدر إلى اختيار، وللضرورة إلى حرية. والسكة التي "تغيّر مسارها كلّما عاندها الطريق" تقدم تصورا ثوريا عن العلاقة بين الذات والعالم. السكة، التي يفترض أن تكون ثابتة، تصبح كائنا حيّا يستجيب، يتملص، يعيد اختراع مساره. وفي هذا تجسيد لجدل فلسفي عميق: الطريق يمثل الواقع الموضوعي، "المعطى"، بينما السكة تمثل الذات في عنادها. وحين تعاند الذاتُ الواقع، لا ينكسر الواقع، بل يغيّر مساره. هذه الرؤية تتجاوز ثنائية الانتصار والهزيمة إلى مفهوم أكثر تعقيدا: الجدل بصفته تشكيلاً متبادلاً، حيث الممانعة لا تلغي المسار بل تحوّله، وحيث العناد لا يوقف الحركة بل يخلق اتجاهاً جديداً. ثانيا: فينومينولوجيا الجسد وانهيار حدود المكان في المقطع الثاني، يحدث التحول الأعمق: دخول "الآخر" إلى المعادلة الوجودية. "بين ذراعيك / تستحيل الشوارع وهماً من جليد" – هنا ننتقل من فيزياء القطار إلى فيزياء مختلفة تماما، فيزياء الجسد. الذراعان، وهما امتداد الجسد وحضانته، يصبحان قوةً معرفيةً تعيد تعريف الواقع. الشوارع، التي هي تجسيد للمدينة بصلابتها وإسفلتها ونظامها الهندسي الصارم، تتحول إلى "وهم"، وإلى "جليد"، أي إلى مادة قابلة للذوبان، هشة، مؤقتة. وفي هذا انزياح معرفي جذري: الحب لا يغير مشاعرنا تجاه العالم فحسب، بل يغير العالم ذاته في تجربتنا الفينومينولوجية. ما كان حقيقة يصبح وهماً، وما كان صلبا يصبح سائلا، وما كان خارجيا يصبح قابلا للذوبان بين ذراعيّ الآخر. والأعمق من ذلك أن الشوارع "تغصّ بقطاراتك المنفية / وتتوه المسافات عابرة". هنا يعاد تعريف الفضاء تعريفاً شعريا خالصا. القطارات، التي هي أدوات الحركة والعبور، تصبح "منفية"، أي مطرودة من وظيفتها، محتجزة داخل الشوارع التي يفترض أن تعبرها. وهذا الانقلاب في الأدوار يبلغ ذروته حين تتوه "المسافات" نفسها. ليست الذات هي التي تتوه في المسافة، بل المسافة هي التي تفقد هويتها وجدواها. وفي هذا ما يشبه نقدا للعقل المكاني: فإذا كانت الحداثة قد اختزلت المكان إلى مسافات قابلة للقياس والقطع، فإن القصيدة تعيد المكان إلى حالته الشعرية البدئية حيث لا مسافات، بل حضور كلّي يلتهم الجغرافيا. أما "في عينيك تختفي المحطات" فهي لحظة التأسيس لـ "جغرافيا العينين" بصفتهما مركزا جديدا للوجود. المحطات، وهي نقاط الوصول والانطلاق، وهي رموز اليقين المكاني والزماني (مواعيد، وجهات، لوحات إرشادية)، تختفي. واختفاؤها ليس فقدانا ولا تشويشا، بل هو تحرر من سلطة التعيين، من طغيان الوجهة، من دكتاتورية "إلى أين؟". العينان تلغيان السؤال نفسه، وتؤسسان لنظام وجودي لا يحتاج إلى محطات لأنه لا يعرف نهايات. ثالثاً: شعرية الحنين وأمتعة الوجود في المقطع الثالث، تنتقل القصيدة إلى زمن آخر: زمن الذاكرة والرغبة الممزوجتين. "يصعد قطارك مسرعا / يجرّ خلفه خيطا من حنين" – وفي هذا الصعود ضد الجاذبية إشارة إلى حركة الروح نحو الأعالي، نحو نور الوجه الذي أضاء بين النجوم الخافتة. لكن هذا الصعود ليس طليقا ولا خفيفا، فهو يجرّ "خيطا من حنين". الحنين هنا ليس شعورا مجردا، بل مادة، نسيج، خيط له طول وامتداد وقابلية للشد والالتفاف. إنه حبل سرّي يربط الذات بماضيها، أو ربما هو شرنقة تغزلها الذاكرة حول الجسد المسافر. والحنين في هذه الصورة ليس ضعفا ولا نوستالجيا سلبية، بل هو الثقل الضروري الذي يجعل الحركة ذات معنى، إنه الجاذبية الروحية التي تمنع الصعود من أن يصبح تلاشيا. وهذا القطار الصاعد "محمّل بحقائب الشوق / وأحلامٍ حائرة". والحقائب في سياقات السفر تحمل ما نحتاجه، ما لا نستطيع تركه، ما يحدد هويتنا في المنافي. لكنها هنا تحمل "الشوق" و"الأحلام الحائرة" – أي أنها لا تحمل أشياء، بل تحمل انفعالات ورغبات وطموحات غير محسومة. والأحلام "الحائرة" تحديدا تشير إلى مستقبل لم يتبلور بعد، إلى مشاريع روح لم تجد شكلها النهائي. إنها أمتعة من نوع خاص: كلما حملتها ازددت ثقلا، لكنك لو تركتها لما بقيت أنت. رابعا: فيزيولوجيا المدينة وأسطورة اليقظة "يضيء وجهك بين النجوم الخافتة / فتستيقظ مدني المتعبة" – هنا يتحول الوجه إلى شمس مركزية، إلى مصدر ضوء بديل يفضح خفوت النجوم، أي خفوت العالم الخارجي بكل أنظمته المضيئة. والمدينة التي تستيقظ ليست مجرد تشخيص بلاغي، بل هي جسد كامل له "شرايين" و"حواس" و"أنامل". هذه الأعضاء التي "تتفقدها" المدينة المستيقظة توحي بأن النوم الذي كانت فيه كان موتا جزئيا، فقداناً للإحساس، سباتا سريريا. وتفقد الأنامل تحديدا يحيل إلى اللمس، الحاسة الأكثر التصاقا بالحميمية، الأكثر قدرة على التحقق من وجود الأشياء. وسقوط هذه الأنامل "سهوا على ذاك الرصيف" يمثل لحظة تنبيه قاسية: نحن نفقد أجزاء منا باستمرار، نتركها على أرصفة الحياة اليومية دون أن ندري، ولا نكتشف ذلك إلا حين يضيء وجه الآخر في العتمة. "الرصيف" هنا ليس مجرد مكان، بل عتبة، حدّ بين الشارع والبناء، بين العام والخاص، بين الحركة والسكون. وعليه تسقط الأنامل سَهواً، في حركة لا إرادية تنم عن إهمال الذات لنفسها، عن غفلة وجودية. لكن النص لا يقدم هذه الخسارة كمأساة، بل كحقيقة تُكتشف في لحظة الاستيقاظ، لحظة المواجهة مع نور الآخر التي تجعلنا نتفقد ما تبقى منا، ونحصي خسائرنا. خامسا: القصر الزجاجي وجماليات الهشاشة "حيث قصرك المنحوت من زجاج / وصوتك المرئيّ يبدّد الهدوء" – هنا نبلغ إحدى قمم القصيدة التخيلية. القصر، وهو رمز الثبات والمنعة والفخامة، يصبح منحوتا من أشد المواد هشاشة: الزجاج. وهذا قلب جذري لدلالات القصر بصفته حصنا: القصر الزجاجي لا يخفي شيئا، لا يحمي من النظرات، لا يحجب الضوء، لكنه مع ذلك يظل قصرا، أي بنية معمارية كاملة، أي عالما قائما بذاته. إنه استعارة عن الذات التي تكتفي بشفافيتها، التي تجعل من هشاشتها قوة، ومن انكشافها حصانة من نوع مختلف. وما يزيد هذه الصورة عمقا أن القصر الزجاجي يسمح بمرور الضوء لكنه يكسر خطوطه، يشظي الرؤية، يخلق عوالم من الانعكاسات والانكسارات. والصوت "المرئي" هو خرق سحري لحدود الحواس. التراسل الحسي هنا ليس تزيينا بلاغيا، بل تأسيس لإدراك جديد للعالم، حيث المحبوبة لا تُسمع فحسب بل تُرى في سمعها، وحيث كينونتها تفيض عن قنوات الحس المفردة لتخلط الأبعاد بعضها ببعض. هذا الصوت "يبدّد الهدوء"، أي أنه لا يملأ فراغا بل يطرد عدوا. الهدوء ليس قيمة إيجابية هنا، بل هو العدم الصامت، هو غياب الحياة، هو الموت المتربص. وصوت الآخر المرئي يثير "صخب الليل" – وصخب الليل هنا ليس ضوضاء مزعجة، بل احتفال بالوجود، تمرد على السكون المعدني للعالم. ويتطاول القلب "نحو الصعود لألتقط حروفك المتناثرة / هنا وهناك". هذه الصورة تحمل أبعادا صوفية واضحة: القلب يصعد، يرتفع عن مكانه الطبيعي في الجسد، يسمو نحو مصدر الحروف، نحو اللوغوس "النظام الكوني " الأنثوي الذي تبعثر في الوجود. والحروف المتناثرة "هنا وهناك" تجعل من العالم كله صفحة مكتوبة بلغة متكسرة، ومهمة العاشق هي قراءة هذه الصفحة، جمع شظايا المعنى، ترميم الكلمة الإلهية التي توزعت على أرجاء الزمان والمكان. سادسا: أشباح السفر وثورة المحطات "كلّما نظرت إليك / سكنتني أشباح السفر" – في هذا البيت وحده تنطوي مأساة كاملة. النظرة، التي يفترض أنها فعل تواصل ووصول، تتحول إلى باب تدخل منه أشباح السفر. والأشباح هنا كائنات حدية: هي أثر لشيء كان، وليست الشيء ذاته. إنها ذكريات الرحلة، تعب المسافات، وجوه الغرباء، أصوات المحطات البعيدة. وهذه الأشباح "تسكن" المتكلمة، أي تقيم فيها، تحتل فراغاتها الداخلية. إنها ليست زوارا عابرين بل سكان دائمون، وجودهم فيها يوازي وجودها هي. والأشباح "تجلس على مقاعد من ورق". هذه المقاعد الورقية تمثل الهشاشة القصوى: لا هي قادرة على حمل ثقل حقيقي، ولا هي دائمة، ومع ذلك تجلس عليها الأشباح، أي أن الذكريات لا تحتاج إلى أرض صلبة لتستقر، بل تكتفي بأي سطح، بأي أثر، بأي احتمال. الورق أيضا مادة الكتابة، مما يوحي بأن هذه الأشباح تجلس على الذاكرة نفسها، على ما كُتب من حياة، على النص الداخلي للذات. ثم "تومض الذكرى كالشرر / فتثور محطاتك جنوناً / وتبتلعني المسافات". هنا تصل القصيدة إلى ذروة عنفها الرمزي. الذكرى ليست دفئاً ولا حنيناً، بل شرارة، وميض ناري سريع قادر على الإحراق. وهذه الشرارة تشعل ثورة المحطات: محطات الآخر التي كانت قد "اختفت" في عينيه، تعود الآن ولكن بصورة مقلوبة، تعود كقوى ثائرة مجنونة. الثورة هنا ليست تحررا، بل فوران، انفلات، فقدان للنظام. والمحطات التي تثور جنونا تعكس انقلاب الزمن على ذاته، خروج الماضي عن سيطرته، عودة المكبوت بعنف لا يُحتمل. والنتيجة أن المسافات – التي كانت قد "تاهت" سابقا – تعود هذه المرة لتبتلع الذات. إنه انتقام المكان: بعد أن ألغته الذات بالحب، يعود ليلتهمها. هذا الابتلاع ليس سلبياً بالكامل رغم عنفه؛ إنه نوع من التوحد، من الذوبان، من أن تصبح جزءاً من المسافة نفسها لا عابراً فيها. سابعا: جدلية الظل والنور وسبيل السفر الأخير في المقطع الختامي، تنتقل القصيدة إلى فعل "اللواذ"، وهو فعل يحمل دلالات الالتجاء والاحتماء والهرب في آن. "ألوذ إليك باحثةً عن ظلك المضيء" – الظل المضيء تركيب يناقض نفسه، فالظل عادة هو غياب الضوء، هو الأثر المعتم للجسم الذي يحجب النور. لكن ظل المعشوق هنا ليس معتماً، بل مضيء. وهذا يعني أن كينونته من الشدة والفيض بحيث تحول حتى غيابها إلى نور. الظل المضيء هو الحضور في الغياب، هو الأثر الذي لا يقل وهجاً عن الأصل، هو الدليل على أن الآخر صار مصدراً للضوء لا مجرد عاكس له. وحين "يتوهّج قلبي / تضيء عتمتي / وتصبح عيناك / سبيلا للسفر" نكون قد بلغنا خاتمة الحركة الجدلية الكبرى للقصيدة. الأفعال الثلاثة (يتوهج، تضيء، تصبح) ترسم مسارا تصاعديا: من التوهج الداخلي (القلب)، إلى إضاءة العتمة (الذات)، إلى التحول الجذري لوظيفة العينين (الآخر). العينان، اللتان اختفت فيهما المحطات في بداية القصيدة، تصبحان الآن "سبيلا للسفر". هذا ليس تراجعا ولا تناقضاً، بل هو تركيب "هِيغَليّ" بالمعنى الفلسفي: الأطروحة كانت السكة والقطار (السفر التقليدي)، والنقيض كان اختفاء المحطات والتيه (نفي السفر)، والتركيب هو تحول العينين إلى سبيل (سفر من نوع أعلى). السبيل ليس طريقا ممهدا، بل هو مسار، مذهب، طريقة حياة. وعيناك تصبحان هذا المسار بالذات. السفر في العينين ليس انتقالاً في المكان، بل ارتحالاً في الرؤية، في الإدراك، في الوجود مع الآخر ومن خلاله. إنه سفر بلا وجهة، حركة لا تنتهي، عبور دائم في ملكوت الآخر. ثامنا: نحو قراءة نقدية شاملة إن ما يميز "سكة الضوء" ويجعلها جديرة بالدراسة النقدية المعمقة هو طبقاتها المتعددة ونسيجها المحكم الذي يعمل على مستويات مختلفة في آن: على المستوى الأسلوبي، تنهض القصيدة على ما يمكن تسميته بـ"بلاغة القلب" أو "بلاغة الانقلاب"، حيث كل صورة تنقلب على مدلولها المألوف: السكة تغير مسارها، الشوارع تصبح وهما، المسافات تتوه، المحطات تختفي وتثور، الصوت يُرى، الظل يضيء. وهذا الانقلاب المتواتر ليس تلاعبا لفظيا، بل تأسيس لرؤية معرفية تقوم على فكرة أن الحب يعيد تعريف الواقع، وأن الشعر هو المختبر الذي تتفكك فيه قوانين الفيزياء والمنطق ليعاد تركيبها وفق قوانين الوجد. وعلى المستوى التناصي، يمكن قراءة القصيدة في ضوء التراث الصوفي الذي طالما تحدث عن "الفناء في المحبوب" و"البقاء به"، حيث تذوب الحدود بين السالك والمسلوك، وحيث تصبح المحبوبة سبيلا إلى الحقيقة لا حجابا عنها. غير أن سنوبر تعكس الاتجاه: المحبوبة ليست وسيلة لفناء الذات، بل هي التي تجعل الذات ممتلئة بالأشباح، بالذكريات، بالشوق، بالحنين. إنه فناء من نوع مختلف: فناء بالامتلاء لا بالتلاشي. وعلى المستوى الفلسفي، تطرح القصيدة تصورا عن المكان والزمان يستحق التأمل. المكان ليس حاوية فارغة للأشياء، بل هو كائن حي يتفاعل مع الوعي، ينقبض وينبسط، يتوه ويُتوه، يختفي ويثور. والزمان ليس خطا مستقيما، بل هو طبقات: زمن القطار السريع، زمن الحنين الذي يجر خيطا، زمن الذكرى التي تومض كالشرر، زمن اللواذ إلى الظل المضيء. هذه الأزمنة المتعددة تتعايش في النص وتتصارع وتتكامل. وعلى المستوى الجمالي، تنجح القصيدة في خلق ما يمكن تسميته بـ"جمالية الهشاشة": القصر الزجاجي، مقاعد الورق، الأنامل التي تسقط سهوا، الشوارع التي تصبح جليدا. كل الصور الصلبة والمستقرة في وعينا تتحول إلى أشياء قابلة للكسر أو الذوبان أو السقوط. وهذا ليس ضعفا، بل هو شرط الجمال: الهشاشة تجعل الشيء ثمينا، نادرا، مهددا، وبالتالي شعريا بامتياز. وفي الختام، فإن "سكة الضوء" لا تحكي قصة حب، ولا تصف مشاعر، ولا تؤرخ لعلاقة. إنها تفعل ما هو أكبر: إنها تبني عالما كاملا له فيزياؤه وزمانه وجغرافيته وأشباحه، عالما حيث "عيناك سبيل للسفر"، وحيث السفر ليس حركة من نقطة إلى أخرى، بل هو الإقامة الدائمة في وهج الآخر، في ظله المضيء، في حضوره الذي لا يغيب حتى حين يغيب، في مملكة الضوء التي تجعل من التيه يقينا، ومن الغياب امتلاء، ومن السكة المتغيرة مسارها قدرا نختاره ونحن نحسب أننا نعانده. وهكذا تختتم القصيدة رحلتها، تاركة القارئ أمام معادلة وجودية نادرة: أن تجد في عينيّ الآخر سبيلا للسفر، هو أن تكتشف أن الوطن ليس مكانا تعود إليه، بل وجهة لا تصلها إلا حين تتخلى عن فكرة الوصول. طه دخل الله عبد الرحمن البعنه == الجليل 18/07/2026 ****************** سكة الضوء روعة سنوبر كقطار يمرّ على عجل ترقص عجلاته مستعرةً على جمر الحريق والسكة الممتدة تغيّر مسارها كلّما عاندها الطريق بين ذراعيك تستحيل الشوارع وهماً من جليد تغصّ بقطاراتك المنفيّة وتتوه المسافات عابرة.. في عينيك تختفي المحطات في عالم منسيّ يصعد قطارك مسرعاً يجرّ خلفه خيطاً من حنين محمّلاً بحقائب الشوق وأحلامٍ حائرة يضيء وجهك بين النجوم الخافتة فتستيقظ مدني المتعبة تتفقّد شرايينها، حواسّها، أناملها التي سقطت سهوا على ذاك الرصيف حيث قصرك المنحوت من زجاج وصوتك المرئيّ يبدّد الهدوء يثير صخب الليل يتطاول قلبي نحو الصعود لألتقط حروفك المتناثرة هنا وهناك.. كلّما نظرت إليك سكنتني أشباح السفر تجلس على مقاعد من ورق تومض الذكرى كالشرر فتثور محطاتك جنوناً وتبتلعني المسافات ألوذ إليكَ باحثةً عن ظلك المضيء يتوهّج قلبي تضيء عتمتي وتصبح عيناك سبيلاً للسفر. الأديبة الشاعرة روعة سنوبر
#طه_دخل_الله_عبد_الرحمن (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
قراءة للقصيدة الحزينة - رقصات فوق غبش القبر –
-
رمزية الألم والجمال في شعر محمود درويش
-
القصيدة المغناة بقلم الشاعر والناقد الاردني دكتور محمد سليط
-
حين ينكسر القمر في بئر الغربة
-
حرف الألف... حيثُ يبدأُ التكوينُ وينحني البيان
-
الخادم مايكل حمدان، سِفر التجلي الإنساني وفلسفة النور المتجس
...
-
القهوة والكتاب: طقوس العزلة المنتجة
-
رسالةٌ إلى حبيبتي الدمشقية حين يتعانقُ الحرف بالنغم
-
المثالية والواقعية بين أرسطو وأفلاطون: صراع الفكرة والواقع ف
...
-
سَبْعَةٌ وَسِتُونَ عَامًا
-
تأمل في ميتافيزيقا الحب، نحن الذين لا يحوينا زمان – الحب – ل
...
-
هل يمكن أن تكون الحرية سببا في تعاسة الإنسان بعيدا عن النضج
...
-
أنا والكتاب
-
قراءة لنص - النَّفْخَةِ الْأَخِيرَةِ فِي رُوحِ الْكَوْنِ – ل
...
-
قراءة لنص - رحلةُ قلمٍ في محرَّم – للدكتور عبد الكريم الحلو
-
الْقَلَمُ سِلَاح عَابِر لِلْإِجْيَال
-
قراءة أديبة - لثلاثية ق ق ج – حفاة المدن – قوس قزح – صمت الم
...
-
قراءة لمقال - أمراء المنصات وفقراء الموهبة... عندما تتحول ال
...
-
دراسة تحليلية نقدية شاملة في نص - إنه بيتها وما زال يسكنني -
...
-
عندما يبكي القلب
المزيد.....
-
كريستوفر نولان مخرج فيلم -الأوديسة- يتحدث لـCNN عن تأثير الم
...
-
الأردن ينفي الرواية الأمريكية ويؤكد استمرار العمل بمطار ومين
...
-
مصر.. وفاة الممثل أحمد جلال عبدالقوي عن عمر 42 عاما
-
أمجد تادرس يروي تجارب الصحفيين المحليين الذين صنعوا قصص الغر
...
-
وفاة الفنان المصري أحمد جلال عبد القوي عن عمر 42 عاما
-
-الناجون من الظلام-.. شهادة حية من جحيم السجون الإسرائيلية
-
ملامح إسلامية في الأدب الروسي.. حضور يمتد من بوشكين إلى الرو
...
-
الجمعية العلمية للفنون تناقش السينما باعتبارها قوة ناعمة
-
رحيل -سيدة الحمام-.. بريندا فريكر أول أيرلندية فتحت أبواب ال
...
-
قائد الثورة: أشكر مراجع التقليد الأجلاء والعلماء والمفكرين و
...
المزيد.....
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
-
حكاياتْ تَكاد تُنسى
/ فلاح العيفاري
-
وعي ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
ديوان 23 الحاوي والعصفور
/ منصور الريكان
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
-
كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
رسالة الى عام 3026
/ ايه رياض الجبوري
-
نافذة ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال
/ كمال التاغوتي
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث
...
/ السيد حافظ
المزيد.....
|