أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - قراءة لقصيدة – خيوط العنكبوت – للأستاذ الدكتور فهد المحمد الثاني 29-8-2026 حينَ يُنصِتُ الوجودُ لنَايِ القلبِ.. قراءةٌ في «خيوط العنكبوت» للشاعر د. فهد المحمد الثاني















المزيد.....


قراءة لقصيدة – خيوط العنكبوت – للأستاذ الدكتور فهد المحمد الثاني 29-8-2026 حينَ يُنصِتُ الوجودُ لنَايِ القلبِ.. قراءةٌ في «خيوط العنكبوت» للشاعر د. فهد المحمد الثاني


طه دخل الله عبد الرحمن

الحوار المتمدن-العدد: 8813 - 2026 / 8 / 30 - 20:18
المحور: الادب والفن
    


قراءة لقصيدة – خيوط العنكبوت – للأستاذ الدكتور فهد المحمد الثاني 29-8-2026
حينَ يُنصِتُ الوجودُ لنَايِ القلبِ.. قراءةٌ في «خيوط العنكبوت» للشاعر د. فهد المحمد الثاني
مقاربةٌ نقديَّةٌ تأويليَّةٌ في متاهاتِ النصِّ ومجاهلِ الدلالة
لكلِّ زمانٍ قصيدتُهُ التي تختصرُهُ، ولكلِّ عاشقٍ نصُّهُ الذي يبوحُ بسرِّهِ، فإذا القصيدةُ مرآةٌ محدَّبةٌ تنعكسُ عليها ملامحُ الذاتِ المبدعةِ متكسِّرةً ثم تلتئمُ في عينِ المتلقِّي، وإذا هي جسرٌ من ضوءٍ ممتدٍّ بينَ ضفَّتَيِ الروحِ والروحِ، بينَ سرِّ الشاعرِ ونجوى القارئِ، فكيفَ إذا جاءتِ القصيدةُ حاملةً في طيَّاتِها سيرةَ قلبٍ توحَّدَ بالعشقِ حتَّى صارَ العشقُ كيانَهُ، وذابَ في المحبوبِ حتَّى غدا لا يفرِّقُ بينَ نَبضِهِ ونَبضِها؟ تلكَ هي «خيوط العنكبوت» للشاعرِ د. فهد المحمد الثاني، وقد أطلَّتْ علينا من شُرُفاتِ الشامِ الأبيَّةِ تحملُ عبقَ الياسمينِ وأنَّةَ النايِ ووجيبَ القلوبِ الوامقةِ.
إنَّ الناظرَ في هذا النصِّ الشعريِّ الفريدَ ليأخذُهُ العجبُ من تلكَ القدرةِ الفائقةِ على تحويلِ المألوفِ إلى مُدهشٍ، واليوميِّ إلى مُقدَّسٍ، والحسيِّ إلى روحانيٍّ، إذ ينهضُ الشاعرُ بلغتِهِ من مرتبةِ الوصفِ إلى مرتبةِ الخلقِ الفنِّيِّ، فيبدعُ عالَمًا موازيًا تسكنُهُ الحبيبةُ بوصفِها كائنًا كونيًّا لا يحدُّهُ مكانٌ ولا يؤطِّرُهُ زمانٌ، وإنَّما هي فكرةٌ تتجسَّدُ، ومعنىً يتشخَّصُ، وروحٌ تتنزَّلُ على قلبِ الشاعرِ فتُخصِبُهُ بالشعرِ كما تُخصِبُ الأمطارُ الأرضَ الميتةَ فتحيا وتربو وتُنبِتُ من كلِّ زوجٍ بهيجٍ.
أوَّلًا: في بنيةِ النصِّ وأسرارِ تشكيلِهِ الفنِّيِّ
إنَّ قصيدةَ «خيوط العنكبوت» تقومُ على معماريَّةٍ فنيَّةٍ تتَّسمُ بالانفلاتِ من عروةِ الشكلِ التقليديِّ الجامدِ، دونَ أن تفقدَ وشيجتَها بجذورِ القصيدةِ العربيَّةِ الأصيلةِ، فهي تنتمي إلى ما يمكنُ تسميتُهُ بالقصيدةِ السيرياليَّةِ الواقعيَّةِ، تلكَ التي تستبطنُ الواقعَ لتتفجَّرَ منهُ صورًا تتجاوزُ المنطقَ العاديَّ إلى منطقٍ أعلى هو منطقُ الحبِّ والفنِّ. ومن هنا جاءَ العنوانُ «خيوط العنكبوت» مفارقًا خادعًا، إذ توحي الخيوطُ بالضعفِ والوهنِ، ولكنَّها في حقيقةِ الأمرِ خيوطٌ من شعاعٍ، نُسجتْ من دموعِ الروحِ ولهيبِ الفؤادِ، فهي أوهى من نسجِ العنكبوتِ في ظاهرِها، وأمتنُ من سلاسلِ الفولاذِ في باطنِها، ذلكَ أنَّ حبالَ العشقِ إذا تعلَّقتْ بها الروحُ لم ينقذْها منها إلاَّ خالقُ الروحِ.
ويُلاحَظُ أنَّ الشاعرَ قد بنى نصَّهُ على تقنيةِ الترسُّلِ الشعريِّ المفتوحِ، فجاءتِ الأبياتُ متتابعةً كأنَّها نَفَسٌ واحدٌ ممتدٌّ لا يريدُ أن ينقطعَ، وكأنَّ الشاعرَ يخشى إنْ هو تنفَّسَ بينَ سطرٍ وسطرٍ أن تتبدَّدَ نشوةُ الوجدِ أو تتبخَّرَ خمرةُ الهيامِ، فإذا القصيدةُ كلُّها لحظةُ تجلٍّ صوفيٍّ واحدةٍ، يذوبُ فيها الزمنُ ويتلاشى المكانُ، ولا يبقى إلاَّ الحبُّ مطلقًا من كلِّ قيدٍ، طليقًا من كلِّ حدٍّ، كأنَّهُ الوجودُ في عنفوانِ تجلِّيهِ.
ثانيًا: في جدليَّةِ الحضورِ والغيابِ وتشكُّلاتِ الصورةِ الشعريَّةِ
إنَّ المتأمِّلَ في نسيجِ الصورةِ الشعريَّةِ عندَ الشاعرِ ليلحظُ أنَّها تقومُ على جدليَّةٍ خصبةٍ بينَ الحضورِ والغيابِ، بينَ الوصلِ والصدِّ، بينَ اليقينِ والشكِّ، فالحبيبةُ حاضرةٌ في كلِّ ذرَّةٍ من ذرَّاتِ النصِّ، ومع ذلكَ فهي غائبةٌ غيابَ السرِّ في قلبِ العارفِ، لا يدركُها الحسُّ إدراكَهُ للأشياءِ، وإنَّما يدركُها الوجدانُ إدراكَهُ للمعاني، ومن هنا جاءتِ الاستعاراتُ متتاليةً تتلاحقُ كأمواجِ بحرٍ هائجٍ، تتدافعُ وتتراكبُ وتتحطَّمُ على صخورِ اللغةِ لتتحوَّلَ إلى رذاذٍ من سحرٍ وبيانٍ:
فهي مرَّةً «غزالةٌ تتراشقُ، الزهورُ تغازلُها»، في صورةٍ رعويَّةٍ تنهضُ من أعماقِ الذاكرةِ الجمعيَّةِ للشعرِ العربيِّ، فإذا الحبيبةُ ظبيةٌ تختالُ في رياضِ القلبِ، والزهورُ عاشقاتٌ تتسابقُ إلى لثمِ أذيالِها.
وهي مرَّةً أخرى «حوريَّةٌ جميلةُ العيونِ ياقوتُ»، فيرتفعُ بها من مراتبِ البشريَّةِ إلى مراتبِ الكائناتِ النورانيَّةِ، فإذا الحبُّ عندَ الشاعرِ ليسَ توقًا جسديًّا فحسبُ، بل هو حنينٌ روحيٌّ إلى عالمِ المثالِ الذي هبطتْ منهُ الروحُ إلى هذا العالمِ الكثيفِ.
وهي مرَّةً ثالثةً «نسماتُ الربيعِ في الصيفِ، وحرارةُ وهجِ الصباحِ بالشتاءِ»، في جمعٍ ضِدِّيٍّ بديعٍ يجمعُ بينَ الحرارةِ والبرودةِ، بينَ الربيعِ والصيفِ، بينَ الصباحِ والشتاءِ، وكأنَّ الشاعرَ يقولُ: إنَّ الحبيبةَ كائنٌ لا نهائيٌّ، يحتوي الأضدادَ ويجمعُ المتناقضاتِ، فهي الاعتدالُ في زمنِ التطرُّفِ، والينبوعُ في صحراءِ القحطِ، والنورُ في ديجورِ الظلماءِ.
وهي مرَّةً رابعةً «قهوةُ الصباحِ وسكنُ الروحِ وزهورُ الدارِ ورغيفُ تنُّورِ أمِّي»، وهنا يبلغُ الشاعرُ ذروةَ التصويرِ الفنِّيِّ حينَ يمزجُ بينَ الحسيِّ الملموسِ والروحيِّ المجرَّدِ، فيجعلُ من الحبيبةِ كلَّ ما يبعثُ الدفءَ والأمانَ والانتماءَ، فإذا هي ليستْ امرأةً تُعشَقُ وحسبُ، بل هي وطنٌ يُؤوَى إليهِ، وطفولةٌ يُحنُّ إليها، وأمومةٌ يُستَظَلُّ بظلِّها الوارفِ.
ثالثًا: في شعريةِ التناصِّ وتداخلِ النصوصِ
لا شكَّ أنَّ القارئَ النابهَ سيلحظُ في قصيدةِ «خيوط العنكبوت» حضورًا تناصِّيًّا خصبًا مع موروثِنا الشعريِّ العربيِّ العريقِ، وإن لم يكنْ ذلكَ الحضورُ مقصودًا لذاتِهِ، وإنَّما هو نابعٌ من تلكَ الوشائجِ العميقةِ التي تصلُ الشاعرَ بجذورِهِ الثقافيَّةِ، فتفيضُ على لسانِهِ من حيثُ لا يشعرُ:
ففي قولِهِ: «المرآةُ مغرمةٌ، ومرآتُها عيوني» استدعاءٌ لموقفِ امرئ القيسِ حينَ وقفَ على الديارِ واستوقفَ صحبَهُ، ولكنَّ الشاعرَ هنا يقلبُ الموقفَ رأسًا على عقبٍ، فإذا هو لا يبكي أطلالًا دارسةً، بل يبكي حضورًا طاغيًا لا يُحتمَلُ، وإذا عيونُهُ تصيرُ مرايا تعكسُ جمالَ المحبوبةِ حتَّى تكادُ تنشقُّ من فرطِ الامتلاءِ بالنورِ.
وفي قولِهِ: «عرفتُ من النساءِ عشرونَ ألفًا لكنَّ معشوقتي من كوكبٍ ثانِ» ترديدٌ بعيدٌ لصوتِ ابنِ الروميِّ وابنِ زيدونَ والمتنبِّي في تفضيلِ المحبوبةِ على سائرِ النساءِ، لكنَّ الشاعرَ يجاوزُهم جميعًا حينَ يجعلُ محبوبتَهُ من كوكبٍ آخرَ، فإذا الفارقُ ليسَ بينَ حسنٍ وحسنٍ، بل بينَ عالمٍ وعالمٍ، وإذا العشقُ ليسَ اختيارًا بينَ متشابهاتٍ، بل هو انخطافٌ كونيٌّ لا قبلَ للقلبِ بدفعِهِ.
وفي ختامِ القصيدةِ بقولِهِ: «لا الشمسُ ينبغي لها أن تُدرِكَ القمرَ ولا الليلُ سابقُ النهارِ» إشارةٌ قرآنيَّةٌ خفيَّةٌ تتَّصلُ بقولهِ تعالى في سورةِ يس، وفيها ينتقلُ الشاعرُ من مقامِ العاشقِ الولهانِ إلى مقامِ الحكيمِ المستسلمِ لقضاءِ اللهِ، فإذا الحبُّ عندَهُ ليسَ تمرُّدًا على النظامِ الكونيِّ، بل هو انسجامٌ معهُ، وإذا العاشقُ الصادقُ هو الذي يعرفُ أنَّ لكلِّ شيءٍ قدرًا، وأنَّ القلوبَ وإن فرَّقتْها الأيامُ فإنَّ اللهَ جميلٌ يجمعُ الأقدارَ.
رابعًا: في فلسفةِ الحبِّ عندَ الشاعرِ وتجلِّياتِها الصوفيَّةِ
إنَّ المتعمِّقَ في قصيدةِ «خيوط العنكبوت» ليكتشفُ أنَّها ليستْ قصيدةَ غزلٍ بالمعنى التقليديِّ فحسبُ، بل هي منظومةٌ فلسفيَّةٌ متكاملةٌ في الحبِّ، تنهضُ على رؤيةٍ صوفيَّةٍ للوجودِ والعدمِ، للحضورِ والغيابِ، للوصلِ والفراقِ، فالشاعرُ يتَّخذُ من المحبوبةِ معبرًا إلى اللهِ، ومن العشقِ طريقًا إلى التطهُّرِ، ومن الدموعِ ماءً للوضوءِ، ومن الأشواقِ صلاةً في محرابِ الليلِ.
انظرْ إليهِ يقولُ: «حبُّها إيماني»، و«بلسمٌ مقريٌّ بآياتِ شفاءِ الحبِّ قرأتُها ترتيلًا لكن زادتْ عشقي»، و«ملاكٌ هبطَ من السماءِ كالنَّدى أنعشَ الروحَ»، و«عرفَها الأبرارُ والعشَّاقُ أنَّها قمرُ الكونِ»، فإنَّكَ لتجدُ نفسَكَ أمامَ تجربةٍ روحيَّةٍ خالصةٍ، تتَّخذُ من لغةِ الجسدِ رمزًا، ومن إشاراتِ الحسِّ كنايةً، ومن وجدِ القلبِ معراجًا، فإذا الحبيبةُ ليستْ غايةً في ذاتِها، بل هي مرآةٌ تتجلَّى فيها صفاتُ الجمالِ الإلهيِّ، وإذا العشقُ ليسَ شهوةً تُقضى، بل هو سفرٌ أبديٌّ في مجاهلِ الروحِ لا ينتهي إلاَّ بالفناءِ في المحبوبِ الأعظمِ.
وهذا ما يفسِّرُ لنا ذلكَ الحضورَ المكثَّفَ لمفرداتِ الطهارةِ والقداسةِ في النصِّ: «ينابيعُ الطهرِ»، «ملاكٌ»، «إيماني»، «محرابٌ»، «ترتيلًا»، «الأبرارُ»، فالقصيدةُ كلُّها تستحمُّ في نهرٍ من نورٍ، وتتنفَّسُ في فضاءٍ من قداسةٍ، وكأنَّ الشاعرَ يريدُ أن يطهِّرَ لغةَ الحبِّ من كلِّ شائبةٍ، ويرفعَها إلى مقامِ العبادةِ والنسكِ.
خامسًا: في شعريَّةِ المكانِ وحضورِ الهويَّةِ الشاميَّةِ
إنَّ من أبرزِ ما يميِّزُ قصيدةَ «خيوط العنكبوت» ذلكَ الحضورَ الطاغيَ للمكانِ الشاميِّ بكلِّ ما يحملُهُ من دلالاتٍ تاريخيَّةٍ وحضاريَّةٍ ووجدانيَّةٍ، فالشاعرُ لم يكتبْ قصيدتَهُ في فراغٍ، بل جعلَ منها سفرَ حبٍّ لبلادِ الشامِ، ومرآةً تنعكسُ عليها ملامحُ الهويَّةِ السوريَّةِ بكلِّ تنوُّعاتِها وغناها:
فها هو يستدعي «أقحوانَ الشامِ»، و«بنتَ الشامِ»، و«عطرَ الياسمينِ»، و«الصوتَ الجبيليَّ الرخيمَ»، و«الفرسَ الأصيلَ»، و«رغيفَ تنُّورِ أمِّي»، فإذا المكانُ ليسَ خلفيَّةً ساكنةً للقصيدةِ، بل هو فاعلٌ رئيسٌ في بناءِ الدلالةِ وصياغةِ المعنى، وإذا الحبيبةُ تتحوَّلُ إلى وطنٍ مصغَّرٍ، والوطنُ يتحوَّلُ إلى حبيبةٍ كبرى، في توحُّدٍ عجيبٍ بينَ العشقِ والانتماءِ، وبينَ حبِّ المرأةِ وحبِّ الأرضِ، وهذا من أرقى ما يبلغُهُ الشعرُ حينَ يذوبُ الخاصُّ في العامِّ، والفرديُّ في الجماعيِّ، والذاتيُّ في الوطنيِّ.
وإنَّ قولَهُ: «هي جنةُ الروحِ وينابيعُ الطهرِ والحنانِ والحياءِ أميرةُ فؤادي» ليجمعُ بينَ صفاتِ المكانِ المقدَّسِ وصفاتِ المرأةِ المحبوبةِ، فإذا الشامُ جنَّةٌ، وإذا المرأةُ جنَّةٌ، وإذا الحبُّ جنَّةٌ، وإذا الشعرُ جنَّةٌ تتداخلُ فيه الجنانُ وتتواشجُ، فيخرجُ القارئُ من هذهِ القصيدةِ محمَّلًا بأنفاسِ الياسمينِ وعطرِ الخزامى ورائحةِ الخبزِ الطازجِ من تنُّورِ الأمِّ.
سادسًا: في موسيقى النصِّ وإيقاعاتِهِ الداخليَّةِ
إذا كانَ النصُّ قد انفلتَ من عروةِ الوزنِ الخليليِّ الصارمِ، فإنَّهُ لم ينفلتْ من موسيقى الشعرِ وإيقاعاتِهِ الداخليَّةِ، بل إنَّهُ قد عوَّضَ عن ذلكَ بموسيقى من نوعٍ آخرَ، هي موسيقى الروحِ ونبضُ القلبِ وتدفُّقُ الشعورِ، فالقصيدةُ تتنفَّسُ بإيقاعٍ داخليٍّ متصاعدٍ، يبدأُ هامسًا متأوِّهًا، ثمَّ يشتدُّ ويرتفعُ، ثمَّ يبلغُ ذروتَهُ في صرخةِ التسليمِ الإيمانيِّ في الختامِ.
وقد جاءَ تكرارُ المفرداتِ والعباراتِ مقصودًا لذاتِهِ، إذ إنَّ التكرارَ في هذا النصِّ ليسَ عجزًا عن الإتيانِ بجديدٍ، بل هو ضربٌ من ضروبِ الإلحاحِ الوجدانيِّ، ومحاولةٌ للقبضِ على اللحظةِ الشعريَّةِ الهاربةِ، واستعادةٌ للمعنى في صورٍ شتَّى، فإذا قولُهُ: «هي... هي... هي...» المتكرِّرُ في عشراتِ المواضعِ، ليسَ إلاَّ محاولةً لتعريفِ ما لا يُعرَّفُ، وتحديدِ ما لا يتحدَّدُ، وقبضِ ما لا يُقبَضُ، وكأنَّ الشاعرَ يلتفُّ حولَ معشوقتِهِ من كلِّ الجهاتِ فلا يمسكُ إلاَّ بخيطٍ من ضوءٍ، ولا يرى إلاَّ سرابًا من جمالٍ، فيعودُ فيكرِّرُ المحاولةَ في تلذُّذٍ بالعجزِ، وتنعُّمٍ بالحيرةِ، وترفُّعٍ عن اليقينِ المملِّ.
سابعًا: في آفاقِ التأويلِ وفتنةِ القراءةِ
إنَّ قصيدةَ «خيوط العنكبوت» لتفتحُ أمامَ القارئِ آفاقًا من التأويلِ لا نهايةَ لها، إذ تتَّسعُ دائرتُها الدلاليَّةُ لتشملَ أبعادًا نفسيَّةً واجتماعيَّةً وفلسفيَّةً وروحيَّةً، فيمكنُ قراءتُها قراءةً نفسيَّةً تكشفُ عن أعماقِ الذاتِ المبدعةِ الممزَّقةِ بينَ رغبةِ الامتلاكِ والخوفِ من الفقدِ، وبينَ نشوةِ الوصلِ وعذابِ الحرمانِ، وبينَ يقينِ الحبِّ وشكِّ النهايةِ.
ويمكنُ قراءتُها قراءةً اجتماعيَّةً تكشفُ عن أزمةِ الإنسانِ المعاصرِ في بحثِهِ عن معنىً لحياتِهِ في عالمٍ يتآكلُ فيه المعنى وتتبدَّدُ فيه القيمُ، فالحبيبةُ هنا هي الطمأنينةُ المفقودةُ، واليقينُ الغائبُ، والوطنُ المسلوبُ، والأمُّ البعيدةُ، والأرضُ الجريحةُ، وكلُّ ما يحنُّ إليهِ القلبُ ولا يصلُ إليهِ.
ويمكنُ قراءتُها قراءةً صوفيَّةً تكشفُ عن تلكَ الرحلةِ الروحيَّةِ من الشهودِ إلى الغيبةِ، ومن التفرقةِ إلى الجمعِ، ومن الفناءِ في المحبوبِ إلى البقاءِ بهِ، فالشاعرُ هنا يعيشُ تجربةً صوفيَّةً كاملةً، تبدأُ بالتعلُّقِ بالمحبوبِ المجازيِّ، وتمرُّ بمراحلِ السكرِ والفناءِ، وتنتهي بالتسليمِ والرضا والإيمانِ بالقدرِ.
خاتمةٌ: في مقامِ الشاعرِ ومنزلتِهِ بينَ شعراءِ العشقِ
أيُّها الشاعرُ السفيرُ، يا من حملتَ رايةَ الحبِّ والسلامِ في زمنِ الحربِ والدمارِ، ويا من جعلتَ من قصيدتِكَ سفينةَ نجاةٍ في بحرِ الهوانِ، لقد كتبتَ فخلَّدتَ، ونطقتَ فأعجزتَ، ونسجتَ من خيوطِ العنكبوتِ ما لا تنسجُهُ أيدي النسَّاجينَ من حريرٍ وديباجٍ، وجعلتَ من تجربتِكَ الوجدانيَّةِ الخاصَّةِ رسالةً إنسانيَّةً عامَّةً، تنادي بالحبِّ في زمنِ الكراهيةِ، وبالسلامِ في زمنِ الحربِ، وبالجمالِ في زمنِ القبحِ، فدمتَ للشعرِ نبراسًا، وللشامِ فخرًا، وللعروبةِ تاجًا على مفرقِ الزمانِ.
وإنِّي إذ أضعُ قلمي عن هذهِ القراءةِ، لأعلمُ أنَّني ما بلغتُ من معاني هذهِ القصيدةِ إلاَّ كما يبلغُ السابحُ من البحرِ غرفةً بكفِّهِ، فالقصيدةُ أوسعُ من كلِّ قراءةٍ، وأعمقُ من كلِّ تأويلٍ، وأبقى من كلِّ نقدٍ، لأنَّها خرجتْ من قلبٍ ملؤهُ الحبُّ، وإلى قلوبٍ ملؤها الشوقُ، وما بينَ قلبٍ وقلبٍ سرٌّ لا يعرفُهُ إلاَّ اللهُ الذي ألَّفَ بينَ القلوبِ وجعلَها تنبضُ بالحياةِ وبالحبِّ وبالشعرِ.
طه دخل الله عبد الرحمن
البعنه == الجليل
29/08/2026
***************
قصيدة تحت عنوان
خيوط العنكبوت
أحبها وعيون الروح اغرورقت
من فيض دموع نبضات القلب
ناضجة،نضوج الورد والازهار
اجتاحت سهام حبها كل كياني
اخاف،اختبئ وراء ستار الروح
اخشى العيون تكشف اسراري
الجسم اضرمته نيران الهوى
متيم في جمال الروح والبدن
جميلة و الروح كماء سلسبيل
المرآة مغرمة،ومرآتُها عيوني
غزالة تتراشق ،الزهور تغازلها
مشتاقٌ تمسك اناملها أصابعي
نتطاير مثل فراشات البستاتين
بين شجيرات ذكريات الخوالي
نعزف على وتر الحب الأحلام
وأغاني العشق في بطن الليالي
حلمُ الأماني ملاك الروح اسمها
الكون دونها جردٌ من غير ماء
هي جنة الروح وينابيع الطهر
والحنان والحياء اميرة فؤادي
شذى روائح عطر الأنفاس ريم
ندى عروق العشق حبها إيماني
نادا منادي نبض القلب نادية
عطرت نوادي الروح والشريان
هي بدر الليالي ودروب الغرام
نجمة تلألأت ايقظت أحلامي
هي قهوة الصباح وسكن الروح
وزهور الدار و رغيف تنور أمي
حشيشة الفؤاد وافيون الغرام
وعطر الليل ورائحة طهر بلدي
ادمنت عشق الورد والياسمين
نقش بالرمش على الخد هيامي
عشقت معسول الكلام وحروف
الحب،يترجمها عبق سر كلماتي
ريفية حضرية من عصير عنبٍ
و توتٍ و بلحِ واقحوانَ الشام
هي نسمات الربيع في الصيف
وحرارة وهج الصباح بالشتاء
هي معزوفات الروح والغرام
الوجه منير كا النجوم، وضاء
لبؤة غزالة تمتطي فرس أصيلا
تروي ثمار العشق بحب وأغاني
بصوت جبيلي رخيم له صداه
تردده الجبال و الأوراق، تبكي
الشّعّر غجري يجلل الفستان
الأنامل طويلة ناعمة بيضاء
تتسابق حبات العنب للشفاههّا
عاشقة الانامل والثغر كُشتبان
قطرات الندى تتساقط عاشقة
تداعب الأنف ومقعد الوجنات
الفرس ساكنٌ من غير لجامٍ
مغرم عاشق روائح الفستان
انا مسكين تهت وتاهت العيون
بجمال بديعٌ أخاذٌ والقدُ مياس
كانت فاعلاً ،في الحب،وفعل
مستتر ستر آهات حر وجدي
ينابيع سواقي سلسبيل العشق
خطًت ساقية تروي شجيراتي
نقشّت حروف الغرام والأشعار
على ورق الزهور وأسوار داري
جنائن من الزهور والياسمين
على ضفاف العشق و الهيام
طيور الشوق والآمال والأماني
تبكي حنان الروح وآلام آهاتي
البلابل تتربع رؤوس الاغصان
حزينة تنعي بحرّقةٍ أشعاري
هائم أنا في هواها،حبها أفيون
الروح وأسرار روح سهر الليالي
عرفت من النساء عشرون ألفٍ
لكن معشوقتي من كوكب ثاني
حورية جميلة العيون ياقوت
والشعر عناقيد الأصائل داني
هناك جموع حسانِ،لكن الروح
لا ترى سواها ، عطرها انفاسي
تتراشق على رؤوس الأصابع
تخشى قتل الزهور والوريقات
تهرب والزهور تشتم الروائح
تلاحقها ، تلثم بعشق الفستان
انيقة ارسلت سهام الأنفاس
أصابت حشيشة الروح والفؤاد
رفعت طرف الثوب ،ثلج يتأللأ
عكس بريق للقلب،للروح شافي
خياشيم الأنف عاشقة روائحها
والروح أدمنت نضارة الوجنات
وريقات الورود أهدت ألوانها
للخدود وكرزٌ على رقة الشفاه
اتراكض مثل مراهقٍ عاشقٍ
انقش على الجدران أشواقي
اوقدت نار الغرام في خضرة
الروح والشعر ابيض باكي
متيم بهواها لا يسعف الشوق
إلا لثم العين والجبين والخدان
بلسم مقري بآيات شفاء الحب
قرأتها ترتيلا لكن زادت عشقي
عرفّها الأبرار والعشاق أنها قمرُ
الكون واسرار عشق بنت الشام
أشراقة أمل إضاءة الكون نورا
عبق الياسمين عطرها والخزام
ارشدوني كيف الشفاء لمن هوا
وكوتّه نيران العشقِ و الهجران
سكناها عرش القلب والوجدان
ذقتُّ مرارة وهم حبال الأماني
زخرف حروف الأسم حبٌ،غرامٌ
وأملٌ و سكنٌ ومحرابٌ للأحلام
نالت جمرات العشق و الخذلان
هل لعشاقٍ شفاءُ جرح الأحلام
شقيقة الروح عطر الروح نبض
القلب احتلت جزيئات كياني
نسمة ترد الروح فراشة غزالة
اسمها بمسار الروح والشريان
لايشببهها احد حنونة جميلة
زرعتها في حديقة القلب ريان
تعذبني ترهقني تحبني تغازلني
ليست مجرد أمرأة هي ملاكي
سقيتها من النبض جرعة الهوا
على زراع العشق حيبتي نامي
صبحت الصبح بعذوب اللسان
روائح خدها هيامٌ عطر ممسّك
تجرعت الخيبات بكأس الغرام
جمال الحب يفرح،يبكي بحنان
تعالي اقاسمك زاد سهام الهوى
فانا محترف وافهم لغة العينان
اسرفت في حبها وهبتها الروح
والنبض تستحقِ أجمل الحسان
ملاك هبط من السماء كاالندى
أنعش الروح، سرقت عيوني
السعادة بخبايا عشق العيون
وفي نطق لسانها حروف أسمي
ضعي الخد استشعري الدقات
تتزاحم في اوردة الدم ياعمري
ليست مجرد امرأة عابرة هي
هي الونيس والأنيس وكياني
كحلة العيون هي و الابتسامة
حضني دافئ لها وكل الحنان
سألت السلطان سر نبض القلب
والهمسات ولمعة فرحة العيون
أجاب طهارة العشق لا يعرفها
إلا من ذاق حرارة لوعة الوجد
إن كنت عاشقّ ونال منك الهوا
لا تخدعك ضحكات حلا الزمان
لا الشمس ينبغي لها تدرك
القمر ولا الليل سابق النهار
اعقل وتوكل على الله الرحمان
أدعو ربك راجيا مفعم بالإيمان
كم من القلوب فرقتها الديار
لكن الله جميل يجمع الأقدار
سفير المحبة والسلام
الشاعر د.فهد المحمد الثاني
حلب - سورية الأبية



#طه_دخل_الله_عبد_الرحمن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وتستمر الحكمة في النقد السامق لأضع بين ايديكم اعزائي ما جادة ...
- قِرَاءَةُ فِي مُعَلَّقَةٍ الْوَفَاء الْكُبْرَى لِلْأُسْتَاذ ...
- قراءة للمقطع الشعري – عيون – للأستاذة الناقدة نافلة مرزوق ال ...
- قراءة لقصيدة – أحبّكِ – للدكتورة آمال بوحرب
- شكر وامتنان لمرفأ الابداع والأستاذ سعيد محتال – جليس الشهر ف ...
- الحوار الثقافي الذي دار بين الدكتور عبد الكريم الحلو صاحب ال ...
- قراءتان لقصيدتان – سل النجوم وطفح الحب
- قراءة لقصيدة - رُبَاعِيَّاتُ محمد سليط من وجعِ الِخرْطُوم – ...
- سِفرُ الياسمين: فيروز والوحي القادم من الشرفة
- قراءة لقصيدة - وحدهم يعبرون الجسر – للأستاذ الشاعر البشير عب ...
- فيزياء الروح المضادة: تشريح -الوطن المؤقت- في نص نوال ادريس ...
- قراءة للقصة الق. ق. ج – طابور الموت – للأستاذة الهام عيسى
- قراءة لقصيدة – لقاء... وتراتيل – للأستاذ الشاعر سعيد محتال
- قراءة - بيسان قلعة الجليل – للكاتب الأستاذ صبحي سرحان
- سكة الضوء: حين يصير السفر وجودا والآخر وطنا من لغة ونور
- قراءة للقصيدة الحزينة - رقصات فوق غبش القبر –
- رمزية الألم والجمال في شعر محمود درويش
- القصيدة المغناة بقلم الشاعر والناقد الاردني دكتور محمد سليط
- حين ينكسر القمر في بئر الغربة
- حرف الألف... حيثُ يبدأُ التكوينُ وينحني البيان


المزيد.....




- بعد مسيرة فنية حافلة.. وفاة الفنان المصري الكبير محمد التاجي ...
- حميد دباشي يفكك -المركزية الأوروبية- ما بعد الوحشية: غزة وال ...
- -بلادك تحترق وأنت تقيم الحفلات-.. الشاب خالد يواجه انتقادات ...
- هل حفرت أمريكا -ممرا سريا- في هرمز؟ وثائق وبيانات تفنّد الرو ...
- وزير التعليم يشهد توقيع بروتوكول تعاون مع معهد جوته ودار “هو ...
- -معايا ماستر-.. كلمة باللغة الإنجليزية تضع وزير النقل المصري ...
- أغنية من ألبوم كاظم الساهر تختفي بعد طرحها بأيام.. ما القصة؟ ...
- الأربعاء.. ثماني جامعات فلسطينية تلتقي على خشبة القصبة في مه ...
- تالا صندوقة: فنانة مقدسية تعيد إحياء الذاكرة الفلسطينية عبر ...
- حكايات بين الصفحات.. حين تحتفظ الكتب المستعملة بآثار قرائها ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - قراءة لقصيدة – خيوط العنكبوت – للأستاذ الدكتور فهد المحمد الثاني 29-8-2026 حينَ يُنصِتُ الوجودُ لنَايِ القلبِ.. قراءةٌ في «خيوط العنكبوت» للشاعر د. فهد المحمد الثاني