أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - شكر وامتنان لمرفأ الابداع والأستاذ سعيد محتال – جليس الشهر في ضيافة ملتقى الابداع الفني والادبي















المزيد.....


شكر وامتنان لمرفأ الابداع والأستاذ سعيد محتال – جليس الشهر في ضيافة ملتقى الابداع الفني والادبي


طه دخل الله عبد الرحمن

الحوار المتمدن-العدد: 8793 - 2026 / 8 / 10 - 08:44
المحور: الادب والفن
    


مرايا الإبداع وجسور الامتنان
لا تفي اللغةُ بمكنونِ الشكرِ حين يكونُ الحديثُ عن رجالٍ جعلوا من الكلمةِ وطناً، ومن الفكرةِ سماءً، ومن الحوارِ ملاذاً يفيضُ جمالاً وحكمة. كيف لا، وأنا أقفُ اليومَ بإجلالٍ أمامَ قاماتٍ أدبيةٍ وفنيةٍ حفرتْ أسماءَها في صخرِ الزمنِ بحروفٍ من نور، وجعلتْ من "ملتقى رواد الإبداع الفني والأدبي" مرفأً حقيقياً للسفنِ الباحثةِ عن شواطئِ المعنى في زمنِ الضجيج.
إليكَ أيها الصرحُ الباذخ، يا "مرفأ الإبداع"، يا من لم تكونوا مجردَ ملتقى عابر، بل كنتم وما زلتم جنادلَ يتحطمُ عليها سأمُ الروحِ ليخرجَ منها الإنسانُ أكثرَ إشراقاً. أنتم لستم مجردَ جدرانٍ احتضنتْ لقاءات، بل أنتم أفقٌ مفتوحٌ على احتمالاتِ الجمالِ كلِّها، نبضٌ جمعَ تناقضاتِ الفنِّ فصهرها في بوتقةِ الإبداعِ حتى سالتْ نهراً من الإدهاش. لكم وحدكم تُشرعُ أبوابُ الحمدِ على مصراعيها، فأنتم الفكرةُ والفضاءُ والجناحانِ اللذان يُحلّقُ بهما المبدعون حيثُ شاءتْ لهم دهشتهم.
وإن تحدثْتُ عن الجوهرِ واللباب، فهذا هو الأستاذُ المبدعُ الأديبُ سعيد محتال، ذاكَ الذي يمسكُ بطرفِ الحديثِ فلا تدري أأنتَ في محاورةٍ أم في نسيجٍ من سحرِ البيان يُغزلُ على مهل. لقد كان حوارُه معي في برنامج "جليس الشهر" عزفاً منفرداً على أوتارِ العمق، لم يكنْ يحاورُ ليُسمِعَ فقط، بل كان يفتحُ نوافذَ الروحِ ليُريَكَ كيف تخضرُّ الصحارى في قلبِ اللغة. شكراً لك أيها المحاوِرُ الفذّ، فأنتَ لا تجلسُ ضيفاً، بل أنتَ تستضيفُنا في ملكوتِ أفكارك، وتُجلِسُنا على عرشِ المعرفةِ دونَ استئذان. لقد أتحتَ لي، يا أستاذ سعيد، أن أبحرَ في عوالمَ لم أكنْ أظنُ أن الحوارَ قادرٌ على بلوغِها، فكنتَ المرفأَ والشراعَ والريحَ الطيبةَ في آن.
ولأن خلفَ كلِّ مشهدٍ عظيمٍ أيادٍ خفيةً ترفعه، لا بد أن أُطأطئَ القامةَ احتراماً لطاقمِ الإدارةِ الكرام، أولئكَ الذين يشبهون السُّفُنَ التي لا يراها الراكبُ في جوفِ الماءِ لكنها تحملهُ إلى شواطئِ أحلامه. هم من أداروا ظهرَهم للأضواءِ كي يديروا دفةَ الإبداعِ بصمتِ العارفين، شكراً لكم بحجمِ السماء، فأنتم روحُ الملتقى وسرُّ استمراريته، أنتم من يرتّبُ النجومَ في سماءِ هذا المرفأ كي لا يصطدمَ الحالمون.
فيا أيها الملتقى الجامع، ويا أيها الأستاذ سعيد، ويا أيها الطاقمُ الإداريُّ المخلص، لقد أثبتم أن الإبداعَ الحقيقيَّ لا يكونُ فردياً منعزلاً، بل هو طاولةٌ مستديرةٌ لا رأسَ لها، يجلسُ إليها المحاوِرُ والمبدعُ والإداريُّ متقابلين، يشربون نخبَ الجمالِ من كأسٍ واحدة. دامت أياديكم تمتدُّ للغدِ تبني جسورَ النور، ودامت أرواحكم تنضحُ بهذا السخاءِ الأدبيِّ الذي يليقُ بالكبارِ فقط. مني أنا، طه عبد الرحمن، أهديكم محبتي وامتناني وعرفاني بفضلكم الذي لا يُحد.
10/08/2026
****************
إجاباتي لما أرسله الأستاذ سعيد محتال للمشاركة كضيف عدد يوليو مجلة مرفأ الإبداع.
بسم الله، والحمد لله الذي علّم بالقلم، علّم الإنسان ما لم يعلم، والصلاة والسلام على أفصح من نطق بالضاد، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد
حين تصلني دعوةٌ كريمة من قامة أدبية شعرية نقدية بحجم وهيبة الأستاذ الشاعر سعيد محتال، لأكون ضيفاً على منبرٍ عريق كـ"مرفأ الإبداع"، فإن أول ما يخطر ببالي ليس الإجابة عن الأسئلة، بل مساءلة الذات قبل كل شيء: من أنا لأتحدث في محرابٍ طالما تعطّر بجلال الكلمة، وأشرق بنور الشعراء والأدباء الذين مروا من هنا كنجومٍ عابرة، تاركةً ضوءها في عتبات هذا المرفأ الجميل؟
لكنني، إذ أتأمل معنى "المرفأ" ذاته، أجد فيه ما يغويني بالقبول. فالمرفأ، أيها السادة، ليس مكاناً للرسوِّ الآمن فحسب، بل هو أيضاً نقطةُ انطلاقٍ جديدة، وموعدٌ مع بحرٍ آخر وشراعٌ يرتاح قليلاً ليخوض غمار المجهول من جديد. هكذا هو الأدب وهكذا هي الأسئلة التي تفضلتم بها عليّ؛ إنها ليست استجواباً، بل هي خرائطُ ملاحيةٌ لرحلة في أعماق الذات الكاتبة وفي تضاريس المشهد الثقافي الذي نعيشه ونتألم فيه ونسأل.
لقد جاءتني أسئلتكم، أستاذنا الجليل، كمرايا متقابلة، تعكس وجهي من زوايا لا أجرؤ على مواجهتها وحدي. سألتني عن الهوية الأدبية، عن اللحظة الأولى، عن معركة الكتابة، عن تداخل الأجناس، عن دور المنابر الورقية والرقمية، وعن مصير الناقد في زمن الخوارزميات. ووجدتني، وأنا أقرأ هذه الأسئلة، أشبه بمن يقف على عتبة "رسالة الغفران" لأبي العلاء المعري، متسائلاً: أأدخل الجنة أم الجحيم؟ وأيُّ الأسئلة سيكون شفيعي، وأيها سيكون حسيباً عليّ؟
غير أنني قررت أن أخوض هذه الرحلة، متسلحاً بما علّمتنا إياه قاماتنا الأدبية العربية، من المتنبي الذي حوّل القلق الشعري إلى كينونة وجودية، إلى طه حسين الذي جعل من الشك منهجاً للوصول إلى اليقين، إلى محمود درويش الذي رأى في الشعر وطناً بديلاً عن كل الأوطان الضائعة. لن أستشهد بهم تقليداً، بل سأحاورهم، وسأجعل من إجاباتي نداءً إلى أرواحهم، عسى أن يمدّوا من نور بصيرتهم ما يضيء عتمة الطريق أمامنا جميعاً.
الأستاذ سعيد، أيها الرواد الكرام، إنني إذ أتقلد شرف الإجابة، لا أزعم أنني أملك الحقيقة، فالحقيقة في الأدب، كما في الحياة، ليست وجهةً نصل إليها، بل هي سرابٌ جميلٌ نظل نسير نحوه، وكلما اقتربنا، ازداد جماله، وازددنا عطشاً إليه. وما هذه الإجابات إلا محاولاتٌ لترجمة ذلك العطش.
فلنبدأ الرحلة، وعلى الله الاتكال ومنه العون ومنكم المغفرة إن أخطأت ومن الكلمة النور إن أصابت.
1. بدلاً من التعريف السيرذاتي، كيف تقرأ تشكّل هويتك الأدبية في سياق الأنساق النقدية السائدة؟ وهل يطابق هذا البناء الخارجي (لقب "أديب") وعيك الداخلي بحدود ذاتك الكاتبة، أم أنه يمثل فجوة دلالية تستوجب المراجعة؟
ج: هويتي الأدبية ليست كينونةً مكتملةً أنظر إليها في مرآة السيرة، بل هي مشروعُ صيرورةٍ دائمة، تتشكل في ملتقى خطابات ثلاثة: صوتي الداخلي القلق، لغة الموروث التي تسكنني رغماً عني، وسلطة النسق النقدي الذي يصنف ويمنح الشرعية. إن "الأديب" الذي يراه النسق هو محصلةُ توافق اجتماعي ولغوي، قناعٌ يُصنع من تراكمات القراءات وأحكام النقاد. أما وعيي الداخلي بذاتي الكاتبة، فهو كائنٌ هارب، سيزيفي، يعرف أن كل اكتمال هو موتٌ مؤجل. الفجوة الدلالية بين "الأديب-العلامة" و"الذات-التجربة" هي شرط الإبداع نفسه؛ إنها الجرح الذي ينزف نصوصاً. لو تماهيت كلياً مع اللقب، لتحولتُ إلى تمثالٍ في حديقة الثقافة، أُشاهَد ولا أتحرك. أما لو أنكرته كلياً، لانقطعتُ عن سياقي. المراجعة هنا ليست فعلاً عارضاً، بل هي الموقف النقدي الدائم: أن تقف على عتبة نفسك، تنزع عنك الأسماء التي يخلعها عليك الآخرون، لا لترفضها، بل لترى ما تخفيه تحتها من ذاتٍ لم تُكتب بعد. هويتي الأدبية، إذن، تكمن في هذه المقاومة المستمرة، في أن أظل سؤالاً معلقاً، لا جواباً مستقراً.
2. في مقاربة نقدية للبوادر الأولى، ألا ترى أن استحضار "اللحظة الأولى" للكتابة هو بناء متأخر للمعنى؟ كيف تفسر، تحليلياً، تلك النقلة النوعية من فعل التلقي إلى فعل الإنتاج، وما هي العلامات النصية أو اللاواعية التي تؤكد لك أنك قد تجاوزت هامش القارئ إلى مركز المؤلِّف؟
ج: "اللحظة الأولى" وهمٌ ضروري، أسطورةُ تأسيسٍ تمنح الماضي معنى لم يكن يملكه حين كان حاضراً. نحن لا نسترجع البداية، بل نخترعها في كل مرة نحكيها، لنجعل من عبث البدايات قدراً. أما النقلة من التلقي إلى الإنتاج، فليست انتقالاً في المكان (من الهامش إلى المركز)، بل هي انقلابٌ في طبيعة الوجود اللغوي. القارئ يسكن اللغة كما يسكن البيت، أما الكاتب فيُسكَنُ بها، يكتشف أنه ليس سيداً عليها، بل هو خادمٌ لمعناها الهارب. تحليلياً، هذه النقلة تحدث لحظةَ إدراك أن القراءة ليست فعلاً بريئاً للفهم، بل هي إعادةُ كتابةٍ صامتة. العلامة الحاسمة ليست في أن تكتب نصاً "جيداً"، بل في أن تشعر بـ"خيانة" اللغة لك، بأن الكلمات التي تختارها تنزلق من بين يديك لتقول شيئاً لم تقصده بالكامل، وحينها تدرك أن النص قد أصبح كائناً مستقلاً، له إرادته. العلامة اللاواعية هي هذا القلق: الانتقال من متعة الفهم إلى رهبة الخلق، من سؤال "ماذا يعني هذا النص؟" إلى هاجس "ماذا سيفعل بي هذا النص الذي أكتبه؟". هناك، حيث يصبح المؤلف هو القارئ الأول المذعور لنصه، يكون قد تجاوز هامش التلقي إلى مدار الإنتاج، ليس بوصفه مركزاً، بل بوصفه بؤرةَ توترٍ دائمة.
3. في قراءة تفكيكية للعلاقة مع النص، هل الكتابة حقاً "مرفأ" آمن، أم أنها معركة دائمة مع الذات وسوق للمجهول؟
ج: الكتابة، في عمقها التفكيكي، هي تجربة الخروج من المرفأ لا بلوغه. إنها رحلةٌ ليلية بلا بوصلة، حيث تتصدع الذات التي نعرفها ليتسرب منها آخرون نحملهم دون أن ندري. هي معركة مع الذات، لأن الذات التي تكتب ليست الذات التي تعيش؛ الأولى كائنةٌ ورقية، تصنعها اللغة على مهل، بينما الثانية كتلةٌ من الرغبات والمخاوف. الكتابة هي سوقٌ للمجهول، لأن النص الحقيقي لا يُكتب بناءً على خريطة، بل يُكتَشف كما تُكتشف قارةٌ مجهولة، بالمخاطرة وبالخطأ. إنها تجربة اختلاق المعنى من العدم، حيث لا يوجد ضمانٌ سوى الشك. الأمان الذي نتحدث عنه ليس أمان اليقين، بل أمانُ التورط الكامل؛ كأن تقبل، طواعيةً، أن تضيع في غابة الرموز، متخلياً عن وهم السيطرة. من قال إنها مرفأ، ربما كان يصف محطتَه الأخيرة بعد أن فرغ من الكتابة، لكنه أغفل أن النص الذي انتهى منه لم يعد يخصه، وأن المرفأ الذي يركن إليه هو مجرد وهم آخر، سرعان ما يدفعك إلى مغادرة جديدة، لأن الكتابة، في جوهرها، هي رغبةُ العودة إلى البحر الهائج، لا الاستقرار على الرمل.
4. كيف تقرأ، نقدياً، ظاهرة انتقال الأدباء بين الأجناس؟ هل هي حتمية ناتجة عن ارتباك الحدود الجمالية وما بعد الحداثية، أم أنها هروب من ضيق الإطار النقدي لكل جنس على حدة؟ وأين تقع حدودك الأبستمولوجية في هذا التداخل، وأين تشعر أنك تقف على أرض صلبة جمالياً؟
ج: انتقال الأديب بين الأجناس هو، في عمقه، بحثٌ عن "الكتابة" في حالتها البرية، قبل أن تُروَّض وتُقسَّم إلى حقول. إنه اعترافٌ ضمني بأن التجربة البشرية أوسع من أي قالب، وأن المعنى عصيٌّ على السجن في شكل واحد. إنه ليس ارتباكاً ما بعد حداثي فحسب، بل هو أزليٌّ أيضاً؛ ألم يكن الجاحظ شاعراً في نثره وفقيهاً في أدبه؟ ما بعد الحداثة لم تخترع التداخل، بل شرعنته وجعلته وعياً جمعياً. هو ليس هروباً من ضيق الإطار النقدي، بل هو تمردٌ على سلطة هذا الإطار التي تريد للنص أن يكون "خالصاً" وكأن الخلوص فضيلة. حدودي الأبستمولوجية هنا ليست حدود الجنس، بل حدود "الكثافة". السؤال ليس: "هل هذا شعر أم نثر؟"، بل: "هل بلغ هذا النص من الكثافة والتوتر اللغوي ما يجعله ضرورياً، بغض النظر عن تصنيفه؟". الأرض الصلبة جمالياً هي تلك اللحظة التي يفرض فيها النص نظامه الخاص، فلا يحتاج إلى شرعية خارجية من نظرية الأنواع. إنها الأرض التي تخلقها اللغة حين تُحكِم قبضتها على المعنى، فتجعلك تنسى وأنت تقرأ أنك أمام "نص"، وتشعر أنك أمام "عالم". أنا لا أقف على أرض جنس أدبي، بل أقف على أرض الدهشة التي يصنعها النص، وهناك فقط أجد يقيني الجمالي.
5. في قراءة موضوعية للحراك الثقافي الراهن، هل لا تزال المجلات والمنابر الورقية (كمرفأ الإبداع) تمارس دورها الريادي في توجيه الوعي، أم أنها تحولت - تحت وطأة العولمة - إلى وثائق أرشيفية نخبوية تعكس عزلة المثقف أكثر مما تشكل ذائقة المتلقي الجمعية؟
ج: المجلات الورقية، في روحها، كانت "معابدَ للكلمة"، تطهّر الذائقة وتؤسس للشرائع الجمالية. أما اليوم، وتحت وطأة العولمة والتسارع الرقمي، فقد تحولت إلى "أديرة" اختيارية، تمارس طقساً ثقافياً رفيعاً لكنه بات منعزلاً. إنها لم تعد توجه الوعي، لأن الجمهور لم يعد يمر من بوابتها؛ لقد تشظّت الذائقة الجمعية إلى ملايين الشاشات، وصار القانون هو قانون "المحتوى" لا "الأدب". هذه المنابر صارت وثائق أرشيفية نخبوية بالمعنى المزدوج: تحفظ تقاليد الجودة، وتعكس في الوقت نفسه عزلة المثقف الذي يكتب لمن يشبهه فقط. إنها مرفأ، نعم، لكنه مرفأ لسفن لم تعد تبحر في المحيط العام، بل في بحيرة نخبوية مغلقة. المأساة ليست في أنها نخبوية، بل في أنها فقدت القدرة على أن تجعل من نخبويتها سلطةً مؤثرة، فصارت نخبويةً منعزلة لا نخبويةً طليعية. وهذا لا ينفي قيمتها، بل يؤكد أن وظيفتها تغيرت: من توجيه الوعي إلى حفظ الذاكرة الجمالية، في انتظار زمن ربما يعود فيه القراء إلى الصبر والتأمل.
6. هل نجحت المنصات الرقمية (كملتقى رواد الإبداع الفني والأدبي) في تعويض الفراغ النوعي الذي خلفته المجلات الورقية، أم أنها أوجدت فوضى إنتاجية كمّية تربك الناقد وتشتت المتلقي، بحيث يصبح النشر لحظياً، والفعل النقدي مستعجلاً، وتضمر معهما معايير الغربلة الجمالية؟
ج: المنصات الرقمية لم تعوض الفراغ النوعي، بل أنتجت نوعاً جديداً من الفراغ: فراغٌ مزدحم. إنها "سوبرماركت" ثقافي هائل، حيث كل شيء متاح، وكل شيء يفقد قيمته بسبب فرط الإتاحة. لقد ألغت الحواجز، وهذا إنجاز، لكنها ألغت معها "طقوس العبور" التي كانت تمنح النص هالته. النشر صار لحظياً، ففقد النص دهشةَ الانتظار ورهبةَ الاختيار. والنقد صار انطباعاً سريعاً، (إعجاب/تعليق)، يفتقر إلى المسافة التي هي شرط الحكم الجمالي. لقد أربكت الناقد، لأن أدواته التقليدية في الغربلة عاجزةٌ أمام الطوفان. لكن، في قلب هذه الفوضى، تتشكل "غربلة لامركزية" جديدة، تقوم على المجموعات الصغيرة، والمتابعين النوعيين، والقراءات الأفقية. إنه نظامٌ بيئي أدبي جديد، لم تتبلور قوانينه بعد. التحدي الحقيقي ليس في رفض الفوضى، بل في ابتكار "جماليات جديدة للفلترة" داخل الفوضى نفسها، دون أن نتحول إلى شرطة ثقافية، ودون أن نستسلم للابتذال.
7. في ظل طوفان النصوص الرقمية، كيف يمكن للمنبر الثقافي أن يضطلع بدوره التربوي تجاه الشاعر الناشئ، دون أن يتحول إلى "وصي" يفرض قواعد جمالية بالية، أو إلى "مذيع" سلبي لكل مستجد دون غربلة؟
ج: على المنبر الثقافي أن يتحول من "قاضٍ" إلى "مرشدٍ فيزيائي". دوره التربوي لم يعد في تعليم القواعد، بل في تعليم "مقاومة الجاذبية": جاذبية السهولة، جاذبية الاستهلاك، جاذبية التقليد. هو لا يفرض وصاية، بل يخلق "مختبراً للوعي باللغة". أن يضطلع بدوره يعني أن يعلّم الشاعر الناشئ كيف يبني أذنه الداخلية، كيف يميز بين رنين الكلمة الصادقة وجلجلة الكلمة الفارغة. هذا يتطلب من المنبر أن يكون نموذجاً في ممارسته، لا واعظاً في خطابه. أن يقرأ بعمق، أن يناقش بحرية، أن يعرض النماذج المتعددة لا ليحتذي بها الشاعر، بل ليراها كاحتمالات لا كأحكام. التوازن الدقيق هو أن تكون بوصلته "الدهشة المعرفية" لا "الصحة النحوية": كل نص يفتح سؤالاً جديداً يستحق الالتفات، وكل نص يكرر إجابات قديمة هو ضجيج. المنبر التربوي الحق هو الذي يخلق حوله مجتمعاً من الأسئلة، لا طابوراً من المريدين.
8. أين يرسم الناقد حده الفاصل مع المبدع، وأين تبدأ علامات انزياح السلطة من النص إلى قراءته؟ وكيف تمارس، ككاتب وناقد، نوعاً من "العنف الرمزي" لنزع قدسية النص الأولي لتأويله، وكيف توازن بين حيادية القراءة المنهجية وانحياد الذائقة الذاتية؟
ج: الحد الفاصل بين الناقد والمبدع هو "خيانة إبداعية". الناقد يخون النص ليخلق نصاً موازياً هو القراءة. إنه لا يخدم النص، بل يخدم المعنى المحتمل الكامن في شقوقه. سلطة النص تبدأ في الانزياح لحظة يعترف الناقد بأن المعنى ليس وديعةً مستخرجة، بل هو إنتاجٌ جديد. "العنف الرمزي" الذي أمارسه ليس هدماً، بل هو تفجيرٌ محسوب: أن أُدخل النص في شبكة من الأسئلة لم يطرحها على نفسه، أن أقرأ صمته كما أقرأ كلماته، أن أربط ما ظهر بما أُخفي، جاعلاً من النص الأولي شاهِداً على ما لا يعرف أنه يعرفه. أما التوازن بين حيادية المنهج وانحياد الذائقة، فهو فن "الاعتراف المزدوج": أعترف، في بداية كل قراءة، بذائقتي وانحيازاتي، فلا أمارسها متخفياً. ثم أستخدم المنهج لا كدرع موضوعي، بل كأداة لمساءلة انحيازاتي واختبارها. القراءة المنهجية التي تلغي الذائقة هي قراءة ميتة، والذائقة التي تلغي المنهج هي انطباعية فجة. النقد الحي هو الذي يظل ظاهراً فيه صراعُ المنهج والذائقة، لا انتصار أحدهما، لأن من هذا الصراع بالذات يتولد المعنى الجديد، معنى لم يكن في النص ولا في الناقد من قبل.
9. كيف يمكن للناقد، في زمن سيادة الخوارزميات والذكاء الاصطناعي، أن يحافظ على جمالياته الإنسانية دون أن يتحول إلى متحف بشري، ويواكب في الوقت نفسه الأشكال التكنولوجية الجديدة دون أن يستسلم لتفاهة اللحظة أو ابتذال السرعة؟
ج: على الناقد أن يصبح "لاهوتياً للجمال في زمن الآلة". الخوارزميات تستطيع محاكاة كل شيء إلا "الجرح"؛ لا تستطيع إنتاج نص كتبه وجع حقيقي، أو فرح طاغٍ، أو حيرة وجودية. الجمالي الإنساني ليس في الشكل وحده، بل في "الكثافة الوجودية" للنص، في أنه مكتوب لأنه كان ضرورياً لوجود كاتبه، لا لأنه حُسب كاحتمال إحصائي ناجح. كي يحافظ الناقد على إنسانيته، عليه أن يضاعف انتباهه لما هو "غير قابل للترميز": التردد، البصمة الفريدة للخطأ، المعنى الذي يلمع للحظة ويهرب. أن يواكب التكنولوجيا معناه أن يفهم منطقها ليتمكن من نقده، لا ليستعمله باستسلام. يستطيع أن يستخدم الذكاء الاصطناعي كأداة للتحليل الكمي، ثم يمارس عليه "انقلاباً كيفياً": يقرأ ما تنتجه الآلة ليُظهر ما غاب عنها، ما عجزت عن قوله. الناقد الحق، في هذا الزمن، هو من يظل قادراً على أن يسأل نصاً أدبياً: "كم كلفك من ألم؟"، لأن الآلة لا تفهم هذا السؤال. تلك المساحة التي لا تصل إليها الخوارزميات، مساحة الألم والمعنى والعبث، هي وطن الناقد الجديد، ومن هناك يقاوم، لا بالرفض، بل بإعادة تعريف الجمال ضد اختزاله إلى بيانات.
10. كلمة ختامية لرواد الملتقى.
أيها الرواد، يا من اخترتم أن تكونوا حراساً لشعلة في إعصار.
إن وقوفنا هنا ليس تمسكاً برماد الماضي، بل هو بحثٌ عن جذوة المستقبل في قلب العاصفة الرقمية. نحن لا نرثي زمناً جميلاً مضى، بل نصنع من سؤال الجمال سلاحاً ضد تفاهة اللحظة. إن الزمن يضيق بالمعنى، ونحن ما جئنا إلا لنوسّع شقاً في جدار النسيان. كونوا إذن، ولا يكونوا متاحفَ بشرية، بل مختبراتٍ للدهشة. إن وقوفنا هنا ليس ترفاً ثقافياً، بل هو مقاومةٌ أنطولوجية. كل نص نكتبه، كل قراءة نقوم بها، هي شهادةٌ بأن "الإنسان" ما يزال موجوداً، يتألم، يتساءل، يخلق. لا تسمحوا للخوارزميات أن تسلبكم آخر ما تبقى: قدرتكم على التردد، على البكاء أمام استعارة، على الصمت أمام نص يستعصي على الفهم. إن الأدب ليس مهنة، بل هو الطريقة الوحيدة التي ما زلنا نملكها لنقول للكون، عبر هذه الكلمات الشاحبة: "لقد كنتُ هنا، وقد عانيتُ، وقد كان لوجودي معنى". لتكن منصتكم هذه، لا سوقاً للشهرة، بل مجمعاً للعارفين بسرّ اللغة، العارفين بأن الكلمة، حين تصدق، هي الفعل الأكثر ثورية في كونٍ يضج بالثرثرة.
اثبتوا، ففي ثباتكم على السؤال، تكمن أعظم ملاحم الإنسانية في مواجهة فنائها.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
طه دخل الله عبد الرحمن
البعنه == الجليل
6/08/2026
سعيد محتال
شكرا أديبنا على إبداعكم الذي لا ينضب، على كل حرف كتبتموه، وكل فكرة أطلقتموها في فضاء ملتقى رواد الإبداع الفني والأدبي
شكراً على حضوركم المميز، وعلى روحكم التي ملأت الصفحات دفئاً وحياة.
شكراً لأنكم كنتم وما زلتم خير جليس، جعلتم من مجلتنا منصةً تنطلق منها أفكاركم لتصل إلى القلوب قبل العقول.
إن وجودكم بيننا يشرف "مرفأ الإبداع"، ويزيده تألقاً. فدمتم لنا جليساً ملهماً، ومبدعاً متألقاً، ومرفأً للكلمة الطيبة.
مع فائق الاحترام والتقدير
أديبنا العزيز



#طه_دخل_الله_عبد_الرحمن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحوار الثقافي الذي دار بين الدكتور عبد الكريم الحلو صاحب ال ...
- قراءتان لقصيدتان – سل النجوم وطفح الحب
- قراءة لقصيدة - رُبَاعِيَّاتُ محمد سليط من وجعِ الِخرْطُوم – ...
- سِفرُ الياسمين: فيروز والوحي القادم من الشرفة
- قراءة لقصيدة - وحدهم يعبرون الجسر – للأستاذ الشاعر البشير عب ...
- فيزياء الروح المضادة: تشريح -الوطن المؤقت- في نص نوال ادريس ...
- قراءة للقصة الق. ق. ج – طابور الموت – للأستاذة الهام عيسى
- قراءة لقصيدة – لقاء... وتراتيل – للأستاذ الشاعر سعيد محتال
- قراءة - بيسان قلعة الجليل – للكاتب الأستاذ صبحي سرحان
- سكة الضوء: حين يصير السفر وجودا والآخر وطنا من لغة ونور
- قراءة للقصيدة الحزينة - رقصات فوق غبش القبر –
- رمزية الألم والجمال في شعر محمود درويش
- القصيدة المغناة بقلم الشاعر والناقد الاردني دكتور محمد سليط
- حين ينكسر القمر في بئر الغربة
- حرف الألف... حيثُ يبدأُ التكوينُ وينحني البيان
- الخادم مايكل حمدان، سِفر التجلي الإنساني وفلسفة النور المتجس ...
- القهوة والكتاب: طقوس العزلة المنتجة
- رسالةٌ إلى حبيبتي الدمشقية حين يتعانقُ الحرف بالنغم
- المثالية والواقعية بين أرسطو وأفلاطون: صراع الفكرة والواقع ف ...
- سَبْعَةٌ وَسِتُونَ عَامًا


المزيد.....




- من نحيب -تموز- إلى كاظم الساهر.. لماذا يبكي الغناء العراقي؟ ...
- المجمع المعماري لمركز معارض عموم روسيا في موسكو يستعد لتقييم ...
- ألكسندر بلوك.. رحيل أنهى حقبة العصر الفضي للأدب الروسي
- لا تتجاوز 15 دقيقة.. أفلام مصرية قصيرة بحكايات لا تُنسى
- آثار العراق مهددة بالزوال.. كيف -يُقنَّن- التاريخ باسم الاست ...
- -خيار خاطئ-.. إعلام إسرائيلي يهاجم فنانة مصرية تخلت عن يهودي ...
- صدور رواية لا تنتظرني للكاتب علاء غسان نصار
- الاشتراكات الشهرية في -إنستغرام- تصبح مصدر دخل جديد.. تعرف ع ...
- -أمك ثم أمك ثم أمك-.. لماذا اختارت هوليود حديثا نبويا عنوانا ...
- عودة شيرين عبد الوهاب تشعل المسرح.. استقبال حافل وانتقادات ت ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - شكر وامتنان لمرفأ الابداع والأستاذ سعيد محتال – جليس الشهر في ضيافة ملتقى الابداع الفني والادبي