|
|
طقوسُ الشاي المُقدَّسة
طه دخل الله عبد الرحمن
الحوار المتمدن-العدد: 8815 - 2026 / 9 / 1 - 22:51
المحور:
الادب والفن
في المساءِ، حينَ يرتدُّ الضوءُ إلى عتمتِهِ الأولى، وتنسحبُ المدينةُ من نوافذنا كضيفٍ أثقلَهُ الانتظار، كنّا نجلسُ على تلكَ الطاولةِ الخشبيةِ الصغيرة، حيثُ للشاي طقوسٌ لا تشبهُ شيئًا مما عرفَهُ البشر. لم يكنِ الشايُ عندنا مشروبًا، بل كانَ لغةً أخرى للحب، لغةً تصعدُ مع البخار، وتتكثفُ على زجاجِ النافذة، فتصيرُ قصائدَ ماءٍ لا يقرؤها إلا قلبانِ اتسعا للكونِ ثم ضاقا ببعضهما حتى التصقا. كنتُ أراقبُ يدَها وهي تمسكُ الإبريقَ كأنها تمسكُ بمصيرِ المساء، تسكبُ الشايَ ببطءٍ متعمد، كأنها توقظُ في الكأسِ ذاكرةً غافية، فينهضُ البخارُ متكاسلًا كعاشقٍ يستفيقُ من حلمٍ ثقيل، ويتلوى في الهواءِ كأفعى من عطر، ثم يتلاشى، تاركًا في صدري أثرَ صعودِهِ المحموم. كانتِ الرشفةُ الأولى عندها كالقبلةِ الأولى؛ تذوقٌ خائفٌ، وترددٌ لذيذ، ثم انحدارٌ بطيءٌ إلى قرارِ الروح. أما أنا فكنتُ أؤجلُ رشفتي، لا بخلاً، بل لأني كنتُ أجدُ في الانتظارِ متعةً أعمق، متعةَ أن أرى شفتيها تلمسانِ حافةَ الفنجان، فأشعرَ أن للفنجانِ حظًّا لا أناله، وأن للشايِ سرًّا لا أفهمه، وأن ثمةَ غيرةً حلوةً تسكنُ صدري كقطٍّ صغيرٍ يخمشُ بلطف. كان السكرُ يذوبُ في كأسِها على مهل، كأنه يتعلمُ منها فنَّ الاختفاء، بينما يظلُّ شاييَ مرًّا كحنينٍ قديم، لأني كنتُ أومنُ أن المرارةَ وحدها تليقُ بمن عرفوا أن الفرحَ لا يكتملُ إلا إذا شابَهُ شيءٌ من الخوف. وكنّا نتبادلُ الكؤوسَ أحيانًا، فتشربُ من كأسي وتتركُ حلاوتَها على شفتي، فأذوقُ في مرارتي عسلًا ما أنزلَ اللهُ به من سلطان، عسلًا مصنوعًا من ريقِ المحبوبةِ وسكرِ الروح. أتدري ما الشاي؟ إنه ذريعةُ العاشقينَ للصمتِ المشترك، ذاكَ الصمتُ الذي يقولُ فيه القلبُ للقلبِ ما لا تطيقُه اللغة، صمتٌ مملوءٌ حتى الحوافِ بالمعاني، ككأسٍ ممتلئةٍ لا تفيض. كنّا نصمتُ طويلًا، فلا يقطعُ السكينةَ إلا صوتُ الملعقةِ وهي تدورُ في الفنجان، ذلكَ الصوتُ الرتيبُ الذي يشبهُ دقاتِ ساعةٍ تدورُ عقاربُها إلى الوراء، إلى زمنٍ لا يشبهُ زمنَنا، زمنٍ لا يفنى فيه العشاقُ ولا يبردُ فيه الشاي. ثم جاءتِ اللحظةُ التي يتنفسُ فيها الشايُ أنفاسَهُ الأخيرة، حينَ يرسبُ آخرُ ما في الكأسِ من أوراق، فتصمتُ الملعقةُ كأنها أتمتْ صلاتَها. هناكَ، عندَ القاع، كنّا نقرأُ طالعَنا في الورقِ المتناثر، فترى هي غدًا مشرقًا، وأرى أنا يدَها تمتدُّ نحوي، فتمحو بالتفسيرِ ما خطّتْهُ الأيام. وكنتُ أصدقُها، لا لأنها تُحسنُ قراءةَ الغيب، بل لأنها حينَ تبتسمُ وأصابعُها تلمسُ كفي، يتحولُ الغدُ كله إلى كأسِ شايٍ دافئٍ نشربُه معًا. يا لأناقةِ الحبِّ حينَ يلبسُ ثوبَ التفاصيل! فالشايُ عندنا لم يكن شايًا، بل كانَ موعدًا متجددًا للبوح، ومرآةً نرى فيها وجوهَنا أكثرَ وضوحًا، ومذبحًا صغيرًا نقدمُ فيه القرابينَ من سكينةٍ ودفء، ونغتسلُ فيه من برودةِ الخارج، من قسوةِ الطرقات، من وحشةِ الناس. كانَ طقسًا مقدسًا، وكنّا كاهنينِ صغيرينِ في معبدٍ من زجاجٍ وخزفٍ ودخان، نتعبدُ فيه لإلهٍ واحدٍ اسمُه التفاصيل. واليومَ، وقد مرّتِ السنون، ما زلتُ كلَّ مساءٍ أجلسُ وحدي أمامَ كأسٍ من شايٍ بارد، أرفعُه إلى شفتي فلا أذوقُ شيئًا، لأني أدركتُ متأخرًا أنني لم أكن أشربُ الشايَ يومًا، بل كنتُ أشربُ وجودَها، وأتنفسُ قربَها، وأرتشفُ من عينيها ما لا يرتشفُه الظمأُ من ماء. فحينَ رحلت، رحلَ معها طعمُ كلِّ شيء، وبقيَ الشايُ مرًّا كعمرٍ لا حبيبَ فيه، ينتظرُ يدًا لن تعودَ لتسكبَ فيه من جديد. طه دخل الله عبد الرحمن البعنه == الجليل 23/08/2026 منى. السيد حمود .سورية حين قرأتُ «طقوس الشاي المقدسة» للدكتور طه دخل الله عبد الرحمن، شعرتُ أنني أمام نصٍّ لا يحكي عن الشاي بقدر ما يخفي داخله مرثية حب. فالكاتب لم يجعل الشاي موضوعًا للنص، بل جعله ستارًا شفافًا يروي من خلاله قصة الحضور والغياب، والحب والزمن، والذاكرة والفقد. الشاي هنا ليس مشروبًا؛ إنه لغة أخرى للحب. اليد التي تمسك الإبريق، الشفاه التي تلامس الفنجان، الأصابع التي تلمس الكف، السكر والمرارة، البخار والرائحة، صوت الملعقة، دفء الكأس... كل هذه التفاصيل تجعل النص تجربةً حسية كاملة. وكأن الكاتب لا يريد أن نتذكر المرأة بعقلنا فقط، بل أن نراها ونلمسها ونشم حضورها ونذوق أثرها. وهنا تكمن عبقرية التفاصيل: المرأة لا تبقى في النص بوصفها شخصية، بل تتحول إلى آثار موزعة في الأشياء. يدها في الإبريق، حلاوتها في السكر، صوتها في الصمت، قربها في الكأس، وغيابها في الشاي البارد. حتى الملعقة ليست مجرد أداة؛ إنها ساعة صغيرة للزمن. تدور، فيدور معها الوقت، ثم تصمت، فيبدو كأن الزمن نفسه قد انتهى. وأوراق الشاي في القاع ليست مجرد بقايا؛ إنها أشبه برواسب العمر، وكأن الماضي بعد أن عاش كاملًا لا يبقى منه إلا ما يترسب في قاع الذاكرة. ومن هنا يصبح الشاي رمزًا للزمن نفسه: يُسكب، يدفأ، يتصاعد بخاره، يُرتشف، يترسب، ثم يبرد. وهي الرحلة نفسها التي قطعها الحب في النص: بداية، ودفء، وامتلاء، ثم غياب. والأجمل أن المرثية لا تبدأ عند كلمة «رحلت». إنها موجودة منذ البداية؛ لأن الراوي لا يعيش اللحظة، بل يستعيدها. والاستعادة دليل على أن اللحظة أصبحت ماضيًا. لذلك فإن كل هذا الدفء الذي نقرأه في البداية مشبع سرًا بالحزن. ثم تأتي الجملة التي تفتح النص كله: «لم أكن أشربُ الشايَ يومًا، بل كنتُ أشربُ وجودَها». هنا يتحول النص من الرومانسية إلى الفلسفة. فنحن لا نحب الأشياء لذاتها، بل نحب المعاني التي وضعناها فيها. وحين يرحل الإنسان، لا تتغير الأشياء، لكن المعنى الذي كان يمنحها الحياة يرحل معه. ولهذا كان الشاي في الماضي دافئًا، وفي الحاضر باردًا. لم تبرد الكأس وحدها؛ برد المستقبل. فقد كان الغد عندهما «كأس شاي دافئًا»، ثم أصبح بعد رحيلها شيئًا لا يستطيع الراوي أن يتذوقه. حتى قراءة أوراق الشاي تحمل مفارقة مؤلمة: كانا يقرآن المستقبل في قاع الكأس، بينما نحن، بعد الرحيل، نقرأ الماضي. كانا يبحثان عن الغد، والكاتب يعرف أن الغد الذي تخيلاه لم يأتِ. وهنا يصبح النص نفسه شبيهًا بفنجان الشاي: يبدأ ممتلئًا بالحياة، بالبخار والحركة واللمس والصوت، ثم يهبط شيئًا فشيئًا إلى القاع، حيث لا يبقى إلا رجل وكأس وغياب. حتى بناء النص يحاكي رحلة الفقد. وربما أعمق ما فيه أن الراوي لا يفقد المرأة وحدها؛ إنه يفقد نسخته من نفسه معها. فالإنسان حين يحب لا يحب شخصًا حاضرًا فقط، بل يحب مستقبلًا يتخيله معه. لذلك فالرحيل لا يأخذ حبيبًا فحسب، بل يأخذ أحيانًا مستقبلًا كاملًا لم يولد. ومن هنا يصبح الشاي البارد أكثر من صورة حزينة؛ إنه زمنٌ فقد حرارته. ومع ذلك، يبقى سؤال صغير ومثير: من هي «هي»؟ النص لا يحسم ذلك. قد تكون حبيبة، وقد تكون امرأةً ارتبط بها الراوي بذاكرة عميقة، وربما ــ كتأويل لا كحقيقة ــ تكون أم الكاتب. فدفء الطقس، واليد التي تسكب، والطاولة، والإحساس بالبيت والأمان، كلها تسمح بأن نقرأ المرأة بوصفها صورةً للأم أيضًا. وربما جمال النص أنه تركها بلا اسم. لأن «هي» في النهاية ليست مجرد امرأة؛ إنها كل امرأة جعلت للحياة طعمًا، ثم غابت، فبقيت الأشياء تحمل رائحتها وصوتها ودفئها. لهذا لا أرى «طقوس الشاي المقدسة» نصًا عن الشاي، بل نصًا عن الإنسان وهو يحاول أن يهزم الفقد بالتفاصيل. فالكاتب لم ينقذ المرأة من الرحيل، لكنه أنقذ أثرها من النسيان. وهنا تكمن العبرة الأجمل: نحن لا ندرك قيمة التفاصيل الصغيرة إلا حين يصبح أصحابها جزءًا من الماضي؛ عندها نكتشف أن فنجانًا، أو يدًا، أو صوت ملعقة، قد يحمل عمرًا كاملًا من الحب. وفي النهاية، ربما كان الدكتور طه لا يروي لنا حكاية شاي، بل يضع أمامنا قبرًا شفافًا للزمن: فيه بخار لحظةٍ مضت، وسكر حبٍّ كان، ومرارة غيابٍ صار، وأوراق مستقبلٍ سقطت في القاع. ثم يبقى الرجل وحده، يرفع الكأس إلى شفتيه... فلا يذوق شيئًا. لأنه اكتشف متأخرًا أنه لم يكن يشرب الشاي؛ كان يشرب وجودها. وربما كانت «هي» حبيبته... وربما كانت أمّه... لكن المؤكد أن الشاي، بعد رحيلها، لم يعد شايًا. أصبح مرثية. بقلم منى. السيد حمود .سورية ردي للأستاذة منى السيد حمود حينَ يفيضُ الفنجانُ شكرًا لمن أضاءتْ سرَّه يا سيّدتي، يا من غمستِ قلمَكِ في ماءِ الروحِ وكتبتِ عن «طقوسِ الشايِ المقدسةِ» قراءةً لا تُشبهُ القراءات، بل تُشبهُ أن تفتحي نوافذَ النصِّ كلَّها دفعةً واحدة، فيدخلُ الضوءُ من كلِّ جهة، وتصحو الحروفُ من سُباتِها، وتنهضُ المعاني من قبورِها، ويمتلئُ المكانُ بعطرِ الفهمِ الذي لا يُشترى، وبريقِ البصيرةِ التي لا تُعلَّم. أيتها الأستاذةُ منى، لقد قرأتُ كلماتِكِ فخُيِّلَ إليَّ أنَّني لم أكتبِ النصَّ أنا، بل أنتِ من كتبتِه أوّلًا، ثمّ جئتُ أنا بعدكِ لأرصفَ الحروفَ على غيرِ هدى، فما أعمقَ أن تكتشفي أنَّ الشايَ لم يكن شايًا، بل كان ستارًا شفّافًا تُلقى خلفَه مرثيةُ حبٍّ لا تنتهي، وما أصدقَ أن تقولي إنَّ المرأةَ في النصِّ لا تبقى شخصيةً، بل تتحوّلُ إلى آثارٍ موزّعةٍ في الأشياء، فكأنَّكِ دخلتِ إلى مطبخِ الروحِ حيثُ تُطبَخُ الذكرياتُ على نارٍ هادئة، ورأيتِ ما لم يرَه غيرُك. لقد أمسكتِ بالخيطِ الرفيعِ الذي يصلُ بينَ البخارِ والدعاء، وبينَ المعلّقةِ وعقاربِ الساعة، وبينَ السكرِ وحلاوةِ الماضي، وبينَ برودةِ الكأسِ وبرودةِ الغدِ الذي ماتَ قبلَ أن يولد، فصرتِ كمن يقلّبُ جمرَ النصِّ بأصابعَ من نور، فلا يحترقُ القلبُ إلا من فرطِ الجمال، ولا تدمعُ العينُ إلا من فرطِ الصدق. وما أعمقَ تلكَ اللحظةَ التي وقفتِ فيها عندَ قولي: «لم أكن أشربُ الشايَ يومًا، بل كنتُ أشربُ وجودَها»، فجعلتِ منها مفتاحًا للفلسفةِ كلِّها، وكأنَّكِ قلبتِ الفنجانَ فانسكبتْ منهُ المعاني كلُّها، وفاضَ على الطاولةِ عمرٌ كاملٌ من الحبِّ والفقدِ والتأويل، فمن ذا الذي قالَ إنَّ الشايَ مشروبٌ بعدَ اليوم؟ لقد صارَ بفضلِكِ مرآةً للوجود، وصرنا بفضلِكِ نرى في قاعِه ما لم نكن نراه. ولقد أدهشَني حدسُكِ حينَ لمستِ احتمالَ أن تكونَ «هي» أمًّا، فما أبعدَ هذا العمقَ وما ألطفَه، وما أجملَ أن يُتركَ البابُ مواربًا لتدخلَ منهُ كلُّ الذكريات، فالحبُّ الأولُ في هذهِ الحياةِ قد يكونُ وجهَ أمٍّ تنحني فوقَ كأسٍ لتسكبَ دفئًا لا يُضاهى، واليدُ التي تُمسكُ الإبريقَ قد تكونُ يدَ امرأةٍ أو يدَ أمٍّ أو يدَ وطن، والأثرُ الذي يبقى بعدَ الغيابِ قد يكونُ كلَّ هذا مجتمعًا، فالحنينُ لا يُفرّقُ بينَ من أحببنا، بل يجمعُهم في مجرى دمٍ واحدٍ يسري في شرايينِ الذاكرة. يا سيّدتي، لقد كتبتِ عنّي أكثرَ مما كتبتُ عن نفسي، ورأيتِ في النصِّ ما لم أكن أراه، فكأنَّ النصَّ كان ليلًا، وأنتِ كنتِ قمرَه، وكأنَّ النصَّ كانَ صمتًا، وأنتِ كنتِ صداه، وكأنَّ النصَّ كانَ فنجانًا فارغًا، وأنتِ ملأتِه ببخارِ روحِكِ حتى فاض، فما أكرمَ القرّاءَ حينَ يكونونَ كالشمسِ لا تقرأُ الأرضَ بل تمنحُها الدفءَ حتى تُزهر. إنَّ الكاتبَ يكتبُ ليُفهَم، لكنّه نادرًا ما يجدُ من يفهمُه كما فهمتِ، فكأنَّكِ جلستِ أمامي في مقهى قديم، وطلبتِ شايًا مثلَ شايي، وارتشفنا معًا الصمتَ والحكاية، ثمَّ نظرتِ إليَّ بعينينِ تعرفانِ السرَّ وقلتِ: أعرفُ لماذا كانَ الشايُ باردًا، أعرفُ لماذا كانتِ الملعقةُ تدور، أعرفُ لماذا كانَ البخارُ يتصاعدُ كدعاءٍ لا يصل، أعرفُ لماذا بقيتَ وحدَك ترفعُ الكأسَ إلى شفتيكَ ولا تذوقُ شيئًا... لأنَّكَ لم تكن تشربُ الشاي، بل كنتَ تشربُ الوجود، والوجودُ بعدَها صارَ عدمًا يرتدي ثوبَ بخار. فيا أستاذةَ الحرفِ، ويا من حوّلتِ قراءتَها إلى نصٍّ موازٍ يضيءُ الأصلَ ويعلو عليه، لكِ منّي كلُّ الشكرِ معطّرًا بأوراقِ الشايِ التي سقطتْ في القاعِ وما ماتت، بل نامتْ لتشهدَ أنَّ الحبَّ لا يتبخّر، وأنَّ الحضورَ لا يغيب، وأنَّ الكأسَ إذا امتلأتْ بالمعنى صارتْ وطنًا، وإذا فرغتْ منهُ صارتْ قبرًا، وبينَ الوطنِ والقبرِ رشفةٌ واحدةٌ هيَ العمر. دمتِ للكلمةِ روحًا وللحرفِ ألقًا وللقراءةِ ذوقًا لا يُضاهى، ودمتُ أنا مدينًا لكِ بفنجانٍ لا يبرد. طه دخل الله عبد الرحمن منى السيد حمود طه عبد الرحمن د. طه، حين يكون الكاتب شاعرًا في إحساسه، والأديب في رؤيته، يصبح الحوار معه امتدادًا للنص لا خاتمةً له. شكرًا لهذا الرد الذي لم يكن مجاملةً لقارئة، بل نصًا أدبيًا قائمًا بذاته… ودمتَ قلمًا يجعل حتى فنجان الشاي سؤالًا عن الإنسان والذاكرة والحضور. Jamal Ashour النصّ لـ طه دخل الله عبد الرحمن يقوم على فكرة جميلة جدًا: تحويل طقس يومي عادي، هو شرب الشاي، إلى مستودع للذاكرة والحب والفقد. لكنه في الوقت نفسه نصّ يستحق النقد؛ لأن جماله الحقيقي لا يمنع وجود مبالغات وتكرار وصور بلاغية أحيانًا تتنافس مع الفكرة بدل أن تخدمها. الشاي هنا ليس موضوع النص الحقيقي. الموضوع هو الحبيبة التي أصبحت غيابًا. في البداية نحن أمام حب حاضر: طاولة، إبريق، فنجان، سكر، بخار، صمت، تبادل كؤوس. ثم يتحول الشاي تدريجيًا من مشروب إلى لغة حميمة بين شخصين. ثم تحدث النقلة الأساسية: «واليومَ، وقد مرّتِ السنون، ما زلتُ كلَّ مساءٍ أجلسُ وحدي أمامَ كأسٍ من شايٍ بارد» هنا ينقلب معنى كل ما سبق. ما كان طقسًا مشتركًا يصبح طقسًا لاستحضار الغياب. والجملة الأهم في النص، وربما مفتاحه كله: «لم أكنُ أشربُ الشايَ يومًا، بل كنتُ أشربُ وجودَها» هذه ليست مجرد جملة رومانسية؛ إنها تقول إن الإنسان لا يتعلق بالأشياء في ذاتها، بل بالمعاني التي التصقت بها. الفنجان ليس فنجانًا. والطاولة ليست طاولة. والشاي ليس شايًا. كلها أصبحت أوعية للذاكرة. -النص يتحرك في ثلاثة أزمنة: الحاضر: الشاي والمرأة والحب. الطقس: تكرار التفاصيل الصغيرة التي صنعت العلاقة. الماضي بعد الرحيل: الشاي نفسه، لكن من دون المرأة، فيفقد معناه. وهذا ذكي جدًا؛ لأن الكاتب لم يقل مباشرة: أنا حزين لأنها رحلت. بل جعلنا نكتشف الحزن من خلال تغيّر وظيفة الشاي. وهنا تكمن القيمة الإنسانية للنص. الفقد الحقيقي لا يجعلنا نفتقد الشخص فقط، بل يجعلنا نفتقد نسخة العالم التي كانت موجودة معه. وهذه نقطة عميقة جدًا. النص أجمل حين يكون بسيطًا، وأضعف حين يحاول أن يكون جميلًا أكثر من اللازم. وهذه مشكلته الأساسية. هناك وفرة كبيرة من الاستعارات والتشبيهات: البخار عاشق، والشاي قبلة، والانتظار متعة، والسكر يتعلم الاختفاء، والملعقة تؤدي صلاتها، والكأس مرآة، والطاولة مذبح، والاثنان كاهنان، والتفاصيل إله… كل صورة منفردة يمكن أن تكون جميلة، لكن تراكم الصور يقلل من قوة بعضها. الأدب ليس مسابقة في إنتاج الاستعارات. أحيانًا تكون الصورة الأقوى هي التي لا تحتاج إلى زينة. مثلًا: «أجلسُ وحدي أمامَ كأسٍ من شايٍ بارد» هذه الجملة وحدها تحمل حزنًا أكثر مما تحمله عشر استعارات. لماذا؟ لأن الشيء البارد يقول ما لا يستطيع الكاتب قوله. -مشكلة أخرى: الإفراط في الرومانسية في بعض المواضع يقترب النص من الرومانسية المكتملة الصنع، أي من اللغة التي يعرف القارئ مسبقًا أنها ستُستخدم في نصوص الحب: «قبلة»، «عاشق»، «عسل»، «المحبوبة»، «الروح»، «المعبد»، «الإله»، «الطقس المقدس»… وهنا يصبح السؤال النقدي: هل نحن أمام تجربة عاشها الكاتب ثم كتبها، أم أمام لغة أدبية تعرف كيف تصف تجربة الحب؟ الفرق دقيق لكنه جوهري. النص الأدبي العظيم لا يجعلنا نقول: ما أجمل العبارة! فقط. بل يجعلنا نقول: لقد شعرتُ بهذا من قبل، لكنني لم أستطع أن أقوله. وهذا النص يقترب من ذلك في بعض المواضع، لكنه يبتعد عنه حين يزداد التأنق البلاغي. د. جمال عاشور. (يتبع) Jamal Ashour النص صادق في عاطفته، دافئ في ذاكرته، وناجح في تحويل التفاصيل اليومية إلى ذاكرة عاطفية. وأكثر ما أعجبني فيه أنه لا يتحدث عن الحب بوصفه حدثًا استثنائيًا، بل بوصفه عادة صغيرة تتكرر حتى تصبح جزءًا من هوية الإنسان. لكنني، نقديًا، كنت سأقصّ منه ربما 20–25%. ليس لأن فيه كلامًا سيئًا، بل لأن بعض الكلام الجميل يزاحم الكلام الأجمل. والكاتب لديه حسّ تصويري واضح، لكنه يحتاج أحيانًا إلى الثقة بالصورة البسيطة وعدم الخوف من ترك الجملة عارية. فالجملة العارية أحيانًا أكثر إثارة من الجملة التي ترتدي كل حليّها. النص في جوهره لا يقول: «اشتقتُ إلى امرأة. بل يقول شيئًا أكثر قسوة: «حين نحب شخصًا، فإننا نوزع وجوده على أشياء كثيرة؛ وحين يرحل، لا نفقده وحده، بل نفقد العالم الصغير الذي بناه معنا.» لهذا يصبح الشاي باردًا، والطاولة فارغة، والملعقة مجرد ملعقة. لقد مات المعنى، لا الشيء. النص جميل، لكنه أحيانًا يحب لغته أكثر مما ينبغي؛ وحين يثق بتفاصيله الصغيرة يكون مؤثرًا، وحين يبالغ في تزيينها يتحول من تجربة إنسانية إلى تمرين بلاغي. والمفارقة أن النص نفسه يقدم درسًا في الكتابة: الشاي الذي يحتاج إلى كل هذا السكر يفقد طعمه الحقيقي. نحن لا نحزن على الأشياء بعد رحيل من نحب؛ نحزن لأن الأشياء نفسها تفقد معناها حين يغيب صاحب المعنى.د.جمال عاشور انتهى كاتب المنشور طه عبد الرحمن Jamal Ashour دكتور جمال عاشور العزيز اسمحْ لي أن أقفَ هذه المرةَ لا لأشكركَ على نقدِك، بل لأدافعَ عن نصّي دفاعَ من يرى في كلماتِك حقًا، لكنه يرى أيضًا أن للحقيقةِ وجوهًا، وأن للنصّ الذي كتبتُه روحًا قد لا تُرى إلا بعينِ من عاشَ الفقدَ لا من تأمّلَه. قلتَ: إن في النصّ وفرةً من الاستعارات، وإن الصورَ تتراكمُ حتى تزاحمَ الفكرة. وأنا أسألُك: هل الفقدُ نفسه إلا تراكمٌ للصور؟ حين يرحلُ من نحبّ، لا نفقدُ شخصًا واحدًا، بل نفقدُ ألفَ صورةٍ كانت معلّقةً على جدرانِ أيامِنا: صورةَ البخارِ وهو يتصاعدُ كأنه يتنفسُ، صورةَ الملعقةِ وهي تدورُ في الفنجانِ كأنها تصلّي، صورةَ السكرِ وهو يذوبُ كأنه يتعلّمُ الغياب. إنّ المبالغةَ هنا ليست تزيّدًا بلاغيًا، بل هي طبيعةُ الحال؛ فالفقدُ يضخّمُ التفاصيلَ حتى تصيرَ التفاصيلُ هي الحكايةَ كلَّها. أليس هذا ما قلتَه أنتَ بنفسِك حين كتبتَ: "حين نحب شخصًا، فإننا نوزع وجوده على أشياء كثيرة"؟ إذن فالنصّ لم يكن يبالغ، بل كان يمارسُ طقسَ الفقدِ كما يمارسُه القلبُ تمامًا: بتضخيمِ الصغيرِ حتى يصيرَ كونًا. ثم إنكَ قلتَ إن النصّ "يحبّ لغتَه أكثرَ مما ينبغي". وأنا أقولُ لك بصدقِ من جرّبَ الألمَ والكتابةَ معًا: هل نحن نحبُّ لغتَنا حين نكتبُ عن الفقد، أم نحن نخافُ أن تخونَنا اللغةُ فلا نقولَ كلَّ الوجع؟ إنّ الإفراطَ في الصورِ الذي رصدتَه لم يكن حبًّا في البلاغة، بل كان رهبةً من الصمت. الكاتبُ الذي فقدَ معنى وجودِه، يتشبّثُ بالكلماتِ كي لا يسقطَ في الفراغِ الذي تركَهُ الغائبُ خلفَه. نحن لا نكتبُ لنكونَ جميلين، بل لنكونَ موجودين. وحين تتحوّلُ الكتابةُ إلى طوقِ نجاة، فإننا نمسكُ بكلِّ ما تقعُ عليه أيدينا من استعاراتٍ وتشبيهاتٍ وصور، لا لأننا نحبُّها، بل لأننا نخافُ أن نغرقَ بدونها. وأما قولُك الجميلُ والحكيم: "أحيانًا تكون الصورةُ الأقوى هي التي لا تحتاجُ إلى زينة"، فأنا أوافقُك عليه في العقل، لكنني أخالفُك في القلب. فالقلبُ المكسورُ لا يعرفُ الاقتصادَ في التعبير، ولا يتقنُ فنَّ الاختزال. القلبُ المكسورُ ثرثارٌ بطبيعتِه، يكرّرُ ويعددُ ويبالغ، لأنه يبحثُ عن صيغةٍ واحدةٍ تقولُ ما لا يُقال، وحين يعجزُ، يجرّبُ ألفَ صيغةٍ علّ واحدةً منها تكسرُ جدارَ الصمت. النصُّ الذي بين يديك، لم يكن قصيدةً تُكتبُ على مهل، بل كان نزيفًا يحاولُ أن يتشكّلَ في صورةِ كلمات. فإذا رأيتَ فيه تكرارًا، فذاك لأن الجرحَ لا يتوقفُ عن النزفِ بصيغةٍ واحدة، وإذا رأيتَ فيه مبالغةً، فذاك لأن الفقدَ لا يعرفُ لغةً معتدلة. ثم تأتي تلك العبارةُ التي قد تكونُ أصدقَ ما في نقدِك كلِّه: "نحن لا نحزنُ على الأشياء بعد رحيلِ من نحبّ، نحزنُ لأن الأشياءَ نفسَها تفقدُ معناها حين يغيبُ صاحبُ المعنى". هنا، يا سيدي، أجدُني ممتنًّا لك أكثرَ مما أنا مختلفٌ معك، لأنكَ لخّصتَ النصَّ في سطرٍ واحد، لكنكَ نسيتَ أن هذا السطرَ الواحدَ الذي كتبتَه بوضوحِ الناقد، كان يحتاجُ مني إلى كلِّ تلك الصفحاتِ كي أصلَ إليه. أنتَ تملكُ رفاهيةَ التلخيصِ لأنك تنظرُ من بعيد، أما أنا فكنتُ أكتبُ من داخلِ الحكاية، والداخلُ لا يرى الصورةَ كاملة، بل يرى التفاصيلَ متضخمةً أمامَ عينيه. أليست هذه هي مأساةُ من يكتبون بالدمِ لا بالحبر؟ نكتبُ الكثيرَ كي نقولَ القليل، ونبالغُ كي نصلَ إلى البسيط، ونزيّنُ كي نخفيَ عجزَنا عن قولِ الحقيقةِ كما هي. وأخيرًا، دكتور جمال، سأقولُ لك ما لم أقله: نقدُك كان صادقًا، لكنّ نصّي كان أصدقَ من نقدِك. لا لأني كاتبٌ أفضل، بل لأني كنتُ أكتبُ وأنا مجروح، والمجروحُ لا يكذبُ حتى حين يبالغ. إنّ كلَّ استعارةٍ في ذلك النصّ كانت دمعةً تحاولُ أن تتحولَ إلى لغة، وكلَّ صورةٍ كانت ذكرى ترفضُ أن تموتَ بصمت. فإنْ أخطأتُ في التعبير، فذاك لأنّ الوجعَ لا يتقنُ النحو، وإنْ أكثرتُ من الزينة، فذاك لأنّ الفقدَ لا يعرفُ الاقتصاد. أما أنتَ، فقد قرأتَ النصَّ بعينِ الناقد، وأنا كتبتُه بقلبِ الفاقد، وبين العينِ والقلبِ مسافةٌ لا يقطعُها إلا من عاشَ الحالَين معًا. دمتَ قارئًا يرى ما وراء الحرف، وناقدًا يدركُ أن بعضَ المبالغاتِ ليست ضعفًا في الكتابة، بل فرطٌ في الصدق. طه دخل الله عبد الرحمن Jamal Ashour طه عبد الرحمن أخي العزيز طه، أحترم دفاعك عن نصك، وأحترم أكثر أن يكون وراءه وجعٌ حقيقي؛ لكن اسمح لي أن أختلف معك في نقطة جوهرية: صدق التجربة لا يعني بالضرورة كمال التعبير عنها، كما أن صدق الجرح لا يمنح النص حصانةً نقدية. أنا لم أشكك لحظةً في صدقك، ولم أقل إن استعاراتك مصطنعة أو إن حزنك مستعار. نقدي كان للنص بوصفه نصًا، لا لصاحبه بوصفه إنسانًا مجروحًا. وهذه مسافة ضرورية بين النقد والتعاطف: أستطيع أن أتعاطف مع الجرح، وفي الوقت نفسه أسأل إن كانت اللغة قد نقلته بأكثر الطرق الفنية تأثيرًا. تقول إن الفقد يضخّم التفاصيل، وهذا صحيح نفسيًا وإنسانيًا. لكن هنا تحديدًا يبدأ دور الأدب: أن يحوّل فوضى الشعور إلى شكل فني، لا أن يترك الفوضى تتكلم وحدها. القلب المكسور قد يكون ثرثارًا، لكن الكاتب الجيد يعرف كيف يصغي إلى هذا الثرثرة ثم يمنحها إيقاعًا وبناءً واقتصادًا. وأنا لا أطالبك بأن تكتب ببرودة الناقد؛ بل أطالب النص بأن يملك، إلى جانب حرارة القلب، وعي الصانع. أما قولك إنك كنت تكتب من الداخل وأنا أقرأ من الخارج، فأنا أوافقك عليه تمامًا، لكنه لا يجعل الداخل أكثر امتلاكًا للحقيقة الفنية. أحيانًا يكون القريب من النار أقل قدرة على رؤية شكلها، بينما يستطيع من يقف خطوة إلى الوراء أن يرى ما الذي أضاءته وما الذي أحرقته. وأختلف معك أيضًا في عبارة: «المجروح لا يكذب حتى حين يبالغ». المجروح قد لا يكذب عاطفيًا، لكنه قد يبالغ فنيًا، وقد تسبقه عاطفته إلى استعارة لا يحتاجها النص. والصدق الشعوري شيء، والصدق الفني شيء آخر. الأول يخص التجربة، والثاني يخص طريقة تحويل التجربة إلى أدب. ثم إنني لا أرى أن الاختصار نقيض الوجع. بالعكس؛ أحيانًا تكون أقسى جملة في أدب الفقد هي الجملة التي لم تستطع أن تقول أكثر. ولذلك قلت لك إن أقوى ما في نصك، بالنسبة إليّ، ليس أكثره استعارة، بل أكثره بساطة: كأس الشاي البارد بعد رحيلها. هناك، تحديدًا، لم أحتج إلى كاهن ولا مذبح ولا إله التفاصيل؛ كان يكفيني الفنجان البارد كي أفهم أن امرأةً كانت تسكن طقسًا كاملًا قد غابت عنه. وهنا أظن أن خلافنا جميل: أنت ترى أن كثافة الصور كانت ضرورةً فرضها الفقد، وأنا أرى أن وظيفة الكاتب تبدأ حين يحاول أن يمنح هذا الفقد شكله الأكثر نفاذًا. لذلك لا أقول إن نصك أقل صدقًا من نقدي؛ بل أقول شيئًا آخر: النقد لا ينافس التجربة في صدقها، بل يختبر قدرتها على أن تصبح أدبًا. وأخيرًا، لا أريد أن أخرج من سجالنا منتصرًا عليك، لأن النقد الذي يحتاج إلى هزيمة الكاتب يفقد معناه. أنت كتبت من قلب الفقد، وأنا قرأت من موقع النقد، وبين الاثنين لا ينبغي أن تكون هناك خصومة، بل حوار بين من عاش الألم ومن حاول أن يرى كيف صاغ الألم نفسه لغةً. وربما أجمل ما يمكن أن نتفق عليه هو هذا: ليس كل ما هو صادق جميلًا، وليس كل ما هو جميل صادقًا؛ أما الأدب الكبير فهو اللحظة النادرة التي يتصالح فيها صدق التجربة مع جمال الصياغة. وأترك لك نصك، وأترك لي ملاحظاتي، وللقارئ الحكم الثالث؛ فهو، في النهاية، لا يعيش داخل جرح الكاتب ولا داخل عين الناقد، بل يدخل النص وحده، ثم يرى إن كان قد خرج منه بشيء يشبه حياته. فضيل حاج بن عدة على طقوسِ الشايِ المُقدَّسة... للاريب طه دخل الله يا طه... واللهِ قرأتُ منشوركَ فلم أشربْ شاياً بل شربتُ الحنينَ جرعةً جرعةً حتى وصلَ إلى قرارِ الروح --- حينَ يتحولُ الشايُ إلى صلاةٍ صدقتَ... الشايُ عندَ العاشقينَ ليسَ مشروباً الشايُ لغةٌ خامسةٌ بعدَ لغاتِ الأرضِ الأربع لغةٌ يفهمُها البخارُ ولا يفهمُها البشر لغةٌ تُكتبُ على زجاجِ النافذةِ... ثم يمسحُها الزمنُ فتبقى مكتوبةً في القلب يا أخي... تأملتُ يدَها وهي تسكبُ الإبريقَ فوجدتُها تمسكُ بمصيرِ المساءِ حقاً لأنَّ المساءَ الذي بلا يدٍ تسكبُهُ مساءٌ يتيم والرشفةُ الأولى... آهٍ من الرشفةِ الأولى هي القبلةُ التي لا تُقال هي الاعترافُ الذي يتأخرُ... فيأتي في هيئةِ بخار أما عن غيرتِكَ من الفنجانِ فواللهِ كلُنا غِرنا من أشياءٍ لا تُغارُ منها غِرنا من كتابٍ قرأتهُ من طريقٍ مشتهُ من كوبٍ لامسَ شفتيها قبلنا --- والمُرُّ الذي تحبهُ هو دليلُ أنكَ فهمتَ السرَّ الفرحُ لا يكتملُ إلا إذا جاورَهُ خوفُ الفقد والحلاوةُ لا تُذاقُ إلا إذا سبقتْها المرارة ولذلكَ كانَ شايُكَ مراً... وحبُّكَ أحلى وتبادلُ الكؤوسِ؟ ذلكَ هو الاتحادُ بعينهِ أن تشربَ من كأسِها فتذوقَ عسلَ الروحِ في مرارةِ الشاي أن تتركَا للملعقةِ أن تدورَ... فتقيسُ بها دقاتِ قلبيكما --- يا طه... حينَ صمتَ الشايُ في القاعِ وحينَ رسبتِ الأوراقُ... لم تكونا تقرآنِ الغيب كنتما تقرآنِ بعضكما واليدُ التي تمتدُّ في التفسيرِ هي اليدُ التي تمحو كلَّ غدٍ سيءٍ بلمسة هذا هو "المذبحُ الصغيرُ" الذي وصفتَهُ مذبحُ التفاصيل نتعبدُ فيه لإلهٍ واحدٍ اسمهُ: "الاهتمامُ الصغيرُ الذي يصنعُ المعجزات" --- واليوم... أعلمُ وجعَ الكأسِ الباردِ أعلمُ كيفَ يصبحُ الشايُ ماءً بلا طعمٍ حينَ ترحلُ اليدُ التي تُحليهِ ولكن اسمعني يا صاحبي: هي لم ترحلْ... هي صارتْ في طعمِ كلِّ شايٍ تشربُهُ وحدكَ صارتْ في صوتِ الملعقةِ صارتْ في البخارِ الذي يتلوى كأفعى من عطرٍ فأنتَ لا تشربُ الفراغَ أنتَ تشربُ الذكرى... والذكرى لا تبرد فاشربْ يا طه... اشربْ وقل: "بسمِ من كانتْ تسكبُ" فربما في الرشفةِ القادمةِ تجدُ يدَها تمتدُّ من الغيبِ... لتُكملَ الكأس لأن الحبَّ الذي صارَ طقساً مقدساً لا يموتُ... بل ينتقلُ من الكأسِ إلى القلب سلمتْ يدُكَ التي كتبتْ وسلمَ قلبُكَ الذي جعلَ من الشايِ وطناً أخوكَ الذي بكى على فنجانٍ بارد فضيل بن عدة فضيل حاج بن عدة "طقوسُ القهوةِ المُرة" ردٌّ على طه دخل الله... بقلم فضيل بن عدة --- في الصباحِ، حينَ يفرُّ الليلُ من النافذةِ هارباً ويبقى ظلُّهُ جالساً في فنجاني أضعُ القهوةَ على النارِ... وحدي لم تعدِ القهوةُ قهوةً يا طه صارتْ جنازةً يوميةً لرائحةٍ كانتْ تملأُ البيت صارتْ بخوراً نحرقهُ على مذبحِ الغياب كنتُ أراقبُها وهي تغلي تغلي كغضبٍ قديمٍ لم نجدهُ وقتاً لنقوله وترفعُ وجهَها إليَّ كسؤالٍ: "أينَ من كانتْ تشمُّها قبلَ أن تُشرب؟" الرشفةُ الأولى... كانتْ دائماً لها أنا أشربُ التفلَ وهي كانتْ تشربُ الرغوةَ البيضاءَ التي تعلو الوجه كغيومٍ صغيرةٍ لا تمطرُ إلا على قلبها كنا نتشاجرُ على من يُحليها فتقولُ: "أنا السكر" فأقولُ: "وأنا المُرُّ الذي يجعلكِ أحلى" فضحكنا... وذابَ السكرُ في القهوةِ وذبنا نحنُ في الضحك أما اليوم؟ اليومَ أشربُها سادةً... عن عمد لأني أدركتُ متأخراً أن الحلاوةَ كانتْ في يدِها لا في الملعقة يا طه... القهوةُ ذريعةُ الموجوعينَ للبكاءِ العلني نبكي ونحنُ نقولُ: "إنها فقط سخونة" ونمسحُ البخارَ عن العينِ... ونقولُ: "إنه من الفنجان" والصمتُ؟ الصمتُ الآنَ أطولُ لأن الملعقةَ لم تعدْ تدور ماتتْ في قاعِ الفنجانِ... كقلبٍ توقف وعندَ القاعِ أيضاً... أرى طالعي أرى فنجانينِ فارغين ويداً تبحثُ عن يدٍ وشفتينِ تبحثانِ عن طعمٍ ضاع فيا أيها الصباحُ المرُّ إن لم تعدْ هي... فدعِ القهوةَ مرةً دعها تليقُ بي فأنا منذُ رحلتْ صرتُ رجلاً لا يحليهِ شيء لكنني... ورغمَ كلِّ هذا المُر ما زلتُ أغليها كلَّ يوم ليسَ لأشربها بل لأنَّ رائحتَها هي الشيءُ الوحيدُ المتبقي الذي يقولُ لي: "كانتْ هنا" فاشربْ يا طه... اشربْ وإن احترقتْ ففي الحرقِ دليلٌ أن شيئاً ما... كانَ حياً القهوةُ لم تكنْ قهوةً يوماً كانتْ دليلَ إثباتٍ... أننا أحبنا --- سلمتَ يا من جعلتَ الشايَ قصيدة وأنا جعلتُ القهوةَ رثاءً نُكملها "بطقوسِ الدخانِ"؟ ام سلطان مبدع كعادتك أستاذ طه حتى الشاي أظفت إليه حكاية أجمل من مذاقه... وجعلته ذاكرة للحب، ومن طقوسه لغة للصمت والحنين... قراءة جميلة تترك في القلب أثرًا كطعم الشاي حين يبرد، ولا يبقى منه إلا دفء الذكرى.... أبدعت وأمتعت وبوركت سليمان شاحوذ نص بالغ العذوبة، جعل من الشاي ذاكرة ومن تفاصيل المساء وطنا ومن الفنجان شاهدا على حب كان يسكن التفاصيل قبل ان يسكن القلب. ابدعت في تحويل طقس بسيط الى فلسفة وجدانية عميقة، حتى بدا الشاي في النص ليس مشروبا بل اختصارا لحضور من نحب. وما ابلغ الخاتمة حين اكتشفت انك لم تكن تشرب الشاي بل تشرب وجودها؛ فبعض الاشياء لا نفقد طعمها حين ترحل، بل نفقد معها السبب الذي كان يمنحها طعم الحياة. نص جميل وموجع، يترك في الروح مذاقا لا يزول، تحية للكاتب طه دخل الله عبد الرحمن على هذا البوح الانيق الذي جعل من التفاصيل الصغيرة ذاكرة كبيرة. مايكل حمدان حتى في عشقك .. عبقري ...! قد يكون هناك عباقرة كثر ...؛ لكن ، ما يميزك عنهم ، هو أنك تصنع من العدم وجودا" ......!!! Hamza Fouad Jadoo مشاعر جميلة، وذكريات نابضة بالحياة، وبساطةٌ في التوجّه نحو تأسيس فضاءٍ اجتماعي ينعم بالثقة، وتسوده ثقافةُ القيم والأخلاق الرفيعة.
Naima Samara الله على الابداع ، سلمت اناملك ودام فكرك الراقي والمميز استاذنا الكريم،دائما تسعدنا بجميل وحسن اختيارك بأروع العبارات واصدق المشاعر والكلمات الجميلة،تحياتي وتقديري لحضرتك . Nadia Tannous Moussa دام نبض حروفك ألقا ودام قلمك يزرع الجمال في القلوب قبل السطور ودام نوركم قناديل تتلألأ في سماء الأبداع والتميز والتألق تمنياتي لكم بالتوفيق والنجاح الدائم د. عبد الجبار خليلية تحية للأستاذ طه دخل الله عبد الرحمن على هذا النص المفعم بالدفء والحنين. أحياناً يكون فنجان الشاي مجرد فنجان، وأحياناً يكون عمرا كاملاً في رشفة DrBshara Margieh افتخر بك فاطمة حرفوش الله .. نص رائع مفعم بالحب والتفاصيل التي تضيف لهذا النص روحاً فريدة يشع الجمال من أدق تفاصيله وينتقل للقارىء فيلامس الروح قبل العين Saloua Filaly الدكتور طه دخل الله عبد الرحمن… ما هذا الجمال الذي لم ينسكب من الإبريق وحده، بل انسكب من روحك إلى الحروف؟! قرأتُ «طقوس الشاي المقدسة» فلم أشعر أنني أمام نصٍّ عن الشاي، بل أمام قصيدةٍ نثريةٍ طويلةٍ تخفي قلبًا عاشقًا في فنجان. لقد أخذتَ شيئًا بسيطًا من يوميات البشر، ثم نفختَ فيه من روحك حتى صار طقسًا كونيًا للحب؛ فإذا بالإبريق يحمل ذاكرة، والبخار يصعد كرسالة، والفنجان يصبح شاهدًا، والملعقة ساعةً تعيد عقاربها إلى زمنٍ لم يكن الفراق قد اخترع فيه كلمته الأخيرة. يا دكتور طه… أنت لا تكتب التفاصيل؛ أنت تضع التفاصيل تحت مجهر القلب حتى نرى أرواحها الخفية. فاليد التي تمسك الإبريق عندك لم تعد يدًا، بل صارت مفتاحًا لمصير المساء، والبخار لم يعد بخار شاي، بل روحُ لحظةٍ تحاول أن تفلت من الزمن، والفنجان المسكين أصبح منافسًا للعاشق، لأن له شرف الوصول إلى شفتي الحبيبة قبله! وما أذكى تلك الغيرة الصغيرة التي جعلتها «كقطٍّ صغيرٍ يخمشُ بلطف»… صورةٌ طريفة وعاشقة في آنٍ واحد، تُضحك القلب ثم تترك فيه وخزةً من الحنين. أما السكر الذي «يتعلم منها فن الاختفاء»، فهذه وحدها تستحق أن تُعلَّق على جدار الشعر؛ لأنك لم تجعل السكر يذوب في الشاي، بل جعلته يتعلم من المحبوبة كيف يختفي دون أن يفقد أثره. ثم تأتي تلك المفارقة الساحرة: «مرارة الشاي… عسلًا مصنوعًا من ريق المحبوبة وسكر الروح.» هنا لم يعد للشاي طعمٌ واحد؛ لقد أصبح مقياسًا للحب: ما كان مرًّا قبلها، صار عذبًا بحضورها، وما كان عاديًا صار طقسًا، وما كان فنجانًا صار ذاكرة. لكن أجمل ما فعلته، في رأيي، أنك جعلت الصمت هو اللغة الأرقى بين العاشقين؛ فحين تعجز اللغة عن حمل ما في القلب، تتكفل الملعقة بالدوران، ويتكفل البخار بالبوح، ويتكفل الفنجان بحفظ الأسرار. يا له من مشهد! ملعقةٌ تدور في فنجان، وفنجانٌ يصغي إلى قلبين، وقلبانِ يصمتان كي لا تفسد اللغةُ ما قاله الصمت. حتى قراءة طالع الورق في قاع الكأس لم تأتِ كخرافة، بل جاءت كحيلةٍ بريئة اخترعها الحب كي يمنح الغد وجهًا جميلًا؛ فهي لا تقرأ الغيب، وإنما تقرأ يدًا حين تمتد، وابتسامةً حين تُرى، وقلبًا حين يطمئن. ثم يا طه… تصل بنا إلى النهاية، فتسحب الكرسي بهدوء، وتتركنا أمام كأسٍ باردٍ على طاولةٍ فارغة. وهنا يحدث الانقلاب الأكبر في النص: لم يكن الرجل يشرب الشاي… كان يشرب حضورها. يا لهذه الجملة التي تختصر مأساة النص كله! حين رحلت، لم يفقد حبيبته فقط؛ لقد فقد المعنى الذي كان يمنحه للأشياء طعمها. فالمشكلة لم تكن في أن الشاي أصبح باردًا، بل أن اليد التي كانت تمنحه دفءه غابت. وهنا يتحول الفنجان من إناءٍ إلى قبرٍ صغيرٍ للذاكرة، ويصبح البخار الذي كان يصعد بينهما شبحًا أبيض لشيءٍ لن يعود. كأنك تقول: بعض الغياب لا يأخذ الأشخاص من مقاعدهم فقط؛ بل يأخذ المقاعد من معناها، والأكواب من دفئها، والأمسيات من صوتها، والشاي من طعمه. لهذا شعرتُ أن نصك لا ينتهي عند الجملة الأخيرة؛ بل يبقى مثل بخار فنجانٍ في غرفةٍ خالية… يعلو قليلًا، ثم يتلاشى، لكن رائحته تظل معلقةً في الستائر. دكتور طه دخل الله عبد الرحمن… لقد كتبتَ الحب من أصغر أبوابه: فنجان، ملعقة، يد، بخار، صمت، ابتسامة… ثم فتحتَ لنا منه أكبر أبوابه: الحنين، الذاكرة، الفقد، واستحالة أن تعود الأشياء كما كانت بعد رحيل من منحها معناها. هذا نصٌّ لا يُقرأ مرةً واحدة؛ إنه يُقرأ كما يُحتسى الشاي: ببطء… وعلى مهل… وبين كل رشفةٍ ورشفةٍ تنهض ذكرى. فشكرًا لك على هذا النص الذي جعلني أؤمن أن الشاعر الحقيقي يستطيع أن يجعل من فنجان شايٍ عاديٍّ كوكبًا يدور حول حبيبة، ومن بخاره سماءً، ومن قاعه مقبرةً صغيرةً للأيام الجميلة. دام قلمك قادرًا على أن يجعل الأشياء اليومية تخلع ثيابها العادية وتظهر أمامنا عاريةً من معناها المألوف، مرتديةً ثوب الشعر. ولك منّي كل الإعجاب والتقدير… أما الشاي بعد نصك هذا، فلن يعود مجرد شاي؛ سيصبح سؤالًا موجعًا: مَن الذي كان يجعل الفنجان دافئًا… الشاي، أم اليد التي كانت تسكبه؟ كاتب المنشور طه عبد الرحمن Saloua Filaly حين يتحوّل النقد إلى وليمةٍ من بيان والقراءة إلى طقسٍ من عرفان أيتها الدكتورة الأديبة سلوى الفيلالي، يا من أمسكتِ القلم فإذا به يقطر ندىً، ونظرتِ إلى النص فإذا بكِ تكشفين ما خفيَ منه حتى على كاتبه؛ لقد قرأتُ كلماتكِ التي سكبتِها على «طقوس الشاي المقدسة» فلم أقرأ نقدًا، بل شربتُ إعجابًا، ولم ألمس حروفًا، بل لمستُ روحًا عانقت روح النص عناقَ النور للماء، والظلِّ للشجر، والندى للفجر. أيتها الفاضلة لقد جئتِ إلى النص لا كقارئةٍ تمرّ على الأسطر مرورَ الغريب، بل كعاشقةٍ تدخل بيت القصيدة فتعرف موضعَ السراج، وموضعَ السرّ، وموضعَ الجرح الذي كان يبتسم خلف السطور. فما إن وضعتِ يدك على «البخار» حتى صار عندك روحًا، وما إن أشرتِ إلى «الملعقة» حتى صارت عندك لسانًا، وما إن توقفتِ عند «الفنجان» حتى ألبستِه شرفَ الوصول إلى شفتين لم ينلهما العاشق؛ فأيُّ عينٍ هذه التي ترى في الجماد قلبًا، وفي التفصيل الصغير معنىً كبيرًا، وفي الشايِ طقسًا من طقوس الروح؟ لقد أسعدتِني أيَّما إسعادٍ حين رأيتِ أن النصَّ لا يُروى فنجانًا، بل يُحتسى حبًّا؛ وأن الصمت فيه ليس عجزًا، بل هو أبلغُ ما في اللغة من بيان، وأن المرارة فيه قد انقلبت عسلًا لأن المحبوبة هي السكرُ الذي تعلّم من الروح فنَّ الاختفاء دون أن يفقد أثره. وما أجمل ما لمحتِه من مفارقةٍ ساحرةٍ بين برودة الكأس بعد الرحيل ودفء اليد التي كانت تسكبه؛ فكأنكِ قرأتِ النصَّ بقلبٍ يسمع رجفة الفنجان حين يفتقد أصابعَ من كان يديره، وكأنكِ سمعتِ صمتَ الكرسي وهو يئنُّ تحت غيابِ الجالسة، فأيُّ قارئةٍ أنتِ حتى تكشفَ الوجعَ من تحت عباءة الجمال، وترى الدمعَ في قاع الابتسامة؟ دكتورة سلوى إن النقد عندك ليس تشريحًا باردًا، بل هو احتضانٌ دافئٌ للنصّ، وليس بحثًا عن الهنات، بل إنصاتٌ لخفقات المعنى، وليس تفكيكًا للجمل، بل إعادةُ تركيبٍ للروح التي تسكن الجمل. فأنتِ لا تنقدين، بل تُحيين؛ ولا تصفين، بل تُحلّقين بالقارئ فوق النص ليراه من علوّ قلبك، فيكتشف فيه ما لم يكن ليكتشفه لو قرأه بعينيه وحده. فكم أنا ممتنٌّ لكِ لأنك جعلتِ من قراءتك نصًّا موازيًا، ومن كلماتكِ مرايا تتكاثر فيها صورُ المعنى، ومن إشادتكِ غيمةَ مطرٍ أنبتت في قلب الكاتبِ زهرةَ الطمأنينة، وأعادت إلى يده ثقةَ القبض على الجمر الجميل. أيتها الأديبة النبيلة إن كان النصُّ قد أسكركِ بحرارة الشاي، فإن نقدكِ قد أسكرني بروعة البيان، وإن كانت «طقوس الشاي المقدسة» قد جعلت من الفنجان تاجًا، فإن كلماتكِ قد جعلت من كاتبها ملكًا على عرش الحرف. فشكرًا لكِ من عمق القلب، وشكرًا للقلم الذي حمل عبقكِ، وشكرًا للعين التي رأت في النص ما لم يقله النص، وما قاله الصمت. وسيبقى شايي بعد اليوم لا يكتمل إلا إذا سُكب في فنجانٍ قرأته عيناكِ، ودوّرت فيه ملعقةً أدارتها أناملك، وصعِد منه بخارٌ حمل من روحك عطرًا، ومن حروفك نورًا. دام قلمكِ شمسًا لا تغيب، ودامت قراءاتكِ نوافذَ نطلُّ منها على ما في نصوصنا من أسرارٍ لا يعرفها إلا العارفون، ولا يبوح بها إلا لمن قرؤوا بالقلب قبل العين. طه دخل الله عبد الرحمن كاتب المنشور طه عبد الرحمن Saloua Filaly حينَ يُزهرُ الحرفُ في كفِّ الوفاء يا سيادةَ الحرفِ ويا قامةَ البيان، الدكتورة سلوى الفيلالي، يا من تكتبينَ فتُزهرُ الحروفُ بين يديكِ، ويا من إذا نبضَ القلمُ سالتِ الأناملُ سحرًا، وإذا سطرتِ خِلْتُ النصَّ يقومُ من ورقِهِ إنسانًا، سلامٌ عليكِ ما انعقدَ خيطُ فجرٍ في سماءِ الكلمة، وما تألّقَ في دُجى الصمتِ نجمُ معنى، وما تعطّرَ فنجانُ شايٍ بذكرى يدٍ غابت، وما سالتِ العبارةُ من شغافِ القلبِ نزيفًا عذبًا. أنا، لم أكنْ يومًا إلا قارئًا يتلمّسُ الدفءَ في لغةِ الآخرين، ويبحثُ في زحامِ الحرفِ عن روحٍ تسكنُهُ، فإذا بي أقعُ على نصٍّ من نسيجِ النور، وإذا بي أرى قلمًا لا يكتبُ بل يُنطِقُ الصمتَ، ويجعلُ من الفنجانِ وطنًا، ومن البخارِ شاهدًا على غيابٍ ما برحَ القلب. قرأتُكِ، فقرأتُ فيكِ النصَّ والقضيّةَ والحكاية، قرأتُ شايًا يبكي، ويدًا تُودِّع، وذاكرةً لا تُطفئُها المسافات، قرأتُ أنثى تكتبُ كأنّها تصلّي، وروحًا توشّي الكلامَ بماءِ الحنين، فما ملكتُ إلا أن أقفَ احترامًا، وأن أُمسِكَ بقلمي لا لأكتب، بل لأشهد. شهدتُ أنَّ قلمَكِ أورقَ في صحراءِ الكتابة، وشهدتُ أنَّ حرفَكِ صارَ نخلةً يانعةً، وشهدتُ أنكِ من الطرازِ الذي لا يمرُّ على اللغةِ مرورَ الكرام، بل يُسكِنُها الروحَ ويُلبِسُها الضوءَ ويُطلقُها في المدى حمامًا لا يعرفُ الأسر. فيا باسقةَ المعنى ويا سيّدةَ النصّ الأنيق، لقد كتبتِ عن الشاي فإذا بي أشمُّهُ في سطوري، وكتبتِ عن الحبِّ فإذا بقلبي يعتصرُهُ وجدُ الغائبين، وكتبتِ عن الفقدِ فإذا بدمعتي تسبقُني ، فأنّى لقارئٍ مثلي أن يفيَ النصَّ حقَّهُ بعد هذا كلِّه؟! وإنِّي وإن عجزَ لساني عن مكافأةِ الجمال، فإنّي أرفعُ لكِ وسامَ الوفاءِ من قارئٍ أخلصَ للحرف، وأشهدُ أنكِ قد ارتقيتِ بالكتابةِ إلى مقامِ الاعتراف، وجعلتِ من النصِّ بوحًا يشبهُ الأسرار، ومن الأسلوبِ نايًا يوقظُ في الروحِ ما خبّأهُ النسيان. الدكتورة سلوى، يا من كتبتِ فأنصفتِ الكلمة، ويا من أبدعتِ فأشعلتِ في القارئِ لذّةَ الاكتشاف، إنّ لكِ عندي مودّةً لا يمحوها تقادُم، وتقديرًا لا تنقُصُهُ مجاملاتُ الكلام، ودعاءً يلازمُ حرفَكِ أينما حلَّ وارتحل. فيا ربِّ، أدمْ على الدكتورة سلوى فيضَ البيان، وفتحَ أبوابِ الإبداع، واجعَلْ قلمَها نبعًا لا ينضبُ، وقلبَها آمنًا من وحشةِ الغياب، وحرفَها مشعلًا يهتدي به التائهون في ظلماتِ الحرف.
#طه_دخل_الله_عبد_الرحمن (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
قراءة تأويلية في جماليات النص الشعري وبلاغة التردّد الوجودي
...
-
قراءة لقصيدة – خيوط العنكبوت – للأستاذ الدكتور فهد المحمد ال
...
-
وتستمر الحكمة في النقد السامق لأضع بين ايديكم اعزائي ما جادة
...
-
قِرَاءَةُ فِي مُعَلَّقَةٍ الْوَفَاء الْكُبْرَى لِلْأُسْتَاذ
...
-
قراءة للمقطع الشعري – عيون – للأستاذة الناقدة نافلة مرزوق ال
...
-
قراءة لقصيدة – أحبّكِ – للدكتورة آمال بوحرب
-
شكر وامتنان لمرفأ الابداع والأستاذ سعيد محتال – جليس الشهر ف
...
-
الحوار الثقافي الذي دار بين الدكتور عبد الكريم الحلو صاحب ال
...
-
قراءتان لقصيدتان – سل النجوم وطفح الحب
-
قراءة لقصيدة - رُبَاعِيَّاتُ محمد سليط من وجعِ الِخرْطُوم –
...
-
سِفرُ الياسمين: فيروز والوحي القادم من الشرفة
-
قراءة لقصيدة - وحدهم يعبرون الجسر – للأستاذ الشاعر البشير عب
...
-
فيزياء الروح المضادة: تشريح -الوطن المؤقت- في نص نوال ادريس
...
-
قراءة للقصة الق. ق. ج – طابور الموت – للأستاذة الهام عيسى
-
قراءة لقصيدة – لقاء... وتراتيل – للأستاذ الشاعر سعيد محتال
-
قراءة - بيسان قلعة الجليل – للكاتب الأستاذ صبحي سرحان
-
سكة الضوء: حين يصير السفر وجودا والآخر وطنا من لغة ونور
-
قراءة للقصيدة الحزينة - رقصات فوق غبش القبر –
-
رمزية الألم والجمال في شعر محمود درويش
-
القصيدة المغناة بقلم الشاعر والناقد الاردني دكتور محمد سليط
المزيد.....
-
من غزة إلى الأوسكار.. -المواطن أسامة- يمثل فلسطين في فئة أفض
...
-
زنازين صيدنايا تُبكي الممثلة السورية روزينا لاذقاني في معرض
...
-
طغاة في منتجع العزلة.. هشاشة الديكتاتور في رواية -خيط البارو
...
-
أم كلثوم في دمشق.. حفل نادر، وذكريات لا تُنسى.. حفل نادر تكش
...
-
الرواية الأمريكية تحت المجهر.. كواليس الضربة الأولى لصاروخ -
...
-
-حكم العدالة- يعود إلى الواجهة من بوابة معرض دمشق الدولي
-
وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يترأس اجتماع ا
...
-
-أرض اللبان- في مهرجان قازان.. رحلة سينمائية تكشف أسرار الشج
...
-
إدانة زعيم عصابة سابق بقضية مقتل مغني الراب توباك شاكور عام
...
-
جيجي لامارا يظهر في فيديو كليب أغنية نانسي عجرم الجديدة -اشه
...
المزيد.....
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
-
حكاياتْ تَكاد تُنسى
/ فلاح العيفاري
-
وعي ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
ديوان 23 الحاوي والعصفور
/ منصور الريكان
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
المزيد.....
|