أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - سِفرُ الياسمين: فيروز والوحي القادم من الشرفة














المزيد.....

سِفرُ الياسمين: فيروز والوحي القادم من الشرفة


طه دخل الله عبد الرحمن

الحوار المتمدن-العدد: 8783 - 2026 / 7 / 31 - 09:14
المحور: الادب والفن
    


لا تغني فيروز، بل تستخرج من صمت الأشياء نشيدَها الخفيّ. كأنَّ صوتها لم يُخلق ليملأ فراغاً، بل ليُثبِت أنَّ هذا الفراغَ مسكونٌ بالمعنى، وأنَّ الهواءَ من حولنا مثقَلٌ بما لم يُقَل. إنها لا تمنحنا صوتاً بقدر ما تمنحنا أُذُناً ثالثةً، أذُناً لا تسمع النغم، بل تسمع ما وراء النغم: دبيبَ الذاكرة في عروق الحجر، وتنفّسَ الفجر خلف ستائر البيوت، وخطوَ الغائبين على عتبات الانتظار. في كلِّ مرَّةٍ ننصت إليها، ننصت في الحقيقة إلى جوهر أنفسنا حين تصير أنقى وأصدق.
البلاغةُ الفيروزيَّة ليست بلاغةَ الزخرف والصياغة، بل بلاغةُ التجرُّد. إنها تقشِّر الكلمةَ من تراب اللغة، لترى فيها البذرةَ الأولى التي انبثقت منها الدلالة. حين تقول "بكتب اسمك يا حبيبي"، لا تسرد اعترافاً عاطفياً، بل تخلق طقساً كونياً: الكتابةُ هنا فعلُ مقاومةٍ ضد الفناء، والاسمُ ليس حروفاً بل روحاً تُستودَع أمانةَ الخلود. كأنها تهمس لنا بأنَّ الحبَّ الحقيقيَّ لا يتحقَّق في العناق، بل في الكتابة، في الأثر الذي يبقى بعد أن تذوي الأجساد. إنها تعيد للغة وظيفتها السحرية الأولى: التعويذة التي تحمي من العدم.
في صوتها، يذوب الزمن أو يتكثَّف، حسب إرادة المستمع. إنها لا تسير في خطٍّ زمنيّ، بل تسكن الدائرةَ الأبديَّة التي تجمع الأمس والغد في حضن "الآن" المطلق. استمع إليها في "زهرة المدائن"، فلن تجد رثاءً لمدينةٍ سقطت، بل ميلاداً لمدينةٍ روحيَّةٍ لا تسقط. ليست القدس عندها حجارةً وكنيسةً ومسجداً، بل فكرةً عن العدالة، عن الطفل الذي لم يولد بعد، عن الصلاة التي ستُرفع غداً. لقد نقلت القضية من إطار السياسة والتاريخ إلى إطار الأسطورة، حيث لا يموت الأبطال، بل يتحوَّلون إلى أناشيد. هذا هو الإعجاز: أن تصنع من الهزيمة نشيداً، ومن الرماد وعداً بالربيع.
ثمَّة صوفيةٌ عميقةٌ في أدائها، لا من حيث الموضوع، بل من حيث الجوهر. إنها تغني كما يتنسَّك المتصوِّف: تفرِّغ ذاتها ليحلَّ فيها المعنى. صوتها لا يملك، بل يُملَك؛ لا يفرض، بل يُلهم. في "يا أنا يا أنا"، لا نعرف إن كانت فيروز تتكلَّم، أم إنَّ الحياةَ كلَّها تتكلَّم على لسانها. الأنا والآخر يذوبان في وحدةٍ وجوديَّةٍ عذبة، حيث تصير المسافة بين العاشق والمعشوق سراباً جميلاً. هذه هي ذروة الدلالة: أن تغدو الأغنيةُ مرآةً نرى فيها وجهَنا الكونيَّ لا وجهَنا اليوميَّ، وأن نكتشف أنَّ حزنَنا الشخصيَّ ليس سوى موجةٍ في بحر الحزن الإنسانيِّ الشاسع.
والوطن، في قاموس فيروز، ليس تُراباً ولا رايةً، بل هو ذلك الصوت الداخليُّ الذي يقول لنا "هنا أنت آمن، هنا أنت مكتمل". إنها لا تمتدح الأوطان، بل تخلقها من نبرة الحنين. في "راجعون"، لا تصف عودةً حدثت أو ستحدث، بل تستحضر فكرة العودة ذاتها بوصفها طبيعةً بشرية، كالتنفس والنبض. كلُّ لاجئٍ وكلُّ مشتاقٍ وكلُّ من أضاع مفتاحَ بيته القديم يجد في صوتها مفتاحاً آخر، مفتاحاً من نغم يفتح أبواب الذاكرة لا الأبواب الخشبية. إنها تمنحنا وطناً محمولاً، وطناً من هواء، لا تستطيع الحروب أن تحطِّمه.
تلك هي الجوهرةُ الدفينة في إرثها: أنها جعلت من الاستماع فعلاً خلاقاً. لسنا متلقِّين سلبيِّين حين نستمع لفيروز، بل شركاء في الخلق، لأنَّ كلَّ واحدٍ منا يبني من النغم عالَمَهُ السريَّ. في أغنياتها، الحبُّ ليس ما نعيشه، بل ما نحلم أن نعيشه. الحزن ليس ما يسحقنا، بل ما يطهِّرنا. الغياب ليس نهاية، بل صيغةٌ راقيةٌ من صيغ الوجود. إنها لم تعلِّمنا كيف نسمع الموسيقى، بل علَّمتنا كيف ننصت للحياة حين تهمس بأسرارها، وكيف نرى في القمح رمزاً للصمود، وفي الياسمين رسولاً للجمال الذي لا يموت، وفي صوت امرأةٍ من لبنان، صوتَ الأبديَّةِ وهي تبوح.
البعنه == الجليل
31/07/2026



#طه_دخل_الله_عبد_الرحمن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة لقصيدة - وحدهم يعبرون الجسر – للأستاذ الشاعر البشير عب ...
- فيزياء الروح المضادة: تشريح -الوطن المؤقت- في نص نوال ادريس ...
- قراءة للقصة الق. ق. ج – طابور الموت – للأستاذة الهام عيسى
- قراءة لقصيدة – لقاء... وتراتيل – للأستاذ الشاعر سعيد محتال
- قراءة - بيسان قلعة الجليل – للكاتب الأستاذ صبحي سرحان
- سكة الضوء: حين يصير السفر وجودا والآخر وطنا من لغة ونور
- قراءة للقصيدة الحزينة - رقصات فوق غبش القبر –
- رمزية الألم والجمال في شعر محمود درويش
- القصيدة المغناة بقلم الشاعر والناقد الاردني دكتور محمد سليط
- حين ينكسر القمر في بئر الغربة
- حرف الألف... حيثُ يبدأُ التكوينُ وينحني البيان
- الخادم مايكل حمدان، سِفر التجلي الإنساني وفلسفة النور المتجس ...
- القهوة والكتاب: طقوس العزلة المنتجة
- رسالةٌ إلى حبيبتي الدمشقية حين يتعانقُ الحرف بالنغم
- المثالية والواقعية بين أرسطو وأفلاطون: صراع الفكرة والواقع ف ...
- سَبْعَةٌ وَسِتُونَ عَامًا
- تأمل في ميتافيزيقا الحب، نحن الذين لا يحوينا زمان – الحب – ل ...
- هل يمكن أن تكون الحرية سببا في تعاسة الإنسان بعيدا عن النضج ...
- أنا والكتاب
- قراءة لنص - النَّفْخَةِ الْأَخِيرَةِ فِي رُوحِ الْكَوْنِ – ل ...


المزيد.....




- الموت يفجع الفنان تامر حسني
- حين يتحول الخشب إلى حياة.. منحوتات ستيبان إرزيا في معرض تريت ...
- فيلم -الأوديسة-.. هذا هو موقع تصوير الملحمة السينمائية في اس ...
- بعد استهداف مصر لأول مرة.. هكذا سخر فنانون من طريقة تعامل تر ...
- -أم السينما السوفيتية- في موسوعة غينيس
- -كفوا عن النيل من أنبيائنا!-.. برلماني روسي يطالب بوقف العبث ...
- جامعة موسكو تُحوّل سير أبرز العلماء الروس إلى مسلسل رسوم متح ...
- متحف تولا يستقبل مقتنيات أثرية نادرة من إرث عائلة ديميدوف وص ...
- مقاتل روسي في فنون القتال المختلطة يكشف أسباب اعتناقه الإسلا ...
- طرابلس تعزف وترسم من جديد.. كيف تحاول الثقافة الليبية كسر سن ...


المزيد.....

- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - سِفرُ الياسمين: فيروز والوحي القادم من الشرفة