أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - قراءة للمقطع الشعري – عيون – للأستاذة الناقدة نافلة مرزوق العامر















المزيد.....

قراءة للمقطع الشعري – عيون – للأستاذة الناقدة نافلة مرزوق العامر


طه دخل الله عبد الرحمن

الحوار المتمدن-العدد: 8797 - 2026 / 8 / 14 - 01:25
المحور: الادب والفن
    


قراءة للمقطع الشعري – عيون – للأستاذة الناقدة نافلة مرزوق العامر 13-8-2026
جَدَليَّةُ الْعَيْنِ وَالْجَمَالِ: تَأْوِيلٌ فِي مِيتَافِيزِيقَا الْحُضُورِ وَالْغِيَابِ عِنْدَ نَافِلَةَ مُرْزُوق الْعَامِر
لَسْنَا - فِي هَذَا الْمَقْطَعِ الشِّعْرِيِّ الْآسِرِ - أَمَامَ مُجَرَّدِ وَصْفٍ لِلْعُيُونِ، بَلْ أَمَامَ مُحَاوَلَةٍ جَرِيئَةٍ لِإِعَادَةِ تَشْكِيلِ سُؤَالِ الْجَمَالِ نَفْسِهِ مِنْ جُذُورِهِ الْأَنْطُولُوجِيَّةِ. إِنَّ الشَّاعِرَةَ تَفْتَتِحُ نَصَّهَا بِتَقْسِيمٍ وُجُودِيٍّ صَارِمٍ: «عُيُونٌ مِنْ جَمَالٍ / وَعُيُونٌ مِنْهَا الْجَمَالُ». وَهَذَا التَّقْسِيمُ لَيْسَ تَصْنِيفًا جَمَالِيًّا بَرِيئًا، بَلْ هُوَ تَقْسِيمٌ يُرَاوِحُ بَيْنَ مَنْطِقِ الْفَيْضِ الْأَفْلُوطِينِيِّ وَمَنْطِقِ الصُّدُورِ الْإِشْرَاقِيِّ؛ فَالْعُيُونُ الْأُولَى تَنْتَمِي إِلَى عَالَمِ الْجَمَالِ بَعْدَ تَحَقُّقِهِ، أَمَّا الْعُيُونُ الثَّانِيَةُ فَهِيَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَتَوَلَّدُ فِيهِ الْجَمَالُ، كَأَنَّهَا الْعِلَّةُ الْفَاعِلَةُ وَالْغَايَةُ الْقُصْوَى فِي آنٍ وَاحِدٍ. إِنَّهَا لَحْظَةُ تَجَلٍّ يَلْتَقِي فِيهَا الْوَاحِدُ بِالْكَثِيرِ، وَيَتَوَاطَأُ فِيهَا الْجَوْهَرُ مَعَ الظُّهُورِ.
ثُمَّ تَأْتِي اسْتِعَارَةُ الْمَاسِ لِتُعَمِّقَ هَذِهِ الْجَدَلِيَّةَ إِلَى أَقْصَى مَدَاهَا الْفَلْسَفِيِّ: «كَالْمَاسِّ بَعْضُهُ مِنْ مَعْدِنٍ فِي احْتِبَاسٍ / وَبَعْضُهُ مِنْ رَهَافَةِ إِحْسَاس». هُنَا تَبْلُغُ الْبَلَاغَةُ ذُرْوَتَهَا فِي تَحْوِيلِ الْمَجَازِ إِلَى مِعْرَاجٍ أَنْطُولُوجِيٍّ يَصْعَدُ بِالْقَارِئِ مِنْ عَالَمِ الْجِيُولُوجِيَا الصَّامِتَةِ إِلَى عَالَمِ الْوِجْدَانِ النَّاطِقِ. فَالْمَاسُ — فِي جَوْهَرِهِ الْكِيمْيَائِيِّ — لَيْسَ سِوَى كَرْبُونٍ تَحَوَّلَ تَحْتَ ضَغْطٍ جَهَنَّمِيٍّ فِي أَعْمَاقِ الْأَرْضِ، أَيْ أَنَّهُ مُعَانَاةٌ مُتَحَجِّرَةٌ، وَصَمْتٌ مُتَبَلْوِرٌ، وَزَمَنٌ مُنْضَغِطٌ فِي حَيِّزٍ ضَيِّقٍ. وَحِينَ تُشَبِّهُ الشَّاعِرَةُ الْعُيُونَ بِهَذَا الْمَعْدِنِ النَّفِيسِ، فَهِيَ لَا تَمْدَحُهَا بِصِفَةٍ عَارِضَةٍ، بَلْ تَكْشِفُ عَنْ بُنْيَتِهَا الْأَنْطُولُوجِيَّةِ الْعَمِيقَةِ: إِنَّ الْجَمَالَ الْحَقِيقِيَّ وَلِيدُ الْأَلَمِ الْمُكْتَظِّ، وَثَمَرَةُ الصَّبْرِ الْمُتَطَاوِلِ، وَابْنُ الْعُزْلَةِ الْقَاهِرَةِ الَّتِي تَصْنَعُ مِنَ الْكَرْبُونِ الْهَشِّ أَصْلَبَ مَا عَرَفَتِ الطَّبِيعَةُ.
وَلَكِنَّ الْعَبْقَرِيَّةَ الْحَقِيقِيَّةَ تَتَجَلَّى فِي الِانْتِقَالَةِ الثَّانِيَةِ: «وَبَعْضُهُ مِنْ رَهَافَةِ إِحْسَاس». فَالشَّاعِرَةُ لَا تَكْتَفِي بِجَعْلِ الْجَمَالِ مُعَادِلًا لِلصَّلَابَةِ وَالِاحْتِبَاسِ، بَلْ تَجْعَلُهُ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ مُعَادِلًا لِلرَّهَافَةِ وَالِانْفِعَالِ. وَهَذَا جَمْعٌ بَيْنَ مُتَنَاقِضَيْنِ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي مَنْطِقِ الْعَقْلِ الْأَرُسْطِيِّ، لَكِنَّهُمَا يَتَّحِدَانِ فِي مَنْطِقِ الْكَشْفِ الشِّعْرِيِّ الَّذِي يَتَجَاوَزُ مَبْدَأَ عَدَمِ التَّنَاقُضِ. إِنَّ الْعَيْنَ الْجَمِيلَةَ، فِي هَذَا التَّصَوُّرِ، كَائِنٌ يَجْمَعُ بَيْنَ صَلَابَةِ الْمَاسِ الَّتِي تَخْدِشُ كُلَّ مَا يُحَاوِلُ اخْتِرَاقَهَا، وَرَهَافَةِ الْإِحْسَاسِ الَّتِي تَجْعَلُهَا تَنْفَعِلُ بِأَدْقِّ الذَّبْذَبَاتِ الْوِجْدَانِيَّةِ. إِنَّهَا كَائِنٌ مُسْتَحِيلٌ بِالْمَنْطِقِ، مُمْكِنٌ بِالشِّعْرِ.
وَمِنَ الْجَدِيرِ بِالتَّأَمُّلِ أَنَّ الشَّاعِرَةَ اخْتَارَتْ كَلِمَةَ «احْتِبَاس» دُونَ غَيْرِهَا مِنَ الْكَلِمَاتِ الَّتِي تُؤَدِّي الْمَعْنَى نَفْسَهُ. فَالِاحْتِبَاسُ يُحِيلُ إِلَى الْحَبْسِ وَالْمَنْعِ وَالتَّأْجِيلِ، وَكُلُّهَا دَلَالَاتٌ تُوَازِي بَيْنَ تَكْوِينِ الْمَاسِ فِي بَاطِنِ الْأَرْضِ وَتَكْوِينِ الْجَمَالِ فِي بَاطِنِ الرُّوحِ. فَالْجَمَالُ — فِي هَذَا التَّصَوُّرِ — لَيْسَ هِبَةً مُتَاحَةً لِلْجَمِيعِ، بَلْ هُوَ نَتِيجَةُ احْتِبَاسٍ طَوِيلٍ، وَاكْتِنَازٍ صَامِتٍ، وَانْضِغَاطٍ وُجُودِيٍّ يُحِيلُ الْأَلَمَ إِلَى ضِيَاءٍ، وَالْغِيَابَ إِلَى حُضُورٍ، وَالصَّمْتَ إِلَى بَيَانٍ.
وَلَوْ تَوَغَّلْنَا أَكْثَرَ فِي الْبِنْيَةِ الْإِيقَاعِيَّةِ لِلنَّصِّ، لَوَجَدْنَا أَنَّ التَّقْطِيعَ السَّطْرِيَّ الْقَصِيرَ يُحَاكِي فِي تَشَكُّلِهِ تَشَكُّلَ الْمَاسِ نَفْسِهِ: فَكُلُّ سَطْرٍ عِبَارَةٌ عَنْ ذَرَّةِ مَعْنًى تَعَرَّضَتْ لِضَغْطٍ هَائِلٍ مِنَ الِاخْتِزَالِ وَالتَّكْثِيفِ، حَتَّى تَحَوَّلَتْ إِلَى وَمْضَةٍ شَعْرِيَّةٍ شَدِيدَةِ الْكَثَافَةِ، لَا تَقْبَلُ الزِّيَادَةَ وَلَا النُّقْصَانَ. إِنَّهَا قَصِيدَةٌ تُشْبِهُ مَوْضُوعَهَا فِي تَكْوِينِهَا، وَتُحَاكِي مَدْلُولَهَا فِي بِنْيَتِهَا، وَهَذَا هُوَ الْكَشْفُ الْبَلَاغِيُّ الْأَسْمَى: أَنْ يَتَحَوَّلَ النَّصُّ نَفْسُهُ إِلَى مَا يَتَحَدَّثُ عَنْهُ.
وَفِي الْخِتَامِ، يُمْكِنُنَا أَنْ نَقُولَ إِنَّ نَافِلَةَ مُرْزُوق الْعَامِر لَمْ تَكْتُبْ قَصِيدَةً عَنِ الْعُيُونِ، بَلْ كَتَبَتْ مَانِيفِسْتُو رُومَانْسِيًّا — فَلْسَفِيًّا عَنْ سِرِّ الْجَمَالِ وَمَصْدَرِهِ وَغَايَتِهِ. إِنَّهَا تَنْقُلُنَا مِنْ سَطْحِ الْمَرْئِيِّ إِلَى عُمْقِ الْكَائِنِ، وَمِنْ وَصْفِ الظَّاهِرَةِ إِلَى اسْتِكْنَاهِ الْمَاهِيَّةِ، وَمِنْ بَلَاغَةِ التَّشْبِيهِ إِلَى مِيتَافِيزِيقَا الْحُضُورِ وَالْغِيَابِ. وَهَكَذَا تَتَأَكَّدُ الْحَقِيقَةُ الْكُبْرَى: أَنَّ الشِّعْرَ الْعَظِيمَ لَيْسَ تَزْيِينًا لِلْكَلَامِ، بَلْ كَشْفٌ لِلْوُجُودِ، وَأَنَّ الْعَيْنَ الْجَمِيلَةَ لَيْسَتْ عُضْوًا يُبْصِرُ، بَلْ مِرْآةً يَتَجَلَّى فِيهَا الْجَمَالُ الْمُطْلَقُ فِي تَوَتُّرِهِ الْأَبَدِيِّ بَيْنَ الِاحْتِبَاسِ وَالتَّجَلِّي، بَيْنَ الصَّلَابَةِ وَالرَّهَافَةِ، بَيْنَ الْمَعْدِنِ وَالْإِحْسَاسِ.
*****************
عيونٌ
من جمالٍ
وعيونٌ
منها الجمالُ
كالماسِّ
بعضه من معدن
في احتباس
وبعضه
من رهافة إحساس!
نافلة مرزوق العامر
Stella Ra Nch
12 أغسطس 2023 ·



#طه_دخل_الله_عبد_الرحمن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة لقصيدة – أحبّكِ – للدكتورة آمال بوحرب
- شكر وامتنان لمرفأ الابداع والأستاذ سعيد محتال – جليس الشهر ف ...
- الحوار الثقافي الذي دار بين الدكتور عبد الكريم الحلو صاحب ال ...
- قراءتان لقصيدتان – سل النجوم وطفح الحب
- قراءة لقصيدة - رُبَاعِيَّاتُ محمد سليط من وجعِ الِخرْطُوم – ...
- سِفرُ الياسمين: فيروز والوحي القادم من الشرفة
- قراءة لقصيدة - وحدهم يعبرون الجسر – للأستاذ الشاعر البشير عب ...
- فيزياء الروح المضادة: تشريح -الوطن المؤقت- في نص نوال ادريس ...
- قراءة للقصة الق. ق. ج – طابور الموت – للأستاذة الهام عيسى
- قراءة لقصيدة – لقاء... وتراتيل – للأستاذ الشاعر سعيد محتال
- قراءة - بيسان قلعة الجليل – للكاتب الأستاذ صبحي سرحان
- سكة الضوء: حين يصير السفر وجودا والآخر وطنا من لغة ونور
- قراءة للقصيدة الحزينة - رقصات فوق غبش القبر –
- رمزية الألم والجمال في شعر محمود درويش
- القصيدة المغناة بقلم الشاعر والناقد الاردني دكتور محمد سليط
- حين ينكسر القمر في بئر الغربة
- حرف الألف... حيثُ يبدأُ التكوينُ وينحني البيان
- الخادم مايكل حمدان، سِفر التجلي الإنساني وفلسفة النور المتجس ...
- القهوة والكتاب: طقوس العزلة المنتجة
- رسالةٌ إلى حبيبتي الدمشقية حين يتعانقُ الحرف بالنغم


المزيد.....




- تربية نينوى تصقل مواهب المعلمين الأدبية بورشة تخصصية في الشع ...
- الفن يمنح أطفال غزة وشبابها مساحة لاستعادة ذواتهم وسط دمار ا ...
- بعد 4 سنوات من طعنه.. الكاتب سلمان رشدي يكشف في فيلم وثائقي ...
- الرسائل من وسيلة بوح إلى أداة تشفير.. المشفرات الشنقيطية نمو ...
- عراقيون يحررون ناقلة نفط من القراصنة.. ما حقيقة الرواية؟
- حمزة الحاج علي يمنح الفنون القتالية السورية أول ميدالية عالم ...
- ليمور -الإندري-.. أعجوبة الخلق الذي يغنّي كنجوم الأوبرا في غ ...
- الحديث بصوت مرتفع في حافلات سنغافورة قد يُكلِّفك
- عنصرية الحجب الفلسطيني عن التمثيل البرلماني
- فلسطين وروسيا تتفقان على أسابيع ثقافية متبادلة وترجمة الأعما ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - قراءة للمقطع الشعري – عيون – للأستاذة الناقدة نافلة مرزوق العامر